الكتابة
خرج ليريو من المنزل بخطوات هادئة، وأغلق الباب خلفه دون أن يلتفت.
لم يكد يبتعد عدة أمتار، حتى سمع صوت خطوات سريعة خلفه.
كانت ريتو تركض نحوه وهي تلوح بيدها قائلة بابتسامة عريضة:
— انتظر! قلت لك... قدمي على قدمك!
توقف ليريو، ثم استدار ينظر إليها بنظرة متعبة.
تنهد وقال ببرود:
— لماذا تقفزين خلفي في كل مكان؟
ثم أكمل وهو يشير بيده إلى الطريق:
— اذهبي...
ما مشكلتك أنت؟
غادري أنت أيضًا.
توقفت ريتو عن الابتسام.
لأول مرة...
شعرت أن كلماته لم تكن مزاحًا.
خفضت رأسها قليلًا، وبقيت واقفة في مكانها دون أن تنطق.
نظر إليها ليريو لثوانٍ، ثم استدار وفتح باب سيارته.
جلس خلف المقود، وقبل أن يشغل المحرك، رفع رأسه نحوها وقال:
— اركبي.
لكن ريتو بقيت مكانها.
عقدت ذراعيها وهي تنظر إلى الأرض، وكأنها ترفض أن تتحرك.
هز ليريو رأسه بيأس.
— إذًا... ابقي.
أدار المفتاح، وتحركت السيارة أمتارًا قليلة.
لكنه ضغط على الفرامل فجأة.
ظل صامتًا للحظة، ثم عاد بها إلى حيث كانت تقف.
فتح الباب، ونزل منها.
اقترب من ريتو، أمسك معصمها بخفة، وقال بنبرة لم تخلُ من السخرية:
— ألم تقولي: "قدمي على قدمك"؟
تفضلي إذًا.
حاولت أن تسحب يدها وهي تعترض:
— اتركني! قلت لن أركب.
لكنه فتح الباب وأجلسها في المقعد المجاور، ثم أغلقه بهدوء، وعاد إلى مكانه خلف المقود.
انطلقت السيارة.
ساد الصمت بينهما.
كانت ريتو تنظر إليه من حين لآخر، بينما بقي هو مركزًا على الطريق، وكأن القيادة أصبحت طريقته الوحيدة للهروب من التفكير.
وبعد دقائق، كسرت ريتو الصمت.
— لديك حبيبة...
وجودي يزعجها، أليس كذلك؟
أجابها دون أن يلتفت إليها:
— لا أملك.
اتسعت عينا ريتو بدهشة.
— كيف؟ لكن...
قاطعها بهدوء:
— كان...
وكنا.
ثم انتهى كل شيء.
ساد الصمت مجددًا.
قبل أن يسألها هذه المرة:
— والآن أخبريني...
لماذا تلحقين بي منذ البداية؟
ابتسمت ريتو بخفة وهي تنظر من النافذة.
لكنها لم تجب.
بعد دقائق، أوقف ليريو السيارة أمام أحد المطاعم.
أطفأ المحرك وقال:
— انزلي.
تناولي ما تريدين...
الحساب عليّ.
خرجت ريتو من السيارة وهي تتلفت حولها بإعجاب.
ثم نظرت إليه طويلًا وقالت وهي تميل برأسها:
— غريب...
تبدو شخصًا عصبيًا جدًا...
لكن في داخلك طيب.
ثم ابتسمت وأضافت بعفوية:
— من الأحمق الذي تركك؟
توقف ليريو عن السير.
ظل ينظر أمامه للحظات.
ثم ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليئة بالمرارة.
وقال:
— أنا...
أنا الأحمق الذي بقي.
لم تفهم ريتو تمامًا ما يقصده.
لكنها شعرت أن تلك الجملة خرجت من مكان عميق في قلبه.
دخلت المطعم خلفه، ثم جلست على أحد المقاعد.
بدأ ليريو يطلب الطعام، بينما كانت هي تنظر إلى المكان بحماس طفولي.
قالت وهي تبتسم:
— منذ فترة طويلة...
لم أتناول الطعام في مكان كهذا.
التفت إليها ليريو باستغراب.
— كيف؟
تجمدت ابتسامتها للحظة.
ثم هزت كتفيها بسرعة وقالت:
— لا شيء...
انسَ الأمر.
لا تهتم.
وصل الطعام بعد دقائق.
بدأت ريتو تأكل بشهية، بينما بقي ليريو ينظر إلى طبقه دون أن يلمسه.
لاحظت ذلك.
رفعت الملعقة، وضعت عليها قليلًا من الطعام، ثم مدت يدها نحوه قائلة بابتسامة:
— هيا...
تناول.
توقفت عيناه عند الملعقة.
وفي لحظة خاطفة...
تسللت إلى ذاكرته صورة توتو.
صوتها...
وابتسامتها...
وطريقتها حين كانت تفعل الشيء نفسه.
شرد للحظات، حتى اختفت ضوضاء المطعم من حوله.
عاد إلى واقعه ببطء، ثم أبعد نظره عن الملعقة وقال بصوت هادئ:
— لا...
أنا لا أحب هذا النوع من الطعام.
خفضت ريتو يدها وهي تراقبه بصمت.
لأول مرة...
شعرت أن أمامها رجلًا يبتسم بوجهه...
بينما يحمل في داخله حزنًا لم يلتئم بعد.
Toto Ri