الكتابة
وقف ريو ببطء، ثم أبعد ميرو عنه بخفة، واتجه نحو الباب.
أدار المقبض وفتح الباب، لتجد والدته نفسها واقفة أمامه، وعلامات القلق تملأ وجهها.
تنهد ريو بهدوء، ثم قال بنبرة عادية وكأن شيئًا لم يحدث:
— يمكنكِ المغادرة.
نظرت والدته إلى ميرو، ثم أشارت إليها قائلة:
— غادري يا ابنتي.
وقفت ميرو وهي لا تزال تنظر إلى ريو بعدم فهم، ثم خرجت من الغرفة.
جلس ريو على حافة السرير وهو يمرر يده بين شعره.
— عليّ العودة إلى العمل.
اقتربت منه والدته محاولة منعه.
— لن تذهب وأنت بهذه الحالة.
رفع رأسه إليها، وقد عادت ملامحه باردة كما كانت.
— سأذهب إلى المشفى... ابتعدي.
مر من جانبها بهدوء، ثم خرج من المنزل.
ركب سيارته وانطلق في الطريق الليلي، بينما كانت صورة واحدة تتكرر في ذهنه... اللحظة التي قبّل فيها ميرو، ونظرة الدهشة التي ارتسمت على وجهها بعد ذلك.
هز رأسه محاولًا طرد أفكاره، ثم تابع طريقه نحو المشفى.
في الجامعة...
جلس آيس وحده داخل غرفته في الإقامة الجامعية.
فتح محاضراته اليومية ووضعها أمامه، محاولًا الانشغال بالدراسة، لكن عقله ظل يعود إلى الأحداث التي تركها خلفه.
تمتم بضيق:
— لا يوجد يوم واحد يمر بهدوء...
أما في المزرعة...
كانت توتو تجلس إلى جوار ليريو، تتناول الطعام من يده بصمت، بينما بقي مسدسه بين يديها.
بعد دقائق، وضعت السلاح برفق إلى جانبه، ثم وقفت دون أن تنطق بكلمة.
راقبها ليريو وهي تتجه نحو باب القصر.
خرجت إلى المزرعة بخطوات بطيئة، تتأمل المكان حولها وكأنها تراه لأول مرة.
همّت إيمي باللحاق بها.
لكن ليريو أوقفها بإشارة بسيطة.
— دعيها.
ثم التفت إلى أحد الحراس.
— راقبها... من بعيد.
أومأ الحارس برأسه بصمت.
سارت توتو بين الأشجار حتى توقفت أمام أحد الخيول.
ما إن رآها الحصان حتى أخذ يصهل ويضرب الأرض بحافره، وكأنه تعرف عليها.
اقتربت منه ببطء، ومدت يدها تتحسس عنقه.
همست وهي تحدق في عينيه:
— أين... رأيتك؟
لامست أصابعها شعره الناعم.
وفجأة...
مر أمام عينيها مشهد سريع.
كانت تضحك وهي تربت على الحصان نفسه.
لكن الصورة اختفت قبل أن تكتمل.
وضعت يدها على رأسها، محاولة التذكر، دون جدوى.
جلست أمامه للحظات، ثم نهضت وعادت إلى داخل القصر.
أما ليريو، فاكتفى بمراقبتها من بعيد.
اطمأن إلى أنها بخير، ثم ركب سيارته وغادر، وقد بدأ الليل يرخي ستاره على المكان.
داخل القصر...
كان سيو وإيمي يتحدثان في إحدى الغرف، حين رن هاتف إيمي.
— ميرو؟
أجابت بسرعة.
وبعد دقائق، دخلت ميرو القصر.
ما إن رأتها إيمي حتى اقتربت منها بقلق.
— ماذا حدث لك؟
لكن قبل أن تجيب...
كان صوت الجدة يعلو في الغرفة المجاورة.
كانت تطلب من ليلي مغادرة المكان، بعد حديث طويل امتلأ باللوم والكلمات الجارحة.
خرجت ليلي والغضب يشتعل في عينيها.
أما ميمي، فبقيت جالسة إلى جوار الجدة بصمت.
كانت توتو تسير وحدها في الممر الطويل.
شاردة...
هادئة...
تائهة.
وفجأة...
ظهر أمامها وجه ليلي.
وقفت في طريقها، ثم قالت بسخرية مريرة:
— أعجبكِ قربك منه، أليس كذلك؟
حدقت توتو فيها بصمت.
أكملت ليلي وهي تقترب أكثر:
— تنامين على صدره وكأنك زوجته.
ثم أشارت إلى نفسها.
— أنا زوجته المستقبلية... افهمي هذا.
لم تنطق توتو بكلمة.
زاد ذلك من غضب ليلي.
— لماذا هذا الصمت؟!
اقتربت منها أكثر.
— قولي الحقيقة.
هزتها من ذراعها بعنف.
— قولي إنك لم تفقدي ذاكرتك... وإن كل ما فعلته مجرد تمثيل.
لكن توتو بقيت تحدق فيها بعينين خاليتين من أي رد.
فقدت ليلي أعصابها.
أمسكت بذراعها بقوة، غير آبهة بجراحها، وسحبتها خلفها حتى وصلت إلى حمام غرفة الضيوف.
دفعتها إلى الداخل بعنف.
ارتطم جسد توتو بالأرض الرخامية الباردة.
فتحت ليلي صنبور الماء بأقصى قوته.
انهالت المياه فوق توتو.
ثم قالت ببرود:
— عودي إلى وعيك إذًا.
استدارت لتغادر.
لكن قبل خروجها، ارتطم رأس توتو بحافة حوض الاستحمام.
صدر صوت مكتوم.
وعاد الجرح القديم في رأسها ينزف من جديد.
توقفت أنفاسها للحظة.
أما ليلي، فاكتفت بالنظر إليها بازدراء.
— تستحقين أسوأ من هذا.
ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها، واتجهت إلى غرفتها وكأن شيئًا لم يحدث.
بقيت توتو وحدها.
الماء ينساب فوق شعرها ووجهها.
وقطرات الدم تختلط بهدوء على الأرض.
وضعت يدها على رأسها.
وأغمضت عينيها.
وفجأة...
بدأت الذكريات تتدفق واحدة تلو الأخرى.
صوت ليريو وهو يقول:
"توتو... غادري فحسب."
وجوه الخاطفين.
القيود.
الركض داخل الغابة.
الطلقة التي اخترقت صمت الليل.
الرجل الذي قال:
"عليّ قتلك... بسبب والدة ريو."
ثم...
عناق ليريو لها.
وصوته المرتجف وهو يبحث عنها.
وكل ما عاشته...
عاد إليها دفعة واحدة.
فتحت عينيها ببطء.
لم تعد نظراتها تائهة كما كانت.
لقد تذكرت...
كل شيء.
Toto Ri