الكتابة
ساد الصمت في قلب الغابة.
لم يكن يُسمع سوى حفيف الأشجار وصوت الرياح وهي تعبر بين الأغصان.
جلست توتو إلى جانب سيارتها، تحدق في الفراغ بعينين حمراوين من كثرة البكاء. لم تعد دموعها تنزل كما في البداية، وكأنها استنفدت كل ما بداخلها، ولم يبق سوى ذلك الثقل الذي يخنق صدرها.
لم تكن تعرف إلى أين تذهب...
ولا حتى لماذا جاءت إلى هنا.
وفجأة، اخترق هدوء المكان صوت محرك سيارة فاخرة توقفت غير بعيد عنها.
فُتح الباب.
ترجل شاب طويل القامة، بشعر بني وعينين بنيتين هادئتين، وأغلق باب سيارته بهدوء قبل أن يتجه نحوها بخطوات ثابتة.
توقف أمامها ونظر إليها للحظات، ثم قال:
— هل أنتِ ضائعة؟
رفعت توتو رأسها ببطء، وأجابته بصوت متعب:
— لا أعرف الطريق...
ارتسمت على وجهه نظرة شك.
— لا أصدقك.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه باستياء.
— وما شأنك أنت؟
تنهد وهو ينظر إلى حالتها.
— شأني أنكِ لا تبدين بخير... ولا أفهم كيف تبقى فتاة وحدها في وسط هذه الغابة.
لم تجبه.
اكتفت بالنظر إليه بنظرة باردة، مليئة بالاحتقار، وكأنها لم تعد تطيق سماع أي سؤال.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— هل أنتِ مدمنة... أم أنكِ شربتِ شيئًا؟ عيناكِ حمراوان.
لم يتغير تعبير وجهها.
نهضت بصعوبة وهي تنفض الغبار عن ملابسها.
— لا أملك وقتًا لتافه مثلك.
استدارت لتغادر.
لكنها لم تكمل سوى خطوة واحدة...
اقترب منها بسرعة، وضربها على مؤخرة رقبتها ضربة أفقدتها توازنها.
اتسعت عيناها للحظة، ثم خارت قواها وسقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي.
نظر إلى وجهها بصمت، ثم قال وكأنه يحدث نفسه:
— لن أتركك... حتى أفهم ماذا كنتِ تفعلين هنا.
حملها واتجه بها نحو سيارته، بينما ابتلعت الغابة ما تبقى من آثار وجودها.
في مكان آخر...
جلس ليريو على حافة الجسر.
كانت السماء قد أوشكت على استقبال الفجر، لكنه لم يغادر مكانه طوال الليل.
إلى جانبه زجاجات فارغة، وأخرى لا تزال بين يديه.
ارتشف منها بصمت، وعيناه معلقتان بالمياه التي تجري تحت الجسر.
مرت أمامه صور الليلة الماضية...
صرخة توتو...
نظرتها الأخيرة...
ولحظة ابتعادها عنه.
أغمض عينيه للحظة، ثم تنهد تنهيدة طويلة، وكأن الكلمات أصبحت عاجزة عن التعبير عما بداخله.
وفي الجهة الأخرى...
رن هاتف آيس.
توقف عن السير عندما لمح الاسم الذي لم يظهر على شاشته منذ خمس سنوات.
أجاب بصمت.
جاءه صوت والده ببرود:
— آيس... إذا كنت تخاف على اسمك، فتعال الآن، وسأريك ثمن هروبك.
ساد الصمت للحظات.
ثم أجابه آيس دون أي تردد:
— امسح اسمي... فأنا لم أعد أحتاجه.
ارتفع صوت الرجل قليلًا.
— وإذا كنت تخاف على مستقبلك؟
ابتسم آيس ابتسامة خالية من أي فرح.
— لا أملك مستقبلًا أصلًا.
ثم أنهى المكالمة دون أن ينتظر ردًا.
نظر إلى الهاتف للحظات، قبل أن يضعه في جيبه ويواصل السير، وكأن الماضي عاد ليطرق بابه من جديد.
أما إيمي...
فكانت تسير وحدها في الشارع.
كلما تذكرت المكالمة مع ميرو، ازداد شعورها بالذنب.
خفضت رأسها وهمست لنفسها:
— ربما... كنت قاسية أكثر مما يجب.
زفرت بهدوء، ثم دخلت أحد المحلات الصغيرة لتشتري شيئًا تأكله، محاولة أن تشغل عقلها، ولو لدقائق قليلة، عن الفوضى التي أصبحت تحيط بالجميع.
Toto Ri