الفصل
رن هاتف الرجل من جديد وسط التوتر الذي يحيط بالمكان.
رفع الهاتف إلى أذنه بسرعة وهو يراقب الغابة من حوله كان الرجل الذي ارسله ريو من أجل توتو .
— لم آخذ الفتاة... كانوا يحيطون بها. عددهم كان كبيرًا ولم أستطع الاقتراب.
في الجهة الأخرى من الخط كان ريو يقف وسط الممرات البيضاء للمشفى. أصوات الأجهزة الطبية وأحاديث الأطباء كانت تدور من حوله، لكن وجهه بقي جامدًا كالحجر.
ساد صمت قصير.
ثم خرج صوته باردًا بشكل مخيف:
— وما عملك أنت إذن يا تافه؟
ارتبك الرجل.
— لكن...
لم يسمح له ريو بإكمال جملته.
أغلق الهاتف مباشرة.
بقي ينظر إلى الشاشة لثانية واحدة فقط، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وعادت ملامحه هادئة كما كانت. استدار نحو الأطباء وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا.
في المزرعة...
كانت القاعة مضاءة بالكامل.
الثريات المعلقة في السقف تنعكس أضواؤها على الطاولات المجهزة للحفل. الضيوف يتحدثون ويضحكون، والخادمات يتحركن بين الحضور.
لكن كل ذلك توقف في لحظة.
لحظة دخول ليريو.
حمل توتو بين ذراعيه وسار بخطوات ثابتة داخل القاعة.
لم ينظر يمينًا ولا يسارًا.
كان وجهه خاليًا من أي تعبير.
لا غضب ظاهر.
لا حزن.
ولا حتى ارتياح لأنه وجدها.
وهذا ما جعل منظره مخيفًا أكثر.
أما توتو فكانت بين ذراعيه كأنها فقدت كل قوتها.
شعرها المبعثر يسقط على كتفيها.
وجهها شاحب.
وعلى معصميها آثار القيود الحمراء الواضحة.
أما قدمها المصابة فكانت متدلية بلا قدرة على الحركة.
رفعت عينيها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.
كل تلك الوجوه كانت غريبة عنها.
كأنها تراها لأول مرة.
قفزت ميرو من مكانها فور رؤيتها.
— توتو!
أسرعت نحوها.
وتبعتها إيمي بسرعة.
— من فعل بك هذا؟
مدت إيمي يدها ولمست كتف توتو بحذر.
لكن توتو لم تنظر إليها.
بل أمسكت بقميص ليريو أكثر.
وكأنها تتمسك بالشيء الوحيد الثابت حولها.
رفعت رأسها ببطء وهمست:
— من... توتو؟
ساد الصمت.
صمت ثقيل سقط فوق القاعة كلها.
تجمدت ميرو في مكانها.
واتسعت عينا إيمي بصدمة.
حتى بعض الضيوف تبادلوا النظرات فيما بينهم.
أما الجدة فتقدمت خطوة وهي تنظر إليها بعدم تصديق.
— بماذا تهذي هذه؟
اقتربت أكثر وكأنها تريد التأكد بنفسها.
لكن ليريو لم يمنحها فرصة.
رفع رأسه ببطء.
ثم قال كلمة واحدة فقط:
— اخرجوا.
توقفت القاعة كلها.
حتى أنفاس الحاضرين بدت وكأنها اختفت للحظة.
عبست الجدة بغضب.
— ماذا قلت؟
لم يكرر ليريو كلامه.
فقط ثبت نظره عليها.
لكن الجدة لم تتراجع.
— هذه عائلتك! وهذه مخطوبتك! والضيوف جاءوا من أجل—
قاطعها صوته.
هذه المرة كان أعلى.
وأشد.
وأخطر.
— لن أعيد كلامي مرتين.
ارتجف بعض الحاضرين.
وسقط الصمت فوق المكان مرة أخرى.
كانت تلك النبرة كافية.
لم يكن أحد بحاجة إلى سماع المزيد.
بدأ الضيوف يجمعون أغراضهم بسرعة.
واحدًا تلو الآخر.
لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
لم يجرؤ أحد حتى على السؤال.
بقيت والدة ليلي في مكانها.
وبقيت ميمي كذلك.
نظر إليهما ليريو.
كانت عيناه مظلمتين بشكل لم يعتده أحد.
ثم قال ببطء:
— وأنتم أيضًا... لدي حساب معكم لاحقًا.
شعرت والدة ليلي بانقباض في صدرها.
أما ميمي فبقيت صامتة تمامًا.
لم تفهم ما الذي يحدث.
ولماذا ينظر إليهم بهذه الطريقة.
التفت ليريو نحو ميرو.
— اتصلي بطبيب.
الآن.
أومأت ميرو برأسها فورًا.
وأخرجت هاتفها بسرعة.
أما إيمي فاتجهت خلف ليريو إلى الداخل.
كانت عيناها معلقتين بتوتو طوال الوقت.
وبينما كان ليريو يصعد الدرج حاملًا توتو...
رفعت الأخيرة رأسها إليه.
نظرت إلى وجهه للحظات طويلة.
ثم سألته بصوت ضعيف ومتعب:
— لماذا طردتهم؟
توقفت خطواته للحظة قصيرة.
لكنه لم يجب.
أكمل طريقه فقط.
وكأن كل ما حوله لم يعد مهمًا.
وكأن الشيء الوحيد الذي يراه الآن هو الفتاة التي بين ذراعيه.
في الخارج...
كانت الجدة تقف وسط الفوضى.
وجهها مليء بالغضب والإهانة.
— اجمعوا هذه الزينة! هيا!
بدأت الخادمات بإزالة الورود والأشرطة بسرعة.
أما والدة ليلي فتقدمت نحو الجدة.
— ماذا يحدث هنا؟
خفضت صوتها وهي تنظر نحو باب المنزل.
— قلتِ إن لك شأنًا كبيرًا هنا. لو علم زوجي بما حدث فتعلمين جيدًا ما الذي سيفعله.
لم تجد الجدة جوابًا.
أما ليلي فكانت واقفة في مكانها.
عيناها معلقتان بالباب الذي اختفى خلفه ليريو.
كانت تشعر أن كل شيء يخرج من بين يديها.
وفي الجهة الأخرى بقيت ميمي تنظر بصمت.
حائرة.
مرتبكة.
تشعر أن هناك أسرارًا كثيرة في هذا المنزل...
أسرار لم يبدأ ظهورها بعد. :::
Toto Ri