أستغفرُ اللهَ نورٌ يَدفعُ الخطَرا
ويُذهِبُ الهم لا يُبقي له أثرا
ـ
أستغفرُ اللهَ أبوابٌ مُفَتّحةٌ
إلى الجِنانِ ونَبعٌ يغسلُ الكدرا
ـ
أستغفرُ اللهَ أشجارٌ تُظللُنا
في قَيظِ أخطائنا تُلقي لنا الثّمَرا
ـ
أستغفرُ الله ردّدها على ثقةٍ
بمن إذا جئتَه مُستغفِراً غفَرا
مقتبـس..
________________________
توقفت فجأة حين قبض احدهم على مرفقها جاعلًا اياها تواجهه، لترأى فتاة بملامح جميلة وملابس مهندمه تدل على ثرأها، تسمع نبرة صوتها الرفيعه وهي تقول بتـقريع:
_مش عيب لما تبصي على حاجـة تخص غيـرك!
انكمشت ملامحها بعدم فهم، تسحب يدها منها قائلةً بأستفهام:
_مش فاهمه؟ حضرتك مين؟ وحاجة ايه؟
_أنا سلمى يا حلـوة، والحاجة دي تبقى معين، خطيبـي.
اجابتها بكـذب وداخلها كره شديد وغيرة منها، فـ التي امامها اخذت "معين" من قبل وكم سهرت لياليٍ تنظر لوجهها البشع حاقدة عليها، هذه الملامح اكثر شيء تـكره، ستكذب وتفعل ما بوسعها حتى تبعدها عنـه.
أما عن "سـكن" فقـد نظرت لها بحـيرةً من امرها، حديثها لن تصدقه ولكن ما يشغل عقلها هي من تكون ومن اين تعرف معـين؟ سمعت صوتها حين لم تجب عليها قائلةً بعجرفـة:
_ياريت يا آنسه تـحترمي نفسك وتعرفي مكانتك كويس قـبل ما تبصي على شخص زي معين أمـام أبن سيد الأعمال الكبير نعمان باشا..
_يا حـلاوة يا ولاد، تصدقي مكنتش اعرف.
اجابتها "سكن" بتأثر مزيف، تتابع كلماتها، قائلةً بشكر واهي:
_بجد بجد شـكرًا اوي أنك عرفتيني يا سلمى، مش عارفه ازاي عملت كدا، اكيد عندي مشكلة في مفاصل الرقبة عشان كدا تلاقيها انحرفت بس شوية وبصت لفوق..
نظرت لها الأخرى بغرابة، فقط لا تفهم ما تفعله الأخرى! ولكن هي حقًا استفزت كل ذرةً بها، لذلك جهرت قائلةً بـحده:
_أنتِ فاكره اني غبيـة عشان اصدق الهبل اللي قولتيه ده؟
ضحكت "سكن" بخفة، تجيبها بخبث ساخر:
_اديكي جوابتي على نفسك، أنتِ فاكره فعلاً اني هبلة عشان اصدق أنك خطيبته!! طب معقولة يعني متعرفيش اني كنت مـراته؟
لم تتأثر، بل ردت عليها بتهكم قائلةً بأهانة:
_ على حسب معرفتي واللي حكهولي معين فـ آه أنتِ كنتي هبلة وبتصدقي كل حاجه وتجري تعيطي في حضـنه.
تأثرت من الداخل بحـزن فقد لامست كلماتها نقطةً حساسه، إن كانت سكن القديمة فبالتأكيد كانت لتبكي وتهرول من امامها ولكن هي الآن سكن أخرى، لذلك اجابتها بسخرية قائلةً:
_كنت يا حبيبتي كنت، ونصيحة مني بلاش كذب وتأليف من دماغك، عشان معين مستحيل يحكيلك حاجه عـني.
اعتاظت من حديثها كثيرًا لدرجة انها اقتربت منها تدفعها بحده من كتفها قائلةً بكره:
_هو أنتِ مش اطلقتي منه! راجعه ليه تاني وعايزة ايـه؟ ما تبعدي عنه وتسبيه للي تستاهله فعلاً واللي من نفس مقامه..
كانت تتراجع بألم وصدمه إلى الوراء من تصرف الأخرى، التي استمرت بدفع "سكن" وكل هذا وسط نظراته هو؟!
الذي كان سيرحل هو وصديقه من المكان، ولم يجد تلك الكارثه بجوارهم، فهي ستظل أمانه ويجب ان يعود بها كما اتـت معهم.
نظر حوله بعدما حث "عمار" على مقابلة صاحب المعرض، لتقع عينيه على هذا المنظر.
حيث تدفع "سلمى" فتاة ظن انها مجرد وهم في خياله صنعه هو، فهي بالتأكيد ليست "سـكن" ربما؟
اسرع يقترب منهم وفي كل خطوة يتأكد أنها هـي، لذلك هرول بسرعه اتجاهها فالألم يرتسم على وجهها وبعض الناس اجتمعت تتابع ما يحدث بتسلية..
توقف على بُعد خطواتٍ بذهول وعدم تصديق، يشاهد تلك الرقيـقة او التي كانت رقيقة! تقبض بيدها على ذراع الأخرى بقوةً تلفه للخلف، قائلةً بحده:
_طب مش خايفة عليها لترجعلك مكسورة، وبعدين لو على المقام فهـو لله وحدو، ولو تقصدي الفلوس فلو عايزة اديكـي واصرف عليكي كمان..
تاوهأت "سلمى" بألم من ضغط الأخرى على ذراعها بتلك الطريق، تسمعها وهي تتابع تحذيرها بعدما انحنت بجوار اذنها قائلةً بشـر:
_آما معين فـ نجوم السما أقربلك مـنه.
اقترب "معين" بسرعة بعدما فاق أخيراً من صدمته، ليقف بجوار الأخرى قائلًا بصبر:
_سبيها خلاص وكفايـة كدا.
سمعت صوتـه الهادي فأبت النظر له، تتجاهل دقات قلبها العالية قائلةً بأرتباك:
_ليه؟ خايف عليها اوي يا شيخنا!
ابتلع ريقه بتوتر، يسمع مناجاة "سلمى" وهي تحاول افلات يدها من الأخرى قائلةً:
_الحقنـي يا معين وخلي المجنونة دي تسيبني.
_ايه ده هو قالك على دي كمان! مش انا فعلاً مجنونـة، يعني لو خلعت دراعك دلوقتي هيقولوا ليس على المريض حـرج.
اردفت "سكن" بتلك الكلمات بتهكم وسخرية، وسط نظرات معين المصدومة، وملامح سلمى المتألمة..
ليأتي "مراد" بتلك اللحـظة، بعدما لاحظ اختفاء الأخرى من المحل فخرج يبحث عنها حتى وجـد ضجةً وشك انها المتسببة..
وقد كان محقًا فها هي تمسك بفتاةً وتكاد تخلع ذراعها، لذلك هرول باتجاهها قائلًا بحده طفيفة:
_سـكن سيبي البنت، الناس واقفة بتتفرج عليكم.
نظرت له قائلةً ببراءة ومسكنة:
_بس دي ضـربتني يا مراد وكتفي كان هيتخلع بسببها، يرضيك اسكتلها وأسيب حقـي.
_لا طـبعًا، اللي يطرف عينك، اخلعي عينه كلها.
اجابها بتشجيع لفعلتها فهي تعلمت منه كيف تأخذ حقها، كانت تراه كيف يعامل الناس وخاصةً هي عندما تزعجه، إضافةً إلى التدريبات التي تلتزم بها.
رأى "معين" ما حدث، لينزعج ويجهر قائلًا بعصبية، متجاهلًا سلمى والناس جميعًا:
_أنا هخليها تعتذر منك، بس ياريت ننهي الموضوع ده مش هنفضل نتخانق في وسط الناس كدا.
ظنت انه يخاف على الأخرى، لذلك دفعتها اتجاهه بقوةً، قائلةً بغيظ:
_خطيبتك عندك اهـي، ياريت وانت بتحكيلها عني وعن ازاي كنت هبلة وعبيطة وبجري اعيط في حضنك تقولها اني عندي شعرة وممكن اغير ملامحها لو ضايقتني تاني.
حسنًا هي تعلم انه لم يخبرها بشيء ولكن ما المانع إن عرف معين ما قالته لها، لكي يضع لها حدًا؟
انهت حديثها والتفت تمشي بسرعةً، يتبعها "مراد" محاولًا منع ضحكته، فهو يعلم ما تفعله تلك الخبيثة
ابعد معين "سلمى" عنه بنفور فهو اضطر ان يمسك بها بعدما القتها الأخرى عليه..
ظل يتبع طيفها واين تذهب، قائلًا بحدةً للتي امامه، فهو فهم ما قالته لـسكن ويعلم جيدًا انها المخطئة.
_هبعت لـعمار يجي ياخدك وترجعي معاه ومن بعدها مش عايز أشوفك لا في الشركة ولا فأي مكان تاني.
______________________________
_بـعد يومين الفرح، هتستهدي بالله وترحميني شوية ولا اطلقك ونخلص..
أردف "لؤي" بتلك الكلمات بأنزعاج من تلك التي تقف بمنتصف المحل ترفض قياس الفستان، تجيبه بجدية :
_قولتلك عايزة اعمل فريست لوك يا لـؤي، مش هتشوف الفستان غير يوم الفرح، وبعدين احنا لسه ما اتجوزنا عشان نتطلق!
اجابها الأخر بغيرة وسخط قائلًا برفض:
_عشان تحطيني قدام الامر الواقع هاا؟ على جثتي يا فرح، لازم اتاكد ان الفستان مناسب ليا، افرض جبتيه ضيق وملفت، ساعتها والله هلغي الفرح كله وهاخدك على البيت على طول.
كان الجميع يتابع النقاش الدائر منذ نصف ساعه حتى والدتها التي تجلس على المقعد الجانبي ، يسمعن الأخرى ترد عليه بمسكنةً وتحايل:
_صدقني مش هعمل كدا، انا بس عايزة اعمل كدا عشان اشوف ردة فعلك لما تشوفني بيه لأول مره.
_هعمل ايه يعني؟ هاخدك لحد الكوشة نكتب الكتاب ونروح على بيتنا وبس كدا.
اجابها بتهكم، ليتراجع بسرعة إلى الخلف حينما صرخت بوجهه قائلةً بغضب:
_يعني مش هتعيط لما تشوفني بفستان الفرح ولا تحسسني أنك اخيرًا لقيت نتيجة السعي بـعد الوصول!
_لـيه؟ هــو أنتِ جـسر دانيانـغ!
التمعت العبرات بعينيها، قائلةً بحزن:
_للدرجة دي مش فارقة معاك مشاعري يا لـؤي؟
هدأ الأخـر فهو لا يتحمل ان يحزنها، يجيبها بحنو قائلًا:
_لا طبعًا، أنا اهم حاجه عندي مشاعرك والله ونفسي دايمًا تكوني مبسوطه، بس أنتِ عارفة يا حبيبتي ان الفرح هيكون في مطعم موسى وهنحاول نخلي الليلة تمشي وخلاص، انا بس عايز اخر اليوم تكوني معايا وفي بيتي، ميهمنيش اي حاجه تاني..
تنفس بعمق، ثم تابع حديثه قائلًا بحب:
_صدقيني نفسي اعملك كل حاجه نفسك فيها، رغم ان مازن حاول كتيير معايا عشان نأجل الفرح بس انا رفضت ومصمم اننا نتجوز ونكون سوى، هو ده مش كفايه..
تأثر الجميع من كلماته ومنهم من حسد تلك الفتاة على زوج مثله، لتلمع عبرات الأخرى تجيبه بصدق:
_لا والله كفاية اوي، انا اصلا مش مصدقه اني اخيرًا هكون معاك، انا مش عايزة من الدنيا دي غيرك يا لـؤي..
_لو خلصتي أنتِ وهو، ياريت ننجز عشان اخوكي مستنينا وشايط، زعلان عشان جينا من غير ما ناخد السنيورة خطيبته وامها معانا..
جهرت "صباح" بتلك الكلمات بسخط، لتفيق "فرح" من حالتها الوردية، قائلةً بأنزعاج:
_عايز هبـة تيجي هنا؟ عشان تحرق دمي وتبوظ الفرح كـله..
_____________________
بداخل قسم الشرطة..
كانت تجلس "مريم" بداخل غرفة الاجتماعات وباقي الفريق وأيضًا القائد يستمعن لها، فقد ستحدث اخيرًا أخر خطوةً وستمسك بجزء من تلك العصابة، تتابع ما توصلت له قائلةً بعملية:
_اللي عرفته انهم وقفوا الشغل فترة، بسبب ان الريس بتاعهم اختفى ومحتاجين بديـل، طبعًا الفترة دي آثرت عليهم اوي، عشان كدا لازم يعوضوا فهيعملوا ايـه؟
تركت جملتها معلقة، ليكمل القائد قائلًا بفطنه:
_يكثفوا عمليات الخطف بكل الطرق.
_صـح، وغير كدا هيكون المكان واحد، يعني لو قدرنا نعرفـه ونتابعه لحد يوم تنفيذ عمليات سرقة الأعضاء، هننهي الشبكة دي كلها..
تسأل احدهم قائلًا بحيرة وفضول:
_عندك خطة او فكرة هنعمل كدا ازاي؟
اجابته بصعوبة فنظرات "مازن" تكاد تحرقها من الخجل والتوتر، لتحاول ضبط نفسها قائلةً:
_أنا بالفعل ماشية على الخطة الأولى ولسه بتواصل مع الشاب اللي بيستدرج البنات.
_الغي الخطة دي.
جهر "مازن" بتلك الكلمات بحزم، لترفض هي قائلةً بعملية:
_مش هينفع يا حضرة المقدم، لأن خلاص بالفعل هو طلب مني أروح بيـته وانا وافقـت.
شعر بعقلة يحترق من كلماتها المستفزة، لذلك نبس قائلًا بتهكم وغيـرة:
_يا فـرحة قلبـي، تحبي اوصلك أنا بقـروني لحد العمارة بالمرة.
_جرا ايه يا حضرة المقدم، أحنا هنا مش بنهزر ومريم بتعمل شغلها وبس.
رد عليه القائد بجدية، متفهمًا مشاعر الأخر لمعزته عنده، ليجيبه "مازن" بغيرةً وغيظ:
_مش لازم هي تروح، ابعت اي بنت مكانها وخلاص، مش هبعت انا مراتي للخطر، لو حصلها حاجه انا ههد مركز الشرطه باللي فيـه.
حسنًا لا أحد يرغب بمعرفة ما حدث حقًا بعد كلماته ولكن انتهت بدفع "مريم" له داخل مكتبه قائلةً بجنون بسبب عناده:
_انت اتجننت، القائد كان هيفصلك ويرجعك مكانك وأنت برضو مصمم تستفزه! ارجع لعقلك يا مازن وفوق..
واجهها دافعًا الباب بقدمه بقوةً لدرجة ان جسدها ارتجف وشعرت بالجدران تهتز، تسمعه يصرخ بغضب:
_يا ستي انا مش عايز افوق ولا عايز عقلي اصلًا، وبرضوا مش هبعتك يا مريم للوسخ ده مهما حصل.
_يا مازن افهم وو
_أنتِ عارفة ان الوسخ ده بيغتصب كل بنت قبل ما يبعتها ليهم؟ هتروحي ازاي للمكان وهو مش هياخدك ليه غير بعد ما...
قاطعها بغضب دون اكمال حديثه، لتقترب هي منه، تمسك بكفه، قائلةً بهدوء:
_متخفش عليا يا مازن، ده شغلي ولازم اعمله عشان كل بنت حصلها كدا انا لازم اجيب حقها ونقبض على الناس دي..
مازحته بخفة وهي تتابع قائلةً:
_وبعدين متنساش انا برضو حضرة الظابط مريم.
_لا أنتِ مراتي مريم، اللي لو حصلها حاجه انا مش هكون كـويس بعدهـا.
اجابها بصدق وهو ينظر لمقلتيها بحب بالغ، لتبادله هي النظرات بعجز، لا تعلم ما الذي سيفعله بها اكثر من ذلك؟ اتتها النتيجة حين جذبها من خصرها معانقًا اياها، واضعًا راسـه على كتفها قائلًا بألم:
_أنا طول عمري بنفذ وبس، بحمي اخويا بأني بتحمل كل حاجه مكانه، ولا مره حلمت ولا فكرت أنا عايز ايه؟ عشان مضطرش في يوم أني اتخلى عنها، انا متأثرتش لما عرفت ان ابويا مجرم عشان هو محسسنيش يوم واحد بحنية الأب، بس مفيش حاجه هتوجعني وتكسرني بجد غير خسارتك أنتِ.
تابع حديثه وهو يتنفس رائحهتا قائلًا بحب خالص:
_أنا بحبك يا مريم.
ابتعـد عنها مواجهًا نظراتها المهتزة، واضعًا جبينه على خاصتها قائلًا بصدق:
_مستـعد امـوت ولا انك تتأذي.
انهى حديثه مقبلًا اياها بشغف، دون ان يتيح لها فرصة بأن تستوعب ما تسمـعه.
___________________
عودة لـسكن..
التي دلفت إلى المحل وهي تجهر بانفعال وغيظ:
_اسيبه تلات شهور، تلاتـه بس وتجي السلعوى دي تــلف حـوليـه وتاخده منـي!
_معلش يأختي، هما كدا ما بيصدقوا يشوفوا حاجه حلوه قدامهم ويشبطوا فيها.
رد عليها "مراد" بحصرة مزيفه وهو يجلس على المقعد، لتلتقط هي احدى الاشياء من حولها وتحاول كسرها لتنفيث عن غضبها، قائلةً بعصبية:
_كان نفسي اكسر رقبتها، واخلع ايديها من مكانها، واكسر رجليها وبعدها وو
قاطعها الأخر وهو يحاول عدم الضحك، قائلًا:
_وايه تاني؟ هو بقى فيها حاجه!
_عينها اللي بصت عليه، عايزه اخلعها.
_بقيتي شريرة اوي!
اجابها بيأس، لتزفر هي بضيق، تجلس على المقعد بوهن، قائلةً بتذمر:
_عشان بحبه اوي، تفتكر ممكن يتقدملي تاني؟
ضحك بصوت عاليٍ، يجيبها بصعوبه فهو حقًا يحب جنون تلك الفتاة وكم يشعر بالحياة والسعادة حينما تجادله وتتذمر:
_يعني أنتِ يا قادرة، حطتيه قدام الامر الواقع عشان يطلقك، وبعدتي عنه بعد ما قرفتيه في حياته ولسه مستنياه يتقدملك تاني!
_عندك حق.
اجابتـه بيأس، لتنتفض بعدها قائلةً بتفكير:
_طب اتقدمله انا.
ارتفع صوت ضحاته دون قدرةً منه على التوقف، معدته آلمته وهو يحاول التحدث، يقسم انها ستقتله يومًا.. نظرت هي له بأنزعاج.
ليفتح الباب فجأة ويظهر منه "معين" الذي رأى منظرهم من الخارج بسبب الزجاج الشفاف، يجهر بحده:
_سـكن، مستنيكي بـرا.
وفقط، اغلق الباب بقوةً جعلتها تنتفض بمكانها، ليصرخ "مراد" بصوت عاليٍ:
_بفلـوس ده على فكره..
نظر لتلك التي كادت ان تهرول خلفه، ليقف هو بينها وبين الباب قائلًا بأمر:
_بت أنتِ، سيبك من الهبل ده وافتكري، كرامتك ثم كرامتك ثم ولي أمرك اللي هو أنا، افتكري انك صاحبة براند ومعاكي حساب في البنك، وشخصيتك قويـة وهو يتمنى كدا، يتمنى نظرة منـك.
_ده على أساس انه مستنيني بالمأذون برا!
اجابته بتأفف، ليقول هو بتهكم:
_بالله لو حصل، لهخرج الاقيكي ماضية وباصمة بالعشرة.
_مـراد...
_سـكن حكمي عقلك.
تنهدت بأستسلام، قائلةً:
_حاضر والله، ممكن اخرج بقى؟
_اخرجي يأختي، وانا هقول لـ خديجة تتصرف معاكي.
ابتعد عن الباب، لتتحرك هي بسرعه وتخرج منه، اخذت تبحث عنه حتى وجدته اخيرًا يقف بمكان مخصص للجلوس أمام المعرض جانبيًا.
تقدمت منه بأرتباك، لتصبح تمامًا خلفه ثم نبست بعجـرفة:
_نعـم عايـز ايـه؟
التف يواجهها ليضع كفيه داخل جيوب بنطاله، يبعد عينيه عنها قائلًا بصبر:
_عايز افهم ايه اللي قولتيه جوا ده؟
اجابته ببرود، قائلةً:
_انا قولت نفس اللي قالتـه خطيبتك وو
_مش خطيبتي وأنا مقولتش حاجه عنك ليها، دي موظفه عندي في الشركة مش اكـتر.
قاطعها بتلك الكلمات بتصحيح، لتردف هي بلا مبالاة:
_مطلبتش منك تبرر، أنت حر كدا كدا.
تنفس بقوةً يهديء من ذاتـه، قائلًا بتهكم:
_زي ما أنتِ حره وبقيتي تتصرفي بمزاجك كدا؟
_تقصد ايـه؟
تسألت بحده بعد تلميحه المهين، ليجيبها هو بجمود:
_اقصد أنك مش حاطه حدود بينك وبين مديرك ليه؟ أنتِ كنتي بتتكسفي من كلمه مني وأنا جوزك! دلوقتي شايفك بتتكلمي وبتضحكي عادي خالص.
كتفت ذراعيها، تجيبه بوجه جامد ونبرة تشبهه:
_مـلكش دعوة، أنا عارفة كويس حدودي ومش مستنيه حضرتك تقولها ليا.
_سكن، اقسم إن لم تنتبهي لأفعالك وحديثك بعد الآن، سترين شيئًا لن يعجبك.
رد عليها بحدةً وباللغة الفصحى، لتبتلع هي ريقها بتأثر وبعض الخوف قائلةً بأرتباك:
_ماذا ستفعل يعني؟
اقترب منها خطوةً، لتتراجع هي تنظر له بتوتر تسمعه وهو يقول بتحذير، جعل عينيها تتسع بشدة:
_هطلبك في بيت الطـاعـة.
_____________________________
قبل شهور وخاصةً ذلك اليوم الذي اختطف فيه "لؤي"..
كان" معين" ينزع ملابسه بأرهاق، حتى يتحمم ويخلد إلى النـوم.
اتجه إلى الحمام لكي يتحمم قبل ذلك ولكن قاطعه صوت هاتفه حين صدح معلنًا عن رغبة احدهم للحديث معه..
لم يكن مسجل ورغم ذلك اجاب بهدوء ليسمع صوت أمرأة تقول بلباقةً:
_بعتذر عشان ازعجتك في الوقت ده، بس الموضوع مهم جدًا وضـروري وكمان يخص مراتك سكن.
شـعر بالقلق الشديد حين ذكرت اسم زوجته، ليجهر قائلًا بخوف:
_سكن مالها؟ انا اصلا كنت هكلمها دلوقتي وهروحلها الصبح، حصل ايه وو
_اهدى يا بشمهندس واسمعني الأول.
قاطعته برفق، ليزفر هو بقلق يتفاقم داخله، يجلس على الفراش يسمعها وهي تتابع حديثها، قائلةً بهدوء:
_أنا ابقى دكتور جميلة، اللي متابعة حالة سكن النفسية واللي للأسف ادهورت بشدة بعد ما رجعت القاهرة، انا كنت فاكره ان وجودكم هيساعدها تتحسن بس اللي حصل عكس كدا، ضغط طارق وتهديده المستمر مع معاملة اهلهـا وصلوها لمرحلة سيئه جدًا..
رفضت بالطبع اخبارها بمرضها، فهذا الشيء خاص بسكن وحدها وهي الوحيدة التي يحق لها القرار.
_يعني ايه؟ هي، هي هيحصلها حاجه او... او هتتعب أكتر، مش فاهم.
تسأل بألم وتيه، فكلماتها اشعلت النار بصدره والقلق تمكن منه بشدة، لتجيبه هي بصدق قائلةً:
_هي بالفعل انتكثت ولازم ترجع اسكندريه فورًا عشان تكمل علاجها، بس قبل ده ما يحصل انا هطلب منك طلب وبتمنى تفهم ان ده احسن ليها.
_طلب ايه؟
_انا عيزاك تطلق سكن قبل ما ترجع..
وقف بعصبية، يجيبها برفض تام قائلًا:
_لا طبعًا، مستحيل اعمل كدا.. احنا هنتجوز وبعدها هاجي انا وهي لحد عندك تتعالج براحتها، لكن طلاق لا..
تنهدت هي بضيق، تدلك جبينها، تشرح له الامر قائلةً بعملية:
_كدا هتحس طول الوقت بالذنب اتجاهك ومش هنعرف نعمل حاجه، صدقني ده افضل حل عشان تحس أنها حره ومستقبلها وعلاجها أهم حاجه.
عودة لـهم، حيث كان يقص لها ما حدث، ملاحظًا معالم الصدمة الواضحه على وجهها، ليضيف قائلًا بحنق:
_هو أنتِ متخيلة اني ممكن ادخل اطلقك واخرج كدا عادي؟ لو مكنتش اعرف من دكتور جميلة كان وقتها شلتك وخدتك على بيتنا ولغيت الفرح واللي يحصل، يحصل.
هي حقًا لا تصدق ولا تفهم كيف حدث كل ذلك، نظرت له بتيه قائلةً بتسأل:
_بس المأذون وو
_ده مش مأذون، ده صاحب بابا والمكتب مش بتاعه اصـلًا.. كان نفسه يمثل فأديته فرصه..
اجابها ببرود ووجه مبتسم، لتضغط هي على كفها قائلةً بغيظ:
_طب واليمين اللي رميته عليا؟!
_أنا قولتلك أنتِ طايق يا سكن ونيتي مش طلاق ابدًا، بس الحمدلله مخدتيش بالك وعدت.
اجابها بنفس النبرة السابقة، لتصرخ هي بغضب مما فعله الجميع بها:
_يعني انتوا كلكم ضحكتوا عليا؟ وانا الوحيدة المغفلة هنا صح؟
رد عليها بصدق قائلًا:
_مريم وعمر بس اللي يعرفوا حتى دكتور جميلة متعرفش اني طلقتك كدا وكدا، وكمان شخص تاني بس.
حاولت ضبط اعصابها، قائلًا بـفضول وصبر:
_مــين؟
_أنــا.
جاء الصوت من خلفها، لتلتف بسرعة وتندهش بشدة قائلةً بعدم تصديق:
_أنت؟! ازاي وأنت علاقتك ايه بالموضوع!
ابتسم بشدة يتقدم منهم، ليضحك "معين" بخفة قائلًا:
_انا اللي طلبت منه يساعدني وتشتغلي معاه، مراد يبقى أبن خالة عمـار في الرضاعـة وبصراحه هو رفض لحد ما شاف شغلك وعجبه وكمان خديجة اخته اقنعته معايا.
اضاف "مراد" قائلًا بنزق:
_امال أنتِ فاكره انا مستحملك كل ده ليـه؟ الله يعينه معين عليكي والله.
نظرت له وللأخر بعقل لا يستوعب ما يسمـعه، لتصرخ بعد دقيقة كاملة قائلةً بعصبية:
_مـش عايـزة اشوف وش واحد فيكم تـاني.
انهت حديثها وهرولت من المكان بأكمله، فلا تصدق ما سمعته هي لا تنكر ان جزءًا منها سعيد كونها ما زالت زوجـته ولكن لا مانع بأن تلقنـه درسًا قبل ان تعود لـه.
_________________________
وبمكان اخـر.
وخاصةً طريق شبه مقطوع، توقفت سيارة باهظة أمام اخرى، يجلس من الخلف "صفوت" بوجه جامد وحاد، ينتظر ذلك الذي هبط من السيارة التي امامه ثم تقدم باتجاهه.
جـاء الأخر وتوقف امام نافذة صفوت ينحني باتجاهه قائلًا بطـاعه:
_امـرك يا باشا، طلبتني ليه؟
مد "صفوت" يـده إلى جيب سترته الباهظة، مخرجًا شيئًا منها، ثم اعطاه للأخر قائلًا بأمر:
_البنت دي عـايزها اول واحده تتصفـي وتكون ضمن البضاعـة.
التقط الأخر الصورة يتمعن بشكل الفتاة، ليدلك ذقنه قائلًا باقتراح مقزز:
_طب ما نبعتها للشغل اياه، البت حلوة وهتطلب.
_اعمل اللي قولتلك عليه من غير رغي يا حامد.
_امرك يا باشا.
ازعن له الأخر متراجعًا إلى الخلف، حتى تتحرك السيارة مغادرةً المكان بأكمله..
__________________________
عادت "سكن" إلى الفندق وخاصةً غرفتها وهي تكاد تنفجر من شدة الغضب.
تلقي بنفسها على الفراش وتلتقط الهاتف حتى تنفجر بأحـدهم..
واحدهم عندما سمع صوت الهاتف فاق من هول الموقف الذي به دافعًا "مازن" بقوةً..
التقت انفاسها المسلوبة منها بسببه، تعيد ترتيب خصلاتها التي افسدها بعبثه، قائلةً بجمود:
_اطلع برا يا مازن، ولحد ما القضية تخلص، متتكلمش معايا تاني.
ابتلع ريقه، محاولًا الاقتراب منها قائلًا بحنو:
_مريم أنا آسف وو
_لو سمحت اخرج برا، احنا في مكان شغل ومش عايزة اقل منـك.
اتسعت مقلتيه بذهول، ليتحرك باتجاه الباب قائلًا بتهكم:
_هو ده اللي ناقص، تقلي مني! كان مالي انا بالحب ووجع القلب ده.
خرج صافعًا الباب خلفه، بذات الوقت الذي التقطت به الهاتف ورأت اسم صديقتها عليه، كادت ان تجيب ولكن تفاجأت بالاخر يفتح الباب مظهرًا راسه منه قائلًا بحده:
_طب على فكره بقى مش آسف واللي عملته ده حقي وانا مش بفرط في حـقي وخصوصًا لو كان عسل كدا، هااا.
صفع الباب ثانيةً، لتنظر هي لطيفه قائلةً بتيه:
_ده اتجنن خالص.
فاقت على صوت الهاتف يعلو للمره الثالثه، لتجب الأخرى قائلةً بعصبية:
_ايــه؟ فيه ايــه! انتوا عايزين تجننوني معاكم..
_والله؟ اضحكي عليا بقى واعملي نفسك مضايقه عشان اسكت واعديلك اللي عملتيه.
ردت عليها "سكن" بعصبية تماثلها، لتتسأل "مريم" بحده وعدم فهم:
_وايه بقى اللي عملته ومش هتعديه.
_أنتِ كنتي عارفة ان معين مطلقنيش والحوار كله فيك وخبيتي عليا.
عاتبتها بغيظ، لتجهر "مريم" بأنفعال ساخط:
_اقولك ازاي واحنا عاملين ده كله عشان تتزفتي تتعالجي عشان بعدها تتنيلي وتتجوزي البيه، عشان في الاخر اخلص منكم ومن علاقتكم اللي وقعتني في الهم ده..
_والهم ده بقى بطول وعرض وعيون زورق صح؟
تجاهلت "سكن" كل شيء ونبست تلك الكلمات بخبث، جعل الأخرى تشتعل غضبًا قائلةً:
_هتتجنن منه يا سكن، مش عارفه اخلص من الورطة دي ازاي.
تأففت "سكن" من عناد الاخرى، قائلةً بضيق:
_أنا مش فاهمه ميبسه دماغك ليه؟ واضح اوي انه بيحبك ما تديه فرصه!
جلست "مريم" على الطاولة قائلةً بيأس:
_هو فعلاً اعترفلي انه بيحبني، بس انا مش هقدر، بجد مش هعرف اعيش الحياة دي، افرض اتغير بعد ما اوافق او زهق بعد الجواز، اعمل ايه؟
_عيب تسألي سؤال زي ده!
ردت عليها بتهكم، ثم تابعت قائلةً بشـر:
_أنتِ بس اتجوزيـه وبعدها اتصرفي معاه براحتك، يعني دلوقتي أنتِ لو سبتيه هتستفادي ايه؟ هتخصري واحد بيحبك حاليًا، وهو بعد سنه ولا اتنين هتيجي بنت تستولى عليه
تابعت حديثها بسخط و توعد قائلةً:
_ده معين الشيخ المحترم كانت فيه صورم بتلف حوليه، تصدقي نسيت اطلع عينه على الحوار ده، بس ملحوقه، وربنا لوريك يأبن ليلى.
كلُّ اتجاهٍ إلى عينيك يأخُذُني
من أين أعبرُ يا كلّ اتجاهاتي؟!
و ما انهزمت بجيشٍ جاء معتدياً
حتّى انهزمتُ بعينيك البريئات!
مقتبس....
_______________________
يتبـع....
ميريـت