وَكُل مُناي أن أنساك حقًا
وأن أمحوكَ مِن نَصّي وشِعري
ولَكِن كُلمَا خَطَيتُ سَطْرًا
وَجَدتُكَ مُلهِمي وإمامَ فِكرِي!
مقتبس...
________________________________
" ليت عالمي يختصر عليك أنت فقط"
بعد دقائق أبتعدت عنه ببطء وخجل عصف بها... لا تصدق أنها من قامت بضمه وأستكانت بداخل أحضانه مطمئنه بعد كل ما حدث اليوم..
ولكن حديثه وحنانه معها يُنسيها كل شيء، كل افعاله الليله غيرت بداخلها الكثير.. احتوائه وتمسكه بها. كلماته التي دلفت لقلبها وأسكنته.. تعترف بأنها لم تشعر بالأمان كما شعرت بداخل أحضانه هو ..
تقبل أبتعادها ولكنه ليس بذلك الكرم فقد ظل محاوطًا لها متنعمًا بقربها...
لثم جبينها قائلًا بحب:
_ أحسن دلوقتي...
أومات له بخجلٍ دون ان تنظر له ثم دفعته برفق تبتعد عنه.. تقف على قدميها وهي تفرك يديها ببعضهم قائلةً بحرج:
_ الوقت أتاخر ولسه الطريق طويل.. ممكن أروح؟!
تفهم خجلها ووافقها في طلبها... لينهض هو الأخر يلملم أشيائه ويرتدي معطفه لصدق حديثها...
وبعد ساعه كامله توقف بالسيارة أمام منزلها بعدما التزم الصمت طوال الطريق فـ يكفي ما قالته الليله..
_ تصبح على خير..
نبست بها وكادت ان تهبط إلا أنه اوقفها بيده التي أمسكت بكفها تحثها على الأنتظار..
عادت كما كانت تواجهه... ليقبض على كفها بيديه وهو ينظر لها قائلًا بنبرة حنونه متغزلًا وبلهجتها المفضلة:
_ حُلوتي و زوجتي العزيزة وبعد هذه الليلة وما تحدثنا به.. أطمع أن تُتاح لي الفرصة مجددًا. بأن أكون مأمن لك والركن الهادئ لضوضاء عقلك.. وحضنًا وقت حزنك يَضمك وتستكيني له.. هل لعبد فقير مثلي فرصه اخيرة يعيد بها إصلاح كل ما أفسده؟
تاهت داخل كلماته ونبرته التي عصفت بقلبها المسكين.. لا تصدق انه يقول ذلك لمجرد صراخه عليها اليوم؟ اجابته بصعوبه بسبب تأثرها وخجلها منه:
_ حصل خير... انا خلاص مش زعلانه منك، كفايه أنك اتقبلتني بعد كل اللي عرفته عني... ووو
_ أنا لم انفر منك يومًا حتى أتقبلك حُلوتي.. بل أنا من يطمع بأرضائك و التنعم بقربك.. ولكِ مني كل الدلال والحب..
قاطعها بلهفه يصحح لها ما تفكر به... لتبتلع هي ريقها بخجلٍ من غزله و أسلوبه في الحديث معها..
لاحظ هو ما تمر به.. ليقترب منها اكثر قائلًا بجكاره:
_ توردت وجنتاكِ خجلًا، إذًا أحسنت أنا غزلًا..
_ أنت مش هترتاح غير لما أموت بسكته قلبيه.. صح؟
القتها بوجهه وهي تنتفض.. تخبيء وجهها منه... ليسرع هو قائلًا بحنو:
_ بعد الشر... يعني انا بكلمك بالفصحى عشان عارفك بتحبيه وبقولك كلام حلو زيك كدا.. و أنتِ تقولي كدا؟
_ بس واحده واحده مش كدا، أنا قلبي ضعيف ومش هيستحمل كلامك ده..
أبتسم برفق ورغمًا عنه حثها على النزول لتأخر الوقت وخوفًا عليها من حديث نساء ورجال هذه الحاره ...
كادت ان تهبط بعدما فتحت الباب ولكنها عادت مجددًا تسأله بأستغراب تسفسر منه عن ما سمعته:
_ معين ممكن أسألك سؤال؟
_ أكيد طبعًا..
_ هو أنت أزاي قولت على نفسك "عبد فقير " وأنت مهندس ومعاك شركة وبتقبض بالدولار وعايش في ڤيلا ومعاك عربية فخمه زي دي؟؟ و أنا مش بَقُر والله..
كبت ضحكته بصعوبة.. حتى لا يسمع صوتهم أحد في منتصف الليل الذي اصبحا فيه... اجابها بغلب مُحب:
_ كنت أقصد أني فقير الحب وهغنى لما أكسب قلبك ومنه أتحب.. فهمتـي!
_ الله يكرمك يارب، تصبح على خير يا شيخ "معين"..
لم يستطع تلك المرة السيطرة على ضحكته والتي انطلقت تشق سكون الليل.. لتسرع هي عائدةً إليه...
وضعت كفها على فمه مقتربتًا به ولكن من شدة خوفها لم تنتبه لأي شيء سوا إسكاته وحسب..
_ بس، بس لو حد صحي وسمعك هبقى حديث الأسبوع كله..
سيطر على حاله بصعوبه.. رغم تأثيره بقربها ولمستها تلك... اومأ لها بهدوء وهو تائه بسحر مقلتيها والذي سيطر عليه وانتهى الأمر...
أنتبهت هي إلى وضعهم لتبتعد سريعًا وتهرول إلى الخارج.. تختبيء بمنزلها بعد كل ما مرت به اليوم..
__________________________
في صباح اليوم التالي وأمام المشفى بالضبط...
صعد" معين" السيارة هو وشقيقه الصغير "نعيم".. بعدما جاء منذ ساعه بصحبة أخيه حتى ينزع الرباط من على قدمه أخيرًا...
_ حاسس بوجع، أو لسه فيه آلم في رجلك؟. نطلع للدكتور طيب ونتأكد تاني!!
قالها" معين" بقلق لرغبته في التأكد بسلامة الأخر.. والذي أصر ان يقوم بنزعها اليوم... أجابه "نعيم" للمره التي يجهل عددها قائلًا بحنق:
_ قولتك أنها مش بتوجعني وزي الفل، اثبتلك ازاي طيب... أقوم أرقص عشان تتاكد..
أستغرب أسلوبه في الرد عليه... لجيبه بنزق وهو يدير مقبض السياره:
_ يعني أنا غلطان عشان حابب أطمن عليك! وبعدين ايه اللي مزعلك أوي كدا يا نعنـع..
أدرك زلته وطريقته المنفعلة التي تحدث بها مع شقيقه وادرك ايضًا انه فهم عليه وعلم انه منزعج من شيء.. تذكر هذه الكلمة "نعنع" ومن قالها له اولًا.. فشعر بالحزن والضيق من أبتعاده عنه ومقاطعت كل طرق التواصل بينهم.... اعتذر من شقيقه بنبره حزينه التقطها الأخر:
_ أسف يا "معين" لاني كلمتك بالأسلوب ده!
توقف بالسيارة جانبًا عندما أستشف ان اخيه يعاني من شيء..
التف جزعه يواجه الأخر قائلًا بحنو:
_ أنا هقبل اعتذارك بس تقولي ايه اللي مزعلك! مش أنت كنت دايمًا متعود تحكيلي كل حاجه!!
رد عليه بوجه ممتعض:
_ ما أنت اللي من ساعة متجوزت مش شايف غير مراتك.. وبعدين هو ده العدل اللي أمرك بيه ربنا!!
أستنكر حديثه ليجيبه بتهكم ساخر:
_ نعيم أنت أخويا الصغير، مش مراتي التانيه عشان اعدل بينكم.. فـوق..
_ طب على فكره هي التانيه، عشان انا معاك قبلها..
امسكه من جانبه قميصه بغضب زائف من مراوغته في الحديث وتضيع الوقت... هو بالفعل تأخر عن العمل ولكن لأجله ترك كل شيء يتراكم عليه..
جهر قائلًا بوعيد:
_ أحكي حصل ايه؟ وبطل كلام أهبل يا نعيم..
ابتلع ريقه بقلق فهو يخشى أن يزعل منه بعدما يعلم ماذا فعل مع شقيق زوجته والتي إن علمت هي الأخرى وقص لها "عمر" ما حدث ستأخذ موقف من أخيه وسيتضخم الوضع... ورغم ذلك قص لأخيه كل ما حدث وبعدها أضاف قائلًا بندم:
_ والله والله ما أقصد اقلل منه ولا اهينه، كان نفسي بس أساعده بعد ما عرفت قد ايه بيتعب فشغله و بيتبهدل فيه.. وحاولت أكلمه واعتذر منه بس مش بيرد.. بس انا مش هسيبه غير لما يسامحني..
تنهد بغلب بعدما أستمع له والأن فقد ادرك لما كان "عمر" يتحدث معه بالأمس بتلك الطريقه... التقط هاتفه وبحث عن رقمه.. ليضغط عليه عندما رأه...
دقائق واستمع إلى صوته الحانق:
_ نعم يا " معين" باشا؟ لو عايز أختي فـ هي نايمة بعد ما رجعتها فـ نص الليل أمبارح وسهرتها لوش الصبح تضحك على عقلها بعد ما زعلتها...
ذُهل من تحوله معه وتغير أسلوبه لأخر حانق و غاضب.. هل كل هذا بسبب انه يغار أم أنه ينتقم من اخيه فيه ... يتجاهل شقيقه لينكد عليه هو !!؟
أجابه بأبتسامه مقتضبه:
_ نوم الهنا على قلبها يارب... مراتـي بقى وكنت بصالحها مش بضحك عليها يا أستاذ عمر..
_ يعني بتعترف أنك زعلتها!
قالها بحده... ليصرخ "معين" قائلًا بوعيد ونزق:
_ ولااا انا مستنيك عند ****** عشر دقايق واقابلك هناك عشان أنا عندي شغل ومش فاضي لشغل العيال ده..
قفل بوجه بعدها.. ليزفر قائلًا بحنق:
_ فعلاً... الفاضي بيعمل قاضي..
_ هدي نفسك بس وووو
نبس بها "نعيم" بأرتباك... ليقترب منه الأخر رافعًا سبابته في وجه قائلًا بوعيد:
_ الواد ده تصالحه أنهارده و تلهيه بعيد عني.. القصة مش ناقصه نبرك أنت و غيرته هو.. أنا بزق فيها زق عشان تمشي معايا..
أومأ له بسرعه موافقًا.... ليبتعد عنه ينطلق بالسيارة حيث المكان المتفق عليه...
________________________
خرج من غرفته بعدما أرتدى ملابسه وادى فرضه... فهو بعدما تركها بالأمس ودلف إلى الداخل ظن انه سيظل الليل باكمله يتذكر ويفكر بكل ما حدث وما سيحدث.. ولكن من رحمه الله عليه انه غرق في النوم مباشرةً وهذا بالطبع لشدة تعبه من عناء اليوم...
توجه إلى المطبخ بهدوء حتى يصنع لنفسه كوب قهوه ظنًا منه أنها ما زالت نائمه ولم تفق بعد...
تصنم في وقفته بعدما رأها تقف في المطبخ تتحرك هنا وهناك بخفه.. تُعد الطعام وترصه على الطاوله...
أنتبهت لوجوده بعدما التفت تضع طبقًا انتهت من صنعه للتو.. أرتبكت في وقفتها تشرح له قائلًا بتلعثم:
_ صـ.. صباح الخير.. أنا كنت بعمل فطار، أكيد أنت جعان عشان مكلتش حاجه امبارح...
قاطعها بحرقه وهو يتحرك باتجاهها قائلًا بضيق:
_ عملتيها أزاي..
عادت إلى الخلف ببطئ وقلق بعدما رأت امتعاض ملامحه ونبرته تلك:
_ هي.. هي ايـه؟!
حاصرها بينه وبين رخام المطبخ قائلًا بفحيح وانفاسه تضرب بوجهها من شدة الغضب:
_ بتتصرفي عادي ولا كأنك كسرتي قلبي ودوستي عليا قبل كدا! ولا كأنك اتخليتي عني فأكتر وقت أحتجتك فيه.. أنتِ ازاي كدا بجد؟ معقوله أنتِ هي نفسها البنت اللي كانت بريئة و أتربت معايا؟ ولا أنا كنت مخدوع فيكي و متغفل... أيوة صح ما أنتِ أمك "إحسان" أكيد هتطلعي زيها..
_ مـوســى!
صرخت بها بضعف وألم.. ترغب بتوقفه عن الحديث.. لينتفض الأخر دافعًا الطعام عن الطاوله.. مدمرًا كل شيء حوله وهو يصرخ بوجعٍ قائلًا:
_ موسى مات... موسى أنتهى و أنتِ السبب.. كنت مستعد أستحمل كل حاجه إلا خسارتك أنتِ.. كنت هحارب الناس كلها لو أنتِ مسكتي يدي.. بس أنتِ.. أنتِ خونتيني ودوستي عليا معاهم.. سبتيني مرمي في السجن وروحتي أتجوزتي أبن العمدة وكبير البلد.. وأنا.. أنا واحد أمك كانت مشغلاه خدام تحت رجلين حضرتك..
وبعد ما خلصتوا عليا رمتوني في عشه بعد ما طلعتوني حرامي وبتحرش بيكي... فضحتوني وحرمتوني من ارض جدي.. عيشتوني في عذاب وذل وكل ده استحملته عشانك أنتِ...
كنتِ الحاجه الوحيدة اللي مصبراني ومستني أنها تكون ليا وتعوضني.. بس حتى أنتِ طعنتيني في ضهري..
تنفس بعمق بعدما انفجر بها متابعًا حديثه فقد سأم من كل شيء حوله:
_ مش هنسى كسرتك ليا ولا خيانتك، ومش انا المغفل اللي هتضحكي عليه بعد ما خلصتي من أبن العمدة وسبحان الله..لما كان في السجن برضو..
طلع *** وبيعاملك وحش.. فاقولتي اخلص منه واروح اتجوز التاني اللي بيحنن ويطبطب.. فتصحيح بسيط بس.. أنسي موسى بتاع زمان عشان اللي قدامك ده حتى انا معرفش هو مين بالظبط..
انهى حديثه وخرج من المنزل بأكمله.. تاركًا خلفه جسد يرتجف من شدة البكاء وروح تصرخ بانها لا ذنب لها بكل هذا...
________________________
أوقف السياره بجانب مقهى بسيط وهو قريب جدًا من الحاره التي يقطن بها "عمر"...
والذي كان يجلس على طاوله بالخارج منتظرًا مجيء
" معين" مدركًا خطأهُ في التصرف معه ولكنه رغمًا عنه وجد نفسه يصنع سور بينهم بعدما خجل منه "نعيم" ومن عمله... لقد جُرح من الداخل فهو عزيز النفس وراضيٍ بما قسمه الله له... ولكن ما يؤلمه ويخشى منه أن تعيش شقيقته ما عاشه هو وان يقلل منها أحدًا منهم.. يعلم جيدًا كم هي حساسه و ستحزن كثيرًا إن خجل منها زوجها يومًا...
فاق من شروده على جلوس احدهم بجانبه... رفع رأسه ليرأى من هذا... فوجده "نعيم" المتسبب بتلك الحرب التي بداخله..
أغمض عينيه بغضب مدركًا ما فعله.. زفر بضيق يهديء من نفسه قائلًا بفتور:
_ واضح أني مش عايز اتكلم معاك، بتعمل الفيلم الهندي ده ليه؟
أجابه بنزق من رأسه اليابس وعدم اعطائه فرصه حتى ليبرر له:
_ أنا معملتش حاجه، معين هو اللي عمل كدا عشان نتقابل ونتكلم بعد ما حكيتله اللي حصل مني.. ممكن اعرف ليه مش بترد عليا وبتتصرف كدا..
_ عشان انا اللي يقلل مني، مش لازمـني..
أنتفض واقفًا من أسلوبه البارد وتفكيره الغبي والذي سيفسد ما بينهم صارخًا به:
_ وأنا امتى قللت منك هاا، خدت مني موقف وقطعت علاقتك بيا عشان كنت حابب اساعدك واشوفك مرتاح.. هو ده السبب؟ اديتني فرصه أشرحلك انا اقصد ايه؟ لا.. صح!... أقسم بالله.. اقسم بالله نيتي كانت خير وغرضي الوحيد كان راحتك... عارف لــيـه؟؟
تابع "نعيم" حديثه بدون تفكير غير منتبه للنظرات التي تعلقت بهم باهتمام... قائلًا بصراخٍ:
_ عـشـان بـحبـك..
شهق الجميع من حولهم بذهول مما سمعوا.. شاب يصرخ بوجه شابًا أخر معترفًا بحبه له؟؟؟ نظر لهم الجميع بسخطٍ وخجل وكذلك أشمئزاز.. ليقف "عمر" قائلًا لمن حوله بتوتر وحرج :
_ أخــوه.. بيـحبني زي اخــوه ... ده حافظ القرآن و بيصلي الفرض حاضر.. هو بس منفعل ووو مع السلامه..
لم ينتظر ان ينهي حديثه فماذا سيقول بعد ما فعله ذلك الغبي... دفعه امامه وتحرك معه إلى الخارج غاضبًا منه..
توقف الأثنان أسفل شجرة كبيرة على جانب الطريق ليجهر معنفًا اياه:
_ عاجبك كدا، شفت الناس كانت بتبصلنا أزاي بعد اللي قلته...
أجابه "نعيم" والذي التزم الصمت كل ذلك الوقت يتركه يفعل ما يريد.... تحدث بحزن و خذلان:
_ لا مشفتش نظرتهم.. بس شفت تصرفك أنت لاني جيت اتكلم معاك ومهمنيش حاجه غير اصالحك أنت.. شفت أزاي للمره التانية مهمكش غير رأي الناس ومنظرك وتجاهلت نيتي ومشاعري النبيله اللي جوايا ليك.. أنا كنت مبسوط أوي بصداقتنا وتطور علاقتنا وأعتبرتك جزء من عيلتي.. بس انت طلعت مستغني وانا مش لازمك.. أعترفلك بحاجه كنت مستحيل أقولها فـ يوم.. أنا كنت بغير من صحابك اللي في الحاره وبحسدهم أنهم قريبين منك وغرت من "آسر" صاحبي لما حسيت أنه هياخدك مني.. بس خلاص اوعدك من النهارده مش هتصل بيك ولا هوريك وشي...
تحرك من أمامه مغادرًا بحزن... بينما الأخر والذي كان ينظر له منستًا إلى حديثه بأهتمام وكذلك ندم على تسرعه وتصرفه الطائش وعدم أعطائه فرصه للتحدث معه... ندم كثيرًا على انفعاله حينها.. كان يستمع له والندم يتأكله من الداخل... هل كان يحبه إلى تلك الدرجه وهو اراد قطع علاقته به؟؟!!
أسرع خلفه ليقف امامه ويواجهه قائلًا بندم:
_ أنا فعلاً اتسرعت و انفعلت... حقك عليا والله، أنا أسف يا "نعيم".. بس انا غصب عني كرامتي اتجرحت.. بس برضو كان لازم ارد عليك وأسمع منك.. متزعلش ممكن..
لم يجيب عليه بل اندفع محتضنًا أياه بقوه قائلًا بسعاده:
_ أكيد طبعًا، أنا أصلاً كنت هعمل قعدت عرب واجيب أبويا واخويا يصالحونا لو كنت سبتني أمشي..
بادله الأخر محتضنًا أياه رغمًا عنه فشفافيه وطيبه
" نعيم"تجعله يشعر انه يتعامل مع طفل صغير يجب ان يحنو ويضلل عليه.. وللحق يحبه هو ايضًا...
_ يا أبني هو انا مراتك اللي سابت البيت بالعيال و قاعده غضبانه عند اهلها، ورايح تصالحها.. منظرنا باظ بسببك..
ابتعد عنه بضيق بعد تعليقه الساخر... ليشاكسه قائلًا بضيق:
_ طب على فكره في راجل عدى دلوقتي وبصلنا بقرف واحنا حاضنين بعض هااا.. عشان تخاف على منظرك اكتر..
ضحك الأخر متيقنًا ان الذي امامه طفل وهو لن يتركه ولن يتخلى عنه من اليوم...
اندفع محتضنًا أياه وهو يقهقه صارخًا بقوة:
_ "نعيم" باشا عم الكل..
ضحك الأخر بسعاده بالغه يبادله الصراخ قائلًا:
_ "عمر" بيه حبيب الكل..
_____________________________
توجه إلى عيادة خاله العزيز فقد مل الجلوس في المنزل.. تبقت أيام فقد وتنتهي أجازته ويعود إلى عمله في الشرطه...
هبط من السياره بعدما صفها جانبيًا... تحرك إلى الداخل ليسمع أصوات عاليه ومتداخله في بعضها البعض واغلبها تعود لرجال..
انكمش حاجباه بأستغراب قائلًا لنفسه:
_ هي دي مش عيادة نسا وتوليد! الرجاله بتصرخ ليه؟
وصل إلى غرفة الأستقبال ليجد اربعة رجال يرتدون جلباب صعيدي وأحدهم يقبض على تلابيب خاله ويهزه بعنف.. والممرضات يختبئون خلف الباب وهناك بعض الرجال يحاولون أبعاده عنهم...
أسرع في خطواته يبعدهم عنه... ثم قبض على يد الرجل الذي يمسك بخاله جاهرًا بتريس:
_ نزل أيدك عنه، أنت ماسك فيه كدا ليه؟
اجابه الأخر صارخًا بغضب:
_ سيبني يا جدع أنت وهملني اربي الراجل النصاب ده.
_ يا أستاذ عيب كدا، أنا لحد دلوقتي مش راضي أتغابى عليك..
نبس بها "هنادي" بنفاذ صبر... ليغضب الأخر ويهزه بعنف قائلًا بغضب:
_ تتغابى على مين يا قليل الحيا انت.. ده انا هفرج عليك الخلق كلها..
اشتعل "لؤي" غضبًا من تطاوله على خاله... ليدفع الرجل بقوة يبعده عنه.. وبعدها وقف أمام خاله جاهرًا بصلابه ووعيد:
_ أحترم نفسك واتكلم مع خالي بأدب ولو عندك مشكلة قولها ولو عندك حق هتاخدو لكن بأحترام مش بالبلطجه وقلة الأدب..
تقدم رجل من الاربعه يصرخ به بغضب قائلًا:
_ أنت عارف نفسك بتكلم مين، ولو خايف على نفسك ابعد أنت عن الموضوع وملكش دعوه بيه..
رد عليه بتهكم ساخر قائلًا:
_ لا تصدق انا خفت وكشيت.. يا مامي..
جهر ذلك الذي كان يمسك بخاله بتهكم واهانه:
_ مامي!! ما أنت طالع لخالك عيل منسون..
أمتعضت ملامحه بغضب وصرخ قائلًا:
_ أقسم بالله لولا أنك راجل كبير لكنت عرفتك مين اللي منسون دلوقتي... وأهانتك ليا ممكن اعديها لكن خالي لا...
_ هتعمل ايه يعني؟ يا حليتها..
قالها احدهم... لينظر له " لؤي" بحده قائلًا بذكاء وخبث:
_ لا انا مش حيلتها.. عندي أخ اكبر مني يبقى مقدم كبير وليه سيط في الدخليه مهو شبه أبوه اللوا "صفوت الشربيني" ده لو أنا كرائد معرفتش اعمل حاجه.. نشوفهم هما يمكن يعملوا... خصوصًا لو بلغتهم انكم اتعديتوا على خالي.. أنتوا مش متخيلين خالي ده بالنسبالهم ايه..
"ولا حاجه"..
نبس بها" هنادي" بصوت منخفض سمعه "لؤي" فقط والذي تمسك بنظراته الحاده.. التي يرمقها بهم..
أصفرت وجوههم وتراجعوا خائفين من مكانة الذي أمامهم..
ليتحدث الرجل يشرح له بتقهقر واضح:
_ ما هو اللي ضحك علينا وغفلنا..
_ عمل ايه يعني؟
أستفسر بحده وضيق.. ليتابع الرجل قائلًا بقهر:
_ جبت مراتي ومرات أخويا يكشفوا عنده على أساس انه ست لما الناس دلونا وقالولنا ان"هنادي " احسن دكتور نسا في المنطقه.. دخلناهم جوة وثواني وسمعناهم بيصرخوا وينادوا علينا.. دخلنا واتصدمنا ان الدكتور "هنادي" طلع راجل مش ست.. يبقى ضحك علينا ولا لا..
صمت عم المكان ولم يقطعه سوا ضحكات "لؤي" العاليه والتي انتشرت بالغرفه باكملها.. استند على خاله الحانق.. النازق للموقف باكمله... والذي قال بنزق وهو يدفعه عنه:
_ ضحكتك أوي دي، عاجبك اللي بيحصلي بسبب جدك الله يرحمه.. كان لازم يمشي كلمته ويعند مع ابويا ويسميني كدا...
_ ما أنت عملت كدا مع أبويا ورحت سميتني "لؤي" من وراه...
ضحك الأثنان بغلب و يأس متكئين على بعضهم...
_ أنتوا بتضحكوا على ايه وسيبينا في النصيبه اللي أحنا فيها..
قالها ذلك الرجل الغاضب.. ليعتدل لؤي ويواجهه قائلًا بصبر:
_ ما انا مش فاهم المفروض نعمل ايه، الموضوع كله سوء فهم منكم..
_ ازاي يعني؟ وبعدين ليه محدش قالنا انه راجل..
رد عليه بحنق بسبب عنده وغبائه:
_ وهما هيعرفوا منين انك فاكرو ست، هو قاعد جوه مكتبه واللي بيدخل بيكشف عليه.. الغلط من عندك أنت مسألتش وأستفسرت ليه؟
_ يمكن عشان أسم "هنادي" بنسميه للستات وبس..
قالها أحدهم بسخريه... ليصرخ "لؤي" منهيًا الأمر قائلًا:
_ أقسم بالله لو ما مشيتوا دلوقتي بالذوق لـ بتلفون واحد بس هلمكم في بوكس واعملكم محضر تعدي وتطاول على دكتور أثناء فترة العمل وتعرض المرضى للتوتر والذعر ودول ستات حوامل يعني وروني مين هيطلعكم بعدها..
قذف الخوف بداخلهم ليحثوا بعضهم على المغادرة قبل ان ينفذ تهديده لهم..
دقائق وكان يجلس أمام مكتب خاله والأخر أمامه ينظران إلى بعضهم البعض في صمت...
ثواني وأنفجر الأثنان ضاحكين بوقت واحد على سخرية الموقف بأكمله...
نبس "هنادي" من بين ضحكاته قائلًا:
_ أنا شفت كتير بسبب اسمي ، بس اللي حصل انهارده ده مستحيل انساه لاخر عمري..
أجابه الأخر بنفس نبرته:
_ بصراحه ولا انا، وبالذات لما علقت على كلامي لما كذبت عليهم... مسكت نفسي من الضحك بالعافيه..
رد عليه بحنق:
_ ما أنت اللي كذاب ومستغل... دول لو عرفوا باللي حصل مش بعيد يكرموهم على اللي عملوه فيا..
ضحك قائلًا:
_والله الحاجه الوحيده اللي واخدها منهم هي مكانتهم اللي بهدد الناس بيها.. وغصب عني يعني ناس زي دي لازم تخاف عشان تجيب وراا..
_ أنا تبهدلت منهم أوي.. الراجل حمار و مغلطني أنا..
ضحك بقوه لتمتعض ملامح خاله حانقًا منه...
وقف "لؤي" قائلًا بحبور وحماس...
_ ايه رأيك اعزمك على الغدا بما ان المرضى كدا كدا طفشوا ومفيش حد برا...
وقف الأخر موافقًا بغلب:
_ يلا.. اهو اعوض نفسي عن اللي حصلي ده بغدوا حلوه..
_ ربنا يستر.. شكلك هتفلسني انهارده..
همس لنفسه بها.. ليتحرك مع خاله إلى الخارج وهو يحاوط كتفه بحب... يشاكسه تاره ويذكره بما حدث ليضحك الأثنان متجاهلين اي شيء يعكر صفوهم..
________________________
جلست على تختها بحزن دفين بعدما نظفت المطبخ و اعادت كل شيء إلى محله..
تتذكر انهياره وعتابه المؤلم لقلبها..
تجهل ماذا تفعل وماذا تخبره..؟
هل تخبره بتهديده لها.. هل تخبره ماذا فعلوا بها وهو بالسجن؟ هل تخبره كيف عاشت مع الأخر طوال فترة زواجها منه؟
ألا يمكنها ان تعيش معه وتعوضه هو وتنسى هي بجواره كل ما حدث!! هي كانت ستعمل بنصيحة والدها و"سكن" وتبدأ معه من جديد فقلبها مازال ينبض بحبه وكلها تتمنى قربه لكي تشفي دواخلها وتطمئن أنها أخيرًا أصبحت بخير وله..
مرت الساعات ببطء يؤلم قلبها تنتظر عودته والأطمئنان عليه.. تأخر الوقت كثيرًا وهو لم يعد ولا تحمل رقمه حتى تحاول الأتصال به..
التقطت هاتفها وضغطت على الرقم الوحيد الذي دونته اليوم.. بجانب رقم والدها والذي لن تخبره بما حدث فهو مريض وتفضل أبعاده عن موسى وهو بحالته تلك...
ثواني وسمعت صوتها وهي تشاكسها قائلًا:
_ العروسه بتتصل بيا دلوقتي ليه؟ ايه يا مزه عريسك طفش ولا ايه؟
_هو فعلاً طـفـش!
قالتها بغلب وحسره.. لتنتبه الأخرى لتغير نبرتها وكأنها كانت تبكي.. لتتحدث تلك المره بجديه قائلًا:
_ ليه؟ وبعدين صوتك متغير وكأنك كنتي بتبكي، حصل ايه؟؟
أنفجرت "ساره" باكيتًا وهي تقص عليها ما حدث وأختفائه منذ الصباح... لتضيف أخيرًا بحزن من بين شهقاتها:
_ أنا خايفه عليه أوي، خايفه يكون حصله حاجه وأنا مش معايا رقمه حتى..
_ وليه محكتيش ليه كل اللي حصلك، وأنك اتعذبتي أكتر منه كمان!
اجابتها بضعف:
_ مش دلوقتي، مش هينفع احكيله واعرض حياته للخطر.. افرضي راحله وحاول ينتقم منه والتاني شراني وممكن يقتـ ـله ولا هيهمه... انا هعمل ايه.. والله لو حصله حاجه مش هسامح نفسي ولا هعيش يوم مرتاحه..
تألمت لها ولما تعيشه وتحمله بداخلها قائلًا بهدوء:
_ منه لله، ربنا ينتقم منه ويبعده عنك، ويحس بيكي جوزك بقى ويعوضك.. ده أنتِ رميتي نفسك في النار عشانه وبتحبيه أكتر من نفسك...
أضافت بحسره:
_ أمال المسكين اللي معايا ده، اللي مش واخد مني غير النكد والعياط يعمل ايه؟
_ يعني اللي معايا انا، كنت اديته ايه؟ غير البهدله والحبس والكسره.. ده اتسجن واتشرد واتفضح وشاف المر بسببي أنا وأمي..
ردت عليها "سكن" بتهكم قائلًا:
_ اهي أمك دي بعد اللي عملته فيكي، خلتني أحمد ربنا على أمي... طلعت ملاك جنبها..
تنهدت "ساره" بهم.. لتقول سبب اتصالها بها في هذا الوقت:
_ سيبك من كل ده دلوقتي..أنا أتصلت بيكي عشان عايزا رقم "موسى" ممكن تقولي لجوزك وتبعتهولي..؟
_ طب هطلب منه رقمه أزاي مهو اكيد هيستغرب وهيسألني عن السبب..
قالتها بحيره.. لتجيبها الأخرى بنفاذ صبر:
_ أتصرفي يا "سكن" ده جوزك، المهم بعد عشر دقايق تبعتيه..
قفلت بوجهها بعد ان انهت حديثها.. لتهمس الأخرى قائلًا بضيق:
_يعني عشان أنتِ تطمني على جوزك، تورطيني مع جوزي أنا!
ازعنت لرغبة صديقتها الجديده وقررت المخاطرة والأتصال به.... ضغطت على زر الأتصال ليأتيها صوته الشجي قائلًا:
_ تكون قاعد في حالك وبتشتغل والجو عادي وفجأة وبسبب اتصال الأبتسامة تنور وشك وقلبك يدق وكل العادي يبقى مش عادي خالص بصراحه..
أبتسمت بخجل من اطرائه وحديثه المعسول... لتتحدث قائلةً بخجل:
_ عـامل ايه؟
_ بفضل الله وبنعمة وجودك، أنا فأحسن حال.
ترك مقعده والذي كان يعمل عليه ومن ثم جلس على التخت يجيبها بوله.. لترد عليه قائلةً بهدوء:
_ يارب دايمًا.. بابا "نعمان" وماما "ليلى" ونعيم عاملين ايه؟
_ بخير الحمدلله، أنتِ عامله ايه؟
_ الحمدلله بخير..
اجابته بهدوء.. لتصمت ولكنها تفكر كيف تاخذ منه الرقم من دون أخباره عن السبب.. سمعت صوته الهادئ قائلًا:
_ حابه تقولي ايه يا "سكن"؟ أنا سامعك.. اتكلمي..
غضت على شفتها بحرج فقد علم انها ترغب بقول شيء.. ماذا ستفعل الأن؟؟
_ انا.. أنا يعني.. بسلم عليك وكدا... أنت كويس؟
أبتسم بصبر يجيبها:
_ الحمدلله..
= يعني مرتاح وبخير..
_ زي الفل الحمدلله..
= يعني كل حاجه تمام معاك..
_ آه، الحمدلله..
= طيب الحمدلله..
ظلت تراوغ وتتهرب من الحديث، وهو متقبلًا كل ذلك، يطاوعها حتى يعلم منها سبب أتصالها.. والذي لن يتركها إلا بعدما تخبره به..
تابعت ما تفعله جاهلتًا من اين تبدأ طلبها الغريب بالنسبه له..
_ ورجل أخوك عامله ايه دلوقتي؟
وقف بالشرفه يتنفس بعمق وقد سأم من تهربها.. هل مازالت خائفه منه للأن ولا تثق به حتى تحتاج إلى كل تلك المقدمات!!
اجابها بهدوء ولوم :
_ ممكن تسيبك من رجل اخويا، وتقوليلي سبب أتصالك بيا ومحتاجه ايه؟ هو أنتِ لسه خايفه مني؟؟
أسرعت تنفي حديثه قائلًا:
_ لا.. لا والله ابدًا مش خايفه منك يا" معين"..
_ طب ما تحكي فيه ايه؟
اهتز الهاتف معلنًا عن رغبة اتصال صديقتها بها.. شعرت بالارتباك من الضغط عليها ولم تعد تعلم ماذا تفعل..
فاندفعت قائلًا بتهور:
_ عايزه رقم صاحبك" موسى "!
_____________________________
وهناك على سطح البنايه كان يجلس متكورًا من سقعه الجو.. أعتاد تلك السقيعه يتذكرها جيدًا فقد كانت تلقيه على السطح وتعطيه شرشف خفيف رغم شدة البرد وخاصةً ببلدته هو..
كان يتكيء على الكنبه من خلفه يسبح في ذكرياته المؤلمه... يتيم.. مشرد.. خادم.. عاشق.. ذليل.. سجين.. مكسور... وغيرهم.. عاش كل ذلك رغم صغر سنه وظهره المكشوف ليتمه..
أنين... كل ما يخرج منه أنين من شدة الألم والضعف.. فرغم أنه قضى اليوم بداخل مطعمه حابيسًا داخل مكتبه لم يأكل اي شيء... وبعد ان انتهى من هناك جاء هنا ينزوي بنفسه ويُرثي حاله.. لا يرغب برؤية أحد... فهو نادم على انفجاره بها... كارهًا ضعفه هذا...
آهٍ خافته صدرت منه... تشير إلى اي مدا اشتد عليه الألم والحزن... آهٍ لم يعتد على النطق بها يومًا ولكن رغمًا عنه تخرج منه...
شعر بجلوس احدًا بجانبه لينظر له بنظره لن ينساها الأخر مهما مرت السنين... أقترب منه ومسك وجهه قائلًا بوجع:
_ متعملش في نفسك كدا، محدش فيهم يستاهل يا" موسى"..
ارتمى عليه الأخر يتشبس به وكأنه وجد منقذه وملاذه أخيرًا... قائلًا بحرقه وألم:
_ كسروني.. داسـوا عليا يا "معـين"...
مَالِي سِوَاكَ مُعِينًا هَادِيًا أبدًا
أرشِد فُؤَادِي فَقَد تَاهَت بهِ السُّبُلُ
مقتبس...
________________________
يتبع....
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل ❤🥰
دمتم بافضل حال ❤
ميريـت