براءة الذئب

براءة الذئب

65 0

تأتي الشَّدائدُ ساعةً وتغيبُ

وتلُوعُكَ الأيَّامُ ثُمَّ تطيبُ

ـ

هيَ هكذا الدُّنيا وهذا حالُها

ما كُلُّ شِرْبٍ في الزمانِ عَذِيبُ

ـ

إنَّ الرضا عند النوائبِ سلوَةٌ

والصبرُ إنْ حلَّ الأسى تطبيبُ

ـ

ما طالَ ليلٌ، أو تداعَت كربةٌ

إلا ولطف الله منك قريبُ

____________________________

داخل مـكتب "لـؤي"...

كان يجلس على مقعده يتصفح الهاتـف بمـلل شـديد، فقد اتـى منذ دقائـق ودلف إلى هنا بسـرعه حتى يتجنب اجواء المـكان الخـانقة..

توقف عن التقليب عندما رأى فيديو لـشاب يـصرخ امام هيئة المحكـمة بجراءة قـائلًا:

_أنا خصيمك أمام اللّٰه يوم القيامة أنا مظلـوم وأنت عارف دا كويس..

ليجيبه القاضـي قائلًا:

‏ _بس أنت أعترفت يا صـالح..

رد عليه الشاب بقوة..

_ادينى صاعق كهربى ودخلنى أنا وأنت في أوضه

‏وأنا أخليك تعترف إنك قتلت السادات !! انا اتكهربت كهربا تكفى مصر عشرين سنة..

ثـم تابع قائلًا بشجاعـة:

_الظابط قالي بنفـسه حتى لو كنت برىء هتشيلها يعني هتشيلها..

انتهى المقطع مع جمـلة..

" رحـم الله كل فقيد مـظلوم وجعـل مـثواه الجنـة "

عـلم ان ذاك الشاب قد عُدم بالفعل ولكن لما يشعر انه يعرفـه وقـد قـابله من قـبل!!

___________________________♕

بـداخل مـكتب الأجتماعات بشركة  "معين"...

كـان يجلس على مقعد جانبي يواجهه" عمار" مقابلًا له..

ليصدح صوت والده الذي يترأس الطـاولة قائلًا بعمليـة:

_النهـاردة فـيه دفعـة جديدة وكذا مهنـدس/ة متخرجين وجايين يـتدربوا هنـا، كل واحد فيكم هيكون مسئول عن تـدريب مهندس فيهم على حسب تخصصـة، يعني عمار الأنشاء والتنفيذ ومعين الرسم والتخطيط وهكذا..

هـمهم الجميع بالموافقة، ليعلن "نعمان" نهاية الأجتماع..

فيقف كلًا منهم مغادرًا الغـرفة، توجه "معين" حيث يجتمع المتخرجين الجدد، ليلحق به "عمار" قائلًا بـرفق:

_لـو تحب انا ممـكن ادرب الأتنـين وأنت أرتـاح؟

اجـابه الأخر بهدوء ممازحًا بسخرية:

_ عشان اشيل ذنـب مستقبل واحـد ضاع بسببك صح؟

نهـره "عمار" قائلًا  بـنزق:

_على فكرة أنت شغلك على ورق، لكن انا اللي بنفذ.

ابتسم "معين" بسخرية قائلًا:

_بتشيل طـوب ورملـة يعني؟ ده أنت بتنزل الموقع تـشرف على الشـغل وبـس.

زفـر الأخر بحنق، يرد عليه بوجه ممتعض:

_على فكره انا كنت عايز اريحك، بس أنت غاوي تعب..

ابتسم "معين" تلك المره بأمتنان قائلًا:

_انا كويس يا ابو همـس، متقلقش عليـا..

ربت على كتفه ودلف إلى داخل الغرفة التي يتواجد بها المبتدئين، ليتبعه الأخر بقلـة حيله، يتركه يفعل ما يريد..

مد "معين" يده كي يـسلم على الموظف المسؤول عنهم لحين توزيعهم بالشركة وكذلك فـعل "عمار" فقد كان رَجل كبير بالعُمر ومن اقدم الموظفين هنا..

جهر الرجل قائلًا بعمليـة:

_اللي متخصص فيكم قـسم معمار ويفهم في التنفيذ والأنشاء يتفضل مع البشمهندس عمـار..

وقـف شاب ذو هيئة مهندمه متقدمًا منهم، ابدى شكره و حماسه للأنضمام لهم بأعجاب وحماس شبابي كبيـر، ليستقر بعدها بجوار "عمار" منتظرًا ما قد يكلفه به..

صدح صوت الرجل مجددًا قائلًا بعمليـة:

_اللي متخصص ودارس تصميم وعندو افـكار وموهـبة في التخـطيط يتفضل مـع البشمهندس معين.

انهى حديثه ينتظر النتيجة، لتقف فتـاة بهيئة انيقـة، جذابه، ترتدي بدله عمليه مع حجاب يخفي القليـل من خصلاتها.. بوجـة فاتن بسبب مستحضرات التجميل التي تفننت بوضعها على وجهها..

تقدمت منهم بخطوات عمليـة ونظرات تتفحص بها "معيـن" والذي اقترب من ذلك الموظف قائلًا بجمود..

_أنـا مش هشتغل مـع بنـات، ابعتها للمهندس مصطفى..

انهى حديثه ثم ابتعد عنهم تاركًا المكـان والأنظار كلها موجهة علـيه..

___________________________

عـودة إلى "لـؤي" الذي خـرج من المكتب متجهًا إلى مـدير القسـم بأكمله، فقد تذكر كل شيء بخصوص ذلك الفتـى وما حدث بينهم، تذكر حين اخذه إلى منزله وقابل والده، الرجل البشوش ذو القلب الطيب والذي احسن استقباله واصر عليه بأن يجلس ويأكل معهم، لقد كان ابـنه الوحيـد وكل ما يمتلك، كيـف تحـمل فقـدانه إلى الأبـد؟!

دفـع الباب بحده وعدم مبالاة، يشعر بالغضب والكره اتجاه كل شيء هـنا..

وقـف مـدير القسـم بصدمه من فعل الأخر، ليجهر قائلًا بصرامه يعنفه بها:

_ايـه التصرف الهمجي ده يا حضرة الضابط؟

تقدم "لؤي" منه ضاحكًا بسخرية نالت استغراب الأخر.. ليتقدم لؤي منه قائلًا بانفعال وسخط:

_حضـرة الظابط!! لو تعرف بكـره الكلمـة دي دلوقتي قد ايـه مش هتقولها..

كاد ان يتحدث الأخر ولكن قاطعه "لـؤي" حين وقف يواجهه من الناحية الاخرى من المكتب واضعًا يديه عليه وهو يقول بنبرة حـاد منفعله:

_انا عايز اسأل سؤال واحد بس، لـيه؟

_لـيه ايـه؟

تسأل الأخر بصبر وداخله يحترق غضبًا من افعاله ولكنه يعلم مكانة والده لذلك سيجاريه حتى يذهب من امامه.. اجـابه "لـؤي" وهو يضرب على المكتب بقوة، صارخًا بغضب:

_ليـه احنا ظُباط؟ ليـه اتعلمنا واتخرجنا وادربنا عشان نكبـر ونترقـى ونكون اعلى واعلى، ليـه شايفين نفسنا اننا لينا الحق نتحكم في حياة الناس وننهيها عشان بس احنا اعلى منهم وعندنا منصب وقـوة ؟! وليـه بنكرر طول الوقت اننا مسؤولين عن حماية الناس والعكس هو اللي بيحصل..

تهجم وجه الأخر من حديثه وخاصةً عندما لاحظ تجمهر الجميع بفضول امام مكتبه..

لينبس قائلًا بأمـر وحـده:

_أنت شكلك تعـبان واخر حادثـه لسه مأثرة على مخـك، عشان كدا خد اجازة مفتوحه وروح بيتك لحد ما عقلك يرجعـلك..

كان يتنفس بقوة، داخله ثائر ومتألم، يحترق وهو يتذكر ما حدث لذلك الشاب البريء..

_اللي محتاج يرجعلـه عقـله صـح هو أنـت وكل شخص مسؤول عن اللي حصل لـصالح..

لم يتحمل اهانته له، لذلك صرخ بغضب ينهره:

_احترم نفسك يا حضرة الضابط وشوف بتكلم مين؟ اللي بتعملـه ده مش هيعدي بسـهوله..

_اقولك حاجه؟

نـطق " لـؤي " بتلك الكلمات بسـأم وسخط، لينزع النجوم التي تزين كتفه بقوةً، يلقيها على المكتب بعدم اهتمام وهو يقول بعصبية مفرطه:

_ادي اللي شايفين نفسكـم بيها، وعاطين الحق لنفسكم انكم تدوسوا على الناس بسببها، انا مستقـيل وحـق الواد الغلبـان اللي لبستوه جريمـة واتعـدم انا هـرجعـه..

انهـى حديـثه وهو يخـرج من المكان  يدفـع كل من يقـابله، ليدلف إلى مكـتبه يأخذ كل شيء يخصـه واهمهم الأوراق التي تثبت براءة "صـالح"..

___________________________

_انـا عندي فكره ممكن تعجـبك..

نبست" وعـد"بتلك الكلمات ببشاشه وهي تنظر لـ "سـكن" التي كانت تجلس على الأرضية بداخل غرفتها تُحيك بعض القطع الفنية بيديها..

لتنـظر إلى الأخرى  بتسأل فاتر:

_فكـرة ايـه؟

تركت "وعد" مكانها واقتربت تجلس امام "سكن" قائلةً بحماس:

_ايـه رأيك تعملي بيدج وتصوري شغلك وتنزلي الصور عليه؟ كـدا الناس هتشوف الحجات اللي بتعمليها وتسأل عن المكان وتنجحي أكتـر؟

تنهدت الأخرى بتبلد وعدم شعور بالطـاقة، قائلةً:

_اهي الحجات قدامك لو عايزة أنتِ تصوري وتنزلي براحتك، لكن انا تعبانه الفترة دي وبعـمل الجدول بتاعي بالعافية..

تركت ما بيدها ووقفت بصعوبة، تشعر ببوادر الأعياء والخمول، لتتجه ناحية المبرد، تخرج منه الأبرة المعتادة علـيها، تغرزها تحت جلد معدتهـا كما تعلمت من الطبيبة كيفيـة القيام بها..

______________________________

بـمنزل "مـوسى"..

كانت" سارة" تُعد الـشاي بداخل المطبخ، بينما يجلس "موسى" برفقة والدها في الخارج والذي جهر قائلًا بأهتمام:

_هي سـارة شكلها تعبانة كدا ليه؟ انتوا متخانقين!

نفس الأخر عقب السيجارة التي بيده، يجيبه بضيق قائلًا:

_اهـي على الحال ده وقالبة وشها من أسبوع، مش عارف اعمل معاها ايـه؟

تجعد جبين الأخر بأستغراب، ليتسأل بجدية:

_من غـير سبب!!

قص له ما حدث بأختصار، ليتنهد الأخر بضيق، قائلًا بتـروي:

_متسبهاش لدماغها يا موسى، اتـكلم معاها وحاول تخرجها من اللي هي فيه، بنتي تعبت كتير في حياتها وشافت من امها وطارق اكتر... أنا اللي هقولك تتصرف ازاي!!

زفر الأخر بقلـة حيله، ينظر لها وهي تتقدم منهم.. تضع الشاي على الطاولة ثم تجلس بجوار والدها قائلةً:

_بابا هو أنت هتفضل تتنقل من فندق لفندق كدا! مقررتش لسه هتستقر هنا ولا في البلد؟

ربت الأخر على رأسها بحنو، يجيبها ببشاشة قائلًا:

_انا مليش غيركم في الدنيا دي والعمرو خلاص معدش فيه قد اللي راح..عشان كدا قررت اسكن في شقة هنا فوق منكم، موسى قالي ان صاحبتها سابتها وخلاص اتجوزت..

اقتربت منه تحتضنه بقوة، قائلةً بسعادة حقيقة:

_الله بجـد، يعني هتفضل جنبي دايمًا..

نظر موسى لفعلتها بحنق، قائلًا بسخط:

_اللي يشوف حالتك دي يقول اني بعذبك وباكل منابك!! ده انا مشفتش الضحكة دي من يوم ما اتجوزنا؟

ضحك "نصران" عاليًا لتنظر هي له بحده قائلةً :

_تقـصد انـي نكـديـة يعني؟

_والله شوفي أنتِ بقى  امتى اخر مرة ضحكتي في وشـي ولا هزرتي معايا؟

صمتت تنظر بعيدًا عنه بضيق شديد، ليجهر "نصران" قائلًا بجديـة:

_طب قـوم أنت يا موسى شوف شغلك وانا هقعد مع بنتي اتكلم معاها شويه..

_______________________

بـالشـركـة...

دلـف "نعمان" إلى مكتب أبنه بدون اذن منه على غير العادة...ليقف "معين" ينظر إليه بأستنكار قائلًا بهدوء:

_خـير يا بابا؟ اول مره تـدخل بالطريقة دي؟

اجابه الأخر بصوت يظهر فيه ضيقه وعدم صبره:

_يمكن عشان خلاص جبت اخري منك، ومش عاجبني حالك ده..

اتسعت بؤبؤ عينيه بأستغراب من اسلوب والده الذي يراه لأول مره، ليتقدم باتجاهه قائلًا برفـق:

_اهدى بس يا عـز الدنيا وقولي انا عملت ايه عشان تقول كدا؟!

هـدأ "نعمان" قليلًا حتى لا يُحزن ابـنه ولكن هو قلق عليه، يقلق من صمته هذا وهدوئه الغريب بالنسبه له.. لأول مره لا يتحدث معه او يحكي له ما بداخل قلبـه.. لقد تعود على ان يأتي إليه ويخبره بكل شيء ولكن تلك المره لم يفـعل!!

_ليه رفضت تدرب البنت وعملت عكس كـلامي؟

ابتسم "معين" بخفـةً، قائلًا بتـروي:

_ما أنت عارف اني مش بشتغل مع بنات يا بابا!!

جلس "نعمان" على المقعد خلفه بصبر ثم اجابه وهو ينظر له بجديه:

_كل حاجه بتتغير مع الوقت يا معين، سـلمى تبقى بنت صاحب عزيز عليا وعايزك أنت اللي اتدربها..

_بـس!!

_مفيش بس، ايه هترفض طلبي يا معين؟

قاطعه بحـده خافته، ليزعن الأخر إلى طلبه بقلة حيـله...

_____________________

في المساء...

كان "لؤي" قد احدث ضجة كبيرة، لقد نشر كل شيء بمساعدة صـحفي صديقه، يعلم انهم فعلوا شيء جرىء ولكن الحق حـق وهو وان كان ضعيف وخائف طوال حياته لن يفعل ذلك الأن..

توقف بالسيارة امام بناية قد اتاها من قبل برفقة "صالح"..

ليدلف إليها ثم يصعد الدرجات حتى توقف امام شقة معينة..

دق على الباب بخفة دقات ضعيفة، ليفتح الباب بواسطة شاب يماثله في العمرو كان قد قابله المره الماضية...

لم يكد ينبس بحرف حتى باغته الأخر بلكمة قويـة جعلته يسقط على الأرض متألمًا وهو يسمع صراخ الأخر قائلًا بقهر:

_ولسه ليك عين تيجي لحـد هنا؟ غـور من قدامي بسرعه وألا هقـتلك.. أنت فاهم هقتلك..

سعل" لؤي" بألم، تجاهله وهو يحاول الحديث قائلًا بصعوبه:

_ اسمعني بس، انااا أنا عـايز اتكلم مع أبو صـالح..

انقض عليه الأخر قابضًا على تلابيبه بقوة، يعيد ضربه قائلًا بغضب:

_عايز تقابله عشان تقهـره وتوجعه اكتر ما هو موجوع؟ انتوا لا رحمين حد ولا سايبين رحمة ربنا تنزل!!

اتى صوتًا من خلفه قائلًا بضعف ووهن:

_سيبـه يا عبد الله، سيبه يا ابنـي يقول اللي عندو..

ابتعد عنه "عبدالله" قائلًا بحده وقهر:

_يقول ايه ها؟ وجاي ليه اصلًا! كان فين واحنا بندور عليه ولما رحنا لحد بيته وابوه طردنا وزلنا؟ كان فين وصالح بيستنجد بيـه وواثق انه هيساعده؟ كان فين وهما بيعذبوه لحد ما خدو حياته منـه؟

بكى الرجل بضعف وقهر على فقيده الغالي، ليبكي "لؤي" معـه وهو يعاود الوقوف قائلًا بصدق:

_اقسم بالله، اقسم بالله لسه عارف انهارده بكل اللي حصل، انا الأسبوع اللي فات كله مكنتش في بيتنا والله.. حصلت معايا حادثـه خلتني بنام اكتر ما بكون فايق وكنت قاعد عند خـالي ولسه انهارده بس رجعت الشغل..

تخطى الأخر وهو يقترب من والد "صالح" يقبض على يده قائلًا برجاء وحزن:

_يعلم ربنا اني كنت بعزه وعملت كل حاجه عشان اساعده لما شفته، بس المره دي كان فات الآوان..

بكى بحرقه وهو يتابع قائلًا بصدق وألم:

_أنا سبت الشغل وعملت خناقة مع المدير ونشرت الأدله اللي تثبت براءة صالح في كل مكان، انا عارف ان ده كله مش هيرجعـه بس ده اللي قدرت عليه والله..

ربت الأخر على كتفه بحنـو، قائلًا بـتسامح:

_وانا مكنتش عايز غـير كدا، ان الكل يعرف ان أبـني مش ارهــ.ـابـي وانه مظـلوم..هو اكيد في مكان احسن من الدنيا دي، العذاب والابتلاء اللي عاشـه وشـافه ربنا هيعوضـه عنـهم في اخـرته ان شـاء الله.

_ بس انا كنت اقدر انقذه وخذلته، تـفتكر ممكن يسامحنـي؟

قال كلماته بحـزن شديد يختلط بالندم، ليرد عليه الأخر بحكمـه وصبر:

_الموت مفيش منه مهرب وده كان اجلـه، اللي حصل كان سبب بس والحمدالله انا صابر على ابتلائي لحد ما يجـي يومـي واحصـله...

___________________________

بـداخل غـرفة "مـازن"..

كـان سينفجر من شدة الغضب والقلق بنفس الوقت على ما فعله شقـيقه... فالمركز بأكملـه مقـلوب عليه والجميع يتحدث عما فعـله، لا يعلم اين ذهـب وكيف يخـرجه من ذلك المأزق؟

دلفت بتلك اللحظة" مـريم" إلى الغرفة بعدما عادت للتو من العمل وقد مرت على الشقة التي استأجرتها من قبل واحضرت اغـراضها منها.. لتجده يجوب الغرفـة ذهابًا وآيابًا بوجه متهجـم..

_متقـولش ان أبـوك تـاب إلى الله ووقف حالنا لا!

نبست بتلك الكلمات بسخرية وهي تترك الحقيبة من يدها، لينظر هو لها بسخط قائلًا:

_خـفة دمـك دي مش وقتهـا خالص، اسكتي..

رفعت حاجبيها بأستنكار، لتقترب منه وتقف امامه تضربه برفق على معدته قائلةً بحده:

_ولو مسكتش! هتعمل ايه؟

نظر لها بدهشة بسبب ردة فعلها تلك، ليقبض على خصلات رأسها، يشده بخفه قائلًا بضيق:

_بـت أنتِ عدي ليلتك، انا مش ناقص جعفر اللي جواكي دلوقتي..

_بـت!!! بقى انا يتقالي بت؟!!

صرخت بوجهه بتلك الكلمات بعصبية مفرطة، تراجع هو إلى الخلف على اثـرها، ليجهر قائلًا بتهكم:

_يعني جعفر عادي وبـت هي اللي عصبتك!

نظرت له بشـر وحده وهي تتنفس بعصبية، لتتجعد ملامحه بأستغراب من حالتها تلك..

عـلم ان حـدث معها شيء وتنفس غضبها به، لذلك فتح ذراعيـه قائلًا بتفـهم وكمحاوله لا يعلم لما يفعلها:

_تعـالـي..

نـظرت له بسخط شديد ثم اقتربت منه ودعست على قدمه قائلةً بسخرية:

_انتـوا مش بتعرفوا تـداو، انتـوا بتكسروا بس.

كتـم تأوه كاد ان يخرج منه بسبب قوة حركتها تلك، ليتجاهل حديثها، جازبًا اياها إلى داخل عنـاق قوي، يحتويها بداخل احضانـه.. لتتسع عينيها بصدمةً من فعلته المفاجأة لها..

ربت هو على ظهرها ثم مسح بيده على خصلاتها قائلًا بحـنو بالـغ:

_عـندك حـق، احنا وحشيـن اوي ومش عارفين قيمة وجودكـم... مفيش راجل عندو قلـب يكون سبب في وجـع بنت زيك يـا مـريم..

كانت تدفعه وتضربه بقوة على صدره، تحملها هو بسعة صبر حتى سمعت حديثـه، فردت عليه قائلةً بقـهر ونفور:

_انا بكرهكـم، بكرهكم يا مـازن، ابعـد عنـي انا مش طايقة قـربك..

احكـم ذراعيه حولها، خافضًا راسـه يضمها إليه وهو يقول بصـبر:

_اهـدي الأول وأنا هبعد، ارتاحـي يا ميـمو وانا هكسر دماغ ألي زعلك..

هدأت قليلًا، متجاهلةً تدليله لأسمها.. تناطحه قائلةً بوجوم:

_انا اقدر اكسر دماغوا لوحدي..

_طب هساعدك؟

_ساعد نفسك الأول، وابعد كدا، انا مش بحب حد يحضنـي..

قالت كلماتها بعصبية وهي تحاول ابعاده، ولكنه احكم حصاره عليها، ليرفع رأسه يواجهها بنظراته قائلًا بدهـاء:

_طب ممكن تساعديني انا في مشكلتي؟

لقد جعلها تشعر انه بحاجه إليها من خلال طلبه هذا، والنتيجة ظهرت عندما استكانت بين يديه تنظر له بفضول قائلةً بتسأل:

_أساعـدك أزاي؟

صـدح صوت شقيقه بالأسفل وكذلك والده، لينظر لها نظرةً فهمت هي بها ما ستفعـله..

بالأسفل..

وبعدما دلـف "لؤي" إلى المنزل بعدما عاد أخيرًا وجد والده ينتظره بالفعـل والذي جهر قائلًا بغضب:

_انا عايز اعرف دلوقتي عقلك كان فين وانت بتتخانق مع مديرك وتهينه في مكتبة، لا وكمان رايح تنشر ورق هيقلب علينا الرأي العـام كـله، هو انت عايز تشلني ولا عايز ايه بالظبط؟

كان يستمع له ببرود شديد، تركه ينهي حديثه لجيبه هو بجمود:

_اللي عايـزة عـملته خلاص، ظهرت براءة صالح واستقلت من شغـلي كـله..

اشتعل "صفوت" غضبًا، ليقف امامه قائلًا بحده:

_أنت هتروح تعتذر من مديرك وترجع شغلك تاني، اما اللي عملته فالناس هتفضل تبعبع يومين وهينسوا الموضوع خالص..

تعالت انفاس "لؤي" بأنفعال صارخًا بوجهه بغضب:

_أنا مش مصدق اللي بسمعه، أنت ايه بالظبط مستحيل يكون عندك قلب ولا بتحس زينا؟!

_لـؤي، لـؤي اهدى..

قال"مازن"تلك الكلمات وهو يبعده عن الأخر حتى لا يؤذيه، بعدما هبط برفقة "مريم" إلى الأسفل بسرعة، مهرولًا اتجاه شقيقه...

جهر "صفوت" بوجه متهجـم قائلًا بأمر:

_خـد أخوك يا مازن وفهمه انه يعمل اللي قولتله عليـه وو

_مش هعمل، أنت سامع؟ لو مهما قولت انا مش هرجع الشغل ده ولا هسامحك على كل اللي عملته..

صرخ "لـؤي" بتلك الكلمات بصرامه وحده قاطعًا حديثه، ليرد عليه الأخر قائلًا:

_انا كل حاجه عملتها كانت عشانكم انتوا وبس.

_أنت كنت عارف انه برىء وسبتهم يدوسوا عليه ويعدموه، طردت ابوه وصاحبه اللي كانوا بيستنجدو بيـا صح؟

عاتبه بحرقه، ليرد عليه "صفوت" بتجبر قائلًا:

_كـان لازم حـد يشيلها عشان الناس تـسكت، الناس لو فاقت واتكلمـت وعيونها فتحت، هـتقوم وتغير حياة احنـا بانينها..

نـظرت له "مريم" بأشمئزاز احكمت اخفائه، لتجهر قائلةً بأتفاق معـه وهي تتقدم منهم:

_حضـرة اللوا معاه حـق يا لـؤي، خلي الناس اكبر همها لقمة عيش تتعشى بيها وتنام، وبعدين اللي حصل حصل خلاص.. متخصرش منصبك عشان افكار وكلام تافه زي دي..

رغم استنكاره لحديثها إلا انه لم يهتم، بل علق قائلًا بسخرية:

_شكلك هتتأقلمي مع العيلة بسرعة، بجد ابهرتيني بكلامك..

نظر لوالدته ثم جهر قائلًا بتقريع:

_زي ما غيرك اختار يسكت، يعيش عشان يسمع ويسكت بس..

ابتعد عنهم وهو يتابع قائلًا بأصـرار:

_أنا من انهارده مش هعيش في البيت ده ولا حد فيكم ليه علاقـه بيـا، انسوا انكم تعرفوا حد اسمه لـؤي نهائي..

_______________________

عـاد "موسى" من عمله ليجد زوجتـه تزين الطاوله بكل انواع الأكل الذي يـحبه..

ابتـسم قائلًا بتهكم:

_بركـاتك يا حـاج نصـران..

نـظر حوله يبحث عنها بعينيه، ليجدها تخرج من الغرفة بهيئة فاتنه، مُــهلكة لقلبه، فقد كانت ترتدي فستان قصير أسود مع زهور حمراء صغيرة منتشرة عليه، خصلاتها الشقراء مع بشرتها ناصعة البياض كانت فاتـنه بكل معنى الكلمة..

اخرج صفير من فمه يدل على اعجابه بما يرى، لتتقدم هي منه بتغنج قائلةً:

_عجبـك الأكـل؟

_اللي عملت الأكل عجبتني أكتـر..

ضحكت على غزله وهي تقف امامه، تجيبه برقه:

_يـعني عجبك الفستان؟

اقـترب منها ماحيًا المسافة بينهم، قائلًا بخبث:

_اللي لابـسه الفستان عجباني أكتـر..

نظـرت له بحب شديد، قائلةً بصدق.. تعتذر منه:

_أنا آسـفه عشان أسـلوبي الفترة اللي فاتت وو

قاطعها واضعًا اصبعه على شفتيها، قائلًا بحنو:

_بلاش نتكلم عن الموضوع ده دلوقتي، انسي اللي حصل خالص..

أومات برفق، ليتابع هو قائلًا بخبث:

_انا جعـان اوي..

انتفضت تسحبه باتجاه السفرة قائلةً بحماس:

_انا جهزتلك كل الأكل اللي بتحبه..

جزبها من ذراعها حتى جعلها ملتصقه به، قائلًا بمكر:

_وانا مش عايز غـير أكلـة واحـده وهي أنتِ يا مورة.

________________________

بـمنزل "معـين"...

وبعدما ادى صـلاة العشاء قرر الجلوس قليلًا مع شقيقـه" نعـيم "..

دق على الباب برفق حتى أذن له الأخر بالدخول..

وجده يجلس على مكتبه يـدرس بجهـد، لينبس قائلًا برفـق:

_لو هعطلك امشي..

اسرع الأخر ينفي حديثه قائلًا برحـابه:

_لا، لا انا خلصت اصلًا، اتفضـل..

تـقدم" معـين " منه يساعده على الوصول إلى التخت حتى جلس عليه براحه وفعل هو المثل جالسًا بمواجهـته..

ليجهر قائلًا بمزاح:

_يومين وهنروح نفك الجبس ده ويارب تكون اخر مره بقى.. جسمك مبقاش فيه حته شابكة في اختها.

امتعضت ملامح "نعـيم" قائلًا بسخط:

_بلاش نـبر انا بقى عندي فوبيا من العالم الخارجي، حاسس اني مش عايز اخرج من البيت تـاني.

ضحك الأخر برفق، قائلًا بتعقل:

_تعرف أنك خدت اجر على كل ده، الصبر على الأبتلاء عبادة، والأبتلاء نفسه رحمه من ربنا لينا ليوم الحساب... ابتلاء المؤمن امتحان له … فإذا جاءك قضاء من الله إياك أن تغضب أو تتمرد، لأنك بذلك تطيل أمد القضاء، وعليك أن تصبر، لأنه لا يُرفع عنك القضاء حتى ترضى به.

البلاء ليس ذنبًا، بل هو اختبار من الله ليرفع الدرجات ويكفر السيئات، يبتلي الله بها عباده ليميز الصادق من الكاذب، والمحتسب من الجازع. قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:155].

فالابتلاء قد يكون بالسراء: بالمال والصحة والولد، لينظر الله هل نشكر؟

وقد يكون بالضراء: بالفقر والمرض وفقد الأحبة، لينظر الله هل نصبر؟

قال رسول الله ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه." (رواه الترمذي).

فالابتلاء ليس غضبًا من الله، بل هو رحمة ورفع درجات وتكفير سيئات، وامتحان للإيمان. قال ﷺ: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه." (متفق عليه).

صمت يبتسم له ببشاشه، لينظر له الأخر، قائلًا بحذر

_عشان كدا صابر ومش بتتكلم عن اللي حصل بينك وبين سـكن؟

رغـم انه تأثر عندما ذكر اسمها، إلا انه ابتسم قائلًا بهدوء:

_ده نصيب يا نعـيم والحمدلله على كل حال..

كاد ان يتحدث الأخر ولكن صدح صوت هاتفه معلنًا عن اتصال من "عـمر"، ليغادر شقيقه تاركًا اياها ياخذ راحته بالحديث..

ليجيب على الأخر قائلًا بضيق:

_اهلًا وسهلًا..

تجعد جبين الأخر بأستغراب من نبرته،لينبس مستفسرًا:

_ومالك بتقولها من غير نفس كدا ليه؟

تأفف الأخر بحنق وهو يجيبه:

_عشان معين لسه خارج من اوضتي وشـكله وحالته مخلياني قلقان عليه، اخويا مش هيقدر ينسى أختك يا عمـر..

رد عليه" عمر"بصبر قائلًا:

_ومين قالك اني عايزو ينسى! الموضوع فترة بس وكل حاجه هترجع زي ما كانت..

انزعج "نعـيم" من حديثه، قائلًا بسخط:

_يعني أختك تسيبه يعاني ويتوجع بعد ما تطلق منه والمفروض هو يفضل كدا لحد ما هي تحن وترجع تاني صح؟

_نعـيم خد بالك من كلامك ومتفكرش انها مبسوطه دلوقتي مثلًا؟ هي بتعاني اكتـر منه.

رد عليه بحده خفيفه، لينفعل "نعـيم" قائلًا بعدم تفكير:

_وهو ذنـبه ايـه عشان يتحمـل جنانها؟

صمت الأخر بصدمه من حديثه المهين، ليدرك "نعـيم" ما فعله للتو، كاد ان يعتذر عن زلته ولكن سبقه الأخر مغلقًا الهاتف بوجهه..

‏️حُبُّ النبيِّ على الأنامِ فريضةٌ

لا تنسَ ذكرَ الهاشميِّ الأكرَمِ

ـ

إنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ وسيلةٌ

فيها النَّجاةُ لكلِّ عَبدٍ مُسلِمِ

ـ

صَلُّوا على القمرِ المُنيرِ فإنهُ

نُورٌ تبدَّى في الغمامِ المُظلمِ

مقتبس...

__________________

يتبع...

بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل.... ❤

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هـفوة محببـة

المؤلف ميريـت
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (63)
الفصل 0: نـبذة ✓
2025/11/05
الفصل 1: رفـقًا بـي.
2025/11/05
الفصل 2: كـيف اللـقاء.
2025/11/05
الفصل 3: خـطة ✓
2025/11/05
الفصل 4: ابــتعـد.
2025/11/05
الفصل 5: مجددًا.
2025/11/11
الفصل 6: صداقة.
2025/11/11
الفصل 7و 8: افسدت الامر لكي اصـلحه.
2025/11/11
الفصل 9: اطمئني، انا هنا.
2025/11/11
الفصل 10: يكرههـا.
2025/11/11
الفصل 11: نن عـين امـه.
2025/11/12
الفصل 12: يـقسوا عليه.
2025/11/12
الفصل 13: زوجـتي.
2025/11/12
الفصل 14: صـفعه.
2025/11/12
الفصل 15: مـشاعر مخـتلفـة.
2025/11/12
الفصل 16: يـشعر بالمهـانـة.
2025/11/12
الفصل 17: اطمئنـان.
2025/11/12
الفصل 18: تـجاهـل.
2025/11/12
الفصل 19: مسـحور.
2025/11/12
الفصل 20: هفوات من نوع أخـر.
2025/11/12
الفصل 21: خذلان.
2025/11/18
الفصل 22: سـكن.
2025/11/18
الفصل 23: عـلاقـة معقدة.
2025/11/18
الفصل 24: معين أخـر.
2025/11/18
الفصل 25: لـيلـه حافلة.
2025/11/18
الفصل 26: خسارة قاسية
2025/11/19
الفصل 27: جلب حقـه.
2025/11/19
الفصل 28: ارغب بـ عناق
2025/11/19
الفصل 29: فـاق اخيرًا.
2025/11/19
الفصل 30: سـوء فـهم
2025/11/19
الفصل 31: اشتد عليها الألم
2025/11/19
الفصل 32: إنتحار!
2025/11/19
الفصل 33: مشاعر مضطربة
2025/11/19
الفصل 34: فلاش باك
2025/11/19
الفصل 35: اجتماع مدبر
2025/11/19
الفصل 36: القادم يخفي الكثير.
2025/12/01
الفصل 37: جاء بالوقت الخطأ
2025/12/01
الفصل 38: الوضع سيء
2025/12/04
الفصل 39: حزب نسائي.
2025/12/05
الفصل 40: الماضي يلاحقـه.
2025/12/05
الفصل 41: نصفي الأخر بـخطر.
2025/12/12
الفصل 42: مواساة
2025/12/13
الفصل 43: اعتراف يصاحبه إستحاله.
2025/12/23
الفصل 44: للحظات هادئة
2026/01/01
الفصل 45: بات لـ سكن مسكن
2026/01/01
الفصل 46: الجميع يعاني
2026/01/01
الفصل 47: فـوضى عارمـة
2026/01/21
الفصل 48: غرق بها وهوى
2026/01/21
الفصل 49: اصبح الامر كابوسًا
2026/01/21
الفصل 50: إنتكاسـة
2026/01/21
الفصل 51: انفصال محتوم
2026/01/21
الفصل 52: زفاف كارثي
2026/01/21
الفصل 53: براءة الذئب
2026/01/21
الفصل 54: احيانًا التخلى هو الحل
2026/01/22
الفصل 55: طرق مختلفة
2026/01/22
الفصل 56: موقف محرج محبب
2026/01/30
الفصل 57: اجـواء متوتره
2026/01/30
الفصل 58: لا تعليق
2026/01/30
الفصل 59: بـداية النـهايـة
2026/02/06
الفصل 60: فاجعة مؤلمة
2026/02/06
الفصل 61: ما قبل النهاية
2026/02/06
الفصل 62: النهـاية
2026/02/06
الفصل 63: الخـاتمـة
2026/02/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة