الصَّـلاةَ عَـلىٰ النَّبيِّ وَسِيلَـةٌ
فِيها الـنَّـجَـاةُ لِكُلِّ عَبْـدٍ مُسلِـمِ
صَلُّوا علَىٰ القَمَـرِ المُنِيرِ فـإنَّـهُ
نُورٌ تَبَـدَّىٰ فِي الغَمَامِ المُظـلِمِ
مقتبـس..
__________________________
~بـعد مرور أسبوع ~
كانـت "سـكن" تستعد للذهاب إلى المركز الرياضي حتى تنشط جسدها من الخمول وكما نبهت عليها الطبيبة بذلك، فأن كثرة النـوم والتكاسل سيء جدًا لمرضى السـكر..
_هـا خلصتـي يا سكـن؟
نبست"وعد"بتلك الكلمات، فهي ستذهب معها حتى لا تبقى بمفردها بداخل المنزل.. لتجيبها الأخرى بهدوء:
_هجيب الشنـطة بس..
بنفس اللحظة صدح صوت جرس الباب، لتجهر قائلةً برفق:
_روحي شوفي مين؟ وانا هجيبها بسـرعة.
اومأت لها الأخرى بـبشاشـة، لتتحرك باتجاه الباب تفتحه بدون معرفـة من بالخارج، اهتزت دواخلها حين اسطدمت مقلتيها به، قائلةً بدهشة:
_أنـت؟!
رغـم سعادته برؤيتها إلا انه قرر ان يضع حدود لنفسه بأن لا يتهور بتصرفاته ولا نظراته حتى، لذلك اجـابها بـرفق قائلًا:
_آه أنا، هـي سكـن موجوده؟
ابتلعت ريقها بتوتر تشعر به كلما رأتـه، كادت ان تجيبه ولكن صمتت وتراجعت إلى الخلف عندما سمعت "سكن" تقول بتفاجؤ وسعادة:
_عــمر، أنت هنا بجد؟؟
اسرعت تتحرك باتجاهه، ليسرع هو الأخر يحتضنها بحـنو بالـغ، لتبتسم هي براحه لأول مره منذ ان اتت إلى هنا..
ابتعد عنها بعد وقت كافي لبث حبه ووجوده معها ولها، قائلًا بأهتمام:
_عامـله ايه؟ طمنيني عليكي.
اجابته ببسمـه حقيقية، قائلةً:
_بقيت كويسـه لما شفتك.
ثم تابعت وهي تمسك بيده قائلةً بفضول:
_قولي انت عامل ايه؟ ولقيت شقـة كويسه والنادي قرر ايـه؟
ضحـك برفق، ليرد عليها بـخفه:
_اهدي طيب وهقولك كل حاجه واحده واحده.
جذبـته من ذراعه، تتجه به نحو الأريكة تجبره على الجلوس وكذلك فعلت هي وجلست بجواره، قائلةً بلهفه:
_احـكي بقـى.. اقفلي الباب يا وعد وتعالي اقعدي معانا ..
قفلت "وعد" الباب ثم جلست على مقعد جانبي قريبًا منهم، ليحمحم هو قائلًا بهدوء:
_اول حاجه بعنا البيت اللي في الحارة ومع الفلوس اللي معانا كلنا وبمساعدة الكابتن عُمير اشترينا شقـة كويسه اوي في التجمـع.. كـمان دبرت شغل لبابا في مصنع هناك عشان الدخل..
صمت قليلًا، لتعلق هي قائلةً:
_طـب كويس، واحمـد عمـل ايـه؟
_خـطب هـبة بنت عمتـك..
نبس بها بتهكم، لتتسع مقلتيها قائلةً بعفوية:
_اعـوذ بالله من السلاله اللي هتطلع منهم، ليه يعمل حاجه زي دي!
رفع كتفيـه بـجهل وسخط من فعلته، لتتابع هي بتسأل:
_طب والنادي قرر ايـه بخصوص العرض اللي جالك؟
_وافقـوا..
اجـابها ببساطه فقد اخبرها بشأن ذلك العرض الذي آتاه من فريق محترف غـربي، الحياة تعطيه فرصة ذهبيـة وبعمرو صغير ووقت قصير يحمد الله على رزقـه له.. ولكـن كيف سيسافر ويترك شقيقتيه؟
_طب وليه مش مبسوط! أنت متخيل حياتك هتتغير ازاي؟ انت هتلعب مع فرقة مشهورة وكمان برا مـصر... دي فرصـة اي حد يتمناها!
جهرت بتلك الكلمات بحيرة واهتمام، ليرد عليها الأخر بضيق قائلًا:
_بس برضو هسافر واستقر هناك لحد ما مدة العقد تنتهـي دول سـت سنين يا سكن! هبعد عنك وهسيبك أنتِ و فـرح أزاي؟
رغـم حزنـها من الفكرة، إلا انها ابتسمت ببشاشة وهي تشجعه قائلةً بحماس:
_متخفـش عليـنا يا عمـر، احنا هنكون مبسوطين اوي واحنا شايفينك بتحقق حلمك وناجح، وبعدين ده انا متحمسه اكتر منك.. اخويا هيكون لاعب مشهور اوي في مصر..
تابعت تمازحه قائلةً:
_مش بعيد نستغلك انا و وعد في البيدج ابتاعتنا.
نـظر لتلك الصامته بحب يتدفق بداخله لها، يقسم بأنه سيظل متذكرًا اياها وسيعود يومًا حتى تكون له..ولكن هل هي ستنتظره؟
عند تلك الفكره جهر قائلًا بأندفاع خائف:
_هو أنتِ ممكن تستنيني لحد ما ارجـع من هناك واتـقـدملك؟
شهقت "سكن" بصدمه من حديثه، تنظر لتلك التي اتسعت مقلتيها بتفاجؤ دام لثواني، تستوعب بها ما قاله للتو، لتقف بسرعةً وتهرول إلى الداخل بخجل شديد..
ضربته "سكن" برفق، تنهره قائلةً:
_أنت غبي؟ فيه حد يقول كدا وبعدين البنت عندها اب واخوات المفروض تتكلم معاهم هما..
زفـر بضيق من نفسه، ليدافع عنها رغم ذلك قائلًا:
_ما انا هتكلم معاهم بس لما ارجع، انا كنت عايز اضمن انها تستـناني بـس.
ابتسمت له تطمئنه قائلةً بفرح:
_متخفـش، سيب الموضوع ده عليا واطمـن..
انتفض يمسك برأسها، يقبلها من وجنتها بقوةً، قائلًا بسـعادة:
_حبيبـة قلب اخوها، قومي يلا هاتيها من جوة عشان هفسحكم انهارده اليوم كله قبل ما ارجع عشان اجهز للسفـر..
__________________________
~ بداخـل الشـركة ~
كـان "معيـن" يجلس برفقـة "عمار" بداخل مكتبه، يتناقشان بشأن احدى المشاريع التي قيد الأنشاء، ليجـهر "معيـن" قائلًا بعمليـة:
_عـايزك تركز مع العمال كويس،عشان بيبيعوا المونـى وبيغشوها ودي كارثـه لوحـدها..
اتفق معه الأخر، قائلًا بجـديه:
_متخفش انا مركز معاهم اوي ومش بشغل اي حد برضـوا..
همهم له الأخر بصمت، ليصدح صوت الباب بخفة معلنًا عن رغبة احدهم بالدخول..
أذن "معين" له بالفعل، لتدلف حينها "سلمى" قائلةً بلطف مُفتعل:
_آسفـه لو ازعجتك يا بشمهندس، بس عمـو نعمان عايز مـلف مشروع الفندق اللي اتسلم الأسبوع اللي فات..
مـال "عمار" نحو الأخر يهمس له بسخرية:
_بتقولك عـمو نعمان، اللبس يا معـلم.
تنهد "معين" بضيق من التصاق وحجج تلك الفتاة به وله، ليرد عليها قائلًا بصبر:
_وهـو عمـو نعمان مش عنـدو سكرتير، بيتعبك معاه ليه؟
_تعبـك راحـه، اقصد لا تعب ولا حاجه.. هو بس عايز الملف ضروري والسكرتير مشغول مش اكتر.
اجابته بأرتباك وحـرج، فهـي للحق يعجبها بشـدة، كانت شغوفه للبحث عن اخباره بشدة وتتصفح الموقع الإلكتروني الخاص به دائمًا، وكم فرحت حين علمت بأنفصاله فمن تلك الغبيـة التي تترك شاب غـني و وسيـم مثـله.. كانت تتمنى العمل هنا حتى تكون قريبة منه والأن والده يساعدها بأكثر من ذلك، تشكر تلك الصدفه التي علمت بها ان والدها يعرف "نعمان" وقد تعاون معه عندما تولى بناء الفندق الخاص بـه..
فاقت من شرودها على صوته وهو يمد لها الملف قائلًا بأختصار:
_الملـف اهـو..
التقطته منه وهي تفكر بشيء حتى تتحدث معه، لتجهر قائلةً بلهفه:
_طب وبخصوص تدريبي هنبدأ امتـى؟
زفـر "معين" بضيق من الفكرة، ليرد عليها بيأس قائلًا:
_من بكـره.
__________________________
~ بداخـل منزل هنـادي ~
والذي وقـف امام ذلك الذي يتسطح على الأريكة منذ أسبوع مضى، فقد يأكل ويستحم ثم يعود لها ببلود شديد، يخشى عليه من حالتـه تلك.. عاجزًا عن وجود حـل لأخراجه منها.
_وبعدين؟هتفضل قاعد كدا وفي حالتك دي لحد امتى!
تنهد الأخر بضجرٌ يعتدل جالسًا على الاريكه قائلًا:
_عايـزني اعـمل ايـه يا خـال؟
اجابه"هنادي"بأقتراح وهو يجلس بجواره قائلًا بتـروي:
_تعمل اي حاجه، مش أنت سبت شغلك، دور على شغل تاني او اخرج مع صحابك حتى..
_صـحابي مش فاضيـن وكله فيه اللي مكفيـه، ولو على الشـغل فأنا مش عارف هشتغل ايـه لحد دلوقتي..
اجابه بفـتور، ليربت الأخر على يده قائلًا بحنو:
_طب ايه رأيك تشتغل معايا انا، لحد ما تلاقي حاجه تانيه؟
ابتسم لؤي بسخرية قائلًا:
_وأنا هشتغل عندك ايه؟ هدي حُـقن!!
اجابه الأخر بتهكم:
_لا يا خفيف، هتدخل المرضى وتستقبل المكالمات وترتب الحجز، سكرتير يعني.
نـظر له " لؤي " بتفكير، لينبس قائلًا بأستفسار:
_ على حسب هتديـني كـام؟
_يا عـم بالنـص، ده بعد ما نخرج مرتب عمال النظافة والأدوات الطبيـة.
رد عليه برحابه، ليهز الاخر رأسه موافقًا..
_____________________________♕
فـي المساء..
_متـزعلش منـه يا عـمر، هو مش غلـطان..
نبست "سكن" بتلك الكلمات بوهن بعدما قص لها الأخر ما حدث بينهم، فقد هاتفه "نعيم" منذ قليل ولكن رفض الحديث معه بوجه متهجم، لتلاحظ هي ذلك فتصر على معرفة السبب..
اجابها بضيق شديد وهو ينظر للبحر امامه، حيث اتى بهم إلى هنا بعد يوم طويل قضاه برفقتهم لينهيه هنا على رصيف جانبي ومع اكواذ الذرة الساخنة..
_لا غلطان وناكر للجميل كمان، نسي أنتِ عملتي عشـانه ايـه لما كان مخطوف وكمان يقول عليكي مـ
رفض اكمال حديثه يضغط بأسنانه على لسانه بغضب، لتكمل هي حديثه قائلةً بألم:
_مجـنونه صح؟ بس برضو معاه حـق انا فعلاً مجنونه..
التف بجزعه ينظر لها قائلًا بحده وحرقه:
_لا مش صـح، المجانين فعلاً هما اللي وصلوكي لكدا، المجانين فعلاً هما اللي وصلونا اننا نكره حياتنا ومنعرفش نعيشها، أنتِ اعقل واحسن منهم كلهم يا ســكن..
_متخسرش صاحبك يا عـمر، عشان خاطري..
قالتها برجاء، ليبعد هو نظراته عنها قائلًا بجمود:
_انا كدا كدا مسافر و علاقتنا هتنتهي، المسافات لما بتزيد المحبه بتقل والذكريات بتتنسي..
نظر لتلك التي تلاعب الهرة الصغيرة على مسافة بعيدة عنهم، قائلًا:
_روحي اندهي وعـد عشان اروحكـم وارجع أنا للقاهرة.
__________________________
بداخل غرفة مـازن
كـانت "مريم" تقف في الشرفة وتتحدث بالهاتف قائلةً بـدلال:
_انا مش عارفه أنت مستعجل كدا ليه؟
سمعت اجابته المنمقة، لتضحك بتغنـج قائلةً:
_طبعًا يا حبيبي نفسي أشوفك واحضنك كمان بس الوقـت مش مناسب دلوقتي.
تابعت الرد على اجابته وحديثه المعسول بعدما التفت بجزعها تستند بظهرها على السور، لتجد "مازن" يستند على باب الشرفة مُكتفًا يديه، ناظرًا لها بتأني، لتجهر هي قائلةً بأغواء:
_عـندي أحمـر طبعًا بس افضل انك تشوفه على الطبيعـة..
ضحكت بقـوة على تغزله الوقح، لتنوي انهاء المحادثه قائلةً بـدلال انثوي:
_طـب يا حبيبي، هكلمك بعدين عشان بـابا رجـع البيت وبينده علـيا..
اغلقت معه أخيرًا، لتلقي الهاتف على المقعد بأشمئزاز، تنظر لذلك الذي مثل الأعياء والقي قائلًا:
_يـع بجـد يـع، مش لايق عليكي التصرفات دي ابدًا حاسس اني هرجع..
كتفت يديها تنظر له بسخرية، قائلةً:
_غريبـة يعني؟ فكرت انك هتزعق فيا وتقولي مين ده وتنهيها بقلم على وشـي..
ضـحك "مازن" بقوة على حديثها، ليتقدم منها قائلًا بـمرح جدي:
_ميمو أنتِ اخر بنت ممكن اتوقع انها تحب راجل وتتكلم معاه كدا اصلًا، وبعدين انا لو ضربتك قلم ممكن اخسر ايدي فيها..
نـظرت له بغرابه من تصرفاته المتغيرة معها، فهو يفهم كل حركةً منها ويدعم كل افكارها بدون جدل!
اقترب منها الأخر محاصرًا اياها بينه وبين السور، تاركًا مسافـة بينهم، قائلًا بمكر:
_ألا قوليلي هـو ايه الاحمر اللي عندك منه ده؟
اتسعت مقلتيها بصدمه من سؤاله الوقح، لتبتلع ريقها بتوتر، تُبعد نظراتها عنه قائلةً بتلعثم:
_هـا! لا ده... ده...
انحنـى قليلًا يهمس لها بوقاحـة، مستمتعًا بحالتها تلك:
_ما توريهولـي اعايـنه وأقولك رأيي، ده أنا جـوزك برضـوا..
نظرت له بصدمه اكبر ووجنتين مُحمرة من كثرة الخجل، وداخلها يهتز لكلمة زوجك تلك، لاحظت ايضًا اقترابه الشديد منها، لتدفعه بقوة جعلته يرتد إلى الخلف،قائلةً بحده خرجت مرتبكه:
_ وقـح وقليـل الأدب، طلعت عينك زايغــة وأنا اللي اتخدعت فـيك.
_ما هـي زاغـت علـى مراتـي مش على حد غريب!
اجابها ببراءة، جعلتها تصرخ بعصبيـة لذيذة:
_بطـل كلمـة مراتـي وجوزك اللي ماسكلي فيها دي!!
_ما دي حقائق وواقـع يا قلـبي، اتقبـليها عشان مش هتتغير..
رد عليها بنفس النبرة السابقـة، لتنظر له بدهشة جعلتها تعجز عن الرد، ليتحرك هو كي يغادر الشرفة ولكن قبل ذلك انحني مقبلًا وجنتها قائلًا بوقاحه وخبث:
_مش قولتلك مفيش خيال ذكي تقع تحت ايده مهره زيك ويسيبها.. مبقاش مـازن لو مجبتش منك لـؤي صغـير..
_______________________
بداخل منزل عـمار..
والذي كان يجلس بجوار زوجتـه يقنعها بأن توافق على الذهاب معـه إلى خطبة أبنة عمته "عـلا"، لترفض هي قائلةً بذعـر:
_لا يا عمـار، انا بخاف بجد من عيلتك وأنت عارف هما بيعملوا ايه لما يشفونـي..
تنفس هو بصبر، يقبض على كفها قائلًا بحنو:
_يا حبيبتي انا هكون معاكـي، بس بجد مينفعش منرحش، والدي مش موجود وأنا ابن اخوهم الوحيد ولازم احضـر معاهم واساعدهم..
_بس مش لـدرجة اننا نقعـد تلات أيـام!!
ردت عليه بتلك الكلمات بخوف من المكوث معهم كل تلك الفترة والتعامل معهم، لقول هو بتروي:
_عشان خاطري تستحمـلي، وانا وعد لو اي حد ضايقك فيهم هـاخدك ونـرجع تانـي..
نظرت له لثوانيٍ، لتوميء اخيرًا بأستسلام، قائلةً بهم:
_ربنا يستـر بقـى..
ضحك هو برفق، قائلًا بـمرح:
_وانا اللي كنت فاكر انك هتفرحي وهتوافقي تروحي جري عشان اخيرًا هتخلصي من فكرة اني هسيبك واتجـوزها..
تغيرت ملامحها لأخرى شرسه، قائلةً بحده:
_ده انا كنت ولعـت فيها وف امهـا، قال تتجوزها قال!!
شعر بالفرح من غيرتها عليه، ليقترب منها قائلًا بـمرح:
_بتغـيري عليـا يا تـوفي؟
حمحمت بأرتباك من سؤاله، قائلةً بخجل:
_أكيد مش هقدر استحمل فكرة ان واحده تشاركني فيك.
اقـترب منها لدرجـة انها اصبحت بين ذراعيـه، قائلًا بحب:
_ولا هعـرف اكون مع غيرك اصلا يا نور، أنتِ مش متخيلة بحبـك قـد ايه..
كادت ان تتسأل عن مقدار حبه لها ولكن جاءت "همس" فجأة تقاطعهم وهي تتخصر امامهم قائلةً بطفوله وسخط:
_هـو أنت هتفضل معها كل الوقت ده ومش هتلعب معايا؟
نظرت لها "نور" بوجه ممتعض فالفتاة اصبحت تتعامل معها اثناء وجوده كانها زوجته الثانية وقامت بخطفه منها، ابتعد عنها الأخر يفتح ذراعيه لتلك الجنية الصغيرة قائلًا من بين ضحكاته:
_لا طبعًا انا كنت هسيبها دلوقتي وهاجيلك..
هرولت "همس" إلى احضانه بسعادة، ليحملها هو على قدمه بحنان، قائلًا بتروي:
_بـس يرضيكي نسيبها لوحدها زعلانـه!
نظرت الفتاة لوالدتها ثم له قائلةً ببراءة، متسألا:
_هـي زعلانه ليه؟
_عشان هنسيبها لوحدها ونلعب أنا وانتِ بس..
صمتت قليلًا تفكر بحل، لتنظر له ثم تقول بحماس:
_طب مـا تروح تعملنا أكل..
امتعضت ملامح الأخر يهمس بداخله بحصره:
"لا طيبة وبتفهم ما شاءلله"
ردت عليها تلك المرة "نور" قائلةً بضيق:
_وهو انا مينفعش اعمل حاجه غير الأكل! سيبهولك يا اختي وماشية..
انهت حديثها ووقف تغادر المكان، لينظر "عمار" إلى ابنته قائلًا برفق:
_شفتي ماما زعلت مننا، يلا بقى فكري في حاجه عشان نصالحها...
__________________________
في صباح اليوم التالـي...
وبـداخل عـيادة "هـنادي" للأستشارة النسائية كان يجلس "لؤي" على مكتب بسيط امام غرفة الكشف، وقد اصابه صُداع من ثرثرة النساء حـوله وايضًا الأتصالات المتكررة للحجز..
كان ينقر بالقلم فوق المكتب بضيق ينتظر خروج الحالة التي بالداخل حتى يأذن بدخول الأخرى..
ظهرت أمرأة امامه فجأة ببطن منتفخ تدل على انها بالشهر الأخير والتي جهرت قائلةً بتأفف:
_هـو لسه فاضل كتير! انا تعبت من القعدة وعايزة اكشف..
اجابها الأخر بصبر قائلًا:
_لما يجـي دورك هتدخلـي، ياريت تتفضلي ترجعي مكانك..
_ايوا يعـني هيجي امتـى؟ انا جايه هنا من الصبح.
تأفف "لـؤي" بضيق ثم رسم ابتسامه على وجهه بصعوبه قائلًا:
_ومين قال لحضرتك تيجي من الصبح؟ الدكتور نفسه جاي قبل الضهر بساعه!
ردت عليه بأنفعال قائلةً:
_يعني انا اللي غلطانه دلوقتي؟
_لا حضرتك انا اللي غلطان.
_يبقـى دخـلني..
وقف يضرب على المكتب برفق، قائلًا بحده طفيفه:
_قولتك لما دورك يجي، هتنيل وادخلك..
استشاطت الأخرى غضبًا، لتصرخ بوجهه قائلةً:
_أنت بتزعقلي!
ما الذي يحدث بحق الله! كيف يقنع تلك المرأة بحديثه حتى تنتهي عن الجدال معـه؟
وهناك على مقعد جانبي، كانت تجلس بجوار والدتها، تنتظـر دورها حتى تدلف إلى الداخل فهي تشعر بالألام الحادة بسبب دورتها الشهرية وهذه اول مره تتألم بهذا الشكـل..
اتت إلى تلك العيادة لأنها بالقرب من البناية الجديدة التي انتقلت هي وعائلتها إليها..
سمعت صوتـه الذي تحفظـه عن ظهر قلب، لتقف بصعوبه تترك والدتها التي انسجمت مع السيدة التي بجوارهم لتحكي كلًا منهم قصة حياتها للأخرى..
توقفت بدهشه من وجوده هنا وايضًا المكان الذي يجلس به! هل ترك عمله بالشرطة وماذا يفعل بحق الله؟! شاهدت الجدال بينه وبين تلك المرأة حتى صرخت بوجهه فقررت التدخل..
لذلك اسرعت تقف بجوارها قائلةً بنهـر:
_محدش هنا بيزعق غيرك، مالك يا ست أنتِ صدعتينا بصوتك وبعدين ما بيقولك لما يجي دورك.. يعملك ايه تاني؟
التفت الأخرى بجزعها، تنظر لها بحنق قائلةً بسخط:
_وأنتِ مالك بتدخلي ليه؟ انا دافعه فلوس هنا، يعني اعمل اللي اعمـله..
اجابتها "فـرح" بقـوة تتجاهل نظراته المندهشه والمحبه لوجودها هنا قائلةً:
_كلنا هنا دافعين فلوس ومش من حقك ابدًا تتصرفي كدا، ولو مش هتقعدي ساكته زينا وتستني دورك يبقى خدي فلوسك وامشي..
ابتلعت الأخرى ريقها بتراجع تلتزم الصمت فهذه العيادة الوحيدة القريبة من منزلها وايضًا الطبيب له شهرة وسمعه جيدة، لذلك تراجعت تجلس مكانها بقلة حيله..
نـظرت "فـرح" لذلك الصامت والذي نطق أخيرًا باعجاب قائلًا:
_ميقدرش على الست غير الست اللي زيها فعلاً.
تجاهلت هي كلماته، قائلةً بأستنكار تهمس له بما توصلت إليه:
_هـو أنت بجد بتشتغل هنا؟ ولا دي مهمه وبتمثل فيها انك تـمرجي!
كاد ان ينفي حديثها ولكن تعجب حين شهقت بقوة، تتابع ما توصلت إليه قائلةً بصدمه:
_اوعـى يكون الدكتور اللي جوا بيتاجر في الأعضاء وأنت جاي تمسك عليه دليل..
_ممكن تسكتي وانا هقولك كل حاجه.
نبس بتلك الكلمات بسـأم من افكارها، لتخرج بتلك اللحظة السيدة من الداخل فيقوم بـ حث التالية على الدخول.. كل ذلك وهي ما زالت تقف تنتظر ان يخبرها بما يفعله هنا..
تحرك هو واختفى من امامها فجأة فقد قام بترك مكانه لفتاة كانت تعمل هنا قبله والتي نبست قائلةً بخفـه:
_الأستاذ لؤي مستنيكي في البلكونه اللي بعد الممر اللي برا..
تنهدت بحيرة فهل تذهب ام ترجع مكانها ولكن هي حقًا ترغب بمعرفة اخباره وايضًا اشتاقت للحديث معه وقص له ما يحدث معها..
لذلك تحركت حيث اشارت لها الأخرى، حتى أخيرًا رأتـه يقف امامها..
_احكي بسرعه بقى عشان امـي معايا وهتسأل عني
تجاهل هو كل ما قالته، ينبس قائلًا بضيق:
_حاولت اكلمك وبعتلك كتير، مش بتردي عليا ليه؟
استندت على السور من خلفها تخفف من الألم الذي تشعر به وايضًا تواجهه قائلةً بحزن:
_احمـد كسـر تلفونـي، بس أنت اصلًا من بعد الحادثه اللي عملتها مش بتكلمني خالص!
اجابها "لؤي" بهدوء متألم قائلًا:
_كنت عايز اتكلم معاكي واحكيلك عن اللي حصل معايا وللـحق كنت محتاجك يا فـرح.
اهتزت دواخلها من نبرته تلك، لتحثه على الحديث قائلةً بتسأل واهتمام:
_حصل ايه يا لؤي؟ أنت بتعمل ايه هنا؟
_بـشتغـل..
تابع شارحًا لها الأمـر ببـساطة وراحه، قائلًا:
_سبت البيت و شغلي في الشرطة وحاليًا عايش مع خالي وبشتغل عندو هنـا.
اتسعت مقلتيها بصدمه من ما سمعته، قائلةً بتسأل وعدم تصديق:
_بس ليه؟ ليه عملت كل ده وكمان تخسر شغلك وتسيبه ببساطه كدا؟
تنهد بصوت مسموع يقص لها كل شيء عن "صالح" وما فعله لأجلـه وايضًا اشتباكـه مع مديره ووالده.. وللحق ذُهلت مما سمعت وما حدث معه ولكن رغـم ذلك استجمعت ما تبقى من وعيها قائلةً بدعم:
_أنت عندك حق وبجد فخورة بالموقف اللي خدتوا وشجاعتك، بس لو كل شرطي زيك ساب منصبه عشان الفساد اللي فيه اللي زي صالح هيبقوا اكتر واكتر ومش هيلاقوا حتى اللي يظهر برأتهم؟
سمع ما قالته بضيق وعقله يرتكز بفكرة واحده جعلته يجهر قائلًا بانفعال:
_قولي أنك مش متقبلاني وانا كدا ومش عايزة تتجوزي واحد معندوش اي حاجه..
زفرت بحده تحاول تهدئة نفسها، قائلةً بتهكم تنهره:
_ده على أساس أنك اتقدمتلي لسه اصلًا ولا انا مديرة شركة قدامك، انا اقل منك بكتير حتى وأنت كدا.. وعامةً براحتك وانا آسفه عشان اتدخلت في اللي مليش فيه..
تحركت كي تغادر ولكنه لم يتركها تفعل، فقد تمسك بمرفقها يعيدها كما كانت قائلًا بأعتذار وندم على حديثه:
_أنا آسـف، أنا بجد آسـف أنتِ كلامك صح، وانا غبي ومتسرع.. متزعليش مني يا فرح الفترة دي انا مش كويس خالص ودماغي مكركبـه..
_يبقـى نـرتبها سـوى يا لـؤي..
نبست كلماتها بتـفهم ودعم، تضيف قائلةً بحصره:
_عشان انا كمان مش كويسه وفيا اللي مكفيني.
أومأ بسرعة، قائلًا بلهفة يرغب بأرضاها:
_حـاضر وانا بس هظبط الدنيا وهجي اتقدملك على طـول..
همهمت بصعوبه وألم اشتد عليها، ليلاحظ هو ذلك فيسرع قائلًا بقلق:
_أنتِ كويسـه؟ مالك يا فرح.
تنفست بحده فقد تعكر مزاجها والألم اصبح لا يطاق، تجيبه قائلةً بسخط:
_وهـو انا لو كويسه هاجي لدكتـور ليه؟
نـظر لها لثوانيٍ، ثم جهر قائلًا بتروي:
_يعني أنتِ مش هنا عشان أمك!!
_لا، انا اللي تعبانه.. وتبقى عملت خير لو دخلتني دلوقتي بسرعـة ووو
قاطع حديثها عندما استوعب ما قالتها، صارخًا بحده:
_نـعم يا اختـي! عيزاني ادخلك عشان.. عشان يكشف عليكي أنتِ؟!
تراجعت إلى الخلف بتفأجؤ بسبب ردة فعله تلك، لتبرر قائلةً بدهشـة:
_وفيها ايه؟ مـا الستات كلها بتكشف برا!
_وانا ماليش دعوه بأي سـت غيرك أنتِ.
رد عليها بجدية حاده، جعلتها تبتلع ريقها قائلةً ببسمة باهته:
_بـس مش هو خالك!
_وهو خالي مش راجل؟!
اجابها بقوة تغلفها سخرية، لتزفر هي بضيق، قائلةً بألم:
_بـس انا بتوجع اوي يا لـؤي ومش هقدر استحمل لحد ما اشوف مكان دكتورة..
تنهد بحده وهو ينظر لوجهها المتألم بشفقة، ليجهر قائلًا بتسأل:
_طـب هو ايه اللي بيوجعك..
عند هذا الحد ولم تقدر على التحدث، فالأمر مخجل للغاية، ليفهم هو الأمر فيصرخ قائلًا بغضب:
_شفتي، لما أنتِ اهو مكسوفة مني! يعني اكيد موضوع ميتحكيش.. يبقى اسيبه يكشف عليكي ازاي؟ ده على جثتـي لو ده حصل..
بعد عشرة دقائق فقط، كان يجلس بالخارج على مكتبه يغلي من الغضب، يرغب بكسر ذلك الباب الذي تكمن هي ووالدتها خلفه حتى تـكشف..
لم يستطع الصمود اكثر من ذلك، لذلك وقف ينوي الدخول مهرولًا بسرعة اتجاه الباب فاتحًا اياه بأندفاع.. مزهولًا مما رأى..
___________________________
بداخل منزل " صفـوت"...
والذي كـان يجلس على المقعد بأعين متفحصه، ينظر بها اتجاه تلك التي توجاهه تقابل نظراته ببرود شديد... قائلةً:
_أكيـد حضرتك مش جايبني عشان تفضل بأصصلي وبس؟
ضـحك بخفـة، يجيبها بمـكر ثعلب:
_عايزة الحـق، بشوف قد ايه أبـني محظوظ عشان في أخر للحظـة يتجوزك بنت مذهـلة زيك.
ردت على حديثه المعسول، قائلةً ببتسأمه بارده:
_ده شـرف ليا ان اسمع الكلام ده من اللوا صفوت بنفسه..
تنهد بصوت مسموع وهو يقف تاركًا مقعده، متحركًا حتى جلس بالمقعد المواجه لها قائلًا بأعجاب:
_بصراحه كلامك اللي قولتيه للـؤي عجبني اوي، لأنه عملي وبيدل على أنك بتمشي ورا عقلك وده الصـح..
_وده فعلاً اللي بعمـله، القلب قلاب وغبي مش بيودي صاحبه غير للفقر والوجع وبس..
اجابته بجمود وثبات جعله ينظر لها بتفكير يخالطه اعجاب، قائلًا بتسأل:
_طـب ومن رأيك اتصرف مع لؤي ازاي؟ ارجعـه عن اللي في عقـله و اخليه تحت تصرفي ازاي؟
_سيـبه.
اجابته بخفة وبساطه، وهي تنظر لوجه الذي تبدل بأستنكار، جعلها تضيف قائلةً بدهاء:
_شخص زي لـؤي بيكون نقطة ضعف مش قوة ابدًا، هياخد وقت وهيتعبك عشان تعمل كدا وفي الأخر مش هتستفيد منه بحاجه، فالأحسن انك تسيبه لحد ما يعرف قيمة اللي كنت بتعمله وهيجيلك لوحدو، لاني معتقدش انه هيعرف يواجه الحيـاة من غيرك أنت ومازن..
هز رأسـه مقتنعًا بحديثها وبداخـله يفكر بالكثير وكلهم حول تلك الفتاة التي امامه (مـريم)..
_______________________
عودة للـؤي..
والذي عندما فتح الباب وجد "فرح" ووالدتها يجلسن امام خـاله على المقاعد خلف المكتب فقط؟
امـا عن خاله فقد نظر له بضيق شديد وغضب، فقد منذ قليل اقتحم عليه الغرفة واخبره بأن يكشف على تلك الفتاة بسرعة مكررًا مرارًا وتكرارًا بأن لا يلمسها او يكشف جزء منها.. ورغم استغرابه من افعاله إلا انه وافق بسرعة بسبب صراخ الفتاة بتألم حاد والتي ينظر لها الأخر الأن بشك وهو يتجه ناحيتها متجاهلًا وجود والدتها قائلًا بشك وحده:
_هو أنتِ مش كنتي بتموتي برا من عشر دقايق؟ ده لو شربك سِحـر مش هياخد مفعول بالسرعة دي!!
نظرت لولدتها بتوتر.. تشعر بالحرج من الموقف باكمله، تسمع صوت "هنادي" ينهر الأخر قائلًا بسخط:
_اطلع برا يا لـؤي ودي اخر مره تتصرف بالأسلوب ده.. أنا كدا مش هعرف اشوف شغلي ولا اكشف..
اشتعلت نيران الأخر قائلًا بعصبية:
_انا مش عايزك تكشف اصلًا، وأنتِ يا فرح حسابك بعدين..
ذّهل "هنادي" عند سماع اسمها، فقد ادرك للتو انها نفسها التي يحبها ابن شقيقته..
ولكن فاق الجميع على صوت "صباح" وهي تنظر للؤي قائلةً بحده:
_وأنت تعرف فرح منين عشان تحاسبها؟ وبعدين مش أنت نفسك الظابط صاحب عمـر و معين طليق بنتـي!
وهو عند سماع حديثها لم يهتم سوى بـ جملـة "طليق بنتي" فـ كيف ومتى قام "معين" بطلاق زوجته ولما لم يخبره احد بذلك؟!
كَم مِن حَزينٍ لا تَرى في وجههِ
إلاّ الَرِّضٌـا وفُــؤادُهُ يتمَــزَّق!
ـ
ولَكَمْ بَشوشٍ لو خَبِرْتَ حَياتَه
لَعَرفتَ أهلَ الصَّبرِ كيفَ تخَلَّقوا
ـ
ما كلُّ مَن ذَرَفَ الدُّموعَ مُعذَّبٌ
أو كلُّ من تَلقاهُ يَضحَكُ يَصدقُ
مقتبس...
______________________
يتبع....
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل.... ❤
ميريـت