فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ
وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
ـ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ
وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ
ـ
إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ
وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ
ـ
فَيا لَيتَ شُربي مِن وِدادِكَ صافِياً
وَشُربِيَ مِن ماءِ الفُراتِ سَرابُ
مقتبس....
__________________________________
؛؛ " كان أملي الوحيد بك أنت،
اخبرني الآن وبعدما فعلته كيف افر منك "؛؛
أنكمشت داخل السياره تفرك يدًا بالأخرى مطأطأةً رأسها إلى الأسفل تخشى النظر إليه... فـ هي من الأمس تتهرب منه بعدما حدث في حديقة منزله... أغماءها وأنهيارها أمامه جعلها تشعر بالخزي والخجل...
وماذا عن حديث ابنة عمها وسخريتها مما ترتديه... تعلم أنها تقصد ذلك أمامه لأخباره أنها بشعه ولا تليق به..
لاحظ هو حالتها وكم يكره تأثرها وحزنها من حديث تلك البغيضه هو يرغب بأن يراها قويه وسعيدة وقريبه منه فقط...
تنهد بضيق محاولًا التحكم بنفسه وبنبرته ولكن لم يقدر... لذلك خرج صوته عاليٍ رغمًا عنه.. جعل الأخرى تنتفض خوفًا تلتصق بالباب تحتمي به.... منه!!!
_ أرفعي رأسك و أتكـلمي يا "سـكن"... بلاش أسلوبك ده..
انتبه إلى ما فعل ولرفع صوته عليها ليلعن تهوره الذي جعلها ترتجف خائفه ومن من؟؟ منه هو!!
أوقف السياره جانبًا وقام بفك الحزام القابض عليه.. التف بجزعه نحوها ليقول بأعتذار قلق:
_ أنا.. أنا آسف، آسف يا" سكن" مقصدش والله... أنا انفعلت غصب عني عشان شوفتك زعلانه من كلامها ومنزله رأسك ومنظرك ده ضايقني... مكنش المفروض تعطي لكلامها اهميه وتتأثري بيه كدا...
رغم الألم الذي انتشر بداخلها مما حدث إلا أنها ابتسمت بتكلف وهي تقول بنبرة عاديه خاليه من اي مشاعر:
_ حصل... حصل خير، عندك حق..
لاحظ جفائها وما تحاول فعله من تخطي الموضوع وعدم توبيخه حتى ليلعن تهوره للمره الثانيه والتي اوصلته معها إلى هنا..
امسك كفها والذي ارتعش رافضًا لمسته ... إلا انه قَبل باطنه قائلًا بحب وندم:
_ متزعليش مني، انا مضغوط عشان فرح صاحبي جه بسرعه ومحتاجني جنبه.. وزعلك وحالتك وجعوا قلبي فأنفعلت غصب عني... حقك عليا يا حبيبي..
_ مفيش مشكله يا "معين" حصل خير... خلينا نتحرك عشان تلحق فرح صاحبك..
قبل رأسها وعاد للتحرك بالسيارة لضيق الوقت ولكن بداخله الكثير والندم يأكله على ما اقترفه معها...
أما عنها فقد اسندت رأسها على شباك السيارة وهي متيقنه أنه لن يتحملها ولن يفعل مثل ما وعدها بالأمس.. تلوم نفسها على ثقتها التي قررت وضعها به وسعادتها التي شعرت بها بعدما اطمئنت له... تأكدت أخيرًا أنها لن تجد شخصًا يقبلها كما هي.. ويحبها كما هي... فقد نبذها الجميع... وللحق حتى هي تنبذ نفسها..
______________________________
_ أسفل شقة "موسى"..
كان يقف داخل سياره نقل تحمل من الخلف أسطوانات متخصصه في الأفراح وبيده يحمل مكبر الصوت والذي انطلق منه صوته في المكان بأكمله وهو داخل الشارع الذي يقطن به صديقه... قائلًا بسعاده:
_ الليله لليله هنا وسرور والكل كان مستنيها... فرحنا ولا كل الأفراح والليله دي مفيش زيها.. عشان دي فرحه الغالي وأبننا "موسى"..
_ الله يفضحك يا أبن صفوت زي ما فضحتني كدا..
قالها" موسى" بعدما رأى ما يقوم به صديقه "لؤي" وأمام الشارع بأكمله...
أما عن الأخر فقد أستمر في الصراخ بالمكبر قائلًا بمرحٍ:
_ سمعونا زغروده وبلوا الشربات... الليله فرح "موسى" الشواف..
وبالفعل انطلقت الزغاريد من النساء التي يقفن في الشرفات.. يشاهدن ما يحدث بفرح وسعاده... فالجميع يعلم من هم وتعودو عليهم وعلى افعالهم...
صرخ المعني بالأمر قائلًا بغضبٍ وضيق:
_ ما اهو اتعمى... اتعمى لما صاحب واحد زيك...
استمع له الأخر لتمتعض ملامحه وصرخ في المكبر قائلًا بدون تفكير:
_ تصدق خساره فيك الفلوس اللي دفعتها عشان أاجر الحجات دي... فعلاً
"الصاحب الندل بلاش تثق فيه.. والواطي مهما تعمل مابيتمرش فيه...
صُدم الأخر من فعلته ليقول بغضب تلبسه:
_ أنت بتردحلي فـ نص الشارع يا" لؤي"..
_ ما أنا كنت بفرحلك ومكلف نفسي عشان خاطرك ومنفعش معاك..
_ لا عندك حق، انا غلطان كمل... كمل ما أنا كدا كدا اتفضحت خلاص..
قالها بأستسلام وحنق مما يحدث معه.. ليجهر الأخر قائلًا للذي خلفه بمرح:
_ عَليِ الصوت يا "عمر" خلينا نفضحه... أقصد نفرحله اكتر واكتر..
ضحك "عمر" بقوة على افعاله فـ هو قد اتصل به وكم أستغرب ذلك ولكن بعدها رحب سعيدًا بمساعدته وأحضار كل ذلك معه فهو صديق زوج شقيقته فـ لابأس.. وخاصةً انه لا يوجد لديه عمل اليوم ولا غدًا..
انطلقت الاغاني ومعها صوته والجميع من حوله يرقص ويتفاعل معه...
اما عن "موسى" وللحق هو ممتن لكل ما فعله ولسعادته وخلق ذلك الجو من أجله فقط... وان كان يوجد شخص يعطيه كل الصلاحيه لفعل اي شيء فهو بالطبع صديقه "لؤي"...
وصل" معين" اخيرًا برفقة زوجته لينتبه "لؤي" لذلك فانتفض جاهرًا وهو يصرخ بمكبر الصوت بأندفاع كعادته:
_ وصل وصل وصل... العريس السابق والبشمهندس الدنجوان..و اللي بيقبض بالدولار "معين إمام"..
خرج الأخر من سيارته ورأى ما فعله صديقه ليبتسم رغمًا عنه... سمع ما قاله أيضًا ليهمس قائلًا بضيق:
_ يا معين" أعـنـي"...
_شوفت اللي انا فيه من الصبح... البيه فضحنا فـ المنطقه كلها...
جهر بها "موسى" بعدما اقترب منه... ليجيبه "معين" برزانه يهدئه بها:
_ براحته يا موسى... خليه يفرح.. ربنا يديم علينا الفرح يارب..
قالها ثم اقترب منه محتضنًا أياه قائلًا بسعاده للأخر:
_ وبعدين الف مبروك وربنا يتممك على خير ان شاءلله..
بادله "موسى" بامتنان وحب حقيقي.. ليسمع كلًا منهم صوت ذلك المشاكس قائلًا بوجوم وحنق:
_ انتوا بتحضنوا بعض من غيري؟ هو انا مش صاحبكم برضو ولا يمكن اكون جربان وانا معرفش؟!
اغمض الاثنان اعينهم بغضب منه فقد قال ذلك بمكبر الصوت وسمعه الجميع والآن فقد تم فضحهم وانتهى الأمر...
_ اتصرف معاه وانا هوصل مراتي لفوق عشان تساعد خطيبتك..
اومأ له الاخر مبتعدًا عنه... ليتحرك هو بأتجاه سيارته يفتح الباب لها بعدما أخبرها ان تنتظره بالداخل...
هبطت من السياره بِآليا تتحرك معه كما يرغب.. تتمنى ان ينتهي اليوم سريعًا وتذهب لغرفتها ترثي نفسها على ما حدث...
دلفت معه إلى داخل البنايه وهو بجانبها يرشدها إلى حيث وجهتها والتي لا تعلم عنها شيء...
سمعت صوتًا تعرفه جيدًا ياتي من خلفها وهو يلهث قائلًا:
_ "سـكن" هو أنتِ جيتي هنا!!! مكنتش أعرف..
نظرت للخلف لتجد شقيقها "عمر" والذي شعرت بأنها لم تراه منذ زمنٍ.. تفكر هل سيحدث شيء ان قامت بأحتضانه وأفراغ كل ذلك الآلم الذي بداخلها قبل ان تصعد... هي ترغب بالشعور بالأمان والآن...
أما هو وعندما رأها تتحرك بجانب زوجها.. هبط من فوق السياره يسرع إليها لكي يخبرها انه هنا ويستفسر عن سبب مجيئها وماذا ستفعل هنا ولما لم تخبره أنها ستخرج من المنزل معه...
ولكن شعر بالصدمه بل وأندهش مستغربًا عندما وجدها تهرول نحوه.. تقوم بلف يديها حول خصره دافنتًا راسها في صدره وجسدها يرتجف خوفًا... ولكن ممن؟
والأخر لم يكن اقل منه.. بل بالعكس شُل جسده عندما رأى ما فعلته... كيف هرولت تختبيء بحضن شقيقها تلتمس الأمان منه... كيف تتمسك به بتلك الطريقه التي جعلته يحسد الأخر ويحقد عليه... كيف اشعلت بداخله الكثير لكونها لم تجد الأمان بداخل حضنه هو... ووجدته بحض غيره... شقيقها الصغير!
تنهدت أخيرًا براحه.. تحتمي به من كل ما عانته فـ هو انقذها من قبل من ذئب شرس وساعدها بالتخلص منه.. العالم وحده شيء وشقيقها "عمر" شيء أخر... سيكون ملجأ لها حتى لو كان رغمًا عنه... فـ هي وبعد ما حدث اليوم وسماع زوجها بأنه سأم من أسلوبها وفاض به من طريقتها... علمت أنه لن يتحملها كثيرًا وسيتركها في اي وقت... شعرت أخيرًا بيديه تهدهدها وترتب على ظهرها قائلًا بقلق وخوف:
_ حصل ايه يا سكن؟.. أنتِ جسمك بيترعش كدا ليه؟
_ مفيش حاجه.. أحضني وبس يا "عمر"..
همست بها بضعف لشقيقها ولكن سمعه الأخر وتآلم كونه اوصلها إلى هنا ولتلك الحاله.. بحق الله كيف صرخ بها بتلك الطريقه واخبرها انه لم يعد يتحمل أسلوبها.. وهو من وعدها بغير ذلك وخالف وعده بنفس اليوم..
نظر" عمر " له بخزلانٍ فهو شعر بأنه السبب بما حدث لها قائلًا بضيق وهو يشدد من احتضانها له:
_ أنت عملتلها أيه؟ ولا حصل ايه وصلها لكدا..؟
وعت لما فعلت لتبتعد عنه قائلًا بأبتسامه جاهدت على أظهارها:
_ وهو هيعملي ايه يعني؟ دي هبه بنت عمنا اتنمرت عليا وسدت نفسي قبل ما اجي وبصراحه كان نفسي احضن حد وأتكسفت احضنه هو... ووو
_ لا طبعًا أحضنيني أنا... وسيبك منه ومن العقربه بت توحيده دي...
قالها "عمر" وهو يعيدها داخل أحضانه مربتًا عليها.. لاعنًا تلك البغيضه التي تستمر في مضايقتها...
ابتسم الأخر رغمًا عنه وهو يقول بنبرة حاول جعلها مرحه:
_ ايه سِيبكْ منه دي، أنا جوزها على فكره وكلها مسألة وقت واخدها بيتي و وقتها حضنها هيبقى ليا بس..
ارتعش جسدها من مجرد الفكره.. ليلاحظ شقيقها ذلك..ولكن سيصمت لحين عودتهم إلى المنزل فقط..
أبتعدت عنه تساله عن سبب تواجده هنا متجاهلًا كل شيء:
_ أنت جيت هنا ليه..
_ اتصل بيا صاحبه "لؤي" وطلب مني أساعده يلاقي عربيه نقل وسامعات للفرح..وقالي انهم هيحتاجوا مساعدتي فـ جيت معاه..
اومات له بتفهم.. ليخبرهم "معين" بضرورة التحرك نظرًا لضيق الوقت... دلفت معه إلى المصعد وهي تشعر بالأرتباك منه... وصلا إلى أمام الشقة وهي تحمد الله على أنه لم يسألها ولم يعلق على ما فعلته...
ضغط على زر الجرس وما هي إلا دقيقه وجاءهم صوتها تتسأل من خلف الباب عن هويه الطارق... اجابها هو قائلًا بهدوء رغم الضيق الذي يحتله:
_ أنا صديق"موسى" ومعايا مراتي عشان تفضل معاكي لحد الفرح.. وتساعدك وو
لم ينهي حديثه لتفتح الاخرى الباب قائلًا بود:
_ آه.. موسى قالي.. اتفضلي.. اتفضلي.. وشكرًا لحضرتك.. تعبت المدام والله.. بس انا مليش هنا حد ووو
_ مفيش داعي للشكر. والف مبروك مقدمًا ولو احتجتوا حاجه رني عليا يا "سكن"...
اومات له الأخرى ليذهب هو ويتركهم بمفردهم لكي يتعرفا على بعضهم البعض...
__________________________________
~ بالداخل...
وقفت الاثنتان ينظران لبعضهم بارتباك وحرج...
لتبادر" ساره "قائلًا بحبور وهي تمد كفها للأخرى:
_ أنا " ساره " وزي ما أنتِ شايفه لوحدي هنا وكدا...
بادلتها السلام وهي تمسك كفها تبتسم برفق قائلًا:
_ تشرفت بمعرفتك يا ساره.. وانا أسمي "سكن".. وموجوده هنا معاكي .الف مبروك وربنا يتمملك على خير يارب..
ابتسمت لها الاخرى ورحبت بها كثيرًا .. ثم حثتها على الدخول وإكمال حديثهم في الداخل...
مرت ساعه وهما بـ داخل الغرفه الجانبيه المخصصه للضيوف..جلسا امام بعضهم البعض ولم يفعلوا اي شيء..فقد يجلسن وكلًا منهن في عالمها الخاص..
_ هو أنتِ مش هتجهزي نفسك... الوقت بيمر وهتلاقيهم هنا فأي وقت؟!
جهرت بها" سكن" بعدما شعرت بالملل من الصمت المطبق على الغرفه.. وعدم تحرك الأخرى..
لتتنهد "ساره" بغلبٍ قائلًا بحيره:
_ انا مش عارفه اللي بيحصل ده صح ولا غلط.. بس هو ميستهلش والله.. انا خايفه عليه منه.. مش هيسيبه فـ حاله أبداً...
انهت حديثها وانفجرت باكيه.. لتقترب منها الأخرى تجلس بجانبها تربت على ظهرها قائلةً بحزن:
_ طب ممكن تهدي.. هما اجبروكي عليه؟ أنتِ مش عيزاه؟
_انا عمري ما كنت عايزا حاجه، غيرو هو..
همهمت بها بألم دفين..لتجعد الأخرى جبينها مستنكره حزنها وحالتها تلك... لتسألها قائلًا باستغراب:
_ أمال بتعيطي وزعلانه ليه؟ أنا مش فاهمه حاجه.. لو حابه تفضفضي.. احكيلي!
نظرت لها بضعف شديد تقص عليها كل شيء فهي سأمت وعانت من الصمت وحمل كل ذلك الآلم بداخلها... أخبرتها كل شيء منذ البدايه... منذ عشقها للأخر وتعلقها به...زواجها..تهديده لها..حياتها معه..كل شيء... قالت وقالت حتى مرت ساعه كامله.. كادت ان تكمل لتجد التي بجانبها تنفجر باكيةً بشكل يمزق نياط القلب...
ليتبدل الوضع وتربت عليها "ساره" قائلًا من بين شهقاتها:
_ خلاص.. خلاص والله مش هكمل.. أهدي وخدي نفسك مش كدا..
وضعت يديها على وجهها تخفيه منها وهي مستمره في البكاء بقوه... بسبب ما سمعته وكانها كانت تنتظر سبب لتنفجر باكيه وتخرج كل ما كبتته بداخلها كل هذا الوقت... اجابتها بصعوبه وهي ما زالت تبكي قائلًا:
_ وهو... وهو.. لسـ.. لسه فيه كمان عشان... عشان تكمليه... ده اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته...
استفسرت الاخرى وهي تشهق رغمًا عنها قائلًا:
_ اللي حصلي كتير... بس أنتِ ايه بلوتك.. اقصد مشكلتك.. احكيلي..
حاولت ضبط انفاسها... لتقف وتمد نفسها ببعض الهواء قائلًا بصعوبه:
_ قومي الاول ألبسي عشان مفيش وقت وبعدين هبقى أحكيلك مش دلوقتي...
______________________________
~ في منزل "معين"...
اتى من الخارج للتو بعدما مر على رفيقه "إيهاب" وجلس معه لبعض الوقت...
وجد صغيره يجلس بالحديقه ويبدو عليه الأنزعاج والضيق رجح ان حالته تلك من قدمه وعدم قدرته على الخروج من المنزل..
لذلك جلس على الكرسي الذي بجانبه وجهر قائلًا بتهكم:
_ زهقان من قعدة البيت طبعًا!!.. معلش.. دي ضريبة اللعب والأحتراف يا كابتن "نعيم" الحضري...
تنهد الأخر ولم يُجيب عليه.. ليندهش والده من ذلك مدركًا للتو ان هناك شيء أخر يضايقه..
مال إلى الامام قائلًا بلين يحثه على التحدث وقول ما يضمره بداخله:
_ فيه ايه يا "نعيم"؟ ايه اللي مضايقك كدا؟
_ بابا.. بجد انا مخنوق أوي ومش هقدر اجادلك دلوقتي، سيبني في اللي انا فيه..
أجابه بإحباط وضيق... فـ هو ومنذ الأمس يحاول الأتصال بالأخر ولا يجيب عليه.. لا يعلم لما غضب منه لهذا الحد!!... الحد الذي جعله ينهي صداقتهم والتي كان يتمنى ان تستمر للأبد...
تفهم" نعمان" وضعه وان هناك بالفعل ما يشغل تفكيره.. ولكن بالطبع لن يتركه هكذا من دون ان يعلم ماذا بجعبته... لذلك جهر قائلًا بصبر :
_ طب ممكن تحكيلي ايه اللي انت فيه ومخليك مخنوق كدا...
نظر له الأخر بتردد.. ليحثه على التحدث متابعًا حديثه السابق بلين ورفق:
_ يا حبيبي انا والدك واكتر واحد يهمه امرك... قولي ايه اللي حصل وأنا أكيد هساعدك...
_ عــمر!
نبس بها بخفوت.. ليستغرب "نعمان" جاهلًا ما علاقه حزنه بـ عمر؟!
_ ماله "عمر"؟ الواد ده محترم وغلبان.. ولا هو بيمثل علينا وعملك حاجه! لو عمل قولي ووو
قاطعه" نعيم" منتفضًا يرفض ظلم والده للأخر قائلًا بدفاعٍ عنه :
_ لا... لا هو معملش حاجه، بالعكس انا اللي عملت بس مش عارف عملت ايه؟... هو زعل مني وقطع علاقته بيا بعد ما كنا صحاب وكويسين مع بعض.. وانا دلوقتي عايز اصالحه بس هو مش بيرد عليا..
استمع له الأخر ورغم أطمئنانه بأن ذلك الفتى ليس بالسيء إلا انه مازال لا يفهم شيء..
لذلك تابع أستفساره من أبنه قائلًا بفضول:
_ وأنت عملت ايه عشان هو يكون رد فعله كدا ويقطع علاقته بيك؟ احكيلي يمكن افهمك هو مضايق منك ليه؟
زفر "نعيم" بضيق ليقص لوالده بعد ذلك كل ما حدث بينهم وما فعله بالأمس.. يشرح له الأمر من وجه نظره هو.. وماذا كان يقصد بالضبط..
اجابه بعدما تركه ينهي حديثه بأكمله قائلًا بحكمه.. مبديًا اعجابه بالأخر:
_ أنا عارف ان نيتك كانت انك تساعده بس أنت غلطت يا "نعيم".. كان المفروض الآول تسأله إذا كان مرتاح في شغله أو تستنى فتره حتى.. أنت وضحتله انك مكسوف منه وهو فهم كدا فعلاً.. عشان أنت عرضت عليه يغير شغله بعد ما عرفت هو بيشتغل ايه.. وبعدين احنا بنعرض الشغل على حد لما يكون مش لاقي أو عنده مشاكل مش زيه هو... هو مشتكاش ليك ولا خبى عليك.. وكمان هو لسه مراهق عشان كدا اندفع في كلامه معاك واتعصب.. لكن مع الوقت هيهدأ وهيرد عليك.. احنا خلاص بقينا عيله وهتتقابلوا كتير، يبقى لازم تصالحه وتشرحله انك متقصدش.. هو راجل بجد و عِلي في نظري جدًا..
فهم أخيرًا بعدما وضح له والده ماذا فعل.. ندم كثيرًا على حديثه والذي بالطبع آلما صديقه وجرحه... حتى وإن كان بغير قصد... شكر والده واعترف بخطأه... ووعده بأصلاح الامر والتحدث مع عمر والاعتذار منه...
______________________________
_ في المساء وبعد صلاة العشاء...
داخل شقة " موسى" كانت تجلس "ساره" امام المرآة تنهى زينتها وارتداء حجابها... وخلفها على السرير كانت تجلس "سكن" شاردةً في وتفكر في حالته وصمته أثناء صعودهم وماذا سيحدث معهم في المستقبل...
افاقت من شرودها على صوت الأخرى وهي توجه لها الحديث للمره الثانيه قائلًا:
_ يا.. سكن بسألك الطرحه مظبوطه ولا لا؟... سرحانه فأيه؟..
تفحصت الأخرى هيئتها وهي تكبر الله في سرها من شدة جمال تلك الفتاة التي امامها... في سبحان الذي خلقها فأبدع في صورتها.. فـ جمالها يسحر من يراه.. رغم الأرهاق الواضح على وجهها والذي برعت في إخفائه بالزينه.. فهي فاتنه.. تفتن الزاهد إن كان زاهدًا...
_ بسم الله ماشاء الله، بجد اللهم بارك شكلك قمر..
_ قمر ايه؟ انا بسألك الطرحه... أنتِ مش معايا خالص..
امتعضت ملامحه قائلًا بمزاح:
_ تصدقي خساره فيكي الكلام الحلو، بقولك طالعه قمر، يعني كلك على بعضك حلوه.. تروحي ترخمي عليا؟
أقتربت منها تجلس بجانبها قائلًا بتودد وهي ترمش باهدابها:
_ ما انا عايزه اعرف ايه اللي خاطف عقلك كدا.. مش هتحكيلي يا سُكيننه..
_ اقسم بالله عيونك دي.. تخلي اتخن مجرم يقر ويعترف باللي معملهوش حتى.. ده ياريتني كنت "موسى" والله..
رغم تاثرها عندما استمعت لأسمه.. إلا انها انفجرت ضاحكه على ما قالته و تغزلها بها..
تابعت "سكن" حديثها قائلًا بغزلٍ تشاكسها به:
_ يخربيت الضحكه يا جدع.. طول عمري نفسي اتعلم ضحكه الرقصات دي.. ترن فـ القلب قبل الودن... انا لما بضحك أمي بتقولي ضحكتك شبه صوت الباب اللي بيزيق.. محتاجه زيت عشان تتسلك بيه..
تقسم انها لا تتذكر متى أخر مره ضحكت بها هكذا وبتلك الطريقه.. الطريقه التي جعلتها تمسك معدتها التي آلمتها من شده الضحك بل وعيناها ترقق الدمع بهم..
سمعن صوت جرس الباب لتعتدل كلًا منهم تعيد ثباتها.. فقد علمن ان الوقت حان لعقد القيران..
نظرت "سكن" لـ "ساره" قبل ان تخرج وتفتح هي الباب قائلًا بتعقل:
_ عايزاكي تنسي كل حاجه دلوقتي وتفتكري حاجه واحده بس، ان اللي بيحصل ده واللي هتعشيه من دلوقتي ده كان حقك ومن الأول وربنا نصفك وخلقلك فرصه عشان تكوني مع اللي بتتمنيه.. ارمي كل حاجه ورا ضهرك وافرحي يا ساره وخليكي انانيه وطماعه في حقك ده ومتسيبهوش...
أنهت حديثها وخرجت من الغرفه لتفتح لهم...
كانت ترتدي فستان سماوي بسيط، واسع وطويل من قماش ناعم، بأكمام طويلة وقَصّة مريحة. مع طرحة بيضاء ، احكمت لفها بطريقة بسيطة دون تكلف. مع حذاء بكعب صغير لونه بيج، . كانت هادئه في كل شيء، حتى مكياجها كان خفيف وناعم..
فتحت الباب لتجد شقيقها والذي ما ان طلت عليه جهر قائلًا:
_ خلصتوا عشان يطلعوا ولا لسه؟
_ خلصنا..
اومات له وما هي إلا دقائق ووجدت رجل كبير يتقدمه "موسى" ومن خلفهم زوجها يستأذن للدخول .. تراجعت إلى الخلف منزوية بعدما خرجت "سارة"...
والتي كانت ترتدي فستانًا أبيض يميل إلى اللبني، بتصميم بسيط يليق بها. كان الفستان طويلًا، من قماش ناعم ينسدل برقة دون زينة كثيرة، وتزينه لمسات خفيفة عند الأكمام والحواف. ارتدت طرحة سادة تنسدل على ظهرها بهدوء..كان مكياجها هادئًا، يُظهر ملامحها الطبيعية ويزيدها جمالًا.
اقترب منها وهو يشعر بالسعاده لزواجها اخيرًا ممن كان يستحقها ومنذ البدايه... يلوم نفسه ألف مره على أستسلامه وازعانه لزوجته عندما وافق على زواجها السابق والذي دمر حياة صغيرته..
كوب وجهها وعيناه التمعت بها العبرات قائلًا بحب وتأثر:
_ أنا دلوقتي بس أقدر اموت وأنا مطمن عليكي..
_بابا.. أنت
قاطعت حديثه بخوفٍ ليتابع هو بنفس نبرته السابقه مقاطًا لها ايضًا:
_ سبيني اكمل يا حبيبه ابوكي.. أنتِ تعبتي كتير اوي وتحملتي أكتر.. حقك عليا، ولو قدرتي تسامحيني أنتِ وموسى في يوم فأنا مش هعرف اسامح نفسي.. أنا مش هوصيه عليكي لاني واثق ان مفيش حد هيحافظ عليكي ويحطك جوه عيونه زيه هو... انا بس هقولك أفرحي وانبسطي ومتشليش هم حد ولا حاجه تاني.. وعوضيه يا بنتي.. عوضيه عن كل اللي شافه وعاشه.. ربنا يسعدكم ويهنيكم ويبعد عنكم كل شر يارب...
قبلها من جبينها بحب شديد.. ليمسكها من مرفقها مقتربًا من الأخر قائلًا بنبره عاديه:
_ هسلمهالك بعد كتب الكتاب، لكن دلوقتي هتنزل معايا انا..
مر من امامه ليرفع الاخر حاجباه مستنكرًا افعاله.. ليتمتم بضيق قائلًا..
" ده على اساس انك مش مهددني عشان اتجوزها.. سبحانه "
غادر هو الأخر خلفهم... يتمنى ان يمر هذا اليوم الذي اضناه التعب به.. فهو منذ آذان الفجر لم يجلس دقيقه واحده...
أما عنها فمنذ ان رأت ذلك المشهد بين الاب وأبنته... شعرت بالغيره رغمًا عنها.. غصه استحكمت حلقها وآلم انتشر بثائر جسدها.. أشفقت على نفسها المسكينه والمنبوذه.. فـ والدها لم يحتضنها يومًا هكذا وكذلك والدتها وأن كانا يريدان شيء فـ هو زواجها والتخلص منها وكأنها عبء... وكم حافظا على ترسيخ تلك الفكره برأسها مع إثبات بأنهم سيقوما بالزج بها لأي شخص يتقدم لها وذلك إن قَبلا احدًا بها بالطبع..
كانت نظراته مثبته عليها منذ مجيئه من الأسفل... طوال اليوم لم تبارح عقله ولا تفكيره.. يلوم نفسه تاره ويفكر كيف يصالحها تارةً أخرى.. وكلما تذكر ما قامت به عندما رأت شقيقها يشتعل من الداخل..
كاد ان يتحدث ولكن سبقته هي عندما انتفضت تنظر له وكانها للتو لاحظت رحيل الجميع ووجوده!!!
القت عليه كلماتً مقتضبه قبل دلوفها إلى الداخل قائلًا:
_ ثواني بس هجيب الشنطه، ونمشي..
زفر بحنق لضيق الوقت بالفعل وعدم وجود فرصه واحده للحديث معها ولكن صبرًا لحين انتهاء عقد القيران فقط...
_______________________
وهناك داخل المسجد الضخم الذي يقع بعد مسافه ليست بكبيره... توقفت السيارات وهبط الجميع منها متجهًا إلى مكانه الصحيح...
فـ الرجال بالطابق الأسفل والنساء صعدن إلى الطابق الثاني المخصص لهم..
جاءت بعض النساء برفقه "ساره" و "سكن " لكونهم بمفردهم و ايضًا مسرورين لزواج ابنهم وجارهم ذلك الشاب الذي يحترم ويساعد الجميع...
ثوانيٍ وانطلق صوت الشيخ يبدأ مراسم الزواج قائلًا بتعقل وحكمه ناصحًا الجميع:
_ بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين ...
الزواج ده علاقه مقدسه ونعمه من ربنا بيرزقنا بيها.. وعشان نحافظ على الزواج ده فالأزم
أنتِ كزوجه تكون نيتك إن جوازك عبادة وطريق لرضا ربنا، مش بس علاقة دنيوية. النية بتغيّر كتير في طريقة تعاملك مع شريك حياتك.
وكمان الاحترام قبل الحب، الاحترام هو الأساس اللي بيخلي الحب يعيش. احترمي زوجك في حضوره وغيابه، في كلامك عنه ومعاه.
وكمان الكلمة الحلوة والابتسامة تفتح قلوب وتطمن النفوس..
ومننساش الصلاة سوا
حاولي تصلوا مع بعض ولو فرض واحد في اليوم. الصلاة بتقوي الروابط بين القلوب وتخلي البيت فيه بركة.
وخلي بالك من الخصوصية
مش كل حاجة تتحكي لأهلك أو أصحابك، خصوصيات البيت لازم تفضل جواه.
الاحتواء وقت الزعل
الزعل وارد، بس المهم إزاي بنعديه. احتوي مشاعر الطرف التاني واسمعي من غير حكم.
ادعي له
الدعاء بظهر الغيب من أقوى علامات الحب والاهتمام، وبيفتح أبواب رزق وبركة في العلاقة.
سعة الصدر والتسامح
كلنا بنغلط، خدي الأمور ببساطة وما تخليش الغلطات الصغيرة تكبر في دماغك... خليكي عمود البيت والداعم لزوجك.. اتعاملي بالفطره اللي خلقك عشانها ربنا وأبني بيت سليم يرضي ربنا.. وربي ولادك على الصلاح وأسس الدين..
ومش الزوجه بس اللي هتخلي الزواج ناجح.. أنت كمان كزوج عليك واجبات طبعًا، زي ما الزوجة ليها دور كبير في سعادة البيت، الزوج كمان عليه دور عظيم ولازم يرضي ربنا في معاملته لزوجته...
إنك تتجوز علشان تعف نفسك وتبني بيت مسلم، وتكون سبب في سعادة زوجتك، دي نية عظيمة يثيبك عليها ربنا.
عاملها برفق
النبي ﷺ قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فكن دايمًا لين، متسامح، حنين.
اسمعها واحتويها
الست بطبعها عاطفية، محتاجة دايمًا تحس بالأمان، فاسمعها من غير ما تقلل من مشاعرها، وكن حضنها وقت الزعل.
ما تبخلش عليها بالكلمة الحلوة، الكلمة الطيبة بتفرق جدًا... خليك سند كونك راجل مش بس بالإنفاق، لكن بالاحتواء، بالحماية، بالدعم وقت التعب والخوف.
صلّوا مع بعض
دي مش بس عبادة، دي لحظة قرب بينكم ومع ربنا، بتحسّسها إنك شريكها في الدين والدنيا.
.. غض البصر
دي من أعظم صور الوفاء، إن عينك ماتشوفش غيرها، وإن قلبك ميخونش حتى بالنظرة.
..
اللي بيحصل بينكم ميطلعش برا باب البيت، حتى لو حاجة بسيطة.
... ادعي لها، الدعاء رزق، ولما تدعي لزوجتك، ده حب حقيقي، وبيفتح أبواب بركة ما تتخيّلهاش.
... خليك قدوة لأولادك
عامل أمهم باحترام، علشان ولادك يتعلموا إزاي يعاملوا شريك حياتهم في المستقبل...
ربنا يسعدهم ويزوج كل العُذاب بالحلال إن شاءلله..
ارتفعت اصوات الشباب من خلفه قائلين:
_آمـــيــن...
أبتسم ضاحكًا بخفه وبدأ مراسم عقد القيران.. توقف الأمر على إمضتها هي... لذلك ذهب" معين"و"لؤي" كشاهدين على سماع موافقتها وتوقيعها علي العقد..
مر كل شيء سريعًا وبمشاعر مختلفه حتى أعلن الشيخ ذلك قائلًا بصوت رنان يعلن به ارتباط قلبين عذبهم الفراق وانتصرا اخيرًا بزواجهم وامام الجميع:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير..
*************************
هبطت الإثنتان من الأعلى كلًا منهم تتمسك بالأخرى.. من السلم الخلفي من المسجد حيث كان ينتظرهم ازواجهم..
أقترب "موسى" منها بعدما اعطاه عمه الأذن و كذلك حريه التصرف بكل ما يتعلق بها من الآن..
وقف امامها قائلًا بدون تفكير وجهد:
_ اليوم كان طويل ومتعب للكل، عشان كدا هنروح على طول..
هل هذا أول شيء يقوله لها بعد زواجهم وأقترانها به؟!
تحركت معه بأتجاه السيارة بصمتٍ تدعوا الله ان يصبح كل شيء بخير...
أما عنها فقد رأته وهو قادم بأتجاهها ولكن قبل ان يصل جاء شقيقها "عمر" وقام بسحبها خلفه..يحثها على صعود السيارة التي اتى بها متجاهلًا وجود زوجها "معين"....
ربَّاهُ، غزَّةُ في حِماكَ فلا تدَع
للظالمينَ إلى حِماكَ سبيلا
كن في نحورِ المعتدينَ ولا تُعِد
للسائلينَ دُعاءَهم مخذولا
مقتبس....
_________________________________
يتبع....
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🥰
دمتم سالمين ❤
رأيكم في الأحداث والسرد لحد دلوقتي ايه؟
ميريـت