تَشْدُو بِذِكرِ نبيِّنا الخفقاتُ
وَبهِ يَطيبُ الذكرُ والصلَوَاتُ
ـ
صَلّىٰ عليكَ اللّٰهُ يا غَيماً هَمَىٰ
فَوقَ القُلوبِ فحَلَّتْ الرَحَمَاتُ
مقتبس.....
_________________________________________
كان "موسى" يقود السيارة بصمت، محدقًا بالطريق أمامه، بينما جلس "لؤي" بجواره، يتصفح هاتفه بملل بسبب طول الرحلة التي بدت بلا نهاية بالنسبة له. فقد مضت أكثر من أربع ساعات، ولم يصلا بعد إلى وجهتهما: منزل عم موسى، حيث كانا ينويان التحدث معه بشأن التنازل عن الشقة...
جهر "لؤي" قائلًا بملل لطول الطريق والوقت:
_ إحنا هنوصل إمتى؟ أنا زهقت !!
~ اجابه الأخر وهو ينظر أمامه بتركيز :
_ لسه فاضل ساعتين كمان عشان نوصل..
انتفض صارخًا، غير قادر على الجلوس والانتظار أكثر من ذلك داخل السيارة:
_ايه؟ لسه هفضل قاعد كدا ساعتين تاني، لا ياعم رجعني تاني، أصلاً دي مشاكل عائلية مينفعش ادخل فيهااا...
سخر "موسى" من حديثه قائلًا:
_ ما هو، انا لو رجَعتك هتقعد اربع ساعات على الكرسي كدا كدا، يا أبو النداله...
_ بس متقولش ندل، وبعدين انا راجل عندي فرط حركه، التكتيفة دي خنقاني..
_ ليــة نسـناس بيتنطـنط؟؟ ده أنت ظابط المفروض تتأقلم فاي وضع...؟؟
اجابه الأخر حانقًا:
_ أنا كنت رافض اكون ظابط أصلاً، اللوا هو اللي أجبرني على كدا... ما أنت عارف، مع أن أخويا الكبير مقدم ، مش فاهم كان هيحصل ايه لو سابني ادرس اللي انا عايزو؟؟
_الوحده الوطنية زايدة عندو شويتين.. عشان كدا عيلتك كلها شبه مؤسسة دوليه...
ضحك الأثنان على ما يحدث معهم ، ليقول "موسى" مستفهمًا منه:
_بس أنت مش هتقول كان نفسك تدرس ايـه؟ كل ما حد يسالك تقوله بعدين، بعدين...؟
_بعـدين، بعـدين..
_و الله؟؟
_فكك من الموضوع ده و قولي... أكيد لما نوصل بيت عمك ، هلاقي قصر كبير و حوليه نخل و شجر و غفر حولين عمك وهو مستقبلنا بالمزمار البلدي ووو
قاطعه الأخر قائلًا بسخرية:
_ ولما هو عندو كل ده يا ذكي هيبص لشقتي المعفنه دي ليه؟ وبعدين مزمار ايه اللي يستقبلنا بيه؟ هو ميعرفش بزيارتنا دي أصلاً....
_________________________________________
كان يجلس على مكتبه، منغمسًا في العمل الذي أصبح مسؤولًا عنه هو ووالده، بعدما انشغل "معين" و"نعمان" بتلك الزيجة...
تكدّست الملفات أمامه يراجعها و يوقّعها، ويتابع ما يحدث في الشركة،......
تمتم لنفسه قائلًا بضيق:
" مين اقنعه انه يتجوز؟؟ ما الراجل كان حُر و فاضي و منور الشركة؟ مش لازم يتجوز يعني؟ "
ثوانٍ وانطلق صوت هاتفه معلنًا عن مكالمة. تجاهله مرتين لانشغاله الشديد، لكنه أجاب في المرة الثالثة بعدما التقطه ورأى أن زوجته هي المتصلة. قام بالضغط على زر الأجابه ولم يكد يتحدث حتى وجدها تصرخ به قائلًا:
_ فيه ايه يا "عمار" بجد؟؟ هو انا لا عارفه اشوفك ولا حتى اتكلم معاك كل ده عشان ترد عليا؟؟
تنهد بتعبٍ يفرك رقبته المتشنجه من جلسته قائلًا :
_ اعمل ايه طيب؟ الشغل كتيير اوي و أنا مش ملاحق عليه وحدي، معلش يا نور فترة وتعدي، لحد ما "معين" يرجع بس..
تفهمت ما يمر به و لاحظت نبرة التعب التي يتحدث بها، لتهدأ قليلًا قائله بنبرة هادئه حنونه:
_ ربنا معاك يا حبيبي و يعينك يارب، أنا أسفه عشان انفعلت و متفهمتش الضغط اللي عليك...
تقبل اعتذارها و حنانها بصدرٍ رحب، فماذا هو بفاعل امام نبرتها تلك... ولكن أراد ان يشاكسها لذلك تحدث قائلًا بمكر:
_ لا بس انا زعلان و لازم تصالحيني!!
_من عيوني، قولي نفسك فأي و أنا هعمله...
صمتت قليلًا لتتابع بنبرة متحمسه:
_ ايـه رأيك في طاجن بامية باللحمه زي ما بتحبه؟؟
رغم تاثره بذكرها اكلته المفضله إلا انه رفض قائلًا بنفس نبرته السابقة:
_ تؤ، أنا مش عايز أكل، شوفي أنت لما بتزعلي أنا بصالحك أزاي؟؟
_ هااا
خجلت كثيرًا عندما تفهمت أخيرًا ماذا يريد... لتتورد وجنتيها تلقائيًا، عاجزة عن اجابته...
تابع هو مستفسرًا بلؤم:
_ معنديش مانع أشرحلك بالتفصيل، لو مش فاكره؟؟
_ أااا.. أنااا.. أنا هقفل و أسيبك تكمل شغل بقى وبعدين نبقى نشوف الموضوع ده، مع السلامة...
أغلقت الهاتف في وجهه، مدركةً نواياه الخبيثة التي أخجلتها بالفعل. كانت تعلم جيدًا أن جارته لن تُنهي عمله اليوم أبدًا...
أما هو، فقد كان أستاذًا وخبيرًا في امتصاص غضبها وتغيير مزاجها، لذا كان يدرك تمامًا كيف يسيطر على تقلباتها المزاجية وغضبها منه.
قهقه بشدة عندما هربت من حديثه وأغلقت الهاتف في وجهه، ليتمتم لنفسه، ماحيًا حديثه الأول، قائلًا:
"هو أزاي معين متجوزش لحد دلوقتي؟؟ وقاعد عادي كدا، ومستحمل قرف الشغل من غير مُلطف و مُطبطب يهون عليه "؟؟
_________________________________________
**بعد الانتهاء من شراء المصوغات الذهبية (الشبكة)، توجهوا أيضًا لإتمام بعض الإجراءات اللازمة بخصوص عقد القران، والمقرر أن يُعقد غدًا بمشيئة الله.
كانت تشعر كأنها تائهة تمامًا بينهم، تسير معهم فقط كما يريدون ويوجهونها دون أن يكون لها رأي أو اختيار.
لا تنكر إعجابها بشخصيته وطريقته الهادئة والوقورة في التعامل مع الجميع، لكنه حتى الآن لم يحاول التحدث معها أو التقرب منها بأي شكل!
تجهل تمامًا سبب رغبته في الزواج منها. شخص مثله بحاجة إلى فتاة تناسبه من حيث الشكل، المكانة، والمستوى الفكري.
ماذا سيفعل بفتاة مثلها بحق الله؟ جاهلة، لا تفقه شيئًا في الحياة، بائسة، وليس لديها طاقة لشيء سوى البكاء.
~ توقفت السيارات، وهبط الجميع أمام مطعم "موسى"، صديقه الذي تركه بحوزة "عمر"، والذي يديره في غيابه.
قرروا تناول الغداء هناك بعد يوم طويل من التنقل والتعب.
دلف الجميع إلى الداخل، حيث استقبلهم "عمر" بحرارة، ورحّب بهم قبل أن يُرشدهم إلى المائدة التي تم تجهيزها خصيصًا لهم.
كادت أن تجلس بجوار والدتها، لكنها فوجئت بها تحثها بصوت عالٍ سمعه الجميع:
_ روحي اقعدي جنب خطيبك، كلها يوم وهيبقى جوزك، اهو حتى تاخدو على بعض شويه...
دعمتها " ليلى" موافقة بسرور:
_ معاكي حق يأم "عمر" والله، دول لحد دلوقتي محدش قال للتاني كلمة حتى، أنا بقول ياخدها يتغدو سوى في المكان اللي قدامنا ده برا على النيل...
وافقهم الجميع، حتى والدها لم يرفض، ليخرج هو يحثها على التحرك خلفه وقد كان.....
**********************
جذب المقعد لها لكي تجلس في حركه لبقه منه، لتخجل الأخرى مستغربه افعاله التي لم تتوقع ان تعايشها من قبل... جلس هو الأخر على المقعد المقابل لها....
حمحم قائلًا بهدوء عُرف به:
_ تحبي أطلبلك حاجه معينه ؟؟
اجابته وهي مطأطأ راسها، تكاد تجرح أصابعها من شدة الضغط عليهم لتوترها الشديد من جلستهم تلك..
_ أي حاجه حلوة، عادي..
_قصدك عايزة حاجة حلوة يعني، اطلبلك أكل الاول وبعدها تحلي ، أكيد دلوقتي جعانه، احنا اليوم كله بنلف!!
صححت له خطائه قائلًا بصوت خافض:
_لا، اقصد ان اي أكل حلو بالنسبالي، مفيش حاجه معينه يعني وكدا..
خجلت في الاخر، ليمازحها هو متذكر اندفاعها في الحديث من قبل...
_ هو أنتِ بتقولي على اي حاجه "حلو" كدا على طول، أفتكر قبل كدا لما كنت بشرحلك على ترويع المسلم للمسلم فالاخر رديتي بـ "حلو"...
رفعت كتفاها تجهل الرد عليه،، ليتنحنح هو يمسك قائمة الطعام يختار لها وله....
اما عنها فاخذت تتأمل المياه و المنظر الخلاب الذي أمامها، لأول مره تقترب هكذا من النيل وتجلس بالقرب منه،... سعيدة بخروجها أخيرًا من المنزل، تتنفس هواء مختلف عما اعتادت عليه....
أنتهى من أختياره للطعام ليشير للشاب الذي جاء ودون طلبه، ليغادر بعدها محضرًا أياه...
لاحظ شرودها في النيل ليتنحنح قائلًا:
_ أنتِ مبسوطه يا " سَــكن "، يعني ايه رأيك فكل اللي بيحصل معانا، و أنك بكره هتكوني مراتي!!
انتبهت لحديثه وسؤاله الذي لا تعلم أجابته ولا تعرف الأجابه عليه، مستغربة اهتمامه برايها و استفساره بما تشعر به، دق قلبها خوفًا وقلق شديد لفكرة أن تكون زوجته...
ابتلعت ريقها تجيبه بتوتر بالغ:
_هـو.. هو يعني كل حاجه حصلت بسرعه، بس الحمدلله نصيبي و هرضى بيه...
رأى تخبطها و ما تخفيه، يعلم انها خائفه الأن ولا برغب بالضغط عليها، لذلك مازحها قائلًا:
_ طب يا ستي شكرًا انك راضيه بيا، رحمتيني من مقابلات أمي اللي كانت تجبرني عليها كل أسبوع..
_ بالعكس أنت اللي متنازل كتيير لما رضيت بيا..
قالتها بغصه عالقه بداخلها، ليحزن لتقليلها من نفسها و نبرتها الحزينة تلك....
_ أحنا صح اتقبلنا بسبب سوء تفاهم، بس ده كان أحسن حاجه حصلت عشان الأقي الأنسانة اللي هكمل معاها باقي الطريق، مش هقدر اخد راحتي في الكلام معاكي دلوقتي، بس انا حاربت و دعيت كتيير عشان اوصل للحظة دي، وعشان تكوني زوجة" معين" إمام...
زاد تخبطها و حيرتها مما قاله ، لتساله بتيه...
_ تقصد ايــه؟ مش فاهمة؟؟
_ من أفسد زواجك من " سمير " كان أنا، لقد اتفقت مع أصدقائي لمنعه و تخلفه عن الموعد، لكي أتي انا و اطلب يدك للزواج، ولكن ما فعلته و الدته انهى الامر تمامًا ، و للصدق كنت ارغب في التقدم لك قبل أن ياتي هو.. ومنذ أخر مرة تحدثنا بها في منزلنا، اردت الزواج بك..
هذا الرجل خطر عليها بكل معنى الكلمه، دائمًا تتفاجاة بكل شيء يقوم به، هل فعل كل ذلك حقًا، لا تصدق ما قاله،عقلها ينكر انه فعل هذا من اجلها، ولكن قررت مجاراته وحسب، لينتهي هذا اليوم ورغم ثوران عقلها بالكثير من الافكار، إلا انها ابهرته كعادتها قائلًا:
_ والله خير ما عملت لما طفشته، ده كان هم و انزاح من على قلبي...
_ طب وباقي كلامي !!؟ رايك فيه ايــه؟؟
_لما يترجم بالعامية هرد عليك !!
_________________________________________
في الداخل...
جلس الجميع ملتفين حول المائدة، التي كان يترأسها "نعمان" وبجواره زوجته و أبنه الذي جلس بجانبه "عمر"...
اما الناحيه الأخرى فكان يجلس" حسن" و بجواره زوجته، الذي بجانبها جلس "احمد" تاليه "فرح"...
_ دايمة وعامرة بيك يا أبو" معين"...
_ عامرة بوجودك وبلمتنا ان شاء لله ..
تبادلا الاثنان حديثهم بموده و محبه من اجل ابنائهم و ارتباطهم ببعضهم البعض الذي بات قريب...
جهر "نعيم" قائلًا بسعادة:
_مين كان يصدق أننا هنتجمع تانـي ونبقى نسايب، بجد القدر غريب...
رد عليه "عمر" قائلًا بحكمه..
_ النصيــب، كلمه واحده وراها حياتك كلها وتخطيط من ربنا ليك... كل كلمة وكل خطوة وفعل بيكون نصيب..
اعجب حديثه الجميع إلا "أحمد" الذي اندفع قائلًا بوجوم...
_ ما يمكن قصده على الفرق اللي بينا ورغم كدا قبلوا بيه و اتواضعوا وقعدو معانا على نفس السفرة ؟؟
_ دخلت أنت نيتي وعرفت أنا اقصد ايه صح؟ لا نبيه..
سخر منه "نعيم" بحنق لحديثه الخاطيء، ليرتفع صوت "نعمان" قائلًا بهدوء و تقريع:
_ والدي الحمدلله رباني على التواضع و ان الفرق مش مين أغنى ومين افقر، لا، الفرق بيكون في الاخلاق و القيم و الشر اللي في النفوس، وده اللي ربيت ولادي عليه كمان، ومش انا اللي همنع أبني من جوازته للبنت اللي اختارها عشان فرق مستوى ممكن في يوم يتغير و كل شيء يتبدل و نعيش فيه...
خشت "صباح" من افساد ابنها للامر بسبب حديثه لتسرع قائلًا بود:
_ ده احنا زيدنا شرف بنسبكم و بجواز بنتي من أبنكم والله، سيماهم على وجوههم و انتوا ما شاءلله، الطيبة والكرم كله عندكم...
_ الله يباركلك يأم " عمر " ربنا يديم ما بينا الود والأحترام و يسعد ولادنا ويهديهم على بعض ....
آمن الجميع خلفها داعين الله أن يبعد الخلافات عنهم..
أنحنى "نعيم" يهمس للذي بجانبه قائلًا بنزق:
_ هو أخوك ده شايل طاجن سته و مش طايق نفسه وبيبعبع كدا على طول؟؟
ابتسم الأخر يجيبه قائلًا:
_هو فعلاً بيـبعبـع ومندفع فكلامه ومش بيفكر فيه...
_ طب ما تعالجــوه، سايبينه لنفسه كدا ؟؟ هيطق منكم؟؟
_نعـــيم..
نظر له بمعنى انه مهما حدث فهذا اخيه ولا يحب ان يتطاول عليه، لا هو ولا غيره، تفهم الأخر تحذيره بل وزاد أحترامه له....
**************************
جاء النادل بالطعام و قام بوضعه امامهم، ليشكره معين فيغادر تاركًا لهم...
حثها على تناول طعامها..لتشرع في الاكل بخجل منه، لا تعلم كيف ستأكل أمامه و لكنها بالفعل جائعه لذلك ستحاول لا بأس...
أما عنه فتابع مفسرًا سبب حديثه بالفصحي...
_ أنا مش بتكلم كده غير لما أكون متوتر أو عصبي، وقتها مابقدرش أعبّر غير بالشكل ده..."
_ طب أنت دلوقتي متوتر ولا متعصب؟؟
_بصـراحه كنـت خـايف ، خايف لتخافي مني أو تفتكري أني وحش و شخص مؤذي، دي أول مره أظلم حد كدا...
ابتلعت ما بجوفها تنظر له وهو يقلب في طبقه و يتحدث معها، لتسأله مستفسرًا:
_ طب ليه حكيتلي من الأول على اللي عملته؟
_ حبيـت أثبتلك أنك شخص مرغوب بيه و حربت عشانك، حتى لو اللي عملته عكس شخصية "معين" اللي الكل يعرفها، بس معاكي غصب عني بكون مش أنا، مش عارفه ممكن أوصل بسببك لفين تاني؟
هل قالت من قبل إن هذا الرجل يشكل خطرًا عليها؟ الآن فقط تأكدت من الأمر. بدأت تفكر: هل كانت هي السبب فيما حدث له؟ لا بد أن هناك لغزًا أو سببًا خفيًا...خطر ببالها سبب كل ما يفعله و يقوله ، لتجهر قائلًا تلقيها في وجهه لتصدمه بها.
_ أنــت تاجر أعـ_ضاء و بتحاول تثـبتني و تضحك عليا عشان تسرق أعــضائى بعد ما نتجوز صح؟؟
تستمر في صدمته و توقف عقله أمام حديثها الغريب والمندفع وماذا؟؟ هل هذا ما توصل له عقلها حقًا!؟؟
_ هــو ده اللي وصله دماغك بجد؟ بقولك خايف لتفكريني وحش عشان بوظت جوازتك، فتطلعيني تاجر أعـ_ضاء وبضحك عليكي؟
_أمال بتقولي الكلام الحلو ده ليه؟؟
_لا، متشغليش بالك، كُلًي يا "سَكن" بالف هنا...
شرع في تناول طعامه متجاهلًا نظراتها، يصبر نفسه لحين أخر، ليعقد القران فقط وبعدها يشرح و يفسر..
اما هي فتأكدت شكوكها و اخذت تتمتم لنفسها قائلة
"طـبـعًا عـايز يغـذينـي عـشان ياخـد اعضاء سليمه"
_________________________________________
وصلا أخيرًا لوجهتهم وهي منزل " نصران الغاوي "..
توقفت السيارة امام البيت..
الذي امامه، تمتد أرض زراعية خضراء، تعجّ بالحياة، حيث تتمايل سنابل القمح تحت أشعة الشمس، وتتخللها صفوف من الخضروات التي يعتني بها الفلاحون بحب. على بُعد خطوات قليلة، تجري الترعة في هدوء، تعكس السماء الصافية فوقها، وتصدر خريرًا خفيفًا يندمج مع زقزقة العصافير في الصباح وصوت نقيق الضفادع في المساء.
ترجلا من السيارة غير قادرين على الوقوف بسبب تيبس أجسادهم ، سند" لؤي"بيده على السيارة يحاول تحريك قدماه لينهر الاخر قائلًا...
_ عاجبك وقفتي دي؟ ولا اللي عندو تسلوخات؟؟
ضحك "موسى" عليه ليجيبه باستفزاز:
_ فكرني أحنا وراجعين أجبلك ڤورتالين لركبك اللي مش شيلاك دي...
كاد ان يرد عليه ولكن تركه الاخر و اقفًا وذهب إلى المنزل...
طرق الباب منتظرًا ان يجيبه أحدًا، ثوانيٍ و فتح الباب له ليجد اكثر وجه يبغضه في الحياة امامه...
_ أنــت!! جاي ليه؟
_ الله يرحمه أبويا كان عندو حق لما قالي... قليــل الأصل لا يتعايب و لا يتعاتب، مهو ملوش أصل ولا يعرف الأصول معزور...
امتقع وجهها غضبًا من حديثه وإهانته لها. كانت زوجة عمه جحيمه المستعر منذ أن فقد والديه وأجبر على العيش في منزلهم. لم يكن مجرد طفلٍ يتيم، بل كان سجينًا في بيتها، يُقاسِم الأرض قسوتها والسماء برودتها. كانت تتركه نائمًا على السطح، غير مكترثة إن تجمد من البرد ، وتعنفه إن تحرك في المنزل دون إذن، تحرمه من الطعام، وتجبره على العمل كخادم لا حول له ولا قوة. لم تكتفِ بذلك، بل حرّضت عمه عليه، ولم يرحم هو الآخر ضعفه. لكن الطعنة القاتلة لم تكن في طفولته فحسب، بل حين انتزعت منه أكثر ما كان يتمناه... يومها، لم تسلبه حقه فقط، بل سلبت روحه، تاركةً خلفها جسدًا يترنح بين الحياة والموت. عذبته في مراهقته، وسرقت منه حتى الحلم بسعادةٍ في مستقبله...
عنفته قائلة بكره شديد:
_ لسه فيك حيل ترد ولسـانك طويـل؟؟
_ تحـبي أثبتلك، عشان الكلام ده للستات، أنا مليش فيه!!
جاء بتلك اللحظة " لؤي" يقف بجانبه وعندما رأى وجه تلك المرأة الممتعض المخيف اندفع قائلًا:
_ هــي دي الحــرباية؟ اقصـد مرات عمك؟
_ هي بنفسها الاولي وللأسف التانية برضو...
قالها "موسى" بسخرية و تقريع اشعل بها النيران، كادت أن تصرخ بوجهه ولكنه قاطعها قائلًا بنبرة ارعبتها...
_ عمــي فين؟ بلغيه اني عايز اشوفه.
_مش موجود و مش عايز يشوفك، ارجع ما كان ما جيت...
نهرته والقت تلك الكلمات، ليغضب بشدة يرغب في خنقها، تراوده أفكار كثيرة لتعذيبها....
اقترب منها بخطوات بطيئه، جعلتها ترتجف من الداخل ليهمس لها قائلًا:
_ صدقيني مش هسكت، المرة دي مش هسكت لو وقفتي قصادي، نصيحه مني خافي وكشي و لميهــا معايا عشان مبعترهاش...
أرتجف من الداخل محترقًا و مشتاقًا بنفس الوقت عندما سمع أخر صوت تمنى ان لا يسمعه مجددًا...
_ بـابـا مش هنا يا "موسى" هو عند الأرض...
ليته لم يأتي فالتحترق الشقة افضل من احتراقه هو الأن، اغمض عيناه بشدة متنفسًا بعمق شديد لا يرغب بالالتفاف ولا رؤية وجهها...
اندفع إلى الخارج قافلأ الباب بقوة خلفة كادت أن تحطمه هو والجدران مع بعض....
لمست غبار البيت ثم شممتهُ
فما زال من ريح الأحبَّة زاكيا
ـ
وقلت يا دار جئتك عاتبًا
فقد سافر الاحبابُ دون وداعيا
ـ
إلى أين سارُوا واللَّيالي مطِيرة
إلى أين فرُّوا حاملين فؤادِيا
ـ
فيا ليتني طير يَفر مغربا
ولكن سيف البعد قص جناحيا
ـ
فهل تشرب الأيام نبع مدامعي
فيرجع أحبابي ويصفو زمانيا
مقتبس......
_________________________________________
يتبع.....
رايكم يا حلوين ♥♥♥
ميريـت