وما الدهرُ إلا جامعٌ ومُفرقُ
وما الناسُ إلا راحلٌ ومُودعُ
فإنْ نحنُ عِشْنَا يجمَعُ اللهُ بيننَا
وَإنْ نحنُ مُتْنَا، فالِقيامَة ُ تَجمَعُ
مقتبس.....
_____________________________________
يومان قد مرا على الجميع بمشاعر مختلفة منهم من تحكم بعقله ولجأة إلى الله بعدما يأس من إجادها كـ "معين"، ومنهم من ظل يثور ويصرخ بالجميع كـ" عمر" والذي واجه عائلته ملقيًا اللوم عليهم فبعدما علم ما قاله "نعمان" تفهم كيف اختارت عدم العودة إلى المنزل، خاصةً بعد انفعال والدته عليها في الصباح... يعطيها كل الحق بردة فعلها، يبكي بحرقه عندما يتخيل ما عانته وكيف لم تجد مكان يحتويها و تختبيء به من كل شيء...
كذلك...
تعاون "موسى" مع "مازن" وعمار متكفلين بأمر الشرطه والبحث عنها بجميع المستشفيات والأماكن العامة... ولكن لا شيء....
حتى "لؤي" انفعل وثار بالمشفى يرغب بالخروج ومساعدة صديقه ولكن وضعه ما زال خطرًا ويحتاج إلى الراحه...
*********************
داخل منزل معين..
كان يجلس بالحديقة مع صديقه بحزن ظهر جليًا عليه، لينبس "إيهاب" قائلًا بمواساة:
_ اللي حصل حصل يا نعمان خلاص، أن شاءلله هترجع وكل حاجه هتكون بخير..
أجابه بضعف و ندم:
_ أنا بوظت كل حاجه ودمرت الاتنين يا إيهاب، البنت أختفت وربنا وحده اللي يعلم حصلها ايه؟ و أبني بقى عايش ومش عايش وليلى هتروح مني بسبب حالته وبعدو عن البيت... يا ريتني ما روحت وراه ولا نطقت حتى...
ربت على كفه ناصحًا اياه برفق:
_ الندم مش هغير حاجه و أنت مكنتش تقصد اللي قولته، أحسن حاجه تعملها دلوقتي... أنك تقف جنب معين وتساعده يرجع مراته..
_تفتكر معين ممكن يسامحني؟ ده انا مش قادر أبص في وشه بعد اللي حصل...
___________________________________
بمكان أخر..
داخل غرفة تبديل الملابس جلس "عمر" بفتور تام يفك رباط حذائه الرياضي بعدما انهى تدريبه للتو، فقد لم يتغيب لأسباب كثيره تجعله يضغط على نفسه ملتزمًا في القدوم إلى هنا ومنها ان يجني المال للبحث عنها وأن يحسن من وضعه حتى يستطيع الأهتمام بها عندما تعود...
نزع قميصه ليصبح جزئه العلوي عاريًا... فتح الخزانه الخاصة به حتى يلتقط ملابسه التي أتى بها...
أستمع إلى صوت أنثوي قادم من خلفه قائلًا بتقريع:
_ أتمنى تكون تعلمت الذوق عشان هنتعامل كتير مع بعض الفتره اللي جايه... يا كابتن عمر الطواب..
نظر إلى الخلف بأستغراب تام ينظر لتلك الفتاة صاحبة الخصلات الملونه والهيئه الغربية قائلًا بجمود:
_ أنتِ مين؟ وبتعملي ايه في الغرفة الخاصة بالشباب... أطلعي بره..
شهقت بدهشة من وقاحته في الحديث معها وللمره الثانيه، لما لا تشوه وجهه الوسيم ذاك بكفها ولكن مهلاً لا بأس ستريه من هي..
كادت أن تقترب منه ولكن تراجعت عندما رأته يكمل أرتداء ملابسه بعدم أكتراث لها ولوجودها البته... لذلك صرخت تنهره وهي تضرب قدمها بالأرض قائلةً:
"You're rude. — I'm here."
أجابها بعدم أهتمام لجهله بما نطقته قائلًا بحنق:
_ بلا هيـر بلا شـر، أطلعي أرغي بره عايز أغير هدومي..
أقتربت منه لتقف أمامه قائلةً بغطرسه:
_ يعني فاشل ومش فاهم كلامي وكمان شايف نفسك! بجد أنت غريب أوي...
_ ما غريب إلا أنتِ.. عايزة ايه عشان انا مش فاضي، لو جايه لحد هنا فـ مفيش غيري وانا معرفكيش..
تجاهل إهانتها له والقى تلك الكلمات حتى تبتعد عنه، يرغب بالخروج بسرعه حتى يبدأ بالبحث عن شقيقته.. وجدها تقترب منه خطوة قائلةً بتهكم:
_ يعني انت مش فاكرني؟
_لا.
نبس بها ببرود، لتجيبه هي قائلةً بصبر رغم أحتراقها من الداخل فكيف لا يتذكرها وهو لم يغب عن عقلها للحظه واحده!..
_ مش مهم،أعرفك بنفسي دلوقتي..
تعمقت في النظر له قائلةً بتعاليٍ:
_ أنا رُبـى.
_ عشان كدا رافعه منخيرك في السما!!
قالها بسخرية مقاطعًا اياها، لتمتعض ملامحها قائلةً بعجرفه:
_ أنت عارف اني أبقى بنت صاحب النادي ده؟؟ وممكن أطردك منه في للحظه واحده بكلمه مني...
_رُبـــى!! بتعملي ايه هنا؟
_____________________________________
كانت تجلس على الأريكه التي تتوسط صالة المنزل بحزن وهـم على أبنتها الضائعه تتذكر حديث أبنها عندما صرخ بها قائلًا بحرقه:
_ طول عمرك بتعامليها على انها عبء وعايزه تخلصي منها، لو كنتي خدتيها في حضنك مره واحده وطبطبتي عليها وعرفتيها أن سعادتها عندك بالدنيا، كانت جريت عليكي ورجعت على البيت بعد اللي حصل.. لكن أنتِ عملتي ايه؟ كل معاملتك معاها بالزعيق والشخط.. أعملي دي يا سكن، ابقي زي باقي البنات يا سكن... إنتِ هنا عشان تخدمينا وبس، امتى تتجوزي ونخلص منك،.. والخ دايمًا كاسره بنفسها ودايسه عليها لحد ما وصلتيها أنها تطفش من خوفها منك ومن ردة فعلك.. والله لما ترجع لو حد زعلها بحرف لهخدها ونعيش في مكان تاني ويبقى حد يمنعني...
بكت بندم على ما فعلته واوصلت أبنتها له، تقسم أنها ستتجاهل حديث النساء وتلقي به وراء ظهرها إن كان الثمن سعادة أبنتها مهما كان اختيارها حتى وان ظلت معها بدون زواج... لا بأس فقط تعود وتتأكد انها بخير..
جاء زوجها جالسًا امامها بعجز وضعف قائلًا بغلب:
_ تفتكري ممكن تروح فين؟ وهي متعرفش حد ولا مكان غير هنا.. أنا خايف ليكون حد آذاها او حصلها حاجه وأحنا لسه منعرفش!
اجابته من بين بكائها قائلةً:
_ بعد الشر، ان شاءلله ترجع وتكون كويسه، أحنا السبب في كل ده، علمناها وكبرناها على انها تكون ست بيت وبس ونسينا نديها فرصه تتعلم ازاي تعيش وتعتمد على نفسها في الدنيا... سكن لو حصلها حاجه مش هسامح نفسي أبدًا يا حسن...
اقترب منها يربت عليها قائلًا بضعف ووهن:
_ طب كنت هعمل ايه يا صباح، أنا راجل بيطلع عيني طول النهار.. بتزل عشان خاطر للقمة العيش، طول اليوم بأفضل اترمي من هنا لهنا عشان بس أوفر طلباتنا، كنت هعلمها أزاي ولا هحميها من شر العالم اللي بره ازاي وأنا قليل الحيله... والله لو كان معايا لكنت علمتها و عيشتها أحسن عيشه... بس حياتنا ووضعنا هما اللي أجبرونا نعيش كدا.. كنت عايز ليها الستر والراحه مع واحد يحميها ويدلعها وتعيش مرتاحه، انشغلت في الدنيا ونسيت اخدها في حضني واطبطب عليها، دخلت بيتي شيطان دمرها وانا كنت بكمل بسكوتي وقسوتي عليها، عمر عندو حق وهي كمان عندها حق لما أختارت مترجعش وخافت مننا..
كانت تستمع لهم وهي تقف بجوار الباب تشهق وتبكي على ما حدث لشقيقتها، واكثر شيء تشعر به الأن هو الكره والغل لتلك العائله... التي أهانت شقيقتها ودعست عليها كأنها لا قيمة لها... و إن سألها احدهم من أكثر شخص تكرهه الأن ستقول "مــعين".
____________________________________
_ يا عمار أرجوك رد عليا وكلمني، فهمني طيب ايه اللي حصل معاك؟
نبست بها نور بضعف ورجاء بعدما يأست من صمته وتجاهله لها، فمنذ أخر لقاء بينهم وهو لا يتحدث معها بل أصبح طوال اليوم خارج المنزل، لا تراه إلا عندما يبدل ملابسه فقط، تشعر بأن هناك شيء حدث معه ويخفيه..
تجاهل حديثها ودلف إلى الحمام وما كاد يغلق الباب حتى منعته هي ووقفت بالمنتصف تواجهه قائلةً بإصرار:
_ لا ما أنا هعرف يعني هعرف ومش هسيبك غير لما أفهم حصل ايه مغيرك كدا ووو
قاطعها وهو يدفعها حتى انحصرت بينه وبين الباب قائلًا بنبره غاضبه:
_ عايزة تعرفي حصل ايه؟ اللي حصل أن البنت اللي بهدلتيها أختفت، ولحد دلوقتي مش عارفين حصلها ايه؟ ولو قولنا الف مبرر هنفضل أحنا اول سبب في اللي حصل ليها ولمعين.
رأى صدمتها من حديثه ليبعدها عن الباب مغلقًا اياه بوجهها، تاركًا أياها في حالة ذهول وحزن على ما تسببت به لتلك الفتاة التي كانت ترغب يومًا بأن تصبح رفيقه لها.. كانت ستترجاه ان تذهب لها وتعتذر منها ولكن للتو علمت أن المسكينة أختفت! ووحده الله الذي يعلم ما يحدث معها... أنفجرت بالبكاء بألم وتأنيب لذاتها على ما فعلته تدعو الله ان تعود بخير وستذهب وتقبل يدها حتى تسامحها على ما اقترفته بحقها...
________________________________
خرج أخيرًا من النادي بوجه مكفهر بسبب تلك الفتاة المتعجرفه، تاركًا أياها برفقة شقيقها والذي لسوء حظه كان السيد "عُمير"... يستنكر كيف تكون شقيقة ذلك الرجل اللبق المتواضع!!
_ بـرن عليك ليا يومين يا عمر بيه، مبتردش ليه؟
نظر بأتجاه الصوت ليجد صديقه" نعيم" أتيًا ناحيته..
أنتظر حتى وقف أمامه ليجيبه قائلًا بوجوم:
_ مفيش سبب غير اني حابب أكون لوحدي، عشان أعرف ادور على اختي وأركز في تدريبي..
_ طب وأنا!
قالها بعتاب بعدما تجاهله لمدة يومين، كان هو يحترق قلقًا وخوفًا عليه.. تابع قائلًا بضيق:
_هو انت زعلان مني؟ طب شايف اني ليا سبب في اللي حصل، أو عايز تقطع علاقتك بيا!!
أسرع "عمر" قائلًا بصدق شارحًا له:
_ لا طبعًا، والله ما فيه حاجه من دي صح، أنا بس خايف على سكن وحياتي متلخبطه ودماغي فيها الف حاجه.. أنا مشكلتي مع أبوك ومعين وو
_ عمر لو سمحت، أنت عارف أنهم وو
نبس يشرح له، ليقاطعه "عمر" قائلًا بحرقه و قهر:
_ متبررش يا نعيم، قولي سبب واحد يخلي أبوك يقوله لو حاسس أنك مش عايزها خلاص وزهقت.. طلقها!.. الجملة دي من يوم ما سمعتها وانا في مكتب الظابط وهي بتحرق قلبي على أختي، بحس بسكينه بتطعن قلبي من جوه.. أمال هي حست بأيه؟؟
بكى أمامه بألم وقهر متابعًا:
_ أنت مش عارف أختي اتظلمت أزاي وعاشت أيه؟ الكل داس عليها وقلل منها، أخوك كان الأمل الوحيد ليها فأنها تحس بالأمان والراحه.. عشان هو الوحيد اللي حسسها بكل اللي اتحرمت منه وفكرت أنها مستحيل تلاقيه.. عارف لما تكون حاطط أملك كله في شخص والشخص ده يخذلك ويدوس عليك.. سكن كانت كدا.. أخوك بالنسبالها كان أكتر من زوج.. طب تعرف أنها راحت ليه عشان فكرت انه ممكن يكون زعل منها ويطلقها...
ثم نبس بالحقيقه وكأنه يعلم جيدًا شقيقته وما تفكر به.. القى بوجهه حقيقة ما حدث بالفعل وما دفع "سكن" للأختفاء والأبتعاد عنهم والتي كانت:
_ أختي أختفت عشان فكرت أن أخوك فعلاً زهق منها وهيطلقها يا نعيـم..
نظر له "نعيم" بعجز وضعف، يتألم على حال أخيه وصديقه وما حدث لتلك المسكينة.. يتمنى أن تعود بسرعه وان يصبح كل شيء بخير...
أحتضن رفيقه بقوة بعدما لاحظ أنهياره في البكاء، أخفى وجهه في كتفه عن أنظار من حوله مربتًا على ظهره قائلًا بتمني:
_ هترجع، أن شاءلله هترجع يا عمر وكل شيء هيتحل..
_ خايف عليها أوي، أنا بحبها أوي أوي يا نعيم..
قالها بضعف ليمسح الأخر على رأسه داعيًا لله بأن يهونها عليه... سحبه برفق معه لداخل سيارته.. حتى يبتعدو عن هذا المكان... وهناك كانت تقف تراقب ما حدث بأستغراب وفضول.. فكيف كان معها بالداخل وقحًا و جامد.. والآن يبكي كطفل صغير!!
________________________________
وبنهاية اليوم هاتف "مازن" موسى وطلب منه أن يقابله بالمشفى حيث شقيقه "لؤي" وما هي إلا دقائق وكان يجلس موسى وعمار في أنتظاره وأمامهم يتسطح لؤي بعجز وحزن على ما وصلا له...
_ هو ازاي وصلنا لهنا!! حياتنا بقت عبارة عن مشاكل وبس!
نبس بها "لؤي" بحيره، ليتحدث "عمار" قائلًا بتيه:
_ أنا خايف على معين أوي، هيعمل ايه لو مراته حصلها حاجه فعلاً.. حاسس بالذنب ونفسي اتكلم معاه بس محروج منه..
نظر له الأثنان بأستغراب ، ليستفسر منه "موسى" قائلًا:
_وأنت ايه علاقتك باللي حصل مش فاهم!
زفر الأخر بهم يقص عليهم ما حدث تلك الليله، ليتفهم الأثنان والأن فقط سبب حالة "معين" حينها...
_ الله يكون فى عونها والله، البنت اتبهدلت..
قالها "لؤي" بشفقه، ليتنهد موسى بضيق قائلًا لصديقه عمار يرغب بالتخفيف عنه:
_ اللي حصل سوء تفاهم يا عمار يعني لا أنت ولا مراتك ليكم ذنب، هي كمان كانت خايفه ومرعوبه على بنتها وردة فعلها طبيعية محدش يقدر يلومها...
أجابه بحزن:
_ بس ده ميمنعش أننا السبب في حالة معين وأختفاء مراته لحد دلوقتي..
رد الأخر بحكمه قائلًا:
_ لا يا عمار أنت مش السبب، الموضوع أكبر من كدا بكتير وأحنا اللي علينا دلوقتي نقف جنب معين ونساعده لحد ما ترجع...
_ ده لو فيه أحتمال أنها ترجع أصلاً..
جهر بتلك الكلمات "مازن" والذي دلف إلى الغرفه مستمعًا لنهاية حديث الأخر..
إنتفض "موسى" وكذلك "عمار" يجهلن مقصده وما يشير له...
_ تقصد ايه؟
قالها موسى بأستفسار، ليجيبه "مازن" قائلًا بآسف:
_ للأسف لسه جاي من مركز الشرطه ونتيجة البحث بتقول إنها إنتحرت بعد ما رمت نفسها في النهر، لانهم وجدو متعلقاتها الشخصيه جواه بالفعل...
رغم وقع الحديث عليهم بصدمه وألم، إلا ان موسى تمسك بإمل بسيط عندما جهر قائلًا بتفكير:
_ ما يمكن حد سرقهم منها ورماهم هناك، أو وقعو منها مثلًا!!
نفى ذلك التوقع عندما شرح له قائلًا بفطنه:
_ وهو اللي بيسرق بيرمي ولا بيبيع يا موسى، عمومًا البحث عن الجثه مستمر وممكن ياخد وقت عشان الواقعه ليها يومين طبعًا... المهم انا جبتكم عشان تفكروا هتقولوا لصاحبكم ازاي اللي حصل..
___________________________________
كان يجلس بداخل المسجد بقلة حيله وضعف، أتخذ بيت الله ملجأ له، يدعو للخالق بأن يرأف به وان تعود بخير... ترك امره بيد الواحد الأحد بعدما يأس من إيجادها وعاد له عقله... زهد الجميع واختبأ هنا...
وجد صديقه يقترب منه ليهس له ببعض الكلمات، انتفض واقفًا يتحرك معه إلى الخارج، ليجد "مازن" و "عمار" ينتظرن خروجه... لم ينتبه إلى ملامحهم ولكن نبس قائلًا بلهفه:
_ ها يا سيادة المقدم، عرفت ايه عنها؟
قد اتفق الجميع بالفعل على أن يخبره "مازن" بالحقيقه مباشرةً، فلا أحد منهم يملك القوة على إخباره بتلك الفاجعه، الأمر ليس هين ولا يتحمل التمهيد والأنتظار..تحرك الأثنان يقفن بجوار صديقهم،ليتحدث حينها مازن قائلًا بهدوء وشفقه أخفاها داخله:
_ بعد بحث مكثف وجدنا متعلقاتها الشخصيه جوه نهر بعد مسافة بعيدة عن موقع الشركه ولسه البحث مستمر عن الجثه.. أنت إنسان مؤمن يا معين وده قدر ربنا بس كل حاجه بتدل إنها انتحرت...
تجاهل كل ما قاله مكذبًا اياه قائلًا بجمود:
_ بس ده مستحيل، لو كنت قولتلي اي حاجه تاني كنت هصدق.. لكن أنا متأكد هي مستحيل تعمل كدا..
اجابه موسى تلك المره قائلًا برفق:
_ الأنسان لما يكون ضعيف بيعمل اي حاجه، أسمعني يا معين أنت..
قاطعه "معين" جاهرًا بيقين وثقه:
_ مراتي منتحرتش يا موسى، منتحرتش..
لم يعطي أحدًا فرصه لقول المزيد بل تحرك بأتجاه سيارته صاعدًا اياها بغضب وضيق... يجهل وجهته ولكن يرغب بالفرار من كل شيء... يحترق من الداخل خوفًا عليها.. يؤنب نفسه ليلًا ونهارًا لتركه اياها تلك الليله.. ليته تجاهل ما قالته وتمسك بها... ليته قام بعناقها وتهدئتها... كيف تركها تعاني طوال الليل وهو الذي يعلم ان عقلها لا يرحمها ولا ينفك عن التفكير بأشياء ترهقها وتؤلم قلبها... لقد جاءت له لانها كانت تعتقد انه غاضب منها وسيتركها... ولكن بحق الله كيف سيفعلها وهي أصبحت الحياة بالنسبة له!!
*********************
علم الجميع بهذا الخبر والذي نزل كالصاعقة فوق رؤوسهم... أنهارت والدتها تبكي وتنوح بقهر وحزن.. تجاورها "فرح" لا تقل عنها شيء.. فقد هاتف الضابط "حسن" وابلغه بما توصلوا له... والذي تكالب عليه الألم و العجز ليجر نفسه هو وأبنه الكبير حتى يذهبن إلى مركز الشرطة والتأكد من الأمر...
وبهذه اللحظة تحديدًا دلف "عمر" إلى المنزل، ليجد والدته وشقيقته بتلك الحاله... قذف الرعب إلى قلبه يخشى أن يسأل فتصدمه الأجابه...
ولكن الجهل يأكل صاحبه وهو يرغب بالمعرفه، تقدم بأتجاههم بخطواتٍ متقهقره.. ابتلع ريقه بشك قائلًا:
_ هو.. هو فيه ايه؟ وماما مالها يا فرح؟
نظرت له بأعين تفيض من الدمع حتى برزت عروقها قائلةً بحرقه:
_ سكن يا عمر...
جثى على ركبتيه أمامها برجاء بألا تكمل، فقد شعر بأن القادم أسوأ.. لن يتحمل خسارة شقيقته، "سكن" أصبحت بالنسبه له رفيقته و الركن الألطف الذي حرم نفسه منه طوال السنين الماضيه ولم يدرك قيمته إلا من فتره قصيرة، هل ستتركه الآن حقًا؟
نبس قائلًا بشرود وتيه:
_ هترجع، سكن هترجع أنا متأكد..
_ سـكن ماتـت، أنتحرت يا عمر..
قالتها بأنيهار وصراخ جعل والدتها تبكي أكتر و أكثر.. ليتراجع هو إلى الخلف زاحفًا بصدمه وعدم تصديق.. من؟ من... ماتت!، لا... يستحيل أن يحدث ذلك.. تنفسه أصبح عاليًا ينظر حوله يبحث عنها في كل ركنٍ حوله.. هي ستخرج الآن من الغرفه وتخبره بأنها ستحضر الطعام له كما تفعل دائمًا عندما يأتي من الخارج..
وقف على أقدامه بصعوبه يرفض أن يصدق ما سمع، سيتأكد اولًا قبل أن يَجن..
خرج من المنزل مسرعًا حيث وجهته ولكن أين؟ يشعر بأن الجميع من حوله كاذب لا يصدق آيًا منهم.. لا والده ولا شقيقه ولا حتى ذلك الـ معين.. لا يثق بأحد ولا يجد من يساعده بأن يفهم ويفعل شيء...
جلس على الرصيف الجانبي واضعًا يديه على رأسه بعجز وحيـره...
قاطع حالته تلك صوت هاتفه والذي ما ان نظر لأسم المتصل حتى أهتدى عقله للطريق أخيرًا... ضغط على زر الأجابه لياتيه صوت الأخر قائلًا بتريث:
_ أزيك يا عمر، رُبـى قالتلي أنك كنت منهار قبل ما تمشي! كل حاجه تمام صح؟
أنفجر "عمر" قائلًا بضياع وألم:
_ لا، مفيش حاجه تمام، هو انت ممكن تساعدني؟
أجابه "عُمير" بأهتمام:
_أكيد طبعًا، قولي ايه اللي حصل وأنا هتصرف..
جاءته الأجابه بشكل لم يتوقعه عندما نبس الأخر قائلًا بحرقه:
_ عايز أعرف أختي ماتت ولا لا؟ ممكن تاخدني لعندها أشوفها حتى؟؟
أنتفض واقفًا من فوق الآله الرياضيه بصدمه، يقسم أن هذا أخر سبب كان يتمنى أن يستمع له، تحكم بنبرته بصعوبة ليستفسر منه قائلًا بأمل:
_ أختك مين؟ اللي جات معاك التدريب...؟
همهم له موافقًا بعدما عجز عن الرد ليتحرك الأخر يخرج من الغرفه.. يرغب بالذهاب له ومعرفة كل شيء.. أغلق بوجهه بعدما قال بقلق:
_ ابعتلى الموقع اللي أنت فيه وأنا هكون عندك فورًا..
___________________________________
_عرفت مكانهم ولا خلاص كبرت وخبت يا رفعت..
نبس بها ذلك الذي يُطعم الكلبين الشرسين ببرود تام، أجابه المدعو بـ "رفعت" بخوف مما توصل له، يقسم بأن القادم ليس بالهين ولا السهل..
_ أنــجز..
صرخ بها بعدم صبر، ليبدأ الأخر بالحديث بسرعه:
_ خدها وراح بيها القاهره بس.. بس
تلعثم فى الحديث رغمًا عنه، فمه يأبى النطق بما علم... ولكن نظرة الأخر أجبرته ان يُكمل قائلًا بالحقيقة:
_ عرفت انه جوزها لأبن عمها أول ما وصل هناك ووو
_ أنت بتقول ايه؟ أتجوزت ازايــي يعني...
جُن بالكامل عندما استوعب ما سمعه، وقف يصرخ بجنون وغضب، اهتاج وركل كل ما يقابله وهو يردد بجنون:
_ مستحيل، مستحيل تتجوز حد تاني، مش هسيبهم يتهنوا ببعض.. مستحيل..
ضرب الحائط بيده وهو يتنفس بصعوبه، هو لا يعشقها ولكن يرغب بامتلاكها، يرغب بأن تصبح زليله تحت قدميه لأخر أنفاسها... ستدفع ثمن ما فعله هو؟ كل شيء بدأ به... ذلك الـ موسى، يقسم أنه لن يتركه يهنأ يومًا.. لقد تزوجها حتى ينتقم منه يدرك مدا عشق الأخر لها وهذا ما جعله يتفنن في تعذيبها.. كلما رأى حزنها و معاناتها يرأ وجهه هو وليس هي، كم كان يتلذذ ويشعر بالسعادة عندما فرق بينهم وأصبحت له، وكم كان يحمل بداخله لها الكثير ولكنها ابدلت حبه لها بالكره و الأنتقام عندما كانت تفضل ذلك الجرذ عليه....
دقائق مرت وهو غارق بالتفكير، حتى نطق أخيرًا قائلًا بأمر:
_ جهز كل حاجه عشان هننزل القاهره من بكره، عندنا شغل كتير ومحتاج وقت وترتيب قبل ما نظهر لأبن الشواف..
_________________________________
عند عمر...
أوقف سيارته عندما رأى الأخر جالسًا على الرصيف... ضغط على صافرة السياره لينتبه الأخر له... حثه على صعود السياره ليفعل ذلك بجسد مرهق...
جلس بجواره لينطلق "عُمير" بالسيارة قائلًا بتروي:
_ أحكيلي ايه اللي حصل لـ سكن؟ وبالتفصيل يا عمر..
مسح على وجهه بضعف، يرغب فقط برؤية شقيقته وهل هي ما زالت على قيد الحياة ام لا؟
لملم شتات نفسه قائلًا بحزن:
_ من يومين خدتها الشركه عند معين جوزها وو
_جـوزها!!
قالها بصدمه وهو يوقف السياره ناظرًا له بأستنكار لما سمع للتو، والأخر لم ينتبه لردة فعله فهو الآن عقله بمكان أخر... لذلك تابع قائلًا بضيق:
_ للأسف آه، كانت رايحه تتكلم معاه عشان كان زعلان منها فـ سمعت والده بيقوله لو حاسس انك مش عايزها وزهقت خلاص.. طلقها، طبعًا اتقهرت وخرجت تبكي ومنهاره ومن ساعتها مش عارفين مكانها، لحد دلوقتي لما رجعت البيت لقيت امي واختي منهارين وبيقولوا أنها ماتت منتحره..
نظر له برجاء وآلم قائلًا:
_ بس أكيد هما فاهمين غلط و هي لسه عايشه... أرجوك عرفني الحقيقية وساعدني...
أومأ له وهو يربت على كتفه متجاهلًا صدمته وكل شيء الآن قائلًا بدعم:
_حاضر يا عمر، اوعدك مش هسيبك لحد ما نلاقيها وتشوفها، بس قولي أسم مركز الشرطه اللي ماسك الموضوع...
أخبره به لينطلق بعدها سريعًا...
ساعه فقط وكان يقف أمام الضابط والذي تعرف عليه ورحب به لمكانتة عائلته المرموقه والمشهورة...
جلس أمامه بوقار وصبر وبجانبه كان يجلس "عـمر" بقلق يأكله من الداخل...
جهر "عُمير" قائلًا بما اتى له:
_ حضرتك انا كنت عايز اعرف تفاصيل اختفاء الأنسه سكن حسن الطواب...
ثم أشار للذي بجانبه متابعًا..
_ وده يبقى أخوها عمر..
تارجحت نظرات الضابط بينهم قائلًا بنبرة جاده:
_ طبعًا سمعت عنه، عمل خناقه جامده امبارح مع الأستاذ نعمان و أبنه بعد التحقيق، ولحسن حظه ان المقدم مازن حل الموضوع واتحكم فيه..
نبس الأخر معتذرًا بضعف:
_ أنا بعتذر على تصرفي، بس انا مقدرتش اتحمل اللي سمعته والموقف اللي عاشته أختي، هي فعلاً توفت ولا ده مجرد احتمال؟
سأل بأخر حديثه بوجع وحرقه، جعل من حوله يشعرن بالشفقه على ما يمر به فتى مثله...
أجابه الضابط قائلًا بصدق:
_ مش هكذب عليك هو مجرد أحتمال قوي، يعني أحنا وجدنا الموبايل والشنطة الخاصه بيها جوه النهر، بس لسه مفيش أي اثر لجثتها..
_يعني فيه احتمال انها لسه عايشه..
قالها "عمير" براحه جعلت الذي بجانبه يطالع الضابط بأمل وحماس، ليتنهد الأخر قائلًا بأبتسامه بسيطه:
_ آه فـيه.
أبتسم أخيرًا يدعو الله أن تكون بخير وان تعود لهم، ليقف "عُمير" مودعًا الضابط بشكر وعرفان، مع وعد بان يخبره بكل جديد بشأن الأمر...
خرج الأثنان من الغرفه بمشاعر مختلفه عن وقت دخولها... الراحه والأمل تغلغل بداخلهم..
نبس قائلًا بشكر وأمتنان للذي بجانبه:
_ أنا بجد مش عارف أشكرك أزاي يا كابتن، مساعدتك ليا انهارده مستحيل أنساها..
ضم الأخر رأس الفتى إليه قائلًا بمشاكسه، خلفها معزى لا يعلمه إلا هو:
_ طب كويس خليك فاكرها بقى، عشان بكره هحتاج أنا مساعدتك يا بطل..
_ و أنا اوعدك اني هساعدك أكيد..
أجابه بأمتنان ووعد دون تفكير، ليأتي صوت أخر يقترب منهم قائلًا بأستنكار:
_ عــمـر..
أقترب منه عندما وجده برفقه رجل أخر، يخشى أن يعلم ما عرفه هو وينهار، يدرك جيدًا ماذا تعني له.. لذلك هرول بأتجاهه متجاهلًا تهجم وجهه عندما انتبه لوجوده...
وقف امامه ممسكًا بيده قائلًا بقلق عليه:
_ أنت كويس؟ متخفش يا عمر.. سكن هترجع ان شاءلله، اوعى تصدق أنها أنتحرت.. أنا متأكد أنها بخير وو
قاطعه الأخر عندما نفض يده عنه قائلًا ببلود:
_ عارف أنها هترجع، المهم تجهز نفسك أنت عشان هتطلقها..
تهجم وجهه بضيق، مستغفرًا ربه.. ليقرر تجاهل ما قاله لوقت أخر لوجود ذلك الرجل الذي بجانبه... والذي مد يده له قائلًا بهدوء:
_ متعرفتش بحضرتك! أنا معيـن جوز اخته..
_ اللي كـان..
صحح جملته بوجوم ، ليمد الأخر يده يبادله السلام قائلًا بخبث:
_ و أنا عُمير التهامي، اللي هـيكون بإذن الله..
رغم صدمته من كونها متزوجه إلا انه شعر بوجود خطب بتلك العلاقه وهو سيستغل ذلك أشد أستغلال لتكون هي له.. فكيف سيترك تلك الفتاة المميزة بالنسبة له! كل شيء بها يعجبه.. منفرده هي بجمال مختلف و أسلوب له إسقاط خاص للفتاة الشرقيه.. محظوظ من يمتلك زوجه كـ "سـكن".. وبما ان زواجها سينتهي بالفعل.. فما الذي يمنع بأن يكون هو ذلك المحظوظ!!
رباهُ قلبي لستُ أدري ما بـهِ!
فإليك شأني يا عظيمَ الشانِ
مقتبس....
________________________________
يتبع....
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل 🤎.
دمتم بأفضل حال 🥰
ميريـت