الصلاة على النبي تجارةٌ
فاظفر بها تنجو من الدركاتِ
صلِّ عليه بكل يوم واستزد
حتى تفوز بمثلها عشراتِ
مقتبس..
________________________
بداخل شرفة شقة حسن..
كانت تقف "فرح" شابكه ذراعيها بوجه ممتعض، يقابلها "لؤي" بعدما طلب من شقيقه ان يساعده في التحدث معها وهذا ما فعله الأخر، استأذن من والديها مبررًا بأن لا بأس ان تحدث الأثنان قليلًا قبل مغادرتهم..
وها هو يقف مقابلًا لها يحاول مراضتها قائلًا بضيق:
_على فكره المفروض تكوني مبسوطه! أحنا دلوقتي مخطوبين يعني افردي وشك ده شويـه..
التفت تواجهه، قائلةً بأنزعاج:
_لؤي انا مش سطحيه ولا هبله، يمكن اهلي محسوش عشان الوقت اللي حضرتك جاي فيه، بس انا بقى عايزة اعرف أبوك وأمك محضروش ليه؟
تنهد الأخر منزعجًا من ذكرها للأمر، يخبرها بصدق:
_أنتِ عارفه اني سبت البيت ويعتبر قاطع علاقتي بيهم، والأحسن دلوقتي متعرفيش اهلك، انا مفكرتش في حاجه غير انك تكوني ليا وبس يا فرح، فـ عشان خاطري بلاش نتكلم دلوقتي في النقطة دي.
هي بالفعل تعلم بتوتر الأجواء بينهم وايضًا معاناة الأخر بسبب والده ورغم علمها بأهمية موافقة والديه إلا انها ستتجاهل الأمر فليذهب الجميع للجحيم، فمن يهمها امره يقف الآن امامها وأصبح اخيرًا مرتبطًا بها..
_تمام يا لـؤي..
نبست بها بأستسلام، تصرخ بعدها بحنق:
_بس برضو مش هعديلك الموقف اللي حطيتني فيـه..
فُزع من تحولها المفاجيء، ليجز على اسنانه مقتربًا منها قائلًا بسأم:
_بت أنتِ ما خلاص بقى، ده انا استحملت كلام الكل من الصبح عشان بس اخطبك، اتعدلي بقى.
تراجعت للخلف بخوف من تحوله، فقد بدى غاضبًا بالفعل، لذلك حمحمت قائلةً بأرتباك:
_طب اهدى بس، ده انا بهزر يا رمضان، ايه مبتهزرش..
ضحكت بخفةً، ليتوقف هو ملاحظًا خوفها، ليرفع حاجباه قائلًا بأستغلال للفرصه:
_لا مبهزرش، ودلوقتي قوليلي كنتي بتكلمي نعيـم ليه؟
_أقسم بالله كان بيسأل على عـمر.
اسرعت تخبره بما حدث بصدق، ليجعد الأخر جبينه قائلًا بأستفسار:
_وهو ميعرفش انه سـافر ولا ايه!
رفعت كتفيها كحركه تدل على عدم معرفتها للأمر، ليتجاهل الأخر الموضوع مؤقتًا، قائلًا بخبث وهو ينظر لها:
_طب ايـه مفيش كلمة حلوة لخطيبك يأم علـي!
______________________________
أوقف السيارة اخيرًا امام القصر، يسمع صوتها قائلةً بتنبيه:
_ما كنت سبتها في مكان بعيد، مش عايزين صفوت يسمع صوتها وينزل يعملنا تحقيق..
اجابها بغرور متعجرفًا:
_وهو أنتِ سامعه صوت للعربية؟ دي احدث ماركـة، دافع فيها دم قلبـي وموصي عليها من برا مصر.
ردت عليه ببرود شديد، قائلةً:
_عادي يعني، ما هي اربع عجلات ومن فوق صفيح زيها زي غيرها.
شهق "مازن" بقوةً جعلتها تتراجع ملتصقةً بالباب، ليقترب هو منها قائلًا بتحذير:
_أنتِ ممكن تغلطي فأبويا واسامحك لكن عربيـتي لا.
أومأت هي بسرعه توافق على حديثه، فنظرته جادة بعيدة عن المزاح..
انتظرت منه ان يبتعد ولكن لم يفعل، لذلك نبست قائلةً بتوتر:
_ممكن تبعد عشان انزل.
_تؤ أنا زعلان اوي بسبب كلامك على الغالية، صالحيها.
اجابها وعينيه مثبته على مقلتيها، لتبتلع هي ريقها قائلةً بتلعثم:
_ا، اا اصالحها ازاي؟
_بوسيني.
_نـعم!
قالتها بأنفعال من تلاعبه الواضح وتخطي حدوده، ليقترب هو اكثر قائلًا بخبث:
_ما هو كدا انا وهي هنرضى عنك، وهنسيبك تخرجي من هنا.
_ابعد يا مازن انا مش هبلة عشان اعمل كدا.
ردت عليه بجمود، تحول لغرابه فقد ابتعد بالفعل بدون جدال او اصرار حتى..
تنفست بعمق ثم استدارت تفتح الباب لتهبط منه بدون ولا كلمة، لحق بها الأخر بوجه مبتسم ومشاكس فهو يعلم كيف يتصرف معها، هذه الفتاة لن ينفع معها الغضب ولا القسوة بل اللين والمحاصرة حتى تقع له..
دلف الأثنان إلى الداخل بهدوء حتى لا يستيقظ احدًا ولكن صوت حذاء "مريم" كان يصدح بقوة، لينبس مازن بخشى:
_اقلعي كعب برج خليفة ده هنتقفش.
رفضت الأخرى بعند تلفت له وتواجهه قائلةً بتقريع:
_بقولك ايه، أنت ممكن تغلط فـ ابويا عادي لكن جزمتي لا.
_على فكرة انا معنديش مانع اصالحها دلوقتي.
اجابها بمكر شديد، علمت مغزاه هي بالفعل، لتستدير تكمل سيرها متجاهلةً اياه..
ثواني وخرجت منها شهقةً مرتفعة تشعر بنفسها ترتفع عن الأرض بعدما حملها هو كالعروس قائلًا ببرود:
_لو انتِ دماغك يابسه، انا عندي حلول تاني امشي بيها
_نزلني يا مازن وألا..
قاطع حديثها وهو يصعد الدرج بالفعل قائلًا بوقاحة:
_ايه يا قلب مازن بثبتلك ان عضلاتي طبيعية مش نفخ.. وبعدين أنتِ خفيفة اوي كدا ليه؟ كُلي كتير أنا عايزك بطاية ومربربة..
اتسعت مقلتيها بصدمه وعقد لسانها مما قاله، لا تستوعب انه ينطق بتلك الكلمات حقًا..
ظلت هكذا حتى وضعها على التخت، منحنيًا باتجاهها قائلًا بغزل:
_بس في كل حلاتك تتاكلي أكـل.
__________________________
في اليوم التالي..
كانت "سكن" بداخل محل السيدة التي تبتاع ما تصنعه وتعطيها المواد والأدوات التي تحتاجها حتى تحيك وتصمم منها..
_حسابك اهـو، ودي الحجات اللي طلبتيها.. همتك بقى عشان الطلبات كتير يا سكن.
جهرت السيدة بتلك الكلمات بهدوء، لتلتقط الأخرى منها الأموال وتضعها بالحقيبة ثم تحمل الصندوق قائلةً بفتور:
_حاضـر.
خرجت بعدها من المتجر تسير بأتجاه المنزل فهو قريب بالفعل، ولكن انتفضت بقوة وسقط الصندوق منها حينما جذب احدهم الحقيبة من يدها وهرول بسرعة..
شهقت بذعر تهرول خلفه وهي تستنجد بأن يساعدها احد ولكن دون فائدة، كانت تعلم ان الحقيبة لن تعود ثانيةً..
تنهدت بقلة حيلة وعادت حيث سقط الصندوق، تنحني جالسةً تعيد الأغراض التي وقعت منه..
رأت شيئًا يتأرجح امامها فجأة، نظرت له لتبتسم بسعادة وهي تلتقط هذا الشيء فقد كان حقيبتها التي ظنت انها ذهبت بلا عودة..
_بجد شكرًا، شكرًا اوي اااا
اردفت بسعادة تشكر الفاعل دون النظر له وحينما التفت تواجهه بمقلتيها صمتت بدهشة فهذا اخر شخص تتوقع رؤيتـه حقًا..
لذلك نبست قائلةً بتوتر وهي تراه كما كان من قبل نفس الوجه والهيئه لم يتغير به سوى ابتسامةً صافيه ترتسم على وجهه:
_أا، انت بتعمل هنا ايه يا عُــمير؟
انحنى على الأرض يكمل هو ملىء الصندوق، قائلًا بمزاح:
_متخفيش اوي كدا مني، أنا مش جاي اضايقك يا ستي ولا هكون الحبيب المجنون اللي فخيالك دلوقتي، اطمني.
هي بالفعل كانت ترسم عدة افكار وكلها كانت عنه وهو يلحقها كالمجنون حتى توافق عليه، ظلت ترمقه بحيرة وهو يحمل الصندوق اخيرًا ويتحرك به امامها وهي ما زالت تقف لا تفهم شيء!؟
التف هو قائلًا بتنبيه هاديء:
_سكن اتحركي يلا.
ابتلعت ريقها تمشي بجواره، ليتحرك الأثنان على الرصيف الجانبي بهدوء وجو متوتر، تقطعه "سكن" قائلةً بتسأل:
_مقلـتش جاي ليه؟
_بصراحه جاي لسببين.
اجابها بصدق وهو ينظر امامه، يسمع صوتها وهي تستفسر بحيرة:
_ايه هما!
اردف بجديـة وصوت ظهر به الندم قائلًا:
_الأول عشان اعتذر منك على كل اللي بـدر مني اتجاهك، سكن انا بجد آسف لأني ازعجتك كتير وتسببتلك في مشاكل وو
قاطعته قائلةً بصدق وتقبل لأعتذاره:
_صدقني مفيش داعي، أنا نسيت اصلًا اللي حصل ومش زعلانه منك، كفايه عليا أنك كنت جنب عمر وساعدته كتير ودي لوحدها تغفرلك كل حاجه عندي..
لا ينكر انه شعر بالراحه بعد سماع كلماتها تلك، فهو حقًا كان يشعر بالذنب والسخط من نفسه على افعاله المخجله، واكثر ما جعله يتألم هو شكه بشيء وقد قرر سؤالها قائلًا بندم:
_طب لو انا السبب فأنك أنتِ ومعين تنفصلوا انا ممكن اتكلم معاه واشرحله كل حاجه.
اجابته بألم تنفي حديثه، بعدما استقرا جالسين فوق مقعد طويل يسطف داخل حديقة البناية تنبس قائلةً بأمتنان :
_مفيش داعي يا عُــمير، أنا ومعين ملناش نصيب مع بعض وانا اللي قررت انفصل من نفسي، لا أنت ولا هو السبب.
_طب ليه؟ أنتِ كنتي بتحبيه اكتر من نفسك يا سكن!
تسأل باستغراب وداخله حزين عليها، لتجيبه هي بصدق:
_ولحد دلوقتي بحبه، الفكرة اني وصلت لمرحلة مش هينفع ابدأ فيها حياة جديدة معاه، كنت هظلمه اكتر ما اهو اتظلم لما ارتبط بأنسانه زيي.
_سـكن أنتِ محتاجة تعرفي قيمة نفسك شوية، اي حد هتكوني في حياته اكيد محظوظ وانا مش بجامل ده بجد.
اجابها بنصح يعزز من ثقتها بنفسها، لتنظر هي له قائلةً بيأس:
_أنا بقى عندي السكر، عارفة انه هيتقبل الموضوع وكان هيكمل، بس ليه اعمل فيه كدا وهو يستاهل الأحسن.
رغم حزنه الذي ظهر عليه بسبب ما حدث لها، اردف بحنو:
_الأحسن ده بالنسباله هو أنتِ يا سـكن، معين مش هيقدر يكمل مع غيرك، صح انا معرفهوش اوي بس شفت في عينه هو بيحبك قد ايـه..
انهت الحديث فقد ارهقها حقًا، قائلةً بفضول:
_سيبك مني دلوقتي، مقلتش السبب التاني ايـه؟
تفهم انها ترغب بتغير الموضوع، ليحترم هو ذلك قائلًا برحابه:
_جاي اعزمك على فرحي هنا في اسكندرية، اصل خطيبتي بتعشق البحر وصممت انه يتعمل هنا.
_____________________________
_آنـسه سلـمى ياريت تركزي.
جهر "معين" بتلك الكلمات بحده طفيفة حينما لاحظ عدم تركيز الأخرى ونظراتها له.. لتجيبه هي قائلةً برقه:
_آسفة يا معين وو
قاطعها قائلًا بنفس النبرة السابقة مصححًا:
_بشمهندس معين، اتفضلي على شغلك يا آنسه وبعد كدا مصطفى هو اللي هيدربك.
كادت ان تعتذر وتبرر له ولكن كان قد تركها وغادر من المكتب، لتردف هي بسخط:
_طب ده اعمل معاه ايه؟ ده حتى عينه مش بتترفع من على الارض وبيدقق في كل كلمه اقولها..
بالخارج..
كان يتحرك بأتجاه غرفة التصميم الخاصة بالجميع، رأه "نعمان" ولاحظ عبوس وجهه، ليقطع طريقه واقفًا امامه قائلًا بتروي:
_خير يا بشمهندس، مضايق كدا ليه؟
اجابه الأخر بسأم فقد تعب من الوضع:
_مش عايز ادرب البنت دي يا بابا، لو سمحت انا بعتها لمصطفى يدربها، بجد مش قادر اتحمل تصرفاتها ولا عارف اركز في شغلـي.
_خلاص يا حبيبي اعمل اللي يريحك.
قالها "نعمان" وهو يربت على كتف ابنه برفق، يلوم نفسه للضغط عليه ووصوله لتلك الحاله.
شكره "معين" ثم اكمـل طريقـه يدعو الله ان يلهمه الصبر والرضا..
_______________________________
بـمكان أخـر..
كانت تجلس "نور" وتجهز الخضراوات الأزمه للطبخ بوجه مرهق، منذ الصباح وهي تعمل هنا وهناك دون راحه، ما تكاد تنتهي إلا وتخبرها احدهم بفعل الأخرى ولكن ستتحمل من اجل زوجها فقد.. فالليلة ستأتي عائلة العريس لكتب الكتاب هنا بالمنزل.
_ما تخلصي يا نور! ليكي ساعة في الخضار بس، فيه محشي وللحمه واصناف كتير عايزة تتجهز..
نبست "سلوى" والدة علا بتلك الكلمات بجعرفة، لتجز الأخرى على اسنانها قائلةً بصبر:
_والله اديني بشتغل، لكن مش هيحصل حاجه لو الباقي ساعد.
اجابتها وهي تنظر لها بحقد دفين، قائلةً بتقريع:
_ومين اللي هيساعد بقى؟ العروسه اللي لازم تتجهز ولا اختي اللي بتشوف طلبات الرجالة تحت؟ ولا تكنش تقى مرات عيسى اللي حامل في الشهر السابع وكلها شهرين وتجيب ولد عقبال عندك.
تعلم انها تعايرها بأنها لم تنجب سوى فتاة، منذ اتت إلى هنا وهي تتعمد ازلالها وهي تصمت فقط من اجل ألا تتسبب في جدال بينها وبين زوجها..
ردت عليها بهدوء عكس داخلها، قائلةً:
_معرفش بصراحه، بس انا اكيد مش هقدر اعمل كل ده لوحدي.
رأت "سلوى" عمار ياتي من الأسفل من خلال الشرفة التي كانت تجلس بها براحةً يقابلها السفرة التي تجلس عليها "نور" لتنتفض واقفًا بعد مدة معينة تمثل الحزن، تلتقط منها الأشياء قائلةً بضعف واهي:
_خلاص يا بنتي لو أنتِ مش عايزة تعملي حاجه ولا تساعدي براحتك، بس انا تعبت من الشغل النهار كله وكنت بعتبرك بنتي وهتساعديني.
ذهلت "نور" من تحولها المفاجيء عاجزةً عن الأجابة، ليصدح صوت "عمار" بعدما سمع حديثها قائلًا بجمود وهو يدلف إلى الداخل فقد كان الباب مفتوحًا بالفعل:
_فـي ايـه يا عمتـو؟ نـور عملت ايه؟
_مفـيش حاجه يا ابـني، نور بتدلع علينا بس.
اجابته بابتسامه بشوشة اجادت صنعها، وسط نظرات الاخرى المندهشة مما يحدث، تسمع "عمار" يجيبها بانفعال بسيط:
_يعني ايه بتدلع! هو انا جايبها هنا عشان تدلع ولا عشان تساعد وتخدم فيـكم؟! ما ده واجبها ولازم تعملـه، الله!!
جلست "سلوى" بوهنٍ، قائلةً بمسكنة:
_صدقني يا ابني انا بس قولتلها تساعدني في تقطيع الخضار لاني تعبت من كتر الشغل اللي بعمله من الصبح ومش راضية اتعبها معايا ، لاقيتها هبت فيا وبتقولي انا مش هقدر اعمل كل ده لوحدي وخلي الباقي يساعد..
احتقنت ملامح "عمار" بالغضب، ليتجه إلى زوجته قائلًا بحده:
_أنتِ قولتي الكلام ده فعلاً؟
ابتلعت ريقها بخوف لا تصدق ان الأخر يظن بها ذلك، ولكن هي حقًا قالت تلك الكلمات..
_عمار والله مش زي ما أنت فاهم هوو ااا
_قولتي ولا لا يا نور؟
صرخ مقاطعًا اياها، لتومأ له بخوف وهي تتراجع إلى الخلف، بينما "سلوى" تبتسم بشماته وسعادة لما يحدث، لتقترب منه وهي تمثل الطيبة، تربت على كتفه قائلةً :
_خلاص يا عمار يا ابنـي، انا هخلص كل حاجه لوحدي مش مشكله..
انتفض يبتعد عنها، يوجه حديثه لزوجته، يعنفها قائلًا بحده:
_مبسوطه كدا يا هانم؟ يلا اطلعي على فوق وممنوع تخرجي من اوضتك لحد ما الناس تحضـر، فاهمـة..
صرخ بكلمته الاخيرة، لتنتفض بمكانها وعبراتها تهبط بألم، فالأول مرة يعاملها هكذا، حتى بذلك الوقت الذي تطاولت به على "سكن" لم يكن يفعل!
هرولت إلى الخارج تصعد إلى الشقة المخصصة للضيوف و التي تمكث بها.. وخلفها "سلوى" تحترق من الداخل فقد كانت تظن انه سيجبرها على اكمال كل اعمال المنزل!
تراه وهو يخرج صارخًا بانفعال وغضب:
_الحق عليا انا اللي مدلعها...
صعد الدرجات يتمتم بمرح وصوت خافض:
_اعيـش وادلعـها.
___________________________
بمحافظة الأسكندرية..
وبينما تجلس "سكن" بداخل الغرفة تضخ ابرة الأنسولين بأوردتها صدح صوت الهاتف معلنًا عن اتصال احدهم بها..
اخرجت الأبرة ببطء بعد ان انتهت من افراغها ثم تنهدت بألم تعيد ظهرها للخلف حتى تستند براحه، ارتفع رنين الهاتف مرةً ثانية، لتلتقطه على مضض من جوارها تجيب دون ان ترى هوية المتصل، قائلةً بسأم:
_ميـن؟
_هو أنتِ دايمًا خُلقك ضيقك ونرفوزة كدا!
اجابها صوت رجولي بتلك الكلمات، لترد عليه هي بضيق وجهل:
_انا مش ناقصه استظراف دلوقتي، هتقول مين وعايز ايه؟ ولا اقفـل!
استمعت إلى تنهيدته المرتفعه دلالةً عن محاولتة بضبط نفسه، ليردف الأخر بصبر:
_مـراد أصلان نائب مدير شركة ******، عرفتيني..
حمحمت بتوتر عندما ادركت من هو، تلعن اندفاعها بالحديث وللسخرية لا يظهر إلا معه..
_آه، نـعم عايز ايـه؟
_عايزك تجي المكتب عشان نتكلم بهدوء وكأتنين عاقلين ووو
قاطعته، تختصر عليه الأمر قائلةً بأعتذار:
_انا أسفه بس مفيش داعي لكل ده، لأني مش هدخل شركتك تـاني.
استمع لها بهدوء يحاول التمسك به، كما نصحته شقيقته الكبرى عندما اخبرها بكل شيء، ليجيبها بتروي قائلًا:
_معلش يا سكن هانم تعالي على نفسك شويـة المره دي.
شعرت بالسخريـة بداخل كلماته، لترد عليه بحنق:
_انت مستفز كدا ازاي؟ بتكلم عيلة صغيرة مثلًا وهتقولك حاضر خلاص انا هاجي المرة دي!
_والله لو عليا ما هكلمك اصلًا.
_لا بالله عليك كلمني، ازاي هتنفس لو مراد بيه مكلمنيش.
_مستفزة.
_بــارد.
_انا غلطان عشان كلمت واحده زيك.
_وانا كان لازم اقفل في وشك من الأول.
_غـوري.
_في داهيـه.
دار الجدال بينهم بأنفعال وسخط من كلا الطرفين، لتلقي "سكن" الهاتف قائلةً بغضب:
_هـو يـوم، يـوم واحد يارب من غير التعامل مع البـشر عشان ارتاح فيه.
اما عنه فقد فعل المثل وترك الهاتف بأنفعال على المكتب، يسمع صوت شقيقته التي تجلس مقابلًا له منذ البداية، قائلةً بذهول:
_هـي عملت ايه يخليك كدا؟
انتفض واقفًا يلوح لها قائلًا بعصبية:
_تخيلي بتقولي بـارد.
_طب ما دي حقيقـة!
اجابتها بصدق، تلاحظ انقباض فكه، لتضيف قائلةً بتهكم:
_مراد حبيبي، العيلة كلها عارفة انك بارد ومعدوم المشاعر اصلًا، اللي محيرني بقى ازاي بنت تخليك زي الـ Cattle كدا!
عاد يجلس مكانه، ناظرًا بعيدًا عنها، يتمتم بحنق:
_مش هرد عليكي عشان فرق السن ما بينا، والبنت دي مش هتعامل معها تاني..
اغتاظت من حديثه المهين بالنسبه لها، قائلةً بحده:
_ طب من الأخر كدا تقنع البنت دي تشتغل معانا ومحدش غيرك هيعمل كدا يا مراد.
_______________________________
عودة لـعمار..
والذي دلف إلى الداخل ثم اغلق الباب خلفه، متجهًا حيث غرفة النوم.
تألم حزنًا عندما رأى زوجته تبكي بحـرقه وهي تتكور فوق الفراش..
ليسرع اتجاهها قائلًا بندم:
_أنا آسف والله، اهدي يا حبيبـتي.
كان يحاول ان يضمها ولكن وجدها تبعد يديها عنه، تشهق بحزن آلمه بشده..
_نـور والله ما كنت اقصد كلامي، أنتِ فاهمه غلط.. حقـك عليا بس متبكيش كدا.
رفعت الأخرى رأسها تنظر له بحيرة، قائلةً بصعوبه:
_تقصد ايه؟ أنت زعقت فيا وصدقت كلامها من غير ما تسمعني..
_حبيبتي أنا عملت كل الشو ده عشان اخليكي ترتاحي، انا عارف عمتي بتكذب، شغلت مخي وعملت اني متعصب منك عشان ابعتك لفوق ترتاحي من شغل البيت اللي اكيد سبهولك أنتِ لوحدك.
فهمت ما فعله لأجلها، لتهدأ قليلًا، قائلةً بعتاب:
_بس أنت وجعتني اوي، كنت اغمزلي حتى.
_تفتكري عمتي هتفوت عليها حاجه؟ دي لادار يا قلبي.
اجابها بسخرية، لتتنهد هي براحة، تمسح عبراتها، قائلةً بحزن:
_أنا تعبت من معاملتها ليا يا عمار، مش عارفه اتصرف معاها ازاي؟
اقترب منها مقبلًا جبينها ثم اردف قائلًا بحنو متفهمًا:
_أنتِ مش مطرة تستحملي اكتر من كدا يا حبيبتي، بكره الصبح هرجعك أنتِ وهمس وتفضلي عند عمو نعمان وانا هرجـع تانـي.
_لا، انا هفضل معاك.
رفضت بعدم اقتناع لفكرته، ليصر هو قائلًا برفق:
_اسمعي الكلام يا نور، انا مش هفضل معاكي طول الوقت، ده احسن حل وخلصنا.
اومأت بقلة حيلة، ليقترب هو محتضنًا اياها اكثر، قائلًا بمكر:
_بما أنك تعبانه من الصبح ما تيجي اعملك مساج؟
ضربته بخفة على ظهره، تجيبه بخجل:
_لا شكرًا، وبعدين فين همس؟ هي مش كانت معاك!
دفن انفه داخل خصلاتها يتنفس رائحتها بوله، قائلًا
_سبتها مع عيسى، وبعدين سيبك من همس دلوقتي وخليكي فأبوها يا توفـي..
________________________
في المساء..
وبداخل شقة " موسى" كان يجلس "معين" و"لؤي" بعيدًا عـنه وبينهم يجلس "موسى" الذي فعل ما نصحته به زوجته وبالفعل دعاهم إلى هنا، ولكن ما يجعله بحيره هو تجاهل الأثنان لبعضهم البعض والصمت الدائر بالمكان..
قرر هو قطعه قائلًا بتهكم:
_مالكم عاملين زي المطلقين كدا ليه؟
_اوبس..
رد عليه "لؤي" بها، ليسخر من معين متابعًا حديثه:
_ مش تاخد بالك يا موسى فيه معانا مطلقين فعلاً.
لعن الأخر ذاته على زلته تلك، قائلًا بصرامه:
_خف شويـة يا لـؤي، فيه ايه.
_سيبه، خليه يتريق براحته.
اردف "معين" بتلك الكلمات بهدوء، ليتأفف "لؤي" قائلًا برجاء:
_ما تروح تتكلم معاها بالله عليك، وترجع الميا لمجريها..
علق "موسى" بشمئزاز، قائلًا:
_وايـه الحلو في مية المجاري عشان يرجعها؟ قول ترجعوا زي السمنه على العسل احسن.
_سـمنه على عسل ازاي يعني، ده انا حاسس بضيق تنفس من تـقل الفكـره!
اجابه بحنق، ليقاطع "معين" النقاش الدائر، قائلًا بصرامـه:
_ياريت نخلص التفاهه اللي دايرة دي وتسمعوا كلامي كويس، علاقتي أنا وسكن محدش يدخل فيها، سيبو الموضوع ده للوقت وللنصيب..
احترم الأثنان رأيه مغلقين الموضوع، ليحمحم "لـؤي" بتوتر يخشى ردة فعلهم قائلًا بأرتباك:
_مـش أنا خطـبت فـرح امبـارح؟
استنكر الصمت وعدم ردة فعلهم، ملاحظًا تثبيت نظراتهم عليه، ليبتلع ريقه شارحًا لهم ما حدث:
_هـو يعني كنت محتاج اخد الخطوة دي، فأروحت انا وخالي ومازن وو
_مـازن!!
جهر "موسى" بأسم الأخر، يتابع تأنيبه قائلًا بحرقه لعدم اهتمام "لؤي" به واخباره بالأمر:
_دلوقتي بقى مازن اهـم؟ وأنا مش مهم خلاص صح؟ مش هقول هو كان فين لما حصلك كذا وكذا وكذا لأني دلوقتي بس انا فهمت مكانتي عندك ايه..
انتفض الأخر يقترب منه، شاعرًا بالذنب وقبح فعلته، فهو يعلم ان "موسى" يعتبره عائلته وشقيقه وكان سيسعد كثيرًا إن طلب منه الذهاب معه..
_والله ابدًا انت عارف كويس انت بالنسبالي ايه يا موسى ومكانتك مستحيل حد ياخدها، والله هو جه وانا بلبس ورايح اصلًا وكانت الساعة اتنين الصبح وو
اتسعت مقلتي الأخر مقاطعًا اياه، قائلًا بعدم تصديق:
_الساعة كام يا حبيبي؟
_اتنين بالليـل.
ارتفعت ضحكات "معين" لأول مره منذ طلاقـه، لا يصدق ما سمع، ليعلق قائلًا بصعوبه:
_انت بتهزر؟ اكيد معملتش كدا؟
جلس الأخر يناظرهم بضيق، يقص عليهم ما حدث بالكامل، ليسمع الأثنان بذهول وسط ضحك واستنكار، وتسامح موسى الذي عذر صديقه وشكر ربه انه لم يطلب منه الذهاب معه... مخبرًا اياهم بحمل زوجته وانه سيصبح قريبًا أبًا لطفل، ليبارك له الأثنان بسعادة كبيرة..
لتستمر سهرتهم بين ضحك وعتاب ومزاح فمهما حدث صداقتهم ستصلح كل شيء ..
_______________________
بـعد مرور ثلاثة شــهور...
وبداخـل مـعرض شرم الشيخ الذي اشرف أشرف "معين" و "عمار" على بنايةً وتصميم المبنـى المقام به..
كان يسير الأثنان بجانب بعضهم البعض، مشرفين على هيئة وصنيعة لياليٍ تعبا بها، وخلفهم تمشي "سـلمى" التي فعلت الكثير حتى تاتي معهم..
_بس فكرة جامدة انه يقرر يفتتح المكان بشراكة كل رجال الأعمال وعرض شغلهم هنا، شايف كل الشركات مخصص ليها جزء لعرض Their products ازاي؟
اردف "عمار" بتلك الكلمات بأعجاب شديـد، ليوافقـه "معين" قائلًا بهدوء:
_والأذكـى ان اغلبهم شغل سياحـه وحرفه، هي جامدة فعلاً..
~بالقرب منهم وخاصةً احدى المحلات الموجودة بالمكان، كانت تقف "سـكن" وتتأكد أن كل شيء بالمكان المناسب..
فقد وبعد محايلات كثيرة من "مراد" وللصدق مشاجرات كثيرة وافقت على العمـل معـه على مضض فلا بأس بأن تزعجه يوميًا وتحرق دمه.
استدارت حتى تعلق الحقيبـة الأخيرة والتي زُين أسم sakan فهذا هو كان شرطها، تريد ان ترأى اسمها ينجح ويكبر وما ساعدها اكثر هو شقيقها "عمـر" الذي اصبح مشهورًا للغاية ويعلن عن كل شيء تصنعه بدون طلب منها حتى..
تأرجحت نظراتها برهةً لتقع على من جعل قلبها يخفق بقوة، شعرت بالحرارة وسخونه في جسدها بأكمله، انمحى كل شيء حولها إلا هـو..
اسرعت تخرج من المـحل وعينيها مثبته عليه تخشى ان تفقده فجأة ولا تجده بين الناس.
اصطدمت بشخصٍ لتعتذر له تكمل طريقها حيث رأتـه، ترغب فقد بالحديث معه لا تعلم ماذا ستقول ولكن ستطمئن عليه، ستثرثر بأي شيء لا يهـم.. فقط يكفيها بان تسمع نبرة صوتـه..
اقتربت منـه اخيرًا واصبحت على بُعد امتارًا منه، تراه يقف بجوار عمار، لما لا ينظر إلى الخلف حتى تراى ملامحه المحببة لقلبها..
كانت تتقدم ببطء رغمًا عنها فهي تشعر بالخجل والحرج منه فماذا ستبرر او ستقول بعد ما فعلته.
توقفت فجأة حين قبض احدهم على مرفقها جاعلًا اياها تواجهه، لترأى فتاة بملامح جميلة وملابس مهندمه تدل على ثرأها، تسمع نبرة صوتها الرفيعه وهي تقول بتـقريع:
_مش عيب لما تبصي على حاجـة تخص غيـرك!
انكمشت ملامحها بعدم فهم، تسحب يدها منها قائلةً بأستفهام:
_مش فاهمه؟ حضرتك مين؟ وحاجة ايه؟
_أنا سلمى يا حلـوة، والحاجة دي تبقى معين، خطيبـي.
اجابتها بكـذب وداخلها كره شديد وغيرة منها، فـ التي امامها اخذت "معين" من قبل وكم سهرت لياليٍ تنظر لوجهها البشع حاقدة عليها، هذه الملامح اكثر شيء تـكره، ستكذب وتفعل ما بوسعها حتى تبعدها عنـه.
وَقَد تَلتَقي الأَشتاتُ بَعدَ تَفَرُّقٍ
وَقَد تُدرَكُ الحاجاتُ وَهيَ بَعيدُ
مقتبس...
_______________
يتبع...
ميريـت