إذا ألقى الزمانُ عليكَ شرًّا
وصارَ العيشُ في دُنياكَ مُرًّا
فلا تجزَع لحالِكَ بل تذكَّر
كم أمضيتَ في الخيراتِ عُمرًا
وإن ضاقَت عليكَ الأرضُ يومًا
وبِتَّ تأنُّ من دُنياكَ قهرًا
فربُّ الكونِ ما أبكاكَ إلَّا
لِتعلَمَ أنَّ بعدَ العُسرِ يُسرَا
مقتبس...
_______________________
بـداخل الـشركة...
كـان يتحرك بين الممرات باحثًا عنه بعدما ذهب إلى مكتبـه ولم يجده..
ينظر حوله بتفحص حتى رأه أخيرًا واقفًا مـع فتـاة يتحدث معها بشيء لا يهتم بمعرفته..
توقف امامه فجأة قائلًا بجمود:
_عايـز اتـكلم معـاك..
تفاجأة الأخر كونه اتى إلى هنا، ليشعر بالقلق بأن يكون قد حدث معه شيء بعد ما جرى معه منذ فترة، لذلك جهر قائلًا بأهتمام:
_فـيه حاجه؟ أنت كويس يا لـؤي؟!
زفر الأخر بعدم صبر، ينظر لتلك التي بجانبه قائلًا بحده:
_عايز اتكلم معاك، هنروح المكتب ولا اتكلم هنا ونخلص؟
رغم استغراب "معين" من لهجته وصوته الحانق، إلا انه تحلى بالصبر وأستأذن من سلمى ثم توجه به نحو مكتبه..
دلف واغلق الباب خلفهم وهو يقول بتروي:
_ها يا سيدي، احكيلي ايه اللي حصل ومخليك مضايق كدا؟
_أنـت ليه مقولتش ليا أنك أنت وسكـن اتطلقتوا؟
اندفع يسأله بضيق شديد يصدمه بحديثه والذي بالفعل جعل ملامح الأخر تتغير شاحبة ورغم ذلك تماسك وهو يجيبه بفتور:
_عشان مفيش داعي تعرف، الموضوع يهمك فأيه؟
اتسعت مقلتي"لـؤي "بدهشة من اجابته الغير مباليه، قائلًا بأستنكار:
_يمكن عشان أنت صاحبي ومتعودين نحكي كل حاجه لبعض! وكمان انا كنت معاك وانت بتجهز في فرحك.. المفروض حد فيكم يقولي اللي حصل ويفهمني؟
تنهد" معين " بقلة حيله قائلًا بضيق:
_تفهم ايه يا لـؤي؟ مفيش نصيب وهي اختارت أنها تبعـد وخلاص، وبعدين متنكرش انك اكتر واحد بتخبي ومش بتحكي عن مشاكلك لحد واخرهم لما قلبت الدنيا وسبت شغلك وبعدها اختفيت ورفضت اي مساعدة من حد..
اقترب منه الأخر يقف بمواجهته، قائلًا بسخط:
_سيبك مني دلوقتي وخلينا في موضوع طلاقك، أنت عارف انها مش اول مره تطلب أنك تبعد عنها وتشوف حياتك، اشمعنا المره دي اللي وافقت؟
تأفف "معين" من اصرار صديقه على التحدث بالأمر
ليبتعد عنه، يعطيه ظهره.. قائلًا بسأم:
_لـؤي قفل على الموضوع ده، مش عايز اتكلم فيه.
تحرك الأخر بأنفعال، يقف خلفه قائلًا بحده:
_ليه؟ خايف تسمع أنك ظلمتها واتخليت عنها، وأنك مطلعتش قـد كلامك يا معين!
تهجم وجهه، يلتف بجزعه، يواجهه وهو يقول بأنفعال حاد:
_اسكت يا لـؤي، عشان انا عمري ما عملت كدا، بالعكس انا استحملت كل حاجه عشانها وجيت على نفسي أكتر من مره وبعد كل ده تقول عليا ظالم؟
هدأ الأخر، يخفض من نبرته قائلًا بجمود:
_أنا قولت اللي شفته، لما اختها تتصل عليا وتقولي الحقها عشان أنت سبتها مرمية على الأرض ومش بتفوق ووو
قاطعه "معين" بعدم فهم قائلًا بذهول ممتعض:
_محصلش، انا مستحيل اتصرف كدا وكمان معاها هي، أنت بتقول ايه؟
_بقول اللي حصل، يوم ما روحت لطارق قبلها كنت في المستشفى مع سكن وفرح، بعد ما اتصلت بيا تستنجد اني الحق اختها واللي فعلاً روحت هناك ولقيتها هتقطع النفس والمسكينه اتصدمت هناك لما عرفت ان جالها السـكر..
اتسعت عينيه بصدمه، يبتلع ريقه بصعوبه وألم علق بصدره مما سمعه للتو، متى حدث كل ذلك ولما لم تخبره؟ جسده اصبح ساخنًا من مراره ما عرفه والذي انتهى بأتهام الأخر له قائلًا:
_أنـت سبتها عشان كدا صح؟ عشان مريضة سكر!
لم يصدق ان الأخر يفكر بأنه قد يفعل هذا وأنها تركته لهذا السبب؟ الم تثق به مطلقًا..
_هـو أنت شايف اني اعمل كدا؟ ممكن اتخلى عن مراتي واسيبها عشان السبب ده!!
تسأل بضعف وغصه استحكمت حلقه، ليجيبه الأخر بحيـرة وحـزن:
_يبقى اكيد مكنتش تـعرف صح؟ مهو مفيش سبب عشان تطلقها غير كدا؟
_لا فيـه..
جهر بتلك الكلمات بحرقـه، متابعًا بنفس النبرة:
_فيه انها دايمًا بتختار تخبي وتبعد، انا روحت اقابل اخوها لاقيتها مستنياني في مكتب مأذون وعايزة تتطلق، عايزني اعمل ايه؟ خبت عليا ان طارق بيهددها وخبت عنـي مرضها ورافضة تشاكني اي حاجه... يبقى قولي هنكمل ازاي مع بعض؟
استمع له "لـؤي" بتفهم وألم، ولكن رغم ذلك واجهه قائلًا بهدوء:
_متنكرش انك كمان خبيت وكنت مستني انها تحكي وأنت عارف من ساعة خطف نعيم ان طارق بيهددها وانها عرفت الماضي بتاعك، كنت تقدر تبادر أنت وتقولها أنك عارف بس كنت خايف، البنت اختارت طول الوقت راحتك وأنك في أمان وواجهت كل حاجه وأنت كنت خايف تواجهها..
____________________________
بمنزل "صفوت"...
وبعدما خرجت" مريم" من المكتب وجدت زوجتـه تقطع طريقها، حيث كانت تراقبها طوال الوقت..
لتجهر قائلًا بشك:
_بتعملي ايه كل ده جوه مع صفوت؟
ابتسمت الأخرى بتهكم، تجيبها:
_بنتكـلم عادي.
_كـل ده؟
تسألت بفضول، لتتحدث الأخرى بصراحه قائلةً:
_هو ده أستجواب!! لو عايزة تعرفي حاجه روحي واسألي جوزك..
شهقت بخفة ثم تابعت حديثها بسخرية قائلةً:
_صح نسيت، أنك مش هتقدري اصلًا..
امتعضت ملامح " نهى" بغضب من سخرية الأخرى منها، لترد عليها بحده قائلةً:
_أنتِ بنت قليلة أدب وكلامي مع مازن مش معاكي.
_معلش حضرتك، هي كدا الحقيقة بتزعل..
اجابتها بتلك الكلمات ثم تابعت تضيف بهدوء:
_بدل ما تركزي معايا انا، الأحسن أنك تروحي تشوفي ولادك وتخديهم في حضنـك وتعرفي ايه اللي بيحصل معاهم، لو كنتي قوية وليكي كلمة مكنش حد فيهم هيوصل لهنا..
تخطتها وذهبت تاركةً اياها تفكر بحديثها، لتتوجه حيث يتواجد هو بداخل غرفة التدريب..
والتي تتواجد بخارج الفيلا من الخلف.. حيث
الجدران من الزجاج تظهر ما بالداخل...الأدوات الرياضية بكل جزًء منها.. تقدمت حيث يجلس هو، رافعًا الاثقال بيديه لأعلى وأسفل بجسد متعرق..
لتستند على القطعة الحديدية المواجه له قائلةً بتـروي:
_اللي عايزينوا حصل،أبوك ليه ساعه يمدح فيا..
_مـدح كمرات أبن ولا بـضاعة هيقطعهـا ويبيعها؟
تحدث بسخرية ضاحكًا، لتتنهد الأخرى بسأم قائلةً:
_بتتهزر عشان أبوك تـاجر اعضـاء!!
_وسـلاح وآثـار ومُـزور كـمان..
_فاضله المخدرات و يبقى قفل سجل الجرايم كله..
تابع السخرية قائلًا بتهكم:
_بابا بيتعب ما شاءلله ومجتهد في عمـله..
زفرت منه بحنق من سخريته المستمرة، قائلةً بتهكم
_طب واحنا هنجتهد في شغلنا ونقبض عليه امتـى؟
ترك ما يحمله بيده، يجذب المنشفة حتى ينشف العرق من على وجهه، ليقف مقتربًا منها يستند بيدًا واحده على العمود من خلفها قائلًا ببراءة:
_طب مش هتهوني عليا ان بابا طلع مجرم كبير، يعني راعي مشاعري حتى!
رفعت حاجبيها تنظر له بتهكم قائلةً بلا مبالاة:
_اعـمل ايـه يعـني؟
_حُـضن حـنين، بـوسه تـهون، وتكون على الخد طبعًا عشان انا مُـحترم..
نظرت له بسخرية، ثم اجابته ببسمه شامته قائلةً:
_مُـحترم؟! ده أنت أبوك تـاجر اعضـاء وحرامي يلا..
_يـلا!! أنا يتقالي يـلا!!
كرر ما قالته بصدمه، لتتحرك هي بأتجاه المقعد الجانبي، قائلةً بـضيق:
_مـازن ياريت نخلص من الموضوع ده بسرعه، عشان انا لازم ارجع اسكندريه فأسرع وقت..
شـعر بالأنزعاج بسبب ذكرها للأمر، لتقدم منها واقفًا امامها قائلًا بجديـه:
_والله الموضوع مش سهل واحنا بنشتغل يا مريم مش بنلعب..
ردت عليه قائلةً بسخط:
_بس انا شيفاك بتلعب، تصرفاتك وكلامك كله هزار ومش جدي..
ادرك ما تعنيه بالضبط، ليبتسم بخبث قائلًا:
_لو على دلوقتي فأه بهزر يا ستي، اما اللي قبل كدا لا..
انتفضت تقف امامه، تنظر له بحده قائلةً بصبر:
_يعني ايـه لا!! مازن بعد المهمه دي انا هطلق وارجع
همهم بخفة وهو يوليها ظهره.. يتحرك باتجاه الأله الرياضية قائلًا بتروي:
_نخلص بس المهمه دي وبعدين نشوف الموضوع ده..
_______________________
بمحافظة الأسكندرية...
كان يجتمع ثلاثتهن على الطاولة يتناولن الغداء، لتنبس "وعـد" بهدوء حرج، كونها ما زالت تخجل من وجودها بمنزل زوجة والدها الأولى، تعلم ان الأمر صعب على الأخرى ولكن هي حقًا ممتنه لأستقبالها وعدم التعامل معها ببغض..
_سـكن فيه حاجه حصلت وكنت عايزة اقولك عنها.
_حاجة ايـه؟
تسألت بـغرابة وهي تنظر لها، حيث تجلس "سكن" على المقعد اليمين وهي بجوارها و"جميلة" تترأس الطاولة.. لتجيبها الأخرى قائلةً بحماس:
_فـيه موظفة من شركة معروفة كلمتني على البيدج وبتعرض علينا اننا نشتغل معاهم في الشركة.
انكمش وجهها بعـدم فهـم، قائلةً بتسأل:
_نشتغل معاهم ازاي؟ انا بصمم شنط وقطع مختلفة كشغل يدوي وبنبعتها للست هيام تبيعها في محلها وأنتِ بتصوري وتعملي دعايه للمكان وللشغل مش أكـتر، هو هنعمل معاهم ايـه؟
استمعت لها "وعد" بأنصات وكذلك جميلة تسمع الحوار بأهتمام، لترد عليها قائلةً بتوضيح مبسط:
_مهـو الشركـة بتشجع الأعمال اليدوية وتقريبًا كل شغلها عنـه وبتصدره لبرا كمان، هو عايز الشغل بتاعك يعرضه بأسم الشركـة.. يعني يتحط عليه للوجو ويبقى برانـد فهمتي..
تحدثت تلك المرة "جميلة" قائلةً بـدعم وتشيع:
_دي خـطوة وعرض هايل يا سـكن، اتأكدو من الموضوع ده وفكري فيه كويس لأنه لو صح هتكون فرصة هايـله جدًا..
جهرت "وعد" بحماس قائلةً بما علمته:
_أنا عملت search فعلاً عن الشركة وشغلها، الشركة ناجحـة جدًا وكل الناس بتشكر فيها..
فكرت الأخرى لثوانيٍ ثم تنهدت قائلةً بتروي:
_طيب المفروض نعـمل ايـه؟
_هنروح الشركـة نـسأل ونتفـق على كل حـاجة وبعدها نقـرر طبعًا..
______________________
بالقرب من شارع المـعز..
توقفت سيارة "عمار" امام بنايـة تتكون من خمس طوابـق تخص كلها شقيقات والـده وابنائهم...
فقد كان لديه ثلاث شقيقات، احداهن ذهبت لخالقها بعدما انجبت فتاة فقط تزوجت من أبن عـمته الثانية واستقرت بأحدى الشقق..
فقد تزوجت عمته الثانية والثالثه من شقيقين بنفس المنزل لتسكن كلًا منهم بالشقة الخاصة بها وابنة عمته بشقة منفرده..
تـقدم منه "عيسى" أبن عمته الذي كان ينتظره حتى يستقبله وهو نفسه زوج أبنة عمته قائلًا بحبور:
_اهلًا اهلًا، المنطقة كلها نورت بيـكم والله.
قهقه"عمار " بخفة وهو يتقدم منه، محتضنًا اياه بمودة، يجيبه برحابه:
_المنطـقة منـورة بناسها واهلها يا عيسى..
ربت الأخر على كتفه بمحبـة، ثم ابتعد عنه مرحبًا بزوجته ايضًا، بعدها لاعب الصغيرة بخفة حتى تعتاد عليه قليلًا.. ليجهر قائلًا:
_طب يلا نطلع العيلة كلها متجمعة فوق، مستنياكم.
نظرت "نور" لزوجها بقلق من الأتي، ليومأ لها بخفةً يطمئنها، ليتقدم عيسى حاملًا الحقيبة الخاصة بهم، ليحمل "همار" ابنته وخلفه تتحرك نور بضيق شديد.
_______________________________
بمنزل موسى..
والذي كان يجلس على السرير بسأم، ينظر لتلك التي تقف امامه منذ الصباح تثرثر بأشياء لا يفهم منها شيء، يسمعها وهي تقول بصبر:
_طـب يا موسى عشان انا تعبت وانا بلمح من الصبح وانت مش فاهم، ايه الحاجه اللي نفسك فيها بعد جوازنا؟
اجابها بسخط قائلًا:
_اروح شغلي اللي اتأخرت علـيه بسببك..
تأففت بحده من غبائه ومزاحه الساخط على كل ما تقوله، لتنهره بأنفعال حاد:
_طب مفيش شغل ولا هتطلع من البيت غير لما تفهم، انا عملت كل الفيديوهات اللي شفتها على النت عشان المحلك وأنت غبي مبتفهمش..
نـظر لها بأعين حاده، قائلًا بعصبية:
_هـي حصلت تقولي عليا غبي كمان؟ عدي يومك يا بنت سماح عشان متعصبش عليكي..
عند ذكره لأسم والدتها علمت انه غضب منها، لذلك تنهدت بضيق، قائلةً:
_خلاص روح شغلك..
تحركت تغادر الغرفة وهي تتمتم قائلةً بسخط:
_طول عمري فقـرية، حتى دي فشلت فيها..
________________________
عودة إلى الأسكندرية..
حيث قررت "سكن" ان تذهب إلى مقر تلك الشركة وأن تستفسر عن العرض الذي قِيل لها وها هي الأن تقف امام البناية الشاهقة بقلق وجهل، تسمع صوت "جميلة" بجوارها قائلةً بدعم:
_متخفيش انا واثقة انك هتعرفي تتصرفي كويس.
_لوحدي؟
ردت عليها بخوف، لتأكد لها الأخرى قائلةً بأبتسامه هادئة:
_لوحـدك يا سـكن..
_طب خلي وعد تجي معايا..
اقترحت الفكرة وهي تنظر لوعد التي ما زالت تجلس بداخل السيارة، لتجيبها "جميلة" وهي تدفعها إلى الداخل بتصميم قائلةً:
_لا هتروحي لوحدك، لازم تعتمدي على نفسك وتثقي فيها، دي حاجه مهمه وهتقوي من شخصيتك
تنهدت بقلة حيله تخطو بأتجاه باب الشركة بجسد يرتجف، تنظر للوراء فتجد جميلة تنظر لها بقوة تشير لها بأن تتحرك أسـرع..
لتعاود النظر امامها وهي تبتلع ريقها بتوتر بالغ..
مرت من الباب بسلام وكأن وحوش كانت تقف خلفها، تنظر حولها بتيـه شديد تراقب الناس تتحرك هنا وهناك.. لتتقدم من احدهم توقفه بأعتذار قائلةً بتسأل خافت:
_لو سمحت، الاقي مدام مهـى فين؟
اجابها الأخر بنبرة عادية قائلًا:
_الدور الخامس..
رحل بأستعجال بعد تلك الكلمات، لتتحرك هي بأتجاه المصعد بوجه يوشك على البكاء فكيف ستتعامل مع الموقف بأكمله..
دلفت إلى المصعد مع بعض الأشخاص، ليمر الوقت سريعًا حتى وجدت نفسها بالطابق الخامس..
وللمرة الثانية اوقفت احدى الموظفين تسأله عن مكان الأخرى والتي هي نفسها التي كانت تتحدث معهم وتخبرهم بفرصة العمل لديهم..
توجهت حيث ارشدها الرجل، لتجد سيدة جميلة تكبرها بعدة سنوات تقريبًا فهيئتها تجعلها تبدو صغيرة تجلس على مكتب منزوي بأحدى الممرات بطريق مناسبة، لتتوقف امامها قائلةً بهدوء عكس داخلها:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حضرتك مـدام نهـى؟
رفعت الأخرى رأسها تنظر لها بتفحص وهي تبادلها السلام قائلةً بعدها بتروي:
_آه أنـا، أنتِ مين بقى وجاية هنا ليه؟
شعرت بالحرج من أسلوب الأخرى ونظراتها، لتجيبها بتوتر قائلةً:
_أنا، انا سـكن حسن الطواب اللي حضرتك كلمتيني عشان اشتغل معاكم..
تذكرتها الأخرى ولكن هي كانت تظن أنها سيدة كبيرة او لديها اطفال حتى ولكن التي امامها صغيرة وليس بيدها خاتم يدل على انها مرتبطة حتى، تنهدت بعدم مبالاة في الأمر عادي، لذلك اجابتها بتهكم قائلةً:
_أنا فعلاً كلمتك بس محددتش معاد تيجي فيه ولا أنتِ رديتي على عرضي بأنك موافقـة!
للعنة الله على أسـ ـرائيل، هل تهرول من المكان دون الرد عليها ولا تعود مرةً اخرى ام تبتلع حديثها وتصبر على أسلوبها ذلك حتى تنتهي من الأمر؟
قررت اختيار الفكرة الثانية، لذلك نبست تجيبها بصبر قائلًا:
_أنا بس جيت عشان افهم الموضوع اكتـر واقرر بعدها..
ضحكت "نهى" بقوة على اجابتها، قائلةً بصعوبه:
_يعني أنتِ جايـة تعملي interview معانا احنا، وتقرري بعدها هتوافقـي ولا لا؟
انزعجت "سكن" منها بشدة، لتجهر قائلةً بـحده:
_عـلى فكره ده مش أسـلوب حوار وانا من حقي اعرف وافهم كل حاجه قبل ما وأفق وعشان كدا جيت، اكيد مش هقرر شغل من خلال محادثه على التلفون!؟
صمتت الأخرى تنظر لها بتفكير خبيث، لتمسك الهاتف تضغط على الأزرار ثم تخبر الذي خلف الباب بما قالـته الأخرى بالضبط، صمتت بعدها لثوانيٍ لتغلق الهاتف تعاود النظر لها قائلةً ببرود وهي تشير إلى الباب الذي يجاورها:
_أتفـضلي، مـراد بيـه مستنيكـي جـوا.
ابتلعت ريقها بخوف، تتمنى بتلك اللحظة لو أنها لم تأتي إلى هنا مطلقًا..
تحركت بأتجاه الباب برهبه، حتى توقفت امامه تطرقه بخفـة مستأذنةً منـه..
سمعت أذنه بالدخول، لتفتح الباب وتدلف منه وهي تنظر حولها بفضول ورغبة بمعرفة الذي ستقابله..
ثبتت نظراتها على ذلك الذي يجلس على مكتبه ينظر لها بجمود واستنكار..
كـان شابًا في أواخر العشرينات بذقن حليقه وشعر كثيف اجاد تصفيفه إلى الخلف مع بعض الخصلات الهاربه للأمام، جسده رياضي يظهر بوضوح بسبب قميصه الملتصق بـه، ببشرة سمراة وملامح حاده اخافتها بشدة..
_قولتيلي أسمك ايـه؟
سمعت صوته الخشن يسألها بجمود، لتجيبه هي قائلةً بتوتر:
_ انا مقولتـش اصلًا!
_اقعدي وقوليلي اللي قولتيه للسكرتيرة برا، كده حلو؟
رد عليها بسخرية متهكمة، جعلتها تنظر له بحنق شديد، تقدمت تجلس على المقعد، قائلةً بتروي دون النظر له:
_انا كل اللي قولتـه اني عايزة اعرف هشتغل معاكم ازاي وهعمل ايه بالظبط؟ انا مش من اسكندرية ومعرفش حاجه هنا، وطبيعي اتأكد من الموضوع قبل ما اتفق مع ناس معرفهاش !! صح؟
نـظرت له بأخر حديثها تسأله ببساطة، لتجده يعكف كفيه تحت ذقنه يستمع لها وما ان سألته حتى اجابها بأقتناع:
_صـح، عايز أشوف شغلك على الطبيعة مش مجرد صور، يمكن ما يعجبنيش فمن حقي انا كمان اتأكد انك شاطرة فعلاً، صـح؟
تسأل بغـرور وابتسامه ساخرة يعيد لها ما قالته، لتبتسم هي بجـكارة، تسحب الحقيبة الخاصة بها، تعطيها ايـاه قائلةً:
_الشنطة دي انا اللي عملاها بأيدي وفيه غيرها تصميمات كتير واحجام مختلفة، ده غير القطع اللي بصممها من مواد تانيـة..
التقط الحقيبة من يدها يتفحصها بتركيز، يتأكد من كل تفصيلةً بها وللحق اعـجبته وعلم أنه سيربح الكثير إن باعها، والـده وشقيقته الكبيرة سيفخرن بـه كثيرًا، فتح السحاب حتى يجرب قوته ولكنها انتزعت الحقيبة من بين يديه قائلةً بعصبية:
_أنا مسمحتش أنك تفتحها..
_امال اديتهاني ليه؟
_عشان تشوفها من برا بس.
_والله أنتِ محددتيش.
_وأنت مسألتش.
دار الجدال بينهم بين البرود من اتجاهه والأنزعاج من ناحيتها، لتدلف بتلك اللحظة "مهى" بعدما سمعت صوتها العالي من الخارج فأندفعت تنهرها قائلةً بحده:
_أنتِ اتجننتي؟؟ بتعلي صوتك على مراد بيه!! اطلعي برا دلوقتي حالًا وألا هطلبلك الأمن يرميكي بنفسـه..
أغلقـت الحقيبة ثم ارتدها متجاهلةً ثرثرة تلك الشمطاء ببرود شديد، تجيبها دون النظر لها قائلةً بوقاحه:
_ده على أسـاس انها شركـة ابوكِ مثلًا؟
شهقت الأخرى بصدمه من ردها بينما هو حاول عدم اظهار ابتسامته بصعوبة..
كادت ان تجيبها ولكن قطع الجدال صوته الحاد وهو يقـول بأمر:
_مـدام مهـى ياريت تتفضلي على مكتبك، اظن اني اعرف ارد مش محتاج تدخل حضرتك..
شعرت بالحرج من كلامه، لتخرج بسرعه وهي تتمتم وتتوعد لتلك الوقحـه..
نـظر لتلك التي وقفت بوجه منزعج، ليجهر قائلًا بجمود:
_اظـن ان كلامنا لسه ما انتهى عشان تقومي!
نظرت له، تجيبه بسخرية ونزق:
_مهو انا عندي كرامـة وانتوا شكلكم هنا بتهينوا الناس وتقلوا ذوقكم معاهم مش بتشتغلوا!
تنفس بصوت يترك مقعده اخيرًا، ويقف بطوله الفارع يستند على المكتب، ناظرًا لها بأعين حاده قائلًا:
_أنا لحد دلوقتي بتكلم بهدوء وكمان طردت السكرتيره لما زودتها معاكي، فمتخلنيش اوريكي قلة الذوق اللي بجـد..
_أنت بتهـددني؟
_عشان تتعدلـي.
_ليه؟ شايفني مقـلوبه!!
_لا مسحوبة من لسانك وأنتِ صغيرة.
_أنا غلطانة عشان عبرت شركة معفنه زيكم وجيت لحد هنا..
انهت الجدال الحاد بينهم، تتحرك بغضب إلى الخارج بعدما اهانتـه..
ليلقي هو القـلم الذي على الطاولة بعصبية بسبب صراخه وعصبيته التي افسدت الأمـر..
زفر بحده في هــي ايضًا ذات لسان سليط وردود مستفزة..
انحنى على الأرض حتى يلتقط القلم، ولكن لاحظ ورقة صغيرة مربعة الشكل اسفل مكتبه..
التقطها ثم ادارها بخفة، ليجد انها صوره تخص تلك الفتاة حيث ترتدي فستان فضفاض سكري اللون وبجانبها شاب يرتدي بذله، بملامح وسيمة يلف ذراعه حول كتفها.. يضمها إليه بحب ظهر بعينيه..
________________________
خرجت من الشركة بوجه منزعج تتمتم بكلماتٍ مهينة، تتجه ناحية السيارة تفتح الباب ثم تصعد بجوار "جميلة" التي نظرت لها بأستغراب شديد قائلةً بتسأل:
_مالك يا سكن؟ حصل ايه مخليكي مش طايقة نفسك كـدا!
اجابتها الاخرى بضيق وعدم رغبة في الحديث قائلةً بانفعال:
_لو سمحتوا محدش يكلمني ولا يسألني على حاجه، ويلا نمشي من قدام الشركة المعفنه دي..
شعرت"جميلة " بالدهشة من ردة فعلها تلك، لتقرر الصمت الأن وتذهب من هنا..
______________________
بـداخل غـرفة "نعيم"...
والـذي كان يجلس على السريـر يبكي بصوت منخفض وشهقات تخرج منه بين الحين والأخـر، فقد عـلم للتـو انه سـافر ولن يعود مرةً اخرى، بعدما حاول الأتصال به كثيرًا ولم يجد الخط يعمل فقرر مهاتفة" فرح" والتي اخبرته انه غادر منذ ساعة إلى المطار، لتنكمش ملامحه بغرابة قائلًا بأستنكار:
_طب وهو رايح المطار ليه؟
اجابـته الأخرى بأستغراب بانه لا يعلم، فـ عمر لم يخبرها بما حدث بينهم:
_هو أنت متعرفش انه جاله عرض من نادي ****** والنادي اللي هنا وافق ومضوا العقد خلاص وعمر سافر عشان ينضم ليهم؟!
اتسعت عينيه بذهول وشعر بسخونه في جسده من شدة تأثره، ليبتلع ريقه قائلًا بأمل:
_طب، طب هيرجع امتـى؟
_محددش والله، بس تقريبًا اكتر من ست سنين مش فاكرة..
اجابته بعدم تذكر وأرتباك فقد كان "لؤي" يحاول الأتصال بها، لذلك انهت معه الحديث وردت على الاخر والذي جهر قائلًا بحنق:
_كنتي بتكلمي مين يا اخرة صبري؟ هو أنتِ حد يعرفك غيري!! وبعدين انا اديتك تلفوني عشان تحطي فيه خطك واعرف اكلمك براحتي ووو
قاطعته هي قائلةً بذهول وسخط:
_حيلك، حيلك هو انا هرد على كل ده! وبعدين متفكرش عشان اتكلمت أنت وخالك مع صباح يبقى انا كدا خلاص خطيبتك، لازم تطلبني من حسن الأول..
_يا ستي هتزفت واطلبك من عيلتك كلها، بس قوليلي كنتي بتكلمي مين؟
_نـعيم..
اجابته ببرود، ليصرخ بها الأخر بغيرة وحده:
_نعم يأختي؟ ونعيم بيكلمك ليه؟ هو ايه اللي نعيم!! أنتِ عايزة تشيليني صح؟
ابعدت الهاتف عن اذنها فقد كان منفعلًا بشدة، لتقرر هي اشعاله اكثر قائلةً بسرعة قبل ان تغلق بوجهه:
_والله لما تبقى خطيبي، ابقى اجاوبك.
***************************
عـودة إلى نعيم..
الذي ما زال منذ ان اغلق معها يبكي بصمت، هل ما فعله يستحق ان يتركه ويذهب هكذا دون اخباره او التحدث معـه؟
لقد وعده من قبل انه سيبقى معه دائمًا حتى المشيب، لما نكث بوعده الأن!
هل كلماته اخر مره تستحق ان ينهي صداقتهم بتلك الطريقة؟
_نـعيم أنت لسه هنا؟
جهر والده بتلك الكلمات حين مر من امام غرفته ورأه يجلس هكذا، ولم يذهب لجامعته..
لاحظ "نعمان" ان ابنـه ليس بخير فقد كان ينكس رأسه يهمهم بصوت خافت..
تحرك باتجاهه ثم جلس بجواره، واضعًا يده على كتفه قائلًا بقلق:
_فيـه ايـه يا حبيـبي؟ حـصل حـاجه مـعاك ؟
انتفض الأخر يلقي ذاته بداخل احضان والده، يبكي ويشهـق قائلًا بحـرقـه:
_عـمر سافر يا بابا من غير ما يقولي او يسلم عليا حتـى! أنا... أنا كنت بحبه وبعتبره اخويا والله بس هو محبنيش..
تعالا صوت بكائه، ليضمه الأخر محتويًا اياه قائلًا ببغض:
_أنا اكبـر غلطه عملتـه وندمان عليها، اني دخلت العيلة دي على حياتنا..
ويحمِلُني الحنينُ إليك طِفلًا
وقد سلبَ الزّمانُ الصّبرَ منّي
وكانَ العُمر في عَينيك أمنًا
وضاعَ الأمنُ حين رحلت عنّي
مقتبس....
___________________
يتبع...
بعد القراءة متنسوش التعليق برأيكم والتصويت على الفصل.... ❤
ميريـت