بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثالث_والأربعون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
قلوبهم هلعى، تلفظ أوجاع الخوف الذي حل محل الريب والكره وكل مشاعر أثمرت بفعل جذور أصلها كان غضائن تحملها نفوسهم، مُحي أثر كل مشاعر زائرة في أخر الأحداث الناشبة بينهم، وساد ضباب الفزع مما تخشاه قلوبهم.
بسرعة كبيرة تسابقت عجلات سيارته نحو المشفى راجيًا ألا يكون قد فات الأوان، وتأخر في إنقاذها. خطف 《مصطفى》 نظرة خلفه، ثم عاد والأمل يقل بمرور الزمن؛ لازالت فاقدة الوعي بينما هي راقدة بين أحضان ولديها《أحمد》و《أمجد》. ارتجف قلبه، وثباته انحدرت نحو استشعار غير مرحب به خاصة وهو يتذكر رؤيتها بحالة ثكلى في خضم اللاوعي غريقة؛ منذ أن سمع صراخ ابنة أخته《نورا》بينما كان عائدًا من المسجد، وقف قلبه وقد اجتمعت أبالسة الخوف كلها على عقله مخيلين له أسوأ السيناريوهات، هل ماتت أمه الملاذ الحاني في دنيته القاسية؟ هرع على إثر الصراخ نحوها آملًا أن يلوذ بحضنها، فتفاجأ بسقوطها صريعة لسبب مجهول شطر قلبه خوفًا عليها من أن يكون مكروه يسرقها من حياته.
_ بسرعة يا "مصطفى"، مش عاوزين نتأخر أكتر على حالتها، واضح إنها من بدري فاقدة الوعي.
ما أخرجه من تفكير شق ألمه رأسه نصفين طاقة دفعته ليزيد السرعة أكثر مما كانت عليه، أما المتحدث والذي لم يكن سوى《أحمد》مال برأسه على جبهتها يقبلها ثم عاد يتابع الطريق وفي نفسه يهتف متوسلًا من الله أن يحفظها له، ضياء حياته التي بدون دعواتها يتوه، حتى وإن كان مقصرًا في يوم معها، ومهما بلغ تقصيره، قلبه لا يتحمل رؤيتها تعاني مكروهًا أصابها.
وبجواره كانت نظرات الأخر تتابعه، قبلاته الحانية فوق رأسها بين الفنية والأخرى وكأنه يمحو أثر ألم تعانيه بهما، وكذلك كفها الذي نال قسطًا من القبلات ومكث بين يديه يشدد عليه وكأنه يمسك بيدها وهي فوق هوة الموت فيحيل بينها وبين السقوط فيها، توسلاته التي تمتم بها ذاكرًا اسم المولى أن يحفظها، كل ذلك كان بمثابة مغناطيس متشابه مع أخر يحمله في ثناياه، كلما اتجه نحوه زاده نفورًا! فمكث يتابع بملامح جامدة، ومشاعر تأجج صدره يأبى أن يخرجها، أو ليكون أقرب للفهم، لا يعرف كيف يصرفها، فمكث عاجزًا عن إبداء فطرة من شيم القلوب السليمة.
في ذات التوقيت، وفي بيت العائلة بالتحديد، وقفت《شروق》على أعتاب باب البناية بمفردها بعد أن ودعت بنظراتها زوجة خالها《أحمد》ووالدتها وكذلك عمتها ومعهم《نورا》 الذين اتبعوا البقية بواسطة سيارة أجرة كان من حسن حظهم أنها توفرت بسهولة لهم ليلحقوا بالبقية. قلبها يتلهف للذهاب، لكنها تخشى ذلك! هي أكثرهم تعلقًا بجدتها، كيف ستتحمل مكوثها هكذا في البيت دون معرفة أي شيء يخص حالتها؟ ولكن هل تستطيع تحمل تلقي الأخبار الغير مبشرة عنها؟ قلبها تأكله نيران الخوف دقيقة تليها دقيقة أخرى، وما بين الخوف والتردد في الذهاب كي تطمئن كان هناك صراع يفتك بنفسها لحظة بعد لحظة. وبينما هي كذلك، لمحت سيارته تصطف بالقرب من البناية، وما إن وقع نظرها عليه، هرولت كمن يسبق الزمن قبل حدوث شيء موعود!
رأها تسرع خطواتها نحوه، تعجب من تواجدها في الخارج بذلك الوقت، والبقية كذلك أثار وجودها تعجبهم. خرج يتلقاها فور وصولها متنهدة وكأنها في عداء وهي ليست سوى بضع خطوات قطعتهم وصولًا إليه. استفسر عاقدًا حاجبيه ما إن وقفت أمامه في ذات اللحظة التي خرج البقية من السيارة بعده:
_ في أي؟ أي إللي مخرجك في الوقت ده، وكنتِ فين؟
نفت برأسها كل سؤال أنهال فوقها من قِبله وقالت في حالة من الزعر الخفي وقد كان صوتها مختنقًا:
_ تيتا..تيتا يا "عَمرو" لقينها مغمى عليها في أوضتها، ونقلوها على المستشفى.
وقع الخبر على الجميع كصاعقة برق أصابت قلوبهم، ففزعت. وقف مكانه يستوععب ما سمع، قد أصابت الصدمة حواسه، وحركته بالشلل المؤقت، أما البقية فتحركوا نحو السيارة مجددًا وهتف من بينهم《وسام》الذي توجه نحو مقعد القيادة ما إن رأى حالة ابن عمه:
_ بسرعة يا "عَمرو" يلا.
وقبل أن يتحرك متغلبًا على أثر الصدمة عليه، أسرعت《شروق》تمسك بكفه متوسلة بدموع تخبئها في جنبات قلبها:
_ بالله عليك خدني معاكم، مش هقدر استنى هنا خبر وأنا بعيدة.
كانت حالتها يرثى عليها، تهتز أطرافها من الخوف المضاعف، في البداية كان على جدتها، أما في تلك اللحظة وبعد طلبها بما لا تطيق_ خوفها من المشفى_ كان الأثر مضاعفًا، ينتفض حديثها عن صدر يواري طبول وثباته التي يكاد يجزم أنها صرعى الآن، تلاحق على البقاء حية! تابع《عدي》الموقف من وراء نافذة السيارة التي بدأت في التحرك فور ولوج البقية بعد إماءة موافقة من الأخر للأخرى تبعته بعدها في اضطراب جلي؛ حيث هي استحوذت مكان جوار ابن عمها في الخلف، ومكث في المقعد الأمامي بجوار《وسام》، وانطلقت نحو جهتها آملين أن تطمئن قلوبهم، حتى هو معهم شعر برغبة قوية في ذلك وكأن المريضة فردًا من عائلته المشتته!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
على بلاط ساحة الاستقبال الأبيض توقفت أقدامهم عن الحركة ثلاثتهم، ونظراتهم فوق السرير الناقل وهو يتحرك بواسطة ممرضتين والطبيب يلحقهم، عيونهم تعلقت بها هي فحسب بينما ترحل عنهم حيث غرفة الطواريء ما إن استقبلوها في أسرع وقت. هدأت المكان من ضجتهم التي حدثت منذ قليل بدخولهم وهم يصرخون داعيين النجدة، وتبقى أثار العاصفة في صورة صمت جثيم يربض على أنفاسهم يأبى الرحيل إلا برؤيتها بصحة وافرة. لم يجلس منهم على المقاعد، كل واحد اتخذ ركنًا قصيًا يلوذ إليه منفردًا بآلام نفسه وحده وكأنها اعتادت على عدم إشراك أحد فيها إلا صاحبها!
في غصون دقائق بسيطة، وصل البقية من نساء ومعهم《نورا》التي أسرعت نحو خالها《مصطفى》في أحد الأركان تستجدي به أن يلوذها ببشر الاطمئنان. واجهته بدموع لم تقوى على مسكها كالبقية:
_ خالو طمني علشان خاطري، قولي إنها كويسة وهتصحى، هي كانت نايمة والله كانت نايمة!
كانت ترتجف، تلك حالتها منذ أن رأتها صريعة المرض فوق فراشها، اقترب منها يمسح بأيدي الحنو التي يتوق لأن تربت على أوجاعه فتطمئنه. ضمها بذراعه وهتف وكأنه يخفف عن نفسه الثقل قبلها:
_ هتكون بخير يا بنتي ما تقلقيش.
جسدها تحت ذراعه ينتفض، وشهقتها تشق طريقها نحو صدره المستقر فوقه رأسها، فيستحيل ثباته لخلل هز كيانه استعاد على إثره ذكرى وفاة والده، وكيف كانت طفلة لم تقوى على تحمل خبر مرضه ونقله للمشفى خاصة أنها كانت تعاني فقد أحب ما يملك قلبها، وهو والدها. نفس ردود الأفعال، الرجفة، الخوف المحرك لكل ذلك، تراه يرى الأيام تعيد نفسها أمامه، أم ماذا يخبيء له القدر؟
نفض عن عقله تشاؤم لا يدري كيف ومتى شق طريقه إلى صدره، وهو المؤمن بالقضاء والقدر، استغفر ربه كثيرُا، واستبدل تفكيره شاغلًا عقله بالدعاء فحسب، وبينما هو يمسح على ظهرها وقلبه شق الدعاء طريقه إليه فينعت بذور الأمل، ولج《عَمرو》و《وسام》يسبقان خطواتهم نحوهم ليطمئنوا على جدتهم، وأخرهم كان《عدي》يسير على قدر حالته. اقترب《عَمرو》أولًا ليسمع من عمه الأكبر ما حدث باقتضاب في ذات الوقت ما إن رمقته《نورا》أسرعت تتشبث بأحضانه، تلقي بأحمال أوجاعها على صدر شقيقها، فاحتواها بذراعه يفعل كما كان والده منذ قليل، يربت بحنو بيدين لم يكونا بجانبه في تلك الحالة. اصطف الجميع يؤازر بعضه بعضًا عداها كانت قدماها تأبى الولوج مطلقًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الجميع كانوا يتواسون ببعضهم بينما يتشاركون الصمت القاتل في ساحة الاستقبال الواسعة، مشت عينيه في المكان كله، على جميع الوجوه الخائفة، عيناه صافحت وجوه الجميع عداها، كرر البحث بينهم ليتأكد، فعاد متعجبًا من عدم وجودها بينهم، أليست من بقية العائلة؟ هو يتذكر جيدًا أنها أتت معهم بعد موافقة ابن عمها واستسلامه أمام إلحاحها. ترى أين اختفت تلك المذنبة!
في الخارج، وعلى درجات السلم بأحد أركان واجهة المشفى وقفت منزوية عن مرأى جميع العيون حولها، منكمشة في ركن قصي وكأنها تختبيء من خطر وشيك يجول حولها، وما كانت تتوارى إلا من وحش الحقيقة الموجعة التي تأبى تصديقها، قلبها يهرب من ذات الشعور، وعقلها يركن في جزء مظلم حيث اللاعمل فإن شق طريقه نحو التفكير، سيهرع من فكره المؤلم! منذ أن جاءت بكل رغبة منها إلى المشفى، وقدماها تأبى الولوج إلى الداخل، شيء ثقيل يعبث داخل صدرها تشتت بفعله مشاعرها الساقطة كالسوط عليها فحالت بينها وبين الولوج!
كانت تتابع المارة داخلين وخارجين بأعين خاوية، وقلبها في تلك اللحظة يرتجف، يتوق لقطرة طمأنينة ترويه بخبر أنها بصحة جيدة، لكنها لا تقدر على الحراك لتنالها، أعجزها الخوف من المجهول عن افتعال حركة تشي بأنها تشعر مثلهم وتتألم، فاستسلمت حتى لا يتجرع عقلها دفعة الألم مرة واحدة كما السابق، وفضَّلت أن تكون أخر العالمين بحالها. وبينما هي في حالة الثكالى تقف صامتة كمن قتلته سيوف الزمن المؤلم ووقف يتابع في ألم ما يحدث كانت عيونه تتابعانها من بعيد للحظات منذ وصوله ورؤيته لها بتلك الحالة، منزوية بألامها، بيعدة عن الجميع، فكان أول ما جال بعقله عنها أنها ترفض مشاركة الوجع، تلك القوية كما علم عنها منذ أن رآها، ها هي الآن فريسة لبراثن الخوف!
اقترب منها على حين غفله، ووقف على بعد مسافة مرضية لها كما علم عنها تفعل ذلك كلما واجهته في حديث ما عابر. أراد المواساة، لكنه لم يجد جملة معبرة أكثر من تلك الكلمة التي جاهد أن تخرج في أحسن حال:
_ سليمة إن شاء الله. خليكي قوية.
ابتسامة ساخرة في نفسها لم تتجلى على خلجات وجهها، تقول ساخرة بينها وبين نفسها، هل تُشتق القوة من العدم؟ هي العدم الضعيف، فكيف بالقوة أن تخرج منها لدعمها؟ ساد صمت بينهم، لم تجيبه، وظلا كلاهما يتابعان المارة، لا يعلم ما دافعه للبقاء لطالما قال جملته التي يعلم بكل تأكيد أنها لم تواسيها قيد أنملة! لكنه بقي. باغتته بتصريح عن طرف خوف لازال مندس بين أعماقها:
_ أنا بس مش حابه أكون جوه دلوقتي، هتابع من بعيد، لمّا أحس إني هقدر أدخل هدخل.
لا يُخفى عن ملامحه تعجب زارها بينما يتابع الطريق أمامه ولا ينظر لها. أينكر المرء شيء في نفسه، وينسى كيف يخفيه؟ أم أنه يتهيأ له أنها تعاني الخوف من إبداء ضعفها، مثله؟
أخرج تنهيدة بطيئة، قال بعدها بعمق أثار شعور الغموض لديها:
_ ساعات الخوف من الخوف نفسه بيضعفنا، دي حقيقة بواجه نفسي بيها كل ما بحس إني بخاف من الخوف إللي بيروادني في شتى أشكاله، ضعف، خزي، خطر، أو حتى فراق عزيز عليّ.
واجهها بعد أن توقف عن الحديث، رمقها بنظرة خاطفة قبل أن يلتفت ويرحل. وقبل أن يتحرك أضاف بذات الغموض:
_ لذلك بروحله برجلي، علشان أثبتله إني أقوى منه، ومش ضعيف!
ألقى جملته ورحل، وتركها والانشغال سويًا يصارعان على فك شفرات كلماته السابقة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
على كراسي خشبية في ساحة المقهى الواسعة الضامة للكثير من الزوار لأحضانها جلسوا أرعتهم يتسامرون الأحاديث ويلعبون ما هوت نفوسهم من ألعاب يوفرها لهم المكان القابعين فيه منذ أقل من ساعة، اجتمعوا كما اتفقوا بعد العمل وها هم الآن يضيعون ما تبقى من يومهم في سبيل انتشاء نفوسهم. ألقى《عُمر》حجارة النرد على سطح خشبي من ضمن أجزاء تلك اللعبة التي اعتادها منذ معرفته بتلك الصحبة، في البداية كان يمانع، ومرة بعد مرة أذعن لألحاحهم وبدأت متعة نفسه! صاح صديقه فور رؤيته لحظه التعس أمامه وكيف على وشك الخسارة:
_ ظلم والله ظلم، أمال لو لسة من يومين متعلمها كنت عملت أي! دي خامس مرة أتهزم يا ابن المحظوظة.
غمز له《عُمر》المواجه له وعلى يمينه ويساره كان صديقيه يتابعان جدالهم المعتاد، وبفخر قال بينما يعود بظهره للوراء:
_ عيب عليك أنا مؤسس اللعبة أصلًا!
امتعض وجهه وهو يرشقه بغيظ ظنه الجميع و《عُمر》كذلك ليس بحقيقي، فلم يكترث أحد للأمر! وفي أوج فخره بنفسه وما ارتكبت من خطايا! ظهر أمامه بغتة رجل يقترب من طاولتهم كان بمثابة حائط ذو طول وعرض رهيبين وكأنه بطل أحمال، وعلى شفته السفلى برزت هالة زرقاء بشكل خفيف اعتقد《عُمر》وهو يتفحص هيئته أنها نتاج ضربة قوية تلقاها. كان الرجل يحدق فيه بعمق كمن يتفحص هيئة شخص يشك أنه يعرفه، اهتز قلبه خشية من أن يبتلعه ذلك الحائط البشري الواقف أمامهم الآن شاخصًا بصره على وجه واحد فحسب، وهو وجهه!
ما أنقذه من الموقف، وقطع استرسال تلك النظرات الراشقة كالسهام الحادة هو ترحيب صديقه الذي كان منافسه في تلك اللعبة منذ دقائق، تبادلا السلام والبقية كذلك وقفوا للترحيب بصديقهم_كما اعتقد من موقفهم تجاهه_ وفي غصون تلك اللحظات، صدح هاتفه فهب على الفور متحججًا بالرد وابتعد عن ساحة الحرب تلك لبضعة أمتار، وقف يلتقط أنفاسه ثم يجيب على شقيقته في ملل وقد ظن أنها عادت تطلب منه العودة وتكيل النصائح كما فعلت منذ ساعة وأكثر وتركها حينها وذهب لأصدقائه.
_ ألو، خير، في حاجة!
فردت بصوت قلق للغاية استطاع تميزه:
_ "عُمر" تيتا "زوزو" في المستشفى أنتَ فين؟
جُن عقله أثر الصدمة، لم يستطع استيعاب ما تقول، حالة من التشتت سقط فيها فاستحالت الأحداث لضباب لم يبصر بسببه الطريق جيدًا بينما تروي له باختصار ما حدث وعرفته من زوجة عمها قبل خروجهم إليها، أغلق معها الهاتف دون أن ينطق بحرف، وتجمعت جُل طاقته تدفعه للتحرك نحو سيارته أمام عيون البقية المستغربين لموقفه، وأسرع دون تفكير في شيء نحو عنوان المشفى، وفي عقله صراع بين التصديق وعدمه ضاع في غياهبه!
على طاولة كانت تجمعهم قبل حدوث ذلك الموقف، جلسوا أربعتهم وكان الرابع ذلك الجدار البشري الذي تابع هروب ذلك الوجه الذي يعرفه جيدًا بعيدًا عنهم بخوف استطاع تميزه في اضطرابه وهرولته نحو السيارة، ثار في حفيظته الكثير من الظنون مكث يدبر ويخطط لكثير من الأمور القادمة، وبعد لحظات خرج من قوقعة شروده بابتسامة خبيثة تجلت على ثغره، وببطء بدأت في الاتساع. راقبه البقية في تعجب، ما انفك عنهم سوى بنطقه ذلك الطلب المحير لاثنين منهم فحسب!:
_ ألا قولولي، أنتوا تعرفوا الواد ده منين؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في إحدى الزقاق الفارغة إلا من الظلام سارت بخطى بطيئة دون إحداث صوت لوقعها تهتدى بين الظلمات على نور خافت في نهاية ذلك الزقاق الذي من المفترض هو العنوان المرسل إليها في رسالة عبر إيميلها ونشبت على إثرها نار انتقام تدفعها طاقة رغبتها القوية في مساعدة شقيقة زوجة خالها وانقاذها من بين أنياب الوحش! هل ستنجح في مهمتها تلك التي هي باب لنجاة الأخرى والكثير ممن وقعوا ضعفاء تحت سطو قوة جبار في الأرض أم أنها ستفشل كمحاولات شتى كانت هي ممن ساهموا فيها كمثل أخر مرة ساعدت فيها ضابط يدعى《عدي》بالتسلل من بينهم ليكمل ما لم تستطع إكماله وهو القبض على عصابة نشرت في الأرض الفساد؟
سارت إلى منتصف الزقاق بخطوات ثابتة لايتجلى عبرها اضطرابها الخفي بين جنباتها يئن،《أميرة》ليست بالفتاة الضعيفة، تربت على الأصول وعلمت من الأمور الدينية اليسير، ولا بأس أنها تحمل بين جنباتها خوف فطري خاصة كونها أنثى، لكن جزء منها أهلكته صفعات الزمن كان مصدرًا لتلك القوة التي تناضل بها لدفع الشر عن كل من عبر محطتها، وكأنها تساعد نفسها قبلهم، فيخيل لها أنها تدفع شرًا عنها لم تستطع دفعه عن ذاتها مسبقًا، وأنها استطاعت انتشال ضحايا كادوا أن يصبحوا مثلها في ذات الطريق المظلم! توقفت لحظة تمشي بعينها في المكان باحثة عن إشارة تلوح لها في أي ركن فتتخذ سبيله كدليل على وجودهم وبينما هي منغمسة في التفتيش بعينيها واستكشاف ذلك المكان حال بين أنفها وفاهها وبين ذرات الأكسجين الجوي يد أحدهم باغتها صاحبها من الخلف مطبقًا بكفه الملتصق به ورقة مناديل بيضاء فوق فمها ووجهها ضاغطًا بقوة، وباليد الأخرى كبل حركتها قدر المستطاع محاوطًا ذراعيها الأكثر حركه، ظلت تقاوم لحظتين ثم ارتخى جسدها وبدأ الدخول في طور التخدير حينها انتهى كل شيء وابتسم الشر منتصرًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
هزمها الخوف فجلست على أدراج السلم أمام المشفى مستسلمة لرغبة قوية جاهد العقل أن يحميها بها من خطر صدمة أوشكت على الحدوث، ففضلت أن تنتظر في الخارج الأخبار لتكون أخر من يعلم في ظنها أن ذلك سيخفف من وطأتها عليها. وبينما هي على هذا الحال، وقعت عيناها على سيارة تتوقف أمام المشفى ويخرج منها《عُمر》بسرعة تزايدت وهو يقطع المسافة متخطيًا درجات السلم بهرولة، وقفت، فلمحها واتجه صوبها وعلى وجهه أمارات التوجس من حالتها الغير موشية بالخير. وقف قبالتها وسأل في لوعة يخشى قلبه تلقي إجابة صافعة:
_ أنتِ واقفة هنا لي؟
كان المقصد هل حدث شيء للأخرى، هل أصابها مكروه، لكنه ابتلع سؤاله المفسر، وتراجع عنه وكأنه بذلك ينكر حقيقة أن جدته قد أصابها خطب. ولمّا لم يجد جوابًا تكالبت المخاوف في قلبه مما دفعه يهزها ممسكًا بذراعيها بينما يصيح في وجهها :
_ ما تسكتيش كده أنا بكلمك، زوزو حصلها حاجة؟ انطقي، قولي إنها بخير...هي بخير، هي أكيد بخير، أقولك أنا هروح أتأكد بنفسي وأثبتلك.
تركها لترجع إلى الوراء خطوات بعد دفعه لها دون وعي، ثم هرول إلى الداخل كثور هائج لا يستطع إخماد نار تلهب صدره في تلك الأمسية المهيبة. أما هي فمكثت مترددة من الدخول، هل تبقى؟ أم تخوض المعركة وتتقدم نحو الخوف؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
هرول نحوهم وعيناه تفتشان بينهم عن الاطمئنان، لكن صفحات وجوههم لا تحمل سوى الرهبة! وقف في المنتصف بينهم وهو يصيح في حنق على حالتهم الضعيفة:
_ ساكتين كده لي؟ وأي حالتكم دي؟ فين "زوزو" هي ازاي لسة ما خرجتش؟
ربط الخوف ألسنتهم، فلم يقوى صياح ذاك الفتى من فكه، نظر حوله بين الوجوه يستشف مجددًا عن ما أحدثه كلامه في نفوسهم، عله يجد البشريات فيطمئن بقول أحدهم ينفي ما يخشاه قلبه، ويطمئنه. لكنه لم يجد، فعاد لصياحه حينها قال بعناد متحديًا:
_ تمام! أنا هدخل أشوفها بنفسي.
توجه نحو الممر المؤدي لغرفة الطواريء بخطواته الواسعة المندفعة فهب نحوه عمه《أحمد》قاطعًا طريقه وهو يقول رابتًا على قلبه بالمواساة:
_ اهدي يا "عُمر" كل حاجة هتكون تمام، اطمن، وادعيلها.
لمن يدعو؟ هذا الماثل أمامه لا يملك زرة فهم حتى، أيدعو على لا شيء؟ جدته سالمة في الداخل وهذا ما يقتنع به فحسب. قال متحاملًا على نفسه ألا ينفجر:
_ مش راجع في كلامي، أنا هدخل يعني هدخل.
في ذات اللحظة قطع جدالهم ظهور الطبيب يقترب منهم، فهرول نحوه الجميع وخلفه《أحمد》تاركًا《عُمر》خلفه يشحذ قواه كي يتقدم، يخشى أن تخيب جميع ظنونه، فيُصفع بأيدي الألم مجددًا!
وقف الطبيب في حالة عاجلة لأن يتركهم لكنه فكر أن يريحهم بخبرها قبل أن يكمل عمله، انهالت عليه التساؤلات التي أوقف تدفق سيلها بقوله:
_ اهدوا يا جماعة إن شاء الله تكون بخير.
الريبة دبت في قلوبهم، وبدأت تتسلل شيئًا فشيء بعد جملته الغير واضحة معالمها أكانت مبشرة أم لا. وبعد لحظة صمت أضاف:
_ المريضة حالتها مستقرة، بس لسة في طور العلاج، هي لسة في حالة فقدان الوعي واحنا بنأدي كل شيء لازم لحالتها، هي احتمال تفضل هنا الليلة تحت رعايتنا، ربنا يقومها بالسلامة.
نُزعت أخر زرة طمأنينة في قلوبهم وتملكها القلق بأكمله، الصدمة من الخبر علت وجوههم وهم يستمعون، كادت الصدمة أن تطرح"مصطفى" أرضًا، لكنه تماسك وسأل قبل أن يرحل الطبيب:
_ طب وأي سبب فقدان الوعي؟
ليجيب الطبيب قبل أن يقطع طريقه نحو مبتغاه:
_ نوبة قلبية نتيجة تدهور مستوى سكر الدم فجأة.
ثم رحل ليتابع عمله معها وحالات أخرى طارئة وافدة على المشفى في تلك اللحظة، وتركهم يصارعون الألم، ألمٌ ألمَّ بصدورهم، ففعل بها ما فعل!
حرك رأسه نفيًا، لابد من أن هناك خطب في سمعه، ما سمعه ليس حقيقة إنما هي هواجس أفكار اخترقت عقله. اندفع نحوهم فور رحيل الطبيب الذي أثار بركانه بكلماته، عازمًا على الدخول والاطمئنان عليه، رأه توأمه فحاوط جسده بذراعه مانعًا اندفاعه وهو يقول:
_ استنى بس رايح فين!
أخذ يبعد ذراع شقيقه عن منتصف جسده وهو يصيح في وجهه:
_ سيبنني! بقولك سيبني...."عَمرو"!
صرخ بها في وجهه بقوة أخرجت ما في أحشائه من ألم يصارعه، صمت بعد رعد صوته ليسكن كل شيء حوله، يجاهد ألا يصدق ما سمع لكن في أعماقه كان هناك رأي أخر؛ كانت أول من صدق وبدأ الصراع الخارجي يتجلى.
ما بين رفض الواقع، وتصديق الخيال حرب يصبح المرء بعدها فريسة لوحش الواقع!
تهزل جسده، وهدأت حركته، وكف عن الصراع ليصبح فريسة لحقيقة مريرة. كانت عيناه تروي كل قصة يعانيها فهمها شقيقه وهو ينظر بعمق فيهما، زاد من احتوائه له، فضمه ليصبح تحت ذراعه، وبهدوء استغل حالته اللاواعية تلك، وقاده حيث خارج قوقعة الألم تلك!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بين أربعة جدران بعيدًا عن تلك الأجواء المشحونة بالتوتر كانت في حالة هائمة تعيش في خيالات لا نهاية لها ولا حدود، تحلق في سماء الهوى منتشية بلحظات أُغدقت بها معه. منذ أن عادت وهي في غرفتها تتسطح على فراشها تتابع تفحص هاتفها خلا تلك السويعات الماضية، أجرت اتصالًا هاتفيًا معه بحجة شكره وهي في الحقيقة لا تود سوى القرب بالحديث لكنه قطع عليها الطريق بحرص وحذر عليها وعلى نفسه، ورغم موقفها ذلك لم تستسلم وافتعلت الحجج والجة أبواب الخطايا بها، فحدثته بالرسائل مفتعلة الأعذار والحج التابعة للعمل، لكنه لم يجيب ولم يطلع على رسالتها من الأساس، حينها يأست وتراجعت في ضجر وقررت أن تكون حذرة في خطواتها بعد الآن حتى لا يملها! وبينما هي مسترسلة في حالة انتشاء عارمة وهي تقلب في الصور الخاصة به على انستجرام وتتابع أخباره، وقع بصرها على صورة برفقة صديقة له كانا حينها في مكان مشهور خارج مصر ومن الواضح أنهم كانوا في نزهة كما يتضح من ابتسامة مغتبطة على وجوههم.
اندفعت إلى الأمام لتصبح في وضعية الجلوس بعد أن ثنت إحدى قدميها تحتها والأخرى متدلية من على طرف الفراش، حدقت في الصورة بعمق شاردة في لحظات خاطفة لهم جمعتهم من قبل، فلم تجد أي إشارة أو تلميح يشي بإعجاب الأخر بتلك الصديقة المغرورة، على أي حال، ما الذي جمعهم في تلك المناسبة وهل هناك شيء نبت بينهم هذين ال 《ياسر》و ال《ميرنا》؟
باغتتها رسالة من رقم مجهول على حسابها《واتساب》فقطع عليها التفكير في الأمر الذي كاد يحرق صدرها وهي تتخيل كل السيناريوهات المزعجة وتأمل ألا تكون، فراحت تتفحص الرسائل بعدم اكتراث وقد ظنت أنه شخص محتال كما اعتادت على تلقي رسائل مجهولة بعضها راقت لها وفتحت الباب لها لتتعرف، لكنها سرعان ما أوصدته كونها لا تفضل تلك العلاقات الخفية! فتحت رسارلته وكادت تحظر الرقم، لكنها سرعان ما جحظت عيناها وهي تشاهد صور لها برفقة صديقها《ياسر》منذ ساعات وعلى وجهها ابتسامة مغرمة وهي تنظر له بعمق، وتحت الصور رسالة نصية مفداها :
_ "يعني هو العسل يضحك في وش الكل إلا إحنا، لا يا عم أنا مش قد الافترى ده! قولي يا جميل طلباتك، بس قعدة واحدة وضحكة من بتوعك إللي بتوزعهم على الكل إلا العبد لله الغلبان، أربعة وعشرين ساعة هستنى منك خلالهم اتصال تقوليلي مكان المقابلة، وإلا أنتِ عارفة أنا أقدر أعمل أي، مش كده برضه؟ ولا نسيتِ إنه احنا عِشرة!"
دقت طبول الوجل قلبها، ومكثت تكابد لحظات شقاؤها دون تفكير دون محاولة للخروج من المأزق، الصدمة تكبل يديها، بل كلها أصبحت أسيرة لها! لا يعنيها من هذا، لم تفكر من أين وكيف جاء بتلك الصور، تملك الخوف قلبها وعصره بكفه القوي، وكل ما يدور بعقلها كيف ستنجو من الجميع إن حدث ما تكره، صورتها ستتشوه في عيونهم، والدها سيغضب كثيرًا إن علم، وربما يصل بها الحال لأن تُتهم بالخداع وعدم الحياء، هي لا يهمها ماذا سيظنون عنها، لكنها ستخسر أعز ما تملك وتقتات عليه نفسها وهي تقدير الناس لها، فالخوف كل الخوف من صورتها في عيونهم ولا شيء أخر!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
عجزت قدماها عن كسر الأغلال والتوجه إلى بقية الجمع لتطمئن على حالة جدتها، محاولاتها فشلت في سبيل صراع مفداه ماذا إن كان الخبر قاتلًا، هل سيتحمل قلبها الموت مرة أخرى؟! أمام واجهة المشفى وقفت في مكانها بعد تراجعها عن الولوج خاصة لمّا رأت الجميع يلتف حول الطبيب، يبدو أنهم كانوا يستمعون أخبار حالتها، وبكل قوة، ليس مثلها، ضعيفة!
وفيما هي عليه من حالة صراع توجه أصابع اللوم نحوها على عجزها، اقترب منها التوأمين في حالة تخبرها ماهية الأخبار التي تلقوها مما دفعها لتبتلع غصتها تكذب حقيقة ما رأت على صفحات وجههم التي كانت كافية عن كل حديث سيقولاه لها. رأها《عَمرو》فاقترب وقد تذكر أنها معهم بعد أن كان قد نسي أمرها منذ لحظات وهو بينهم يواسي كل من يحتاج لذلك، يشاركهم المأساة بقلبه المجاهد على الثبات حتى لا يتوقف عن بث الأمان لمن حوله، وكما اعتاد على الرعاية، لا المراعاة، وقف بعد أن ترك شقيقه الذي كان قد لاحظ عودته شيء ما للواقع، سألها وهو يربت على ذراعها:
_ أنتِ كويسة؟
يعلم أنها ليست كذلك، لكنه أرادها أن تزيل الستار عن وجه الحقيقة وتفصح، ولكن كعادتها التي يعلم منذ صغرها، وجه القوة هو من له السلطة على ملامح وجهها. أجابت والريب يتلألأ في عينيها:
_ كويسة، بس تيتا!
توقفت عن استكمال سؤالها، لا تود طرحه، بترته رغمًا عنها حتى لا تتطرق لسماع الإجابة. ضحكت بخفة بغتة، وسألت بتعجب:
_ هي فين علشان نروح، أنا جيت أشوفها، بس أنا مش بحب أدخل المكان ده، ممكن تدخل تجيبها علشان نروح يا "عَمرو".
صمت يتجرع أضعافًا من الأسى على حالها إضافة إلى مأساة قلبه الذي انفطر بسماع مرض جدته، وبمهارة ربط دموعه حتى لا تخونه فيضعف والجميع من بعده تصيبه عدوى! التفت يمينها فوجدت الأخر على بعد ليس ببعيد منهم، يقف مشدوهًا كمن أصابته صاعقة رعدية تسمر على إثرها ولم يحيا! اقتربت منه بخطوات سريعة، هي مثله تعاني صدمة مشابها، لذا فكانت أول علامة على استشعار الخطر القادم! وقفت تهزه من ذراعيه وهي تهتف:
_ "عُمر" فوق! وتعالى معايا نجيب "زوزو" علشان نروح، "عُمر"!
انتبه إلى حثها له على الأمر بإلحاح مكررة عليه الطلب كرات متتالية كطفلة تلح على قطعة حلوى، تذكر ما حدث، أصابت قلبه كلمات الطبيب فعصرته بكفها، رفض عقله الألم، وهدر في وجه الأخرى مستسلمًا لواقع مرير:
_ مش هتروح!
أجفل جسدها فجأة، فعادت خطوة للوراء، شاهد ردة فعلها《عَمرو》من على بعد خطوات قليلة وهو يستمع لحوارهم القاسي الذي استكمله شقيقه دون شفقة على قلب أخته يكيل فوقه بسطو الألم بقوة دفعة واحدة دون تبسيط أو تلطف:
_ مش هتروح افهمي، "زوزو" مش هتروح. هتروح ازاي وهي لسة ما فاقتش وبتصارع المرض جوه؟!
قاسي! هذا ما استطاعت نعته به في نفسها وهي ترمقه بعينين وقفت على حافتهما الدموع، وما لبثت لحظات إلا وانهمرت تلك الدموع، وبدأت في الحديث بلوعة:
_ لي كده؟ لي بتقول كده؟ حرام عليك.
لم يكن في حالة تسعفه ليكون رحيمًا بها، لطيفًا بأوجاعها في تلك اللحظة، صدره كان يعج بالكثير الذي جعله يزفر بقوة ويتركهم جميعًا، ويبتعد عن كل شيء! نظر《عَمرو》في أثره بعد أن رحل في اتجاه ما بعيدًا عن المشفى، لم يتبعه، كان عاجزًا، أيتركها تلك التي قتلتها كلماته، أم يهرول نحو شقيقه الذي يخشى عليه الخطر من نفسه! لم يجد بدًا من احتضان الأخرى في لحظاتها الثكلى تلك، ويربت على أوجاعها بلطف، كان يواسي هنا، وعقله منشغلًا بالمواساة هناك، أما هو فلم يكن لنفسه إلا نسيًا منسيًا!
اقترب منهم وعيناه لم تفارق المشهد قط، احتضانه لها بتلك الطريقة لا تشي إلا كونهم حبيبان من قديم الأزل، ولكن مهلًا ألم يكن هذا الوجه منذ دقائق محتضنًا أخرى، فإن كانت حبيبته _كما ظن_ فمن تلك بالنسبة له؟ مهلًا هو ابن خالها، يعني قريبها! ولكن هذا لا يعطيه حق لأحتضانها بهذا الشكل، ما هذا الهراء؟!
نفض عقله عن تفكير شغله وهو يتجه صوبهم، لم يجد بُدًا من النسيان، فهو لا يهمه الأمر، هي وعائلتها تفعل ما يحلو لها، لا شأن له بها ولا بهم. توقف أمامهم وألقى بما جاء لإسماعه للأخر من تعليمات تلقاها من كبير العائلة:
_ الحاج "مصطفى" بيقولك وصل الجماعة البيت، "وسام" كمان لحظات هيخرج يوصل جزء والباقي وصلهم أنتَ.
أومأ له في تفهم دون أن ينطق بكلمة، فهم الأخر الرسالة المبطنة، وتوجه متحملًا عائق عرجته نحو السيارة والبقية خرجوا بعده بلحظات و《وسام》وراءهم وقف يتحدث مع ابن عمه لحظات، ثم عاد السير نحو سيارته التي انطلق والبقية معه صوب منزلهم، أما هو فوقف ينتظر مشهدهم المفعم بالحب ذلك والذي شاركتهم فيه حبيبته الثانية..يقصد الفتاة الثانية التي لا يعرف ما صلتها به! المهم هو ما يريد سوى أن ينتهي كل شيء ويذهب ليريح عقله قليلًا بعد أحداث صادمة متتالية اخترقته، وعلى ذكر تلك الكلمة، راح عقله في جولة عميقة متذكرًا ما حدث من مكائد له على يد غريمه قبل أن يكن قريبه، فاجتمعت سيوف الإنتقام وتوغل في ساحة حربه مقاتلًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يدور في الطرقات بسيارته باحثًا عنه، كما الممسوس يتلفت يمينًا ويسارًا غير أبهًا للطريق أمامه وفي النهاية يعود خاليًا من أي صورة تقع عليها عيناه فتطمئن برؤية وجهه، ليته ما تركه يرحل في حالته الطائشة تلك، هو يعلم أنه مجنون في مثل هذه الحالات الصادمة لا يتصرف سوى تصرفًا أهوجًا، تذكر ذات مرة حينما فقد جده وسرق المرض خياله في حياتهم، غاب عن البيت أربعة وعشرون ساعة لا يسمع فيها عنه خبرًا، جن جنون والده حينها بدرجة لم تفرق عنه، بل كانت الضعف لمّا وقع عليه اللوم في تفريطه بأخيه، وكأنه من ارتكب الذنب كله حين غاب عن مراقبته لحظة!
لازال يجوب الطرقات والأماكن التي من المحتمل وجوده فيها، وبينما هو يقود عائدًا إلى المشفى دون سابق تخطيط لذلك! أتاه اتصال من ابن عمه المسافر يعيش بين أحضان الغربة، تردد، لكنه في النهاية لم يجد بُدًا من إخباره إن سأله. أعد الحديث ليواجه به الأخر ثم أجاب في صمت تعجب له الأخر فهتف باسمه:
_ ألو "عَمرو" ! أنتَ معايا؟
رد بصوت فهم من خلاله أنه يسمعه، ورغم تعجبه المتزايد، ألقى ما في جبعته من مخاوف لم تذقه طعم النوم فهب بالإتصال به والسؤال عنهم:
_ أنتوا بخير؟ كنت رنيت عليكم بس ما حدش رد غير "نورا" وأنتَ وما عرفتش أتواصل مع حد تاني حتى أنتَ من كم ساعة تلفونك كان مشغول فقولت أتصل كمان شوية واتشغلت. أي الأخبار عندك؟
حاول انتقاء الكلمات على قدر استطاعته ليخبره بما طرأ في حياتهم من أحداث انفطرت لها قلوبهم، لحظات من الصمت استغرقها، ثم أجاب بعد تنهيدة استسلام:
_ لأ مش بخير يا "أدهم"، حجات كتير حصلت وأنا...أنا ضايع ما بينها وعاجز عن كل حاجة، يا ريتك كنت هنا!
لم يمسك لسانه أكثر، فباح بما تمناه في تلك اللحظة، وللحقيقة رغم موقفه الطفولي الذي أبداه في أمنيته، هو محق في طلبه، فقلب يربت على أوجاع الجميع لا بد من احتياجه ليد تواسيه مثلهم، يعينه على الخروج من دوامة ظلام تحيط بها الحزن من كل جانب، ولم تكن احن يد في حياته سوى ابن عمه الأكبر، ملجأه في تلك اللحظات بعد خالقه.
زاد القلق احتراقًا لصدره بعد نبرة الأخر الملوح فيها الوهن بوضوح، فأسرع يسأله بقلق:
_ أي إللي حصل يا "عَمرو" ومال صوتك مش مظبوط؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يقص عليه من أحداث ألمت بحياتهم اليوم، بداية من السرقة التي علم بها مؤخرًا من زوجة عمه《أحمد》وصولًا إلى المشفى وحالة الأخرى التي تصارع بها المرض. لم يكن ثمة جواب على حديثه، أو مواساة، أو أي شيء توقعه، قال جملة واحدة فحسب:
_ طيب سلام دلوقتي علشان ألحق أوصلكم قبل الصبح ما يطلع.
ثم أغلق معه وتركه في حالة من الضياع زادت تفاقمها عليه مستكملًا بحثه عن شقيقه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
من خلف زجاج غرفتها تابعت عيناه الشاردتين حالتها، يتشبث كطفل في ثوب أمه بالوقوف قريبًا منها منتظرًا عودتها، يرقب حركة منها تُفتعل فيدب الأمل في حياته بأنها حية ستعود، يعد اللحظات والدقائق، في كل لحظة يأمل استيقاظها يعود بعدها منطفئًا بخيبة ظنه، كره الانتظار، كره الأمل، كره كل شيء يتطلب منه معاناة لينال طلبًا عزيزًا على قلبه حتى أصبح لا يطيق الصبر.
كان يضرب بكفه على الحائط بشكل متكرر متتالي أعرب عن طاقة جمة من الاستياء تموج بداخله، كونه لا يحب الانتظار والأمل، فتلك اللحظات بالنسبة له شقاء مضاعف كان في راحة منه طوال سنواته الماضية بعد اعتزاله تلك الحياة الشاقة! اقترب منه والده بعد أن لاحظ اضطرابه من بعيد وكيف بدأ يفرغ طاقته بشكل سلبي، وما إن وقف بالقرب منه راح بكفه يلتقط خاصته التي كانت ضحية تلك الحالة المستاءة، ثم عنفه بشكل خفيف:
_ أي إللي بتعمله في نفسك ده؟ فوق!
لولا أنه والده لكان جعل من وجهه حائطًا يفرغ فيه طاقته المضرمة بداخله. لم يسعه إلا أن يهدر بقوله وهو ينظر لها نظرة التائق لأمنيته:
_ هترجع، لازم ترجع...لازم!
فهم ما يعنيه ويعانيه، ابنه ويعلم صراعه جيدًا؛ يموج بداخله أعتى المعارك ثم يخرج ما بجوفه في صورة واحدة فحسب مزيفة، وهي الثوران والغصب. بقدر ما حمل من تفاهة ومرح كان يركن في جنباته طاقة مخمدة من المشاعر السلبية المرهقة تخرج في مواقف ضغطه النفسي، كهذا. ربت على كتفه وحاول قدر المستطاع إخماد نيران صدره:
_ قول إن شاء الله يا ابني، وادعيلها، بدل إللي بتعمله في نفسك ده، أنتَ كده لغاية ما ترجعلنا بالسلامة هتكون قضيت على نفسك بالطريقة دي!
_ مش قادر أصدق، مش قادر أشوفها بالحالة دي، "زوزو" غالية عليّ ..غالية عليّ أوي، ما أقدرش أتخيل يوم واحد من غيرها في البيت.
ترقرقت عيناه بالدموع وهو يفصح ناظرًا لها من وراء زجاج، فحاوطه والده بذراعه، ومكث واقفًا يشاركه الألم الذي نزل في نفسه ذات المنزلة وأبلغ، فهي أمه قبل أن تكون جدة ابنه. قطع الصمت المستغرق للحظات صوت رنين هاتف 《مُصطفى》أخرجه من جيب بنطاله وأجاب على ابنه الأخر، سمع في نبرته خزي عميق يشكو له عجزه عن العثور على توأمه، التمس أسفًا لم يُذكر توارى في كسرة صوته، فنزل في نفسه منزلة الشفقة قبل أن يعود بعد لحظة شرود إلى المكالمة ويطمئنه أن أخيه في المشفى معه ولم يرحل، اطمأن الأخر وتنهد بارتياح أحس به والده الذي أغلق معه بعد أن أخبره بأن《عُمر》سيبقى معهم في المشفى، وكان ذلك القرار رغمًا عنه فهو يعلم عناد ابنه ورأسه الحجر، فلم يستطيع إقناعه بالعودة للمنزل كالبقية إن عزم على فعل ذلك، فأذعن لعناده المتوقع!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعد مرور ليلة ثقيلة!...
تصغر جُل المصائب في حضرة شقاء عظيم يمر على قلوب مزهرة واحد تلو الأخر فتصبح بالية، وما كان سبب زبولها إلا وجع ألم بها جاء على صورة فاجعة مباغتة تحيل بعض السلام في القلوب إلا كدمات الوجع، لتكتمل وتصير سواء موجوعة.
كانت أخر فاجعة ألمت بهم هي السطو القوي الذي هوى على عقولهم فنسيت كل شيء يشغلها من أحداث مؤلمة إلا فاجعتهم في عزيزة قلوبهم التي أبلاها المرض واستسلمت لفراشه تأبى العودة، وكأنها أرادت عقابهم بغيابها قاصدة تمزيق نياط قلوبهم ألمًا عليها، وليعلموا أن ما هناك شيء أغلى على قلوبهم سوى عزيز، فلا مال ولا سلطة ولا حتى ضغينة في نفوسهم قادرة على أن تحل محله في قلوبهم.
كل الأحداث من حولهم في حياتهم توقفت، وكفت نفوسهم عن الركض وراء ضغائنهم أو حتى التفكير فيها، كل ما شغل عقولهم شيء واحد، هل من نجاة تعيد إلينا الحياة من جديد؟ قلوبهم هلعى تتواثب على إثر مضخات مفعمة بالخطر، بين التوق لشيء وانقطاع الأمل لاغتنامه حرب تُقام فيها القلب يجفل في اللحظة أضعاف مما قبلها، والعقل يهدر بسيوفه نادمًا متحسرًا، غاضبًا بائسًا، فتخرج من تلك الحرب نفس هزلة أصابتها الجروح من كل جانب.
ساعة أو يزيد مرت وهم في جمعتهم صامتين في ذلك الصباح الموالي للفاجعة، لا لسان يشكو حالهم وحال دواخلهم، لكن الخلجات تنطق والوجوه تفصح أبلغ من لسان كلمة. علت الغبرة وجوههم، ومكث كل واحد في مكانه يواجه حربه بنفسه في صمت؛ منهم النادم_منى_ يعض لسانه أسفًا، فلو كان يقوى على الرجوع لمسك لسانه! ومنهم المتحسر_أمجد_ يحترق بحمم بركانه المتلظي في جوفه كلما خُيل له سيناريو الفقد دون اللقاء والبوح، فهل سيبتسم له القدر ويكون بسمة أمه بكلامه الطيب وكذلك سلوكه لا نقمتها كما كان سابقًا؟ ومنهم الغاضب_أحمد_ ليس من البلاء، ولكن من نفسه إيزاء ما جرى، يحمل نفسه المسؤلية لكل شيء حدث، فحتى إن كان بعيدًا عنها غصبًا، كان باستطاعته إنقاذها في بعض سويعاته التي لو قضاها معها يهون عليها بعد ما حدث من سرقة ونزاع أخوة لا ينتهي، ومنهم من كان بائسًا_مصطفى_ وكل البأس على قلبه المتلقي لضربات القدر دفعة واحدة، وفي من؟ في والدته أغلى من يملك في دنيته.
وقف《مصطفى》بغتة قاطعًا أجواء الحزن الثقيل، وألقى كلمته قبل أن يرحل لوجهته:
_ استعينوا بالله وادعوا، ما حدش يفضل ساكت كده، هترجع وتكون بخير وسطينا، أنا عندي يقين بكده.
يلقي على أذانهم ما لم يستطيع عقله وقلبه تصديقه خاصة بعد سماع تفاصيل حالتها من الطبيب هذا الصباح وكيف تملك المرض منها فراحت في غيبوبة غير متوقعة، لكنه ماذا يفعل سوى اللجوء ليقين يزيل عتمة بأسه نور أمله، وهو اليقين بربه. رحل أمامهم وتركهم في حروبهم ينازعون والصمت يقتلهم لحظة بعد لحظة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ساد هدوء ما بعد العاصفة القاتل في بيتهم الذي خلت الفرحة من جنباته وانسل مكانها عتمة الحزن، فغشي عنهم رؤية الحياة وألوانها، كبلهم الوهن، فانقطعت الحركة في أرجاء البيت بعد أن كان يضج طلوعًا ونزولًا، وأصبح أكثر سكونًا كمثل مياه بركة راكدة خبى اضطرابها الذي هو أساس لجمالها، ودليل حياتها. في كل مكان من شقتها انعدمت فيها الحياة كانوا يمكثون في انتظارها، يجتمعون كما كانت تحب أن تفعل في وجودها، لكن اجتماع خالي من الحياة، معتم من أي ابتسامة مضيئة، ساكن من أي دبيب يشي بوجودهم، وفي عقل كل فرد شغل شاغل لا بعده انشغال، هل ستعود وتنير عتمة البيت من جديد، فها هم رغم كل شيء سيء لم يتحملوا فراقها؟
وفي ذات التوقيت، على فراش المرض كانت حالتها لازالت تأبى العودة، جاثمة كجثة فارقتها الروح فوق فراشها وعلى يديها أطراف أسلاك موصلة بها تمر عبرها المحاليل الطبية، كان الخطر مفاجئًا، حل في ظروف أبى قلبها هذه المرة أن يصارع، فاستسلم ووقع فريسة لأنياب المرض، وهي التي كابدت الحياة تصارع شقائها بقلب أواب يقسو ويعود لرحمته، يظلم، ويعود لتوبته، يجرح، ثم يعود لتضميض الجراح، كان عاجزًا لا يد له، لكنه كان يكابد ألا يكون النصف الأسوأ من جانبه في ظل ظلمات أحاطت به وظلت تعيث في حياته حتى ضل كثيرًا، إن خُير هذا القلب أن يعود أو لا، يقسم بلا، وهل هناك أقل شقاء من الفرار وعدم مواجهة خطايا أفعاله وابنلاؤه بها، بالطبع لا، أسهل ما في يدها الآن أن تهرب حيث الأبدية، وتدعو أن يغفر الله ويرحم، ويصلح ما أفسدته خطاياها في أبنائها، وينعم عليهم بوافر كرمه فيستحيل القلب القاسي لينًا، والجافي عطوفًا تغمره المشاعر الرحيمة، والتائه عائدًا على نور الهدى يسلك سبيلًا مستقيمًا، والمخطيء تائب حتى وإن ارتكب أعتى الذنوب، والخائف مطمئنًا في حياة تغمرها السعادة والمودة، والبالي سالمًا غانمًا بهناء ينسيه جُل شقائه، وتألف نفوسهم بعضها، فتكون الرحمة والمودة هي لغتها، والثقة والأمان هما عمدانها فيصير البيت أنسًا بسكانه، منارًا بألفتهم وحبهم لبعضهم، ينبت في أبناءهم كل ذلك بأثرهم الطيب. هكذا العائلة التي طمحت أن تكون لكنها فشلت في مسعاها!
قطع لحظات الصمت الموجع صوت صفير جهاز تحديد حالة القلب، وبدأ الخط المرسوم في الاستقامة بعد أن كان متعرجًا، معلنًا القلب استسلامه تمامًا، وأخذ مؤشر الرحيل استنفاذ الدقائق الباقية على وجودها في تلك الحياة المؤقتة.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
في الجزء الثاني من الرواية.
Marriam Othman