◇◇أشجان القلب◇◇

◇◇أشجان القلب◇◇

28 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_الثالث_عشر

تعافى_النفوس_الجزء_الأول

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

أهٍ على قلب خاب ظنه بعد أملٍ وأضحى بالألم يعتصر ؛ فالقلوب إذا تعلقت تألمت إن فارقها متعلقيها تاركين الأثر .

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

صفعة ألم جديده تلقتها بعد أن كانت قد هدأت منذ قليل ، وها قد عادت للغرق فى دوامة قلقها من جديد وظلت آلامها تتزايد خوفاً مما ستُقبل عليه فى الأيام المُقبلة ، مرت لحظات وهي صامته لم تجيبه وقد شعرت بثقل على صدرها وكأنها تختنق من ذلك الحديث الصادم بالنسبة لها والذى أيضا خشيت حدوثه وهو موافقة الأخر وذلك ما جعل الألآم تتزايد أكثر فوالدها فقط ينتظر ذلك ليفرض رأيه عليها ، أخترق صوته ذلك الصمت السائد وهو يعيد سؤاله عليها بجمود مما جعلها تفزع من نبرته الجامده معها دائما وتتحرك تمسك بذراع شقيقها وكأنه منبع أمانها فى تلك اللحظه وفى كثيرٍ من لحظاتِ حياتها السابقة أيضاً ثم تفوهت بكلمات متقطعه إثر نبرتها المرتعشه :

_ م..م..مش عارفه.

حسننا إن كان غضبه بداخله منذ قليل فبعد تلك الكلمات أعلن عن نفسه منفجراً حين صاح بانفعالٍ يعاتبها وهى الخائفه دوماً ولا تعرف حتى أتخاذ قرار :

_ مش عارفه !.. لي ؟ وأنتِ طول الوقت ده مش عارفه تفكري وتاخدي قرار ، هتفضلي كده دايما لحد امتى خايفه من كل حاجه ؟

يالته كان يعلم ما أصارعه كل يومٍ بسبب خوفي هذا ، يا ليته يعلم كيف فتك ذلك الخوف بنفسى فتكاً حتى تدمرت وماعادت تتحمل ، قطرة دمع هبطت من بين جفونها مُحدثه أثرها على بيجامتها وقد كانت منكسة رأسها تُخفى كل ذلك عن أعينه التى ثُبتت عليها فى تلك اللحظه وهى تنطق غضب ، وفى تلك اللحظه تفوه《وسام》 الذى شعر برجفتها بين يديه مهدئا الأمور بعد تنهيدة عميقه :

_ أكيد هى لسه بتفكر يا بابا وده قرار مرتبط بحياتها يعنى طبيعى تاخد وقت فيه .

التفت له الأخر بعد أن كان مثبتا بصره عليها وقال فى جمود يائساً بعد أن هدأت موجة غضبه قليلا :

_ الكلام ده لو هى بتفكر يا "وسام" وقدرت تاخد قرار ، لكن هى دايماً خايفه حتى تتكلم هى مش صغيره على السلوكيات دي .

لم يستطع الأخر إجابته فصمت حتى لا تزداد الأمور حِدةٌ ويلقي بحديثه السلبي عليها وهى الآن فى حالة لا تُعصى عليها وهو الذى شعر بها ، بينما 《أمجد》 زفر بقوه وقال فى جمود منهياً الأمر بإصرارٍ فى حديثه :

_ عموما أنا كنت عارف من البداية خوفك مش هيخليكى تاخدى قرار ، لذلك أنا إلى هقرر وقريب العريس جاي مع أهله وهنتفق على كل حاجه .

قال حديثه الحاد ورمقهم بنظرة خاطفه قبل أن يخرج تاركاً خلفه جُسةٌ نهشها الخوف كنهشِ الذئابِ لفريستها ، فقد كانت الأخرى قد أطلقت العنان لدموعها التى تسيل على وجنتيها دون أن تحدث هى أي صوت فقط البكاء فى صمت وكأنها أضحت جسدٌ فقط بلا روح بعد حديثه الحاد معها منذ قليل ، بينما الأخر ظل ينظر إليها بشفقه وما بيده شىء يفعله سوى احتضانها كعادته يخفف عنها بعض الألم ويبثها شىء من الدفء والحنان الذى حُرمتْ منه طوال حياتها ، وظلت بين أحضانه وهو يمسد على رأسها التى استقرت على كتفه وهى تنظر بعينيها الناعستين أمامها شارده بتيهٍ لا تعلم ماذا تفعل فى حياتها المدمره هذه حياتها التى ما ملأتها سوى ظُلمة الألآم والخوف وقسوة من حولها ، شعر هو بسكونها للحظات وسرى القلق فى قلبه فحركها لتصبح أمامه ويتسنى للنظر إليها ليجدها شارده لم تنتبه حتى له فتنهد بعمقٍ وقد علم سبب حالتها تلك المصدومه والمجروحه من ما حدث منذ قليل ثم تفوه يطمئن عليها بقوله متسائلاً بغلبٍ :

_ "حياة" أنتِ بخير ؟ سمعاني طيب ؟

أومأت له ببطء وقد سمعت صوته رغم شرودها بتيهٍ فاشفق هو على حالتها وقال بهدوء يبثها شىء من القوة والاطمئنان بعد أن اعتذر لها :

_ متزعليش حقك عليا أنا من إلى حصل ده كله ، وأنا عارف ومتأكد إنك هتعرفي تاخدي قرارك وواثق كمان لأنك أشطر بنوته .

لم تجيبه وهى الشارده فى همومها وقد أنستها آلامها أن تجيبه حتى وقد ثقل لسانها عن التحرك فظلت صامته وهو يرمقها بنظرات كلها شفقه وتمنى لو تتيسر أمورها ويرها سعيده ولو لمرة فى حياتها ، تنهد بعمق وطبع قبله فوق جبينها قبل أن يخبرها بأن لا تنسى صلاة الاستخارة وترجع إلى ربها فى ذلك الأمر ثم تركها ورحل إلى مبتغاه حيث الأسفل ليشارك أبناء عمومته ما هم يفعلوه تاركاً إياها تتملك فراشها على أحد أطرافه تجلس جلستها المعتاده وهى ضم ركبتيها إلي صدرها محاوطه إياهم بذراعيها وقد مالت برأسها عليهما تسندها وغاصت فى شرودها مجددا .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

ما شأن تلك النفوس بغيرها ؟ أوليس من المفترض أن يكون كل واحدٍ فى شأنه ، وأن ينظر كل فرد لحياته فما خطبهم بحياةٍ الأخرين ما حدث بها وما لم يحدث وما نالته وما لم تنله ، أصارت كل همومهم أن فلاناً قد نال أمرٍ وأخر لم ينل ، أو فلاناً تعيساً لسوء حظه فياله من متعوسٍ ، أهذا كل ما يهمهم ؟ فلما أصبح البعض وإن لم يكن الجميع يحشرُ أنفه فيما لا يعنينه أو يهمه، لما؟ أوليس من المفترض على كل مسلمٍ ترك ما لا يعنيه ؟ أم أن مبادىء إسلامنا قد نُسيت بهذا الزمن . تنهيده عميقه خرجت منها وهى جالسة على الأريكة بغرفتها شارده فى ذلك الأمر الذى جرحها بسبب تلك الكلمات التى أخترقت قلبها وذكرتها بحديث أُناس مثلَهم من قبل ، نعم أنا أود ونفسى تتطوق لزوج أن يؤنسني وذلك أمر فطري بنا ولكن ما ذنب النفس التى لم يأتي قدرها بعد أن تُجرح بسبب بشر ما هم إلا جهلة يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم ، فهل أدركتم مدى جرح كان عميقا سببته تلك الكلمات على شخص هو نفسه قد يأس من قدر كتب عليه ؟ أوليس لكم أن تراعوا مشاعر البقية من حولكم أم أن ذلك صار عاديا فى زمننا هذا ؟ عادت من شرودها على ذلك الصوت الذى وصلها من الخارج وهو صوت《 عمرو》الذى نطق هاتفا باسمها وكانت قد شردت ولم تستطع سماع طُرقات البابِ فانتبهت مؤخراً لصوته وهو ينادي باسمها حتى سمعته وأذنت له بالدلوف حين وصله صوتها من الداخل ليدلف هو رامقا إياها بقلق وهو يغلق الباب خلفه ولم ينتبه له وحين اقترب وجلس بجوارها وهى لا زالت صامتة وبداخلها قلق وقد خشيت كشف أمرها فحاولت الثبات أمامه وهو يقول متسائلا باهتمام :

_"أمنية" أنتِ كويسه .

أومأت له وهى ترمقه بابتسامه هادئه جاهدت فى رسمها ثم عادت تنظر أمامها هاربه من نظراته التى ألقاها عليها بريب ، فشقيقته من المؤكد أنها تُخبىء شىء بداخلها فهدوئها ما هو إلا بركان يثور بداخله النياران ولم يشعر به أحد إلا حين ينفجر لذا فنطق متسائلا بريب :

_يعنى إلى أنا شوفته تحت من شويه ده كان هزار مثلا ؟ "أمنية"متخبيش عنى وقوليلي مالك.

زفرة قويه خرجت منها وهى لازالت تنظر أمامها قبل أن تطمئنه بقولها الكاذب وقد نوت ألا تُفصح بالحقيقة وهى لا تود حدوث أي مشاكل فى العائلة فاكتفت بترك الأمر لله هو من يجزهم على ما فعلوه وتسبب فى ألمها :

_ مفيش يا "عمرو" متقلقش عليا أنتَ ، أنا بس كنت أفتكرت حاجه كده وتلاقينى عيطت وأنتَ عارفنى بتأثر بسرعه .

ظل يرمقها بريب وذلك الحديث لم يدركه عقله قط وشك فى أمرها وخاصة أنها تتحدث بعيدا عن نظراته لذا فتفوه نافيا حديثها المتصنع ذاك :

_كدب يا "أمنية" ، لو عاوزاني أصدقك بصيلي وأنتِ بتقولى الكلام ده .

أسرعت الأخرى فى إنهاء أفكاره المرتابه تلك وقد شعرت بكشفها من قِبله فقالت تطمئنه بعد أن التفتت له دون أن تثبت بصرها على وجهه فقط رمقته بنظره خاطفه وأبتسامه مقتضبه :

_ متقلقش يا "عمرو"عليا أنا كويسه ، متشغلش بالك أنتَ .

عادت لتثبت نظرها أمامها تتصنع الانشغال وقد زاد شك الأخر بها فزفر ببطء وعلم أنها لم تُقبل على الافصاح بعد لذا فحاول جعلها تفعل ذلك بقوله المرتاب وهو الذى لا يفضل تركها تكتم آلامها :

_ اذاي مشغلش بالي يعني ، واحدة بتعيط بالشكل ده يبقى فهميني بالمنطق كده اذاى أقنع دماغى انك بخير ، "أمنية" قولى مالك وطمنينى ولا علشان أنا أصغر منك يعني فمش هعرف أحللك مشاكلك وأسمعك .

أنهى حديثه يسألها بريب وقد نوى تحريك الأخرى لتفصح وتتفوه مما دفعها تسرع نافيه حديثه السابق بقولها بلطف بعد أن التفتت له :

_أبدا والله ده حتى مفيش غيرك بعد بابا بروح أفضفض معاه وأنتَ عارف ده كويس يا "عمرو" لو فاكر يعنى أيامنا طول حياتنا مع بعض ، يعنى أنتَ صاحب مش أخ صغير وبس .

ابتسم الأخر بهدوء بعد حديثها وقال متسائلا بلطف :

_ طيب يا ستي طلامها أنتِ عارفه ده كله وأنك بتعتبرينى صاحب مش مجرد أخ صغير وبس ، لى ما تفضفضيش يعنى اى إلى أختلف عن إلى الأيام إلى عدت ؟

صمتت الأخرى وقد شعرت بأنه بهذه الطريقه سيجبرها على الإفصاح وهى لا تود حدوث ذلك قط خشية من المشاكل لذا فالتفتت أماهما تشرد بعد تنهيده بطيئه تاركه إياه يتزايد شكه وللحظه تذكر ذلك اليوم فهل من الممكن أنها تذكرت آلامها وكانت قد تحدثت معها فى مثل ذلك أمر من قبل لذا فنطق يسألها فى ريب :

_ "أمنية"قوليلي كده هو حد دايقك بكلامه قبل ما أشوفك ؟ وقبل ما تسألي أنتِ عارفه قصدي كويس .

أسرعت الأخرى تلتفت له عاقده بين حاجبيها وهى تتسائل متصنعه الجهل وقد شَكَّت فى أقترابه من كشف أمرها وهو يعلم مسبقا ما حدث كمثل ذلك موقف :

_حد زي مين يعنى ؟مش فاهمه أنتَ تقصد اى ؟

رد الأخر مفسراً وهو يرمقها بريب وشعر بأن الأمر يتعلق بذلك الشخص الذى جال بخاطره فى تلك اللحظه :

_ أنتِ عارفه يا "أمنية" أنا أقصد أى وانا كنت شاهد على كلامها سعتها وبرضه فى مناسبه زي دي .

تنهدت بيأسٍ وقد كُشف أمرها فصمتت ولم تجبه فإلى أي مدى ستصل بتصنعها الكذب لذا فضلت الصمت عن أنها تكذب مما دفع الأخر يتأكد من صدق حديثه وقال متسائلا بانفعال قليلا وشعر بغضبه من تلك عديمة الإحساس و التى تقصد جرح من حولها :

_ أفهم من سكوتك أنه ده حصل ورجعت تقولك كلام أهبل ذي ده يجرحك ؟! بس تمام أنا مش هسكت المره دي وهعرف أتصرف مع ناس ذي دي كويس .

حسننا ما كانت تود إخفائه خشية من ردة الفعل حدث ونتج ما شعرت به سيحدث لذا فأسرعت توقفه بقولها مهدئه الأمور وهى تعلم أن ذلك يغضبه :

_أستنى بس أفهمك يا "عمرو" مفيش من إلى فى دماغك دي حاجه حصلت ، الأمر مختلف المره دي .

رمقها الأخر مستنكراً حديثها لتتنهد هى بعمقٍ وتفصح بغلبٍ بعد أن كانت لا تود ذلك ، وبعد أن أنهت هى قص كل ما سمعته قالت طالبه منه برجاء :

_ أنا قولتلك أهو يا "عمرو" بس اوعدنى ما تتصرفش غلط والأحسن أنك تسكت وما تبديش أى رد فعل ولا حتى تعرف حد حتى لو بابا ، لأنه أنا من البداية مكنتش عاوزه حد يعرف وأنتَ باصرارك قدرت .

زفر الأخر بقوه وقال منفعلا نِتاج غضب قد كتمه خاصة بعدما علم بما تفوهت به تلك المرأه :

_ازاي يعني مش عاوزاني أتصرف ، يعنى اى أسمع أنه أختى بيتقال عليها كلام زي ده وأسكت ناقص أطبل معاهم ، معلش يا "أمنية" أنا مقدرش أسكت .

قال حديثه ثم هَمَّ ليتحرك لكن كانت هى قد أسرعت فى مسك ذراعه تمنعه من ذلك وهى تقول آمره :

_لا يا "عمرو" هتسكت ! أنا أه اتجرحت من كلامها بس تركت الأمر لله وهو سكن آلامى وبقيت كويسه ، وهى الله يسامحها بقى بس كل إلى أنا عاوزه أنه متحصلش مشاكل فى العيله بينا كفايه إلى حصل زمان وبعدين هى دى عادتها فنبعد عنها أفضل ما نعمل مشاكل ، فالله يرضى عنك عديها وأنا مسامحه خلاص .

تنهد بيأس وحاول تهدئة غضبه حتى يتسنى له فهم الأمور وقال معبرا عن رأيه بعد لحظات فكر فى الأمر ملياً :

_ بس يا ستى أنا مش مسامح لانه الموضوع تكرر أكتر من مره وبصراحه السكوت هيخلي أي حد يتمادى أكتر .

حركت هى رأسها فى تفهم وقالت بهدوء تعظه بوجهة نظرها التى ترى بها الأمور :

_بس أنا كده ارتحت يا "عمرو" أنا لو شلت فى قلبي وفضلت أقول مش مسامحه أنا إلى هتضر فى النهايه ونفسيتى هتتعب ، ومش بعيد فى غفله قلبى يبقى قاسى بس لمجرد إني سيبت نفسي تكون ضحيه .

تنهيده ارتياح خرجت منه بعد حديثها المقنع وشعر أيضا من نبرة صوتها أنها بخير لذا فقال يعدها بإذعانٍ :

_خلاص يا ستي هسكت ، وده ميمنعش إني لو بس وداني دي سمعت بواحدة فيهم أو أي حد جرحك بكلمه بس أنا هتصرف كعمرو التاني وأنتِ عارفه أنا لما أقلب عصبيتي بتعمل اي .

أنهى حديثه متوعدا لتومىء هى له موافقه ببسمتها الهادئه ثم تنهدت وشردت فى أمر قد شغلها قبل أن يقطع ذلك الصمت صوته وهو يقول حانقاً وهو يضع يداه الأثنين على خصره بعد أن فتح الباب دون إذنٍ منهم :

_ يا سلام يا أخويا أنتَ هنا قاعد بتحكى ولا على بالك الجحش إلى بيعمل كل حاجه لوحده لدرجة إنه كان هموت متكهرب .

كان الأخر ينظر إليه بدهشة من ما فعله وكيف فتح الباب دون إذن حتى مما دفعه يقول معنفا إياه :

_ وأنتَ يا بنى أدم مش فى حاجه اسمها إذن ولا أنتَ مفيش ذوق خالص عندك .

رفع الأخر حاجبيه مصدوماً من ردة فعله فقد ظن أنه سيهمه أمره ويسأل عن صحته بعد أن كان سيموت ، تبدلت ملامحه للامتعاض وهَمَّ ليتفوه معاتبا وكان قد أنزل كفيه من على خصره ولكن سبقته "أمنية" تسأل باهتمام رامقه إياه بنظرات قلقه :

_ تتكهرب! ده اذاى وامتى وفين ؟ طب أنتَ كويس طيب متأكد أنك متأذتش؟

التفت الأخر يرمقها ببسمته المحبه بعد أن تبدلت ملامحه واقترب يجلس بجوارها على الجهه الأخرى وقال مطمئننا إياها بعد أن حاوط كتفيها بذراعه :

_متقلقيش يا "أمنية" أنا بخير ، تسلمي وأنتِ مفيش حد فى طيبتك مش ذي ناس نسيت كل حاجه ومسكت فى الأدب والذوق ناس معندهاش إحساس .

قال حديثه حانقا وهو يرمقه بوجهٍ ممتعض ليبتسم الأخر بخفه ويقول متهكما :

_ ما أنتَ إلى قليل زوق وحركتك تغيظ بصراحه ، قول يا سيدي حصلك اى.

أنهى حديثه يسأله باهتمام ليرد الأخر بمرح بعد أن حرك كتفيه كحركه عفويه كعادته :

_ لو مهتم يا حبيبى اعرف بنفسك .

ضحك الجميع على خفته وحركته العفوية تلك وكذلك هو شاركهم مؤخراً حتى توقفوا وكان 《عمر》 قد تذكر ما جاء لأجله وأخبر به شقيقه ثم تحركا سويا لمبتغاهم بعد أن ودعوا الأخرى التي جلست شارده وقد شُغل عقلها بشىء ما .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

وقفت للحظات تنتظر هبوط المصعد بعد أن تركت والدتها و التي جلست برفقتها بعد أن تركتها 《سعاد》 متجهه إلى شقتها ، حيث جلست برفقتها تطمئن عليها وتحركت بعدها متجهه لشقتها وكان موعد تلك المناسبة قد أقترب وشارف الضيوف على المجيء ، وبعد أن مرت تلك اللحظات كان المصعد قد هبط وقبل أن تتحرك تقترب منه لتدلفه وجدته يخرج منه وقد لاحت بعدها ابتسامه صغيره على جانب ثغرها أعربت عن حنقها وقد تذكرت ذلك الأمر ما إن رمقته قبل أن تقول بجمود تعاتبه مما دفعه يقف ملتفتاً لها وكان قد نوى التحرك من أمامها :

_ برضه كده يا "أمجد" تخبي عننا خبر ذي ده ، ما يكونش مستخسر فرحتنا بيه .

وقف الأخر رامقا إياهاً بتعجب وقد عقد حاجبيه وقال متسائلا باستغراب :

_ خبر أى ده إلى خبيته عنكم يا "منى " ؟؟

ابتسمت الأخرى بسخريه وقالت مفسره حديثها الغامض :

_ خبر العريس إلى متقدم لبنتك من كم يوم كان هنا وعرفت منه إنه جاي ليها ، كده برضه أعرف من ناس غُرب يا "أمجد" !

أنهت حديثها تعاتبه ليسرع هو نافيا أفكارها ليمحو سوء الفهم ذلك :

_أكيد طبعا يا "منى" مقصدش أخبي عنك ولا عن حد قريب تاني ، وبعدين زي ما أنتِ عارفه الأمور دي فى بدايتها مش بتبقى ظاهره يعنى هتتم ولا لأ فانا مصرحتش بيها يعنى .

حركت رأسها فى تفهم ولازال بقلبها شىء نحوه دفعها تقول بجمود :

_ طيب يا "أمجد" ربنا يسعدك بيها ، عن أذنك .

ألقت حديثها باقتضاب وتحركت من أمامه وتتركه يفكر فى أمرها بريب وقد بدت نبرة صوتها أنها تَكِّن له شىء لم يعلمه ولكن مهلا هل لهما أن تكون قد تذكرت ماضيها ، لا ، لا أظن ذلك فهي تصالحت منذ زمن بعيد وقد نسيت كل شىء ، تنهد بعمق وشتت أفكاره تلك ثم تحرك نحو الرجال حيث جلوسهم فى الأسفل وهى تلك الغرفه الواسعه التى صُممت فى الطابق الأرضى وكان الشباب أيضا قد أجتمعوا معهم وقد انتهوا من تحضير كل ما يخص المناسبة .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

مرت الساعات على الجميع وكأنها دقائق حتى شارفت الساعة السادسة أن تدق وكان الجميع قد تجهز واجتمع كل فوجٍ فى مكانه المخصص فقد اجتمعت النساء مع بعضهم فى جزئهم الخاص كالعاده وأيضا أتت 《سهير》 فى النهايه رغم علمها بأن الأخرى لا تطيقها لا تعلم لما حتى أنها أجابتها باقتضاب وجمود حين هنئتها على تلك المناسبه ودعت لابنتها بالسلامة، ولكنها قد نوت أن تبارك ل 《نورا》 التى تعتبرها كابنتها دون أن تجعل تلك الأمور بينها وبين والدتها تؤثر على علاقتها بها ثم ترحل تجلس برفقة ابنتها والتي كعادتها لم تقبل على المشاركه فى التجمع معهم وخاصة أنها فى هذه الفتره تمر بصراع بسبب ذلك المقبله عليه وقد علمت منذ قليل ما حدث معها من قِبل والدها وحزنت عليها وقد كانت فى ذلك الوقت برفقة 《حنان》والبقية تساعد فى التحضير لتلك المناسبة ، وفى الجزء المخصص بالرجال أجتمعوا هم أيضا فى انتظار البقية وكان الشباب أيضاً معهم عدا هو الذى وقف بقميصه الأسود وكذلك بنطاله فى الخارج بالقرب من باب البناية وكان قد تركهم ليتسنى له الحديث معه بعد أن وصله رنة هاتفه برقمه وحينما وصله صوته مجيبا على المكالمة نطق بذلك الخبر وفى نبرته شىء من الإحباط :

_ بص يا "أدهم" أنا دورت كتير لحد ما وصلت لشىء بسيط للأسف يعنى ...

على الجهة الأخرى ظل هو يقود سيارته ببطء وهو يحدثه وما إن سمع نبرة صوته وحديثه توقف عن القيادة وقد خلا الطريق من السيارات قليلاً وقال عاقدا حاجبيه بعد أن أثارت نبرته وحديثه قلقه :

_ للأسف اى يا "عمرو"؟ كمل وقفت لى ؟

رد الأخر بنبرةٍ هادئةٍ يفسر مقصده وقد يأس لعدم قدرته على معرفة كل ما يهمه عن الأخر :

_ إلى أقصده أنه مقدرتش أعرف عنه حاجه يعنى غير من أبن عم بابا إلى مراته تبقى أخت أم "سمير" وكالعادة شكر فيه ومفدنيش بحاجه لأنه ميعرهفوش شخصياً ويادوب بيشوفه فى المناسبات وده لأنه هو وعيلته مسافرين طول فترة حياتهم إن لم يكن القليل يعنى بيقضوا أجازتهم هنا ، وبصراحه يأست وتحس كده الواد ده أنه غامض .

زفر《 أدهم 》بقوةٍ وكان قد يأس أيضاً من حيرته فى ذلك الأمر فمنذ أيام يحاول معرفة كل شىء عنه حتى يطمئن ولو قليل على الأخرى حتى وإن لم تكن من نصيبه فخوفه عليها كأبنةِ عمته وأحد أفراد عائلته جعله يفعل ذلك ، وصله صمته الذى ساد للحظات مما دفعه يقول بريب وقد ظن أنه قد أنهى المكالمة :

_ "أدهم" أنتَ معايا ؟

تنهد هو بعمق ليصل للأخر ذلك فيتلاشى ريبه ، ثم تفوه وهو شارداً فى الفراغ أمامه يجيبه بهدوء رغم عاصفة قلقه لا يعلم لما :

_ معاك يا "عمرو" ، المهم روح أنتَ دلوقتي سلام ولما أرجع نبقى نتصرف .

أجابه الأخر بنعم وبداخله حزن لأجله وهو يعلم أنه يفعل ذلك رغم ألمه وحرقته على خيبته ،وقبل أن يغلق معه أسرع يسأله باهتمام وكان قد تذكر أمره :

_ طب أنتَ هتعمل اى؟ وهتروح فين في الوقت ده؟

قبل أن يجيبه وصلته مكالمة أخرى مما دفعه يرد فى فتور يودعه ولا زال عقله مشغول بتلك المعضلة :

_مش عارف يا "عمرو" مش عارف! سلام دلوقتى علشان حد تبع الشغل بيرن .

أنهى حديثه يودعه ثم أغلق معه بعد أن ودعه هو الأخر وظل شاردا فى نفس الأمر بقلق لا يدرى ما سببه ، ظل لدقائق هكذا شاردا حتى قطع ذلك رؤيته لتلك السيارة الفخمه التى أصطُفت بأحد جوانب ذلك الشارع وخرج منها ذلك الشاب الذى ارتدى بدلته الرماديه التى تناسبت مع لون بشرته البيضاء و التى تفرس فى ملامحها هو رامقاً من بعيد حتى أدرك أنه "سمير" والذى أقترب منه وخلفه والديه ولا يعلم لما يشعر بعدم القبول نحوه ذلك الشاب الغامض رغم أنه لم تجمعه أى مواقف معه ، حاول هو رسم ضحكته المقتضبه ما إن وقف أمامه يرحب به وقد تصافح مع الجميع مرحباً بهم عدا والدته التي اكتفى بترحيبه بها بكلماته اللطيفة وبسمته المقتضبه ثم تحرك معهم للداخل حيث اجتماع البقية.

دلف الجميع لهم وقاموا بتبادل التحية والترحيب بين بعضهم وانتشرت البسمة هنا وهناك على وجوه الجميع ترحيباً بهم ثم جلس كل واحدٍ فى مكانه المخصص لدقائق حتى ، جاءت هى فى خجل ظهر على وجنتيها البيضاء التي صُبغت بحُمرة الخجل حين دلفت لهم ووجدته جالساً بينهم ينتظر قدومها ، وما إن دلفت إلا ورحب بها أهل الخاطب والده ووالدته التى خرجت مع 《منى》والبقيه ليشهدا مناسك تلك المناسبة ، ثم تحركت تجلس بجواره على مقعدٍ أبيض مجاور لمقعده زُين من خلفهم بيدوكرٍ بسيط كمثلِ الذى يُصنع لمثل هذه مناسبات فقد أحاط بهما من الخلف قطعة حديدية شُكلت على هيئة مربع طُلي باللون الذهبي وتزينَت كلا حافتيه العلويتين بالورود البيضاء والبنفسجية معاً فى شكل مبهج للعيون ولُفت أضلعه العمودية بشريط أضاءه بأنوار خافته ، وبعد لحظات بدأت مراسم تلك الخطبه فقد أخرج هو ذلك المحبس ذهبى اللون الذى لمعت رأسه بألماسه ساطعه أبهجت العيون ثم شارف على مسك يديها ولكن منعه《 مصطفى》 بحزم فى قوله :

_ لا يا "سمير" دي خطوبه يعنى لسه لا تحل لك ، فميصحش يبقى فى تلامس .

أومأ له بنعم بعد أن رسم بسمته المزيفة يظهر قبوله الأمر عنوة وقد منعه الأخر من فعل شىء هو يبغاه وعادي بالنسبة له وكان قد ترك ضيق فى صدره لذا فعزم على إخفاء ذلك وناوله المحبس ليعطيه هو لها حتى تدخله فى سبابتها وترمقه بابتسامة هادئة رغم شعورها الغريب الذى إجتاح صدرها بعد ما فعلته لكنها تجاهلته ، وفعل هو مثلها وانطلقت بعد ذلك المباركات للجميع وهم كذلك بين بعضهم حين رمقها هو بعينين منتصرتين وقال ببسمة غامضة:

_مبروك لينا يا "نورا ".

أجابته الأخرى بابتسامة خجوله تبارك له أيضا ثم سارعت فى الالتفات لمن حولها هاربه من نظراته الثاقبة ليبتسم هو بخبث من خجلها ويقطع ذلك مباركة الجميع له ليلتفت لهم ويبادلهم التهنئة ، وفى خِلسة من كل ذلك وقف هو من بعيد فى مكان قد لا يلاحظه أحد بعد أن تحركوا هم يشاهدوا تلك المناسك المعتاده ، وقف والألم يعصر قلبه على ما خسره واليوم تأكد من ضياعها بعد رؤية تلك الأبتسامه على ثغرها وهى تحدثه وكأنها ألفته ذلك الغريب وكيف تألفه بهذه السرعة وهو القريب كل هذه السنين ألا لها أن ترى أهتمامه بها فتدرك لما يفعل ذلك ، أم أنها لم تهتم لذلك قطعا بل ورفضته لأجل سبب هو تافه فاهٍ لو كان حقا ، ضغط على قبضة يداه وهو يرى الأخر يحدثها عنوه وهى تجيب مبتسمة وبداخله يود لو يهجم على تلك الفريسه التى أثارت غضبه الآن، رمقه 《عمر》من بعيد وهو يقف بجوار بقية الشباب مما دفعه يقول مسرعا وهو يهمس بينهم بقلق :

_ جدعان حد يروح يلحق "أدهم"، هيبلع الكل دلوقتى .

عقد الجميع ما بين حاجبيهم وقد تعجبوا من حديثه عن الأخر ف《أدهم》 فى الخارج الآن كيف له أن يكون هنا ، بينما الأخر زفر بيأس بسبب نظراتهم تلك وأشار خلفهم بعينيه ليلتفت الجميع خلفه ويروا ذلك الذى وقف يرمقهم بعينان نطقتا بالخزي والألم معاً وقد أحمرت لغضبه وشعروا بنارِ غيرته قد اشتعلت ، لذا فأسرع الجميع نحوه يلتفوا حوله وكأن أول من نطق يسأله بتعجب مشتتاً فكره فى تلك اللحظه هو 《عمرو》الذى وقف أمامه :

_"أدهم" ! أنتَ جيت ، ده أمتى ؟

حقاً لما جئت أوليس كان من المفترض أن أكون بعيدا حتى لا يخترق الألم قلبي ؟ أشعرت بالراحة الآن بعد أن أتبعت عقلق وكأنه عزم على إلام قلبي وهو يراها تذهب لغيره؟ يا ليتني ما كنت اتبعته وأتيت فما كان على الأقل ذلك الألم ليخترق قلبي الآن ، وقف شارداً بهم وهم يتحدثان بأُلفه وكأن روح أحدهم ألفتها الأخرى وصارت تعرفها منذ بعيد ومع كل ابتسامة منها لغيره هناك جزء بداخله يتنطفىء ، لاحظ الجميع شروده بهم وتعجبوا من هدوء ما قبل العاصفة ذلك مما دفع 《عمرو》يطلب منه التحرك معه بحُجةِ أنه يحتاجه فى أمر ما ورغم أن الأخر لم يُرد ذلك وأصر على انه بخير وسيكمل مشاركته فى تلك المناسبة إلا أن الجميع أصروا على التحرك معهم وقد علموا أنه فقط يدس فى ثناياه الكثير ويكذب ، وحين يأس من إصرارهم تحرك معهم بعد أن زفر بقوة ونطق يسألهم فى يأس ما إن خرج معهم يقفوا فى البهو خارج الشقه :

_ اتفضلوا قولوا عاوزين أى؟ أديني خرجت أهو انجزوا .

تعجب الجميع حوله من ردة فعله الغير مباليه ورمقوه جميعا بتعجب مما دفعه يزفر بضيق قبل أن يقول :

_هتبصولي كده كتير هرجع ، خلصوا انطقوا مالكم مبرقين كده لى ؟

ظلوا يرمقوه بتعجب قد زاد وهو الغريب فهذا ليس 《أدهم》 الذى يعرفونه وكان أول من تفوه هو 《وسام》 الذى قال بهدوء يسأله باهتمام :

_ "أدهم" أنتَ متأكد أنك كويس؟ ، وبعدين أنتَ قولت إنك مش جاي !

تنهد الأخر بعمق وقد علم نظراتهم القلقه تلك وأنها بسبب شكهم فى أمر حزنه لذا نطق يطمئنهم وكان قد نوى نسيان ذلك الأمر من البداية ولكنها جاء لأمر أخر وهو :

_ متقلقوش أنا بخير ، فين بس "زوزو" علشان أنا كنت جاي ليها و.....

لم يكمل حديثه بعد أن تذكر ما قطعه وهو ذلك المشهد الذى حرق قلبه وهى مع غيره ليفهم الجميع سبب صمته وكان أول من تحدث هو 《عمرو》 بقوله مقترحا :

_ "زوزو" معاهم جوه وتقريبا مش هتعرف تشوفها ، تعالى بس أقعد معايا أنا و《وسام》 فوق السطح تكون الدوشه دي خفت وابقى أقعد معاها براحتك .

زفر الأخر بيأس بعد أن تمنى لو يجلس معها فى وقت هو يحتاجها فيه وهي الحنونه الرابته على آلامه منذ صغره ولكن حديثه مقنع ولم يستطع لذا فأذعن لمطلبه بايماءة بطيئه يوافقه القرار وتحرك معه بعد أن طلب الأخر من 《عمر》 البقاء معهم لربما يحتاجه البعض فى أى أمر فوافقه هو ونظر فى أثره بحزنٍ عليه وللحظه تذكر أمرٌ نوى فعله مما جعله يتوعد للأخر بعد بسمة خبث وتحرك للداخل بعدها .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

جلست على أريكة بغرفة المعيشه وهى تشاهد أحد الفديوهات التابعة لإحدى الدورات الدينيه وكانت قد شارفت على إنهائه وستعود للبقاء بمفردها لا تفعل شىء وقد ذهب الجميع لمشاغله فوالدتها ذهبت كعادتها لوالدة 《صفوان》تطمئن عليها وتقضي بعض من الوقت معها وهي الوحيدة وقد تركها الأقربون من حولها ، وكانت والدتها تتناوب الأيام بينها وبين والدة《 يحيى》وعادة ما يرافقا بعضهما فى الذهاب إليها ، بينما 《بلال》لازال فى مكتبته المتوسطة ولم يَعد إلى الآن ، وبعد لحظات قد أنهت ما تفعله وأغلقت هاتفها وشردت فى هدوء بعد تنهيدة عميقة تفكر فى أمر هى مقبلة عليه ، وما قطع لحظات الصمت تلك هو صوت أحد من الخارج قام بغلق الباب مما جعلها ترتجف فى مكانها منتفضة وقد سرت قشعريرة خوف لديها فمن ذلك الذى جاء الآن وجميهم لم يأتي موعد قدومهم ، شردت فى قلق تنتظر ما سيحدث حتى أبصرته يدلف إليها ملقيا السلام عليها لتبتسم بارتياح وتطمئن قبل أن ترد السلام عليه وتقول بعدها بتعجب :

_ أنتَ ! خضيتني والله قولت مين جه في الوقت ده ، بس غريبة ده مش معادك؟

أنهت حديثها تسأله بتعجب ليجيبها بهدوء هو بعد أن اقترب وجلس بجوارها وأراح ظهره للخلف يسنده :

_ لا هو معادي المعتاد بس أنا إلى بتأخر لما بكون مع" يحيى"وهو المره دي مشغول مجاش وقولت أروح وأنتِ لوحدك أهو أونسك .

أومأت له فى تفهم بابتسامتها البسيطة التي بادلها هو مثلها قبل أن يقول متسائلا بلطف :

_ والجميلة كانت بتعمل أى لوحدها؟ وأى أخبار يومها ؟

تنهدت بعمق قبل أن تقول مفصحه بملل عن روتينها المعتاد :

_مفيش حاجه جديده ذي عادتة أيام غيره ، صلاة تجهيز أكل ترويق البيت قرائة كتاب ولو كنت مشتركة فى دورات دينيه بخلصها .

رد الأخر بهدوء يمازحها بفاكهته البسيطة بعد أن ابتسم على مللها من ذلك الروتين الذى تمنى لو يناله :

_ كل دي حسنات بتاخديها يا محظوظه وبتقوليها بملل ، ده أنا مش ملاحق أنال قدك فى الأجر .

ابتسمت له بخفه على حديثه ثم قالت مفسره سبب مللها بقولها :

_لا مش القصد يا "بلال" ، كل الفكره أنه برضه الدراسة بتضيف روتين جديد على حياتي بس للأسف أنا اتخرجت .

رد الأخر متعجبا بقوله :

_ سبحان الله أول مره أشوف حد عاوز شقاء على نفسه كده ، وبعدين أصبري أهو الدراسة قربت وهتتسحلى فى الجامعه .

أنهى حديثه ممازحا لتبتسم له بخفة وقد تذكرت تلك الوظيفه التي رزقها الله بها وهى معيدة فى كلية الصيدلة وقد حازت تفوقا كبيرا في دراستها طوال سنوات دراستها والآن هي مستعدة بلهفة فى خوض رحلة جديدة في حياتها ، لاحظ هو شرودها فقال متسائلاً باهتمام بعد أن تذكر أمرها :

_ صحيح نسيت أسألك ، أنتِ أكلتي ولا زي عادتك؟

سألها بريب وهو يعلم عادتها تلك لذا فردت هى بعد زفرة يائسة من نظراته التي كشفت أمرها وقالت تطمئنه:

_صدقني والله لما بجوع باكل فى العادي ، بس دلوقتى أنا مستنياكم وانا مش بحب آكل لوحدي .

حرك رأسه يائساً وقال بغلب بعد تنهيده عميقه وهو يمسك بكفها يحثها على التحرك معه :

_أعمل أى فيك يا "آية" وأنتِ مغلباني ، تعالي يا أختي معايا تعالي أنا هاكل معاكي ربنا يهديكي ، قال مش بتحب تأكل لوحدها المهملة .

تحركت هي معه وسارت خلفه تكتم ضحكاتها على حنقه حتى وصلا المطبخ معاً وبدأ فى تسخين الطعام وهو معها وكان قد أخرج من الثلاجه ثمرة فاكهه ناولها إياها وأصر أن تأكلها حتى ينتهوا من تجهيز الطعام لذا فتناولتها باذعانٍ وشاركته تناولها بعد أن مدت كفها له بقطعة منها بعد أن قطعتها بتلك الأله الحادة الخاصة لفعل ذلك وقد علمت أنه أيضا لا يهتم بنفسه كثيراً فلطفت عليه بفعلتها تلك ليبتسم هو بحنان لها وظلا يتناولان حتى أنهم أعجبتهم فقررا جلب المزيد وجلسا إلى تلك الطاولة التي توسطت مساحة ذلك المطبخ وظلا يتناولان معا إلى أن وصلت والدتهم ودلفت إليهم مبتسمه حين رمقتهم يتشاركون الضحك والأحاديث معا ثم شاركتهم ذلك حتى أنتهى الطعام من تسخينه والتفوا جميعا حول الطاوله يتناولون طعامهم البسيط فى جو أسري بسيط تألفه كل القلوب .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كان الجميع قد تفرقوا وبقيت النساء يتسامرون الأحاديث معا بمكانهم المخصص وكذلك الرجال ، وبقي هو وهى معه على مقربة منهم يتحدثان مع بعضهم فى أمور شتى ليتعرفان على بعضهم أكثر ولم يلاحظا ذلك الذى رمقهم بنظرات ثاقبه يتتبع حركات وردود أفعال الأخر لكنه لم يتوصل لشىء وحين يأس جالت بعقله فكرة مما دفعه يبتسم بخبث قبل أن يقترب منهم ويجلس فى المنتصف بينهم بغتتة قاطعاً عليهم لحظاتٍ كهذه مما أثار حنق الأخر واستغرابه من تلك الحركة العفوية بينما 《عمر》لم يهتم لنظراتهم المتعجبة وقال ببرودٍ :

_ اي يا سمورتي مش عاجبك ، لو مش عاجبك عادي ممكن تقوم الأماكن كتير والدنيا براح .

قالها ببرود وهو يرمق الأخر الذى ابتسم باقتضاب من ذلك الشاب الذي يعرفه جيدا منذ أن جمعتهم مناسبة عُرس كانت قريبه بينما 《نورا》 تفوهت بحزم مع الأخر بعد حديثه الغير لائق ذاك :

_عمر !

التفت لها هو بعد أن كان يرمق الأخر بشزرٍ فهو لا يطيقه منذ أن جمعتهم تلك المناسبة والتي اشتبكا معاً بها و《أدهم》 أيضاً ، ثم تفوه ببرود وبسمة مقتضبة :

_ عيون عمر !

ظل يرمقا بعضهم بنظرات فطنها هو وقد علم أنها تعترض أفعاله الآن ، قطع تلك النظرات صوت الأخر وهو يقول متصنعاً الهدوء وبداخله غضب من ذلك الشاب الصبياني :

_ معلش يا "نورا" سيبينا مع بعض ، وروحي أنتِ عند البقيه .

أومأت لها بهدوء مبتسمه وسط نظرات حنق من 《عمر》 الذى نطق حانقا وهو يرفع أحد حاجبيه قبل أن تتحرك هى :

_ نعم يا أخويا ! أنتَ كمان بتؤمرها وقدامى وأنتَ أصلا يادوب خطيبها ، اقعدي مكانك يا "نورا" متتحركيش.

أنهى حديثه آمراً فبقيت هى مكانها لم تتحرك وقد شعرت بأنها إن تركتهم ستشتعل نيران لم نستطع إطفاؤها بعد ، بينما الأخر ظل يحرك قدميه كحركة أعربت عن حنقه الشديد منه وقد تمادى فى الحديث معه، وحين لاحظ 《عمر》 ذلك أوقفه بحزم وقد ضايقته تلك الحركه :

_ بطل حركتك دي خليني أعرف أتكلم .

زفر الأخر بقوةٍ يخرج بذلك ثقل غضبه من الآن ثم توقف عن تلك الحركه مما دفع الأخر يقول ببرود بعد أن تنهد بعمق واتكأ بظهره للخلف:

_ قولى بقى يا سمورتي ، تسمحلى طبعا أدلعك براحتى .

لم يجبه الأخر وظل يرمقه بنظراتٍ غير راضيه عن ذلك الحديث ليكمل الأخر بمرح بعد ابتسامه مقتضبه :

_ مش مهم أنا كده كده هدلعك ، قولي يا سمورتي عاوز اي وانجز؟

أنهى حديثه يسأله باقتضاب مما دفع البقيه يعقدا ما بين حاجبيهم بتعجب واستغراب ليفهم الأخر أنه لم يفطن حديثه فقال مفسرا مقصده بعد زفرة يائسه :

_ يعني يا حلو لى خطبتها ؟

ضحكه ساخره خرجت منه قبل أن يقول متهكما :

_ سبحان الله يمكن علشان عاوز أتجوزها مثلاً

امتعض وجه 《عمر 》من خفته وقال بسخريه :

_ لا يا واد فالح ما أنا عارف ده مش غبي .

رد الأخر متهكما بحديث غامض بعد أن رسم ابتسامة ساخره على ثغره واختفت بسرعة :

_ فعلا ما هو واضح.

رفع حاجبه وقد فطن تلميحه مما دفعه يقول منفعلا :

_ رد على قد الكلام يا حلو ومتخرجش عنه ، وانجز قول خطبتها لى وقبل ما تعيد خفة دمك أنا عاوز أطمن عليها وأعرف إلى جاى ياخدها هو مين ولى أختارها هى.

حرك الأخر رأسه فى تفهم وقد أدرك مقصده مما دفعه يقول مفسرا :

_اه طب ما تقول كده من البدايه ، اطمن علشان أنا عاوزها بجد وعجبتنى من أول مره أشوفها وبصراحه كده ..بحبها.

أنهى حديثه مفصحاً عن مشاعره لأول مرة وهو يرمقها بنظرات ثاقبة وكانت قد أحمر وجهها خجلا وأنزلت رأسها أرضا بينما الأخر اندفع بجسده للأمام تزامناً مع قوله منفعلا بحنق بعد ذلك الحديث :

_ حبك برص يا بعيد وكمان بتقولها قصادي .

رفع 《سمير》 أحد حاجبيه وكان قد بلغ الغضب منه كثيرا وجاهد ألا يخرجه أمامها الآن بينما هى لاحظت توتر الأمور مما دفعها تمسكه من ذراعه تحثه على أن يعي لما نطق به ليتجاهلها هو ولكن قبل أن يكمل أقترب منهم 《مصطفى》 الذى بارك له مجددا ما إن رآه ليجيبه هو ببسمة مزيفه ويشاركهم الأخر الجلوس وقد رأى من بعيد أنفعالات أبنه مما دفعه يتحرك إليهم وهو يعلم أنه لا يطيقه وكذلك الأخر ، بينما 《عمر 》كان قد هدأ قليلا وظل يرمقه بنظرات ثاقبه يتشف ولو مره الصدق فى حديثه وهو يحاور والده فى تلك اللحظة لكنه فشل .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

أتيتك يا بارئي وأنتَ وحدك مؤنسي في وحدةٍ كانت عليا فريضة ، فآمن قلبي وقد أنهكته المخاوف وكن لي وكيلا في أمرا كان عليا عسيرا .

بقيت على سجادة صلاتها بعد أن جاهدت نفسها وقد أثقلتها آلامها لتصلي هاتين الركعتين ، ركعتين أذاحتا هموما فى ثنايا قلبها دفينة وأراحتا نفساً كانت للألآم أسيرة وظلت بعدهما تطلب راجية بقلب ألمته الجروح ونفس أرهقتها المخاوف حتى صارت تردد مرسله دعواتها بصوت داخلها هو فقط من يسمعها ، يارب عبدتك الضعيفة أنهكتها الحياة وأنتَ وحدك من تدري ما آلات إليه نفسي وتعانيه فى الخفى ، أنتَ وحدك تعلم نفسي وما نالته من نفوس الورى حتى أضحت عليلة وأُرهقت من مرضٍ لها قد اعترى ، وصارت مخاوفها عائقاً فى حياتها ولم تدرى كيف تواجهها وهى الضعيفة وأنتَ وحدك تدري ، فيارب أعني وأختر لي ولا تخيرني وأنتَ وحدك العليم بما هو خير لي ، يارب قد ألمتني نفسي كثيرا وصرت للحياة لا أطيق فاشفني ومن سواك يشفي السقيم المتعب وأزح عِلةٌ كانت على نفسي شديدة وأنتَ الواسع ، وارزقني عوضا وسعادة وأنا التي منذ بعيد لهما لم ترى ، دموع تسيل فى صمت وهي تجلس على سجادة الصلاة متكأه بظهرها للخلف على حائط غرفتها مسنده برأسها عليها أيضا وظلت ترمق النافذة أمامها من بعيد والسماء صافية لمعت نجومها وكانت تسللت إليها راحة أثلجت قلبها الموجوع وهدأت مخاوفها قليلا وظلت هكذا كثيرا تسبح فما لذكر الله له إلا ليطمئن القلوب الخائفه ، وأثناء ذلك عادت لشرودها تفكر في الأمر تلك المره براحة لا تعلم لما وكيف وكلما تذكرت ذلك الفتى داهمتها أفكارها السلبية فتخاف وتقلق ولكن تلك المرة غير فالآن هى تفكر به دون مخاوف بالغة على الأقل ، وللحظة شعرت بصدق حديث شقيقها لما لا تحاول وتتحدى أفكارها أكانت هى صحيحة أم لا لما لا تتوكل على الخالق تاركه مخاوفها هو يؤمنها ، لما ؟ وأيضا أنتِ تعلمين جيدا أن ليست كل البشر سواسيه والله خلقنا مختلفي الطباع والنفوس فمن المؤكد أنه يختلف هو عن غيره ولربما يكن طيب القلب يخشى جرح غيره حتى بكلمه ولكن مهلاً كل هذا صحيح منطقي ولكن ماذا إن لم يكن صحيح وكان ذلك الشاب كغيره فيحكم عليها بالسلب ويرفضها وهى المنبوذه دائما ؟! زفرة قويه خرجت منها بعد أن داهمتها أفكارها السلبية مجددا وصارت الدموع تجري على وجنتيها من جديد وهي اليائسة من أمرها ذلك ، شهقة قوية خرجت من بين بكائها وقالت مردده وقد زادت الأمور عُسرا :

_ يا رب !

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كان جالساً فى غرفته على أريكةٍ وُضعت بالقرب من مكتبه الذى أستقر عليه حاسوبه 《لاب توب》وكان قد منذ قليل قد أنهى عمله الذى ثقل هذه الفتره وانشغل كثيرا مما دفعه يتأخر فى فى عودته حتى أنه لم يذهب اليوم إليه وقد أخبره ذلك ، ومنذ أن عاد وتناول طعامه برفقة أفراد عائلته التي تفرقت بعد ذلك فقد توجه كلا منهم لمبتغاه ؛ حيث ذهب والده إلى أحد أصدقائه المقربون والذى عادة ما يخرج برفقته نظراً لانشغاله وكذلك بعد المسافات بينهم ولكن فقط تجمعهم المدرسة التى يعملوا بها معا ، بينما 《حور》أنشغلت بهواياتها تمارسها فى غرفتها مستغله ذلك الفراغ وظلت والدته بمفردها و التي كانت تشاهد أحد البرامج التلفزيونيه وهى تجلس بمفردها بغرفة المعيشه وحين ملت بمفردها تحركت إليه حتى دلفت الغرفه بعد إذنٍ منه واقتربت منه مبتسمه تجلس برفقته على تلك الأريكة ووجدته شارداً لا يفعل شىء فسألته باهتمام :

_اى يا "يحيى" إلى شاغلك كده مخليك قاعد لوحدك ؟

تنهد هو بعمق قبل أن يجيبها بهدوء يطمئنها :

_أبدا مفيش أنا بس يادوب مخلص إلى ورايا وبرتاح ، بس قوليلى كنتِ عاوزه حاجه يعنى علشان كده جيتي ؟

أنهى حديثه يسألها باهتمام فحركت هى رأسها نفياً والابتسامة الراضية زينت ثغرها ثم قالت نافية:

_ لا يا حبيبى مش عاوزة حاجه ، جيت بس أقعد معاك شويه بعد ما زهقت من التلفزيون وقعدتي لوحدي .

رد الأخر مسرعا يحثها على الحديث بعد أن تحرك يجلس القرفصاء على الأريكة بجوارها ليتسنى له الحديث على راحته طويلاً :

_ براحتك يا ست الكل أنا فاضي وأفضالك كمان ، قوليلي زهقانه لى أوعي يكون "إمام" مزعلك؟

أنهى حديثه يسألها بمرح مما دفعها تضحك بخفه وتقول بلطف بعد تنهيدة عميقة :

_أهو ده بالذات ميقدرش يعملها ده حتى فى زعله ميقدرش يقسى على حد .

تذكر الأخر مواقفه معه وكيف كان فى كل موقف قدوة بالنسبة له فتنهد بعمق وقال بهدوء مؤيداً وهو مشخصاً ببصره للأمام حيث مكتبه :

_ فعلاً بابا دايما كده وده الحلو إلى فيه ، تعرفي إني مندمتش فى يوم أخدته قدوه حتى بقيت نفسى أكون أسرة هاديه زيه ، بس لسه مش عارف هقدر ولا لأ .

أنهى حديثه وهو يفكر فى ذلك الأمر لتلاحظ هى ذلك وتختفي أثر بسمتها بعد أن رُسمت فى بداية حديثه وقال تسأله بتعجب :

_ مش عارف ؟ تقصد اى يا يحيى ؟

رد الأخر مفسراً بهدوء بعد تنهيدة بطيئه وقد شغله أمرها وهل ستكون من نصيبه بعد أن ارتاح لها وأُعجب بها :

_ أقصد مش عارف هى هتوافق ولا لأ والأمور لسه ما ظهرتش يعنى وهى من نصيبي ولا لأ وده شاغلني يعنى .

رسمت الأخرى بسمتها البشوشه وقالت تطمئنه داعية بعد أن ربتت على كتفه بحنو :

_ إن شاء الله يا حبيبى ربنا هيفرحك قريب .

ابتسم لها بهدوء بعد أن آمن ورائها على حديثها بينما هى نظرت فى أثر بسمته وملامحه المرتاحه عند ذكرها فسألته بفضولٍ :

_ يحيى أنت حبيتها بالسرعه دي ؟

رد الأخر مفصحاً عما بجبعته نحوها بهدوء :

_ (والله ما أعرف يا ست الكل ده حب ولا أى، كل إلى أعرفه أنه صدري منشرح ناحيتها و حاسس كمان بقبول كبير وبصراحه هى فعلا أى حد يتمنى زوجة صالحة هيحس بقبول كده بعد ماشافها وشاف حياؤها وصفاتها الحميدة. )

حركت رأسها بتفهم وقد شعرت بأن الأخر يزداد أعجابه بها فقالت بهدوء توافقه الحديث مفصحه هى الأخرى عن ما بجبعتها نحوها حين رأتها لأول مرة :

_ معاك حق حتى أنا يا "يحيى" حبيتها وروحي اتشدت ليها وألفتها بسرعه ، تحس كده ربنا بيحبها وواضع قبول لأهل الأرض ناحيتها ، ربنا يا ابنى يفرحك ويكرمك بيها لو كانت فعلا هى الخير ليك وهو وحده عارف فين الخير .

آمن الأخر ورائها بقلبه الذى بدأت دقاته فى النبض بشىء كلما جاءت سيرتها على الألسن ، ثم شرد بها حتى قطعته صوت تلك القطة وهى تصيح من الخارج وكأنها تنادي ليفتح هو لها الباب فابتسم هو على ذلك وهو يرمق والدته التى ابتسمت هى أيضاً وقال بمرح وهو يتحرك ليفتح لها الباب :

_ دى بقى لطيفه لما تلف لفتها وترجعلي، بتدلع عليا بنت الأنانيه .

ضحت هى بخفة على حديثه المرح وبعد لحظات جاء حاملاً إياها على ذراعه وبكفه الأخر يمسد على ظهرها بحنو وكان قد علم أنها جائعة فجلب لها طعامها المخصص الذى وضع بأحد الأدراج خاصته والذي خصصه لطعامها ثم جلس على الأرض القرفصاء بالقرب الأريكة خلفه وظل يمسح على ظهرها بحنو وهى تتناول طعامها وظلت والدته ترمقه بابتسامة لطف على لطفه المعتاد ذلك وكأنها ترى نسخة أخرى من زوجها ولكن يختلف فالأخر مرح للغاية على عكس أبنها لا يمزح كثيراً .

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كان هو قد تركهم وذهب كل واحدٍ لشقته بعد أن حاولا إخراج الأخر من حالته ولكنهم فشلوا وتركوه يذهب لجدته وكان الجميع قد رحل بعد إنتهاء تلك المناسبه وتوجه هو لشقته ليجدها فارغة وكانت والدته قد غفت قليلاً نظراً لتعبها طوال حتى أنها نسيت أمر ابنتها وكان من المفترض أن تدثها فى أمرها لكنها بمجرد ملامستها الفراش غفت ، وبعد أن علم هو بنوم الأخرى وكذلك كان والده قد عاد وغفى أيضا توجه إليها ليطمئن عليها بعد أن تركها منذ ساعات وهى في حالتها الحزينه ليتفاجىء بها قد غفت على سجادة الصلاة بعد أن دلف غرفتها وكانت لم تستجيب لطرقاته المتتالية على بابِ غرفتها ، فتحرك يوقظها برفق ولكنها يبدو أنها غاصت فى ثبات عميق وقد أتعبتها أفكارها فغفت كرحمة أُنزلت عليها ، لذا فحملها بين يديه بسهولةٍ لخِفتة وزنها ووضعها على فراشها داثراً إياها بالغطاء ثم تحرك بعد تنهيدة عميقة وهو يرمقها بقلب ملكوم على حالها وقد بدى عليها سوء الغذاء وهى التي لا تهتم بنفسها ثم خرج متوجها لغرفته، وبعد دقائق كان قد أغتسل وقام ليله كعادته ثم تسطح على الفراش وظل شارداً فى أمر شقيقته ومن غيرها تشغله هذه الفتره هى وحالتها النفسية تلك وعلى ذكر ذلك تذكر هو ذلك الموعد وكان أقبل على أن يهاتفها بعد أن ينتهى ذلك اليوم الطويل ليعلم منها تفاصيل تلك الخطة التي أقبل عليها لذا فسارع فى طلب رقمها بعد أن التقط هاتفه من على الطاوله بجواره لتجيبه ترد السلام عليه قبل أن يكمل هو بحديثه ذلك وكان قد ارتاح بعد أن وجد مبتغاه :

_ كويس لقيتك صاحيه يا خالتو كنت خايف ملحقش أكلمك واليوم نساني اتصالي بيكِ .

أجابت الأخري بهدوء تطمئنه قبل أن تسأله باهتمام عن حال الأخرى :

_ لا يا "وسام" متقلقش أنا معاد نومي لسه مجاش ، المهم طمني عن حياة عامله اى دلوقتي ؟

تنهد هو بأسى على ذكرها وقال بنبرة حزينه :

_ مش أحسن حاجه للأسف ، كان أسبوع متعب بالنسبة ليها بصراحه وندمت إني وافقت على حاجه ذى دي .

أنهى حديثه يلوم نفسه وقد تذكر ما فعله حين أصر على تركها دون علاج تواجه مخاوفها ظناً منه أنه بذلك بديلاً عن أن يفصح لوالده عن ما ستقبل عليه ولكن كيف وهو من رفض بحزم فى البداية فلا أظن أنه سيقبل تلك المرة وهو العنيد فى ذلك الأمر ، ردت الأخرى بنبرة عملية تفسر له بعد تنهيدة بطيئه حائرة فى أمر ذلك الفتى :

_ طبيعي يا "وسام" شخص زيها دماغه عباره عن كتل أفكار سلبية ترسخت من زمان هتكون دي النتيجة ، وأنا أظن حذرتك قبلها هى مش هتقدر تعمل حاجه ذي دي وخاصة حتى ما عالجتش سلوكها ومخاوفها .

رد الأخر بغلب وقد علم صعوبة الطريق الذى سار فيه :

_ عارف يا خالتو عارف ، وكمان فاكر إنك قولتى فى حاله واحده بس تقدر وهى العلاج .

أنهى حديثه يذكرها بتلك المرة عندما أخبرها بما حدث سيعطل قليلاً مصير علاجها وكانت قد صرحت له بتلك المعلومة التى على إثرها نفذ خطته ، لذا فردت هى توضح له وجهة نظرها بقولها الهادىء:

_ أيوة يا "وسام" بس ده مش معناه أنك تخاطر ، أنا قولت أه انه العلاج هيساعدها تتخطى مشاكل ذي دي بس لو كانت من البدايه أصلا ، يعنى هى بتواجه مخاوف مش عارفه حتى اى سببها ولا عارفه تتخطاها وكان يفضل أنها تبدأ علاجها السلوكى وبعدها تُقبل على حاجه ذي دي .

زفرة تعبٍ من ذلك الأمر الذى أنهكه فى تفكيره كثيراً وقال فى يأس يوضح عوائقه التى دفعته لفعل ذلك :

_ ده كان غصب عنى وهى كانت هتتعالج قبل ده كله بس الظروف كده وأنتِ عارفه العوائق فمكنش قدامي غير الحل ده ، بس خلاص الاسبوع عدى على خير وأهو نبدأ من جديد قوليلى إن شاء الله هتبدأ جلسات أمتى ؟

أنهى حديثه يفكر بتفاؤلٍ مما دفعها تقول موافقه تخبره بعد تنهيدة عميقه :

_ حاضر يا "وسام" ، مواعيد الجلسات هتكون يوم فى الاسبوع وهو السبت بإذن الله .

وافقها ثم ودعها و أغلق معها وشرد بذلك الأمر وما خطط له فهل سينجح ويرضى الأخر بها رغم عِلتها ؟

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

عم الهدوء فى المكان وانتهت تلك المناسبة وذهب كل واحدٍ لمبتغاه ليسرع هو إليها ما إن علم ذلك وهو المغلوبِ على أمره ومن غيرها تربت على ألامه بلطف فتسكنها وهى الوحيدة التى يقدر على الإفصاح معها بكل شىء بعد بارئه ، تسطح على تلك الأريكة وأسند برأسه على فخذها وظلت هى تمسد على خصلاتِ شعره الكثيفة تلك وهو لا زال يفصح ويفصح حتى مرت الدقائق كثيرا وكان أخر ما قاله بعد تنهيدة تعب خرجت بثقلٍ يشكو لها بعد أن قص كل ما حدث بحزن عليها :

_تعبت يا "زوزو" ، تعبت رغم إني مدرك انه كل شىء له أجله المكتوب وجايز فعلا انها مش من نصيبي لكن القلب لسه مأدركش ولا مصدق أنه ممكن حد سكنه السنين دي كلها وفضل مداري طول الوقت علشان ميخسرش وفى النهايه خسر وأتهدمت كل أحلامه وبقى ذي الوطن إلى هجروه أهله فخرب واتدمر .

تنهدت بأسى على حالته فمنذ أن جاء يجلس برفقتها وهو يفصح بألم عن ما مر به وكيف توالت خيباته حتى تألمت هى معه وتمنت لو بيدها ما تفعله لأجله لكن كل الأمور فى يد اللطيف تكون ، ظلت هى تمسد على خصلات شعره في صمت تستمع إليه باهتمام وفضَّلت أن تتركه يخرج ما بجبعته كله ليكمل هو بعد تنهيدة بطيئه خرجت بثقل من جوفٍ زاحمته الألآم :

_ عارفه يا "زوزو" هو خرب من بعد الهجر وكان ممكن يتصلح بس لأجل حظه عرف الحقيقة وياريته ما عرف ، حقيقة وقعت ذي السيف عليه من القريب نفسه ومبقاش عارف يحب ولا يتألم ويعاتب .

شعرت بكلماته تخرج بحزن منه فتألم قلبها عليه وللحظة استغربت ذلك الحديث ولم تفطنه مما دفعها تقول متسائله باستغراب بعد لحظات صمت سادت بينهم :

_حقيقة أى يا "أدهم" إلى عرفها ؟

ابتسامه فاترة لاحت على ثغره بعد أن تذكر سبب نطقه بتلك الكلمات وهو ريبته منذ ذلك اليوم وحديث والدتها معه والذى فطن منه سبب رفضها فصدم وعاش فترة يفكر والألم يعصر قلبه أحقا هى تنظر لى هكذا أحقا صدقت ماضٍ ما هو إلا ماضٍ قد مضى ، أم أنها صدقته ؟ إذن فهى لا تَكِّنُ له مشاعراً قط لطالما فعلت ذلك ، تنهد بحزن وثقلت الكلمات فى جوفه حتى أخرجها مفصحا عن ما جال بخاطره فألمه :

_عرفت سبب رفضها ، عرفت هى لى أصلا مفكرتش حتى قبل ده وهى أكيد بسبب ماضيا المشؤوم.

أنهى حديثه الذى فاجأؤها وجعلها تستنكره ثم قص عليها ما تفوهت به 《منى》فى ذلك اليوم الذى أعلنت فيه عن خِطبة ابنتها و التي تفاجأ بها هو حين أقبل على طلب يدها للزواج مرة أخرى وكيف ظل بعد حديثها يتألم على حقيقة كانت عليه ثقيله . صدمة قد أعترتها وهى تستمع لحديثه الحزين وشردت بعدها لدقائق تفكر، كيف لها أن تقول ذلك عنه أمامهم هل وصلت قسوة قلبها لذلك الحد ، تنهيدة عميقة خرجت منها وقلبها لا زال يأكله القلق على ذلك الأمر ، ثم أقبلت على مواساة الأخر الذى جُرح من حديثٍ كهذا لذا نطقت بلطف تنفي فكره :

_لا يا "أدهم" نورا طيبه والله وانا متأكده إنها مفكرتش كده خالص .

رد الأخر بغلب يؤيدها فحتى هو لا يصدق ذلك ولكن لما ، لما قالت الأخرى هذا الحديث الذى لم يترك عقله عن التفكير بريب هكذا :

_ حتى أنا يا "زوزو" قلبى مش مصدق ونفسه يكدب ده بس العقل شغله سؤال واحد لى ، لى عمتو تقول كده لى ؟

أنهى حديثه يسأل بوجع وودَّ لو كُذبت تلك الأفكار ، بينما هى لم تستطع إجابته وظلت تمسد على خصلات شعره بحنو ، فحتى هى تسأل نفس سؤاله الآن وشردت فى أفكارها القلقه فلِمَّ فعلت 《منى》 ذلك وما دافعها لتجرح الأخر بحديثها هكذا لمَ ؟ أهناك أمر لا نعرفه أم أن الأمر أمر آخر ؟ خرجت من شرودها بعد أن شعرت بهدوء المكان حولها وخلوه من صوته لترمقه على فخذها غائصا فى نومه وكان قد غلبه بعد شقاء نفسه هذه الفتره فتنهدت بحزن على حالته وظلت تردد فى قلبها أن يعوضه الله عن كل ألم شعر به ويرزقه السعادة فى دُنياه المتعثره .

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع...

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة