بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الأربعون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"بين الشك واليقين فجوة من الزمن يشقى فيها العقل حتى الوصول إلى نتيجة تريحه، وحسب طريقة تفكير كل عقل يتحدد مدى الصعوبة في تلك الرحلة، وهنا يتجلى أهم ما يقود المرء في رحلته، وهو الاعتقاد."
بين جنبات عقله يُقام تقيمًا بواسطة مأدبة من الأفكار تمر عليها كل شخصية يشك فيها، فيخرج من بعد ذلك الماراثون التقيمي بنتيجة تدفعه نحو سبيل الحيرة كونه لم يصل إلى نتيجة بعد، وكيف يخرج بنتيجة وهو عالقٌ بين أنياب فكرة واحدة لا غير، يرى العالم من خلالها؟!
لازال على الأريكة وحده يفكر في المعضلة، بعد أن عاد من مهمته التي تولاها كما الجميع منذ قليل، وهي البحث في كل مكان عن المفقود، هو من قادهم باقتراحه هذا حتى يشغل عقولهم عن التفكير بعمق بالغ قد يوقعهم في فخ الظنون السيئة.
أثناء جلوسه شاردًا يفكر في مجهول لم يصل إليه بسهولة، اقترب منه شقيقه هاتفًا بيأس:
_ دورت في كل ركن، ما فيش أي أثر ليهم، تقول اتبخروا، لا حول ولا قوة إلا بالله.
ضرب《أحمد》كفيه ببعضهم كعلامة على حيرته البالغة، ثم مكث واقفًا أمام شقيقه الأكبر《مصطفى》وكفيه على خصره استقروا بينما يكمل حديثه المتجلي فيه شرارة شك:
_ وبعدين! كده ما فيش حل غير إننا نفتش كل البيت!
لم يجرؤ على قولها باقتناع، قلبه لم يطيع عقله تلك المرة وهو يطلب بدافع فكرة محددة فتحت أبواب الشك في عقله، وجعلته ينسى تمامًا ما أصبح حاضره عليه، وعاد أدراجًا إلى الماضي.
رفع شقيقه عينيه يرمقه بعتاب نطقتا بهم قبل حديثه:
_ جالك قلب تقولها يا "أحمد"، احنا أهل مهما كان، ما ينفعش أبدًا نشك في بعض كده.
زفر في ضيق مستسلمًا:
_ هعمل أي يعني؟! عقلي خلاص اتجنن، بنتسرق وفي نص بيتنا، لأ وكمان لا من شاف ولا من دري، الموضوع أكبر من إني شاكك فيهم يا "مصطفى"، كل الحوار وما فيه، إني لازم أعرف المجرم وإلا بسكوتنا هيتعود ويرجع يسرق من تاني.
_ برضه مهما كان، دي مش طريقة نحل بيها المشاكل، مفروض نراعي شعورهم، تقدر تقولي لو مكانهم وحد قريب جه يفتش بيتك بنية إنه يتأكد حضرتك سارق أو لأ، هتعمل أي؟ فكر في شعورك سعتها، هتعرف أنا لي رافض أعمل كده.
بذات الفكرة الراسخة هتف:
_ والله ما حد عارف فين الصح من الغلط، ولا الصادق من الكداب، كله ما لوش أمان.
قالها في استسلام وفتور جعلا من الغم لوحة تتجلى على خلجات وجهه، ثم رحل على الفور من الشقة تاركًا كل شيء خلفه متدهورًا، وهذا ما اعتاد عليه في حياته، ما إن يقع أمام فكرة راسخة وجب محاربتها، استسلم ببساطة، وترك ساحة الحرب لأهلها، ولأنه ظن أن ببعده قد تغير، لكنها ما تأتي المواقف حتى تثبت له أنه لازال كما هو.
أما ذلك المصطفى، الذي اصطفى من الصفات حسنها قيم بها كل شخص، وجعل من الظنون كل الخير فيهم وهم أهله الذي لا يعرف عنهم سوى الخير، مما دفعه تفكيره هذا عن طرح الشكوك عنهم، ورؤية الجميع أبرياء لطالما لم يراهم أحد، مكث يفكر محاولًا إيجاد حل لتلك المعضلة، ونأى بعقله عن حياة الظنون، حتى تتيح له الفرصة كي يفكر جيدًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانت تعبث بيديها بإهمال في خزانة الملابس تحاول العثور على الذهب المفقود كي تبين أنها مهتمة بالبحث معهم، وهي في الأساس لا يهمها أمر السرقة، كل ما يشغلها أمر واحد، حقيقة عودته، وماذا ستفعل إن حل في حياتهم مجددًا.
_ ها أي الاخبار، لقيتي حاجة؟
انتفضت بفزع من مباغتة هذا الصوت لها، شرودها في تلك المكالمة المقلقة وإرهاقها المتواصل في التفكير به فصلاها عن واقع فنسيت وجود من حولها فارتعدت فور ظهورها فجأة، لاحظت شقيقتها توترها الذي سرعان ما ابتلعته وسارت نحو الثبات الانفعالي المعتاد لديها، فسألت بريب:
_ مخبية أي؟
_ أي؟!
تجلت مرة أخرى أمارات توترها في صوتها المصدوم، ظنت لوهلة أن شقيقتها تعرف مما دفعها هذا للأنفعال مضطربة، انتبهت لنظرات شقيقتها المرتابة المتابعة لحالتها المضطربة، فأسرعت في تشتيتها:
_ قصدي أي يعني إللي هكون مخبياه يا "فوزية"، اسكتي بقى وشوفي شغلك أحسن والله تعبت وأتمنى نلاقيهم ضايعين هنا ولا هنا علشان نخلص.
لم تتابع حديثها فور انتهاء الأخرى من الحديث، ظلت تراقب خلجاتها المتغيرة وألف سؤال يراودها عن حالتها تلك والسبب وراء تبدلها، لاحظت《سعاد》نظراتها، فاستأذنت بقولها قبل أن تفر من أمامها حتى لا ينكشف الأمر أكثر:
_ أنا هروح أشوف "منى" يارب تكون لاقتهم والليلة دي تخلص.
هرولت نحو الخارج في خطوات متوسطة السرعة أعربوا عن حقيقة أنها بالفعل تخبيء سر دفين في صدرها، لم تطيل《فوزية》 النظر في أثرها الذي اختفى للتو، فقد تابعت ما جاءت لتفعله.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ساعتين وأكثر بقليل مروا كيوم في وجودها برفقته على تلك الطاولة بأحد الكافيهات الهادئة التي تطل على النيل، لم تشعر بمرور الساعات، انساب الوقت ببطء _كما شعرت_ انقضى بعضه في شرحه وتبسيط عدة تفاصيل متعلقة بالعمل الذي جمعهم منذ قريب، أما معظم الوقت فكانت الأحاديث القائمة بينهم ليست لها أي علاقة بالعمل، تجاذبا أطراف الأحاديث التي كانت هي المبادرة في فتحها معه، ذكرته بأيام صباهم والأوقات السعيدة التي قضوها برفقة بعض وبقية الأصدقاء خلال أيام الجامعة. اقترب النادل يرفع الكؤوس الفارغة بعد أخر مرة طلبوا مشروبًا أخر خلال تلك جلستهم الطويلة معًا، وصل إلى أذنيه قهقة أحدهم التي قال من بينها ضاحكًا:
_ يا شيخة! أنتِ لسة فاكرة الموقف المحرج ده، أودي وشي فين منك دلوقتِ!
تحرك النادل مبتعدًا عن طاولتهم في ذات اللحظة التي تفوهت بسخرية من بابتسامة واسعة أقرب للضحك:
_ يا سلام! يبقى أنا كده ما بحسش وأنا واخدة لقب رئيسة المطرودين أيامها، ده أنا محاضرتين بالكتير إللي فاكرة إني حضرتهم على مدار ترم في العام الدراسي.
تبادلوا الضحكات الخفيفة وهم يتذكرون مواقف طريفة كهذه طالتهم خلال سنوات الدراسة، كانت تتابع ابتساماته الضاحكة بهيام أصاب قلبها بسهامه، فهدأت قليلًا ولازال أثر الابتسامة الواسعة تراقبه بها خِلسة وهو ينظر تجاه النيل مبتسمًا وقد جاهد في إقحام ضحكاته ولا يتمادى أكثر، لم يلاحظ أنها تنظر له وملامحه الجذابة بعمق إلا حين التفت لها واصطدم بنظراتها المثبتة فوقه، كانت شارده بعمق فضحها، هتافه باسمها لم يثير انتباهها، ولا حتى حركة الناس حولها، كل شيء وكأنه اختفى بالنسبة لها وظل هو الوحيد في عالمها الوهمي، تسبح في خيال رسمته في عقلها، سحبها نحو أعماقه فأنساها واقعها وأنها مُراقبة من فوق سبع سماوات، تلك الحالة شغلتها عن كل شيء في الواقع، حتى عن تلك العيون التي تثقبهم بنظرات كالسقر الذي ينتظر فرصة لقبض فريسته، وبحالتها تلك قدمت له الفرصة الذهبية حينها التمعت في رأسه فكرة وابتسم بمكر وهو يطبقها ملتقطًا لهم عدة صور يشوبها جوهم الرومانسي.
_ "روان"! يا "روان" يا أنتِ ما تردي!
التفتت له ولهتافاته أخيرًا ، اعتذرت له عن ما حدث في حرج وتوتر ظاهرين للغاية، فرفع هو الحرج عنها بنبرة أهدأ:
_ ما فيش مشكلة، نكمل طيب علشان أنا محتاج أروح أرتاح شوية قبل بكرة والشغل ذي ما أنتِ عارفة.
لاحظت تبدل حالته من المزاح والمرح إلى الجدية، فظنت أنها بغباؤها افتضح أمرها أمامه مما جعله يتصرف بطريقة أكثر تحفظًا، لكن ما لم تدركه بمحدودية تفكيرها أنه شعر بأن هناك باب من الفتنة سيُفتح، وهو لا يود ضياع قلبه، يجاهد أن يكون لمن تستحقه فحسب، صافيًا دون أي شوائب تؤذيها!
تنحنحت في حرج بعد لحظات صمت أخرى، كادت أن تكمل ما قطعه حديثهم المرح منذ دقائق لكنها شعرت بخطر افتضاحها أكثر وخاصة أنها تلقي بحديث عبثي دون أن تفكر فيه وهي في تلك الحالة الهائمة، لذا أسرعت تؤجل ما بدأوه منذ ساعات:
_ لأ خلاص يا "ياسر" أنتَ روح ارتاح، أنا شكلي ضغطت عليك وما خدتش لبالي خالص إنك مفروض راجع من شغل ولازم ترتاح.
رفع عنها الحرج مبتسمًا:
_ ما فيش مشكلة، المهم ارتاحتي من الحاجات إللي كانت مقلقاكي بخصوص الشغل.
_ أه جدًا، شكرًا أوي بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل أي.
ابتسم ثانية وهو يخفي تأثره بكلماتها، هو لا يحب المبالغة في المشاعر بهذا الشكل، يكفي البساطة وعدم التملق. أشار بكفه نحو الطريق حين وقف وقال:
_ طب يلا علشان أوصلك في طريقي، الوقت أتأخر ومش هينفع أسيبك تروحي لوحدك خاصة إنك بنت.
تحركت برفقته في سكون والابتسامة لم تفارق وجهها طوال خطوات سيرها حتى وصلا إلى سيارته ورحلا من المكان صوب الجهة المحددة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ أيوة هو، حاجة زي دي مش جديدة عليه.
سألتها《سعاد》مرة أخرى تتصنع اهتمامها بعلاقتها بالأخر وخوفها من أن الشك يفنيها:
_ أنتِ متأكدة من إللي شوفتيه طيب، مش يمكن تخيلات مثلًا، يا " منى" ده أخوكي يعني مش بالسهولة دي تشكِ فيه وتصدقي كده على طول.
انفعلت الأخرى، وقالت بغضب عتيق منذ سنوات في جنباتها قابع حتى بلغت الاستياء:
_ يوووه بقى، أنا كل ما أتنفس تقولوا أخويا، وما ينفعش وزفت على دماغنا، هو ما فيش مرة أبقى أنا أخته، وما يصحش يعمل كده معاها، ولا هي النصايح إللي شغالة عمال على بطال دي تبقى لي أنا، وهو ملاك في نفسه؟
صمتت《سعاد》فماذا تقول وتسعفها من الكلمات الطيبة كي توعيها بما تقول، فهذا منقرض في قاموسها، هي فقط تلقي بشرارة نار ثم تراقب من بعيد اشتعالها لحظة بعد لحظة. بعد لحظات تركتها《منى》ورحلت بنارها التي تبحث عن أي شيء تأكله كي تشبع قيظها، أما هي فمكثت مكانها تراقب أثرها وهي متجهة نحو الخارج، ظلت نظراتها معلقة في ذات الاتجاه أمامها حتى بعد أن اختفى أثر الأخرى، شردت والابتسامة الماكرة سرى طيفها فوق ثغرها وهي تتذكر....
<منذ قليل>
كانت《منى》تروي لها عما رأت صباح هذا اليوم، وكيف تفاجأت بشقيقها 《أمجد》يخرج من شقة والدته وفي يديه صندوق، تعجبت حينها من وجوده في ذلك الوقت الباكر على غير عادته، فهو في العادة يتجه إلى عمله دون أن يحيد في طريقه يلقي تحية الصباح على أمه، ما زادها تعجبًا هو وجود ذلك الصندوق في يديه وسرعة خطواته في الرحيل من أمامها حين استأذن وقال أنه لديه عمل مهم، وتركها ورحل والتفكير فيه يأكلها لحظة بعد لحظة حتى حل هذا الحدث الغامض، وكان. أول من وجهت شكها نحوه هو.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الجميع يراها مذنبة، حتى وإن كانت على حق، يستغلون كونها فتاة ضعيفة، أصابها العجز كونها أنثى! في عرفهم أن الكلمة حق للرجل فحسب، صدق كانت أو كذب، أما هي فلا حق لها في البوح ومشاركة الرأي حتى، تفرقة لم تزول في بيتهم منذ أن ولدت وحيدة بين ثلاثة رجال من بينهم رجل اعتدى على حقها وهي صامتة عاجزة عن رده، تتجرع الألم كونها أنثى في هذا البيت السقيم!
طاقة ثورانها الناجمة عن غضبها العارم أعمت بصرها عن إبصار الطريق أمامها فاصطدمت بعنف في جسد كان مارًا بجوارها في الاتجاه المضاد، كانت《سهير》تتأوه من شدة الألم وهي تمسد على جانبها الأيسر حيث ذراعها وكتفها اللذان أصابتهم الضربة القاسية، توقفت الأخرى على بعد مترات بسيطة والتفتت لها بنظراتها الغاضبة وعلى ثغرها ابتسامة حقد مخيفة. تعجبت《سهير》من نظراتها، لم يمنعها ذلك من قولها بألم خفيف كتمت معظمه:
_ أي يا "منى" مش تحاسبي قدامك.
اقتربت منها بخطوات رتيبة أشعرت الأخرى بالقلق خاصة أنها لازالت تجحدها بذات النظرات المخيفة وكأنها ستقتلها وتتوعد لها بتلك النظرات بفعل ذلك، باغتتها بربتة خفيفة فوق ذراعها وعلى خلجاتها تجلت أمارات الندم وكذلك وهي تقول:
_ معلش يا حبيبتي، أكيد وجعتك مش كده.
تأوهت《سهير》بغتة تزامنًا مع قبض الأخرى على ذراعها بعنف، تحولت بغتة من اللطف الذي تصنعته منذ قليل إلى الكره الغائر في عينيها، نار انتقامها عادت لتحرق كل شيء! قالت من بين ألمها وهي تحاول انتزاع ذراعها من بين أنياب قبضتعا:
_ أنتِ اتجننتي يا "منى" سيبي دراعي، سيبي بقولك.
افلتت قبضتها، فتحرر ذراعها الذي أخذت تربت على منطقة الألم عليه وهي تزجرها:
_ أنتِ في حاجة في دماغك، ازاي جالك الجرأة تعملي كده معايا، فوقي لنفسك وشوفي بتهببي أي ووصلتي بحالتك دي لأي وخربتي كم حياة!
ألقت بحطب حديثها في فم نيارنها المشتعلة في جوفها، تضاعف غضبها العتيق، فقالت بغضب جامح بحديث باطن:
_ لأ يا ست "سهير" دماغي عال العال، الدور والباقي على إللي جبناها من مصحة وربيناها وسطينا وفي الأخر ما تمرتش العشرة ولعبت بديلها وخربت البيت إللي في يوم لمها من الشوارع، مش كده برضه؟ ولا ما يكونش أنا الكدابة ذي عادة كل حجة والقصة مفبركة والكلام المنافق ده!
هل شعرت يومًا بنصل من السكين الحاد يشق طريقه نحو عنقك فتصاب بحرقة كمن ذُبح للتو؟ بالضبط كان هذا شعورها وهي تُذبح بحديث الأخر التي قصدت أن تفعل ذلك كي تعيدها لنقطة الصفر، حيث الماضي وحقيقتها فيه والتي مجرد تعاسة لم تنسها يومًا قط!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تلك الوثبات التي تعلن عن بداية عهد جديد مليء برايحين وياسمين في جو مُحاط بالحب، متى ستنالها؟ فقد طال الطريق عليها وهي وحدها، وجفت أرضها لطول بقائها بدون بذور تُزرع من الياسمين عليها.
تداعب نسمات الهواء البارد ليلًا خلايا وجهها ذو البشرة الخمرية الفاتحة بينما هي تجلس في الشرفة على مقعد منخفض بني اللون، تنشر عبيرها برخاء على وجنتيها بلطف يريحها، كما يفعل ذلك الحلم البسيط كقلبها في نفسها كلما راودها؛ تدب بين جنباتها الراحة، وتذعن لخيالات تتمنى أن تصبح حقيقة ذات يوم، وهل موعد ذلك اليوم بقريب؟!
ياله من سؤال استغلالي، يحتل راحتها بكل بساطة، فيخرب رخاء وقتها هذا، ولج عقلها دون إذن، وبدأ يبعثر أحلامها ويطردها حتى يفسح مكانًا لأعضاء فريقه المكلفين بمهمة قتل كل فكرة مطمئنه تنير عقلها، وينشر في المكان خاصته ليصبح محملًا برزاز القلق الذي تحاول كبح جماحه...
تذكرت أنها على موعد مع تفكير في مستقبل مجهول، ولشدة رغبتها في تحقيق رجاء بسيط، ظل في عقلها مجهولًا مما استثار شيئًا من القلق الموارى خلف تلك الكلمة، لم تكن تعلمها، لكنها الآن أشرقت شمس حقيقتها!
هل ستقبلين ببيت بسيط، ترعين فيه زوج وابن له ماتت أمه وهو في مقتبل عمره؟ وإن كان ذلك أمر فيه رضى منكِ، هل ستوافقين على التخلي عن حلمك، وتترجلين أيّ قطار مر على محطتك النادر توافد القطارات عليها؟...
زفرت بانهاك قاطعة سيل من الأستفهامات بدأ يتدفق في عقلها، ثم تحركت في جلستها تغير من هيئتها، في محاولة منها على طرد تلك الأفكار المقلقة عنها.
هي تعلم أن الأمر صعب، فوضعها في اختبار تُخير فيه بين حلمها، والرضى بالأمر الواقع بركوبها أول قطار يزور محطتها بعد غياب طويل تخشى عدم توافد القطارات من بعده، لهو من اعتى صراعتها التي تمر عليها طيلة أيامها!
_ يارب أنا محتارة، خايفة أكون بختار غلط، أو ماشية في الطريق الغلط، يا رب اختارلي ولا تخيرني، فإني لا أحسن الاختيار.
دعت من جوف قلبها برجاء، أُزيل أثر القلق قليلًا من بين جنباته، وبدأت الراحة تداعبه بلطف وتسير به صوب السكينة، لطالما تركت الأمر له وحده، فهذه قمة الراحة بالنسبة لها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مضى من الوقت الكثير، بذل الجميع خلاله أقصى مجهود كي يعثر على المفقود _كما ظنوا في البداية أنها حالة فقد وليست سرقة_ وفي النهاية عادوا بخفي حنين، كان الصالون هو مقر اجتماعهم بعد انقضاء تلك الساعات الماضية. لكل منهم شاردة سحبته في أعماقها، يدور في فلكها مفكرًا فيها، بدأ البعض يسترجع مشاهد ماضية خلال الأيام السابقة وقبل حدوث حادث الفقد، وكان من بينهم《أحمد》الذي فكر بصوت عالي:
_ الغريب إنه ما فيش حد غريب دخل هنا ولاحظته، برجع من الشغل يا دوب بتغدى، وبنزل في الأوضة تحت أدير الشغل من البيت لو كان في، الدهب اختفى امبارح وأنا طول اليوم قاعد وما فيش حد دخل من البوابة ولا خرج غير سكان البيت.
كتم باقي حديثه، وعزف عن مشاركته، لكن هذا لم يقلل من حدة ظنونه وشكه في شخص واحد دخيلًا بين عائلته منذ قريب، الآن هو لا يفكر في مصداقية ظنه، بل يحاول إحاكة خطة ما تكشف كل الحقائق أمامه، وأن الجاني بينهم الآن! انتبه للحديث حين تدخلت《منى》تشاركه أفكارها التي بدأت تحرق صدرها كلما سكتت عنها:
_ وده معناه حاجة واحدة يا "أحمد" إننا بنتغفل!
عقد حاجبيه وهو يقول بريب فيما انتبه الجميع لحوارهم بانصات جيد:
_ يعني أي؟! قصدك أي بالظبط؟
_ يعني الحوار ما خرجش بين أهل البيت، علشان كده بقول نفتش البيوت أريحلنا.
تجلت أمارات الصدمة على وجوههم، وكان أشدهم وضوحًا في صدمته هو《مصطفى》الذي ردعها عن إكمال هذا الحديث السخيف:
_ أنتِ بتقولي أي؟! ده أخر احتمال كان ممكن أفكر فيه، ولو كان ما فيش غيره مستحيل ألجأله، احنا أهل يعني بنقوى ببعض والثقة أهم عامل بيقوينا ببعض. للدرجة دي ثقتك فينا صفر!
أنهى جملته بنبرة فيها عتاب لتلك الفتاة التي لا تفكر ولو مرة في حديثها قبل أن تخرجه، كعادتها التي أحالت بينها وبين القبول في أعين من يعرفها.
زفرت بضيق، تنزعج من تلك النصائح الغير مباشرة، هي تعرف نفسها ماذا تقول، وماذا تفعل، هي ليست صغيرة. رغم ذلك الكِبر في نفسها، بررت بقولها:
_ أنا مش بقول كده والسلام، بحاول أكشف حقيقة الله أعلم ممكن تكون صح، مش برضه هنبقى ارتحنا وعرفنا هو مين بدل ما كل واحد دماغه هتفرقع من التفكير، وبعدين لي محسسيني إني قتلت قتيل، احنا مش ملايكة على فكرة وكلنا ممكن الظروف تضطرنا نغلط بأي شكل كان، مش كده برضه يا "أمجد"؟
التفتت بعينيها توجه له نهاية حديثها، أثار ذلك حفيظتهم جميعًا، وتوقفت عيونهم فوق نظرات هذين الاثنين المتبادلة يتابعونها وفي عقل كل واحد ماسورة من الأسئلة فُتحت، هي ترمقه بتحدٍ وكأنها ترسل له رسالة باطنة مفداها "ألست أنا بمحقة" أما هو فاجتمعت أبالسة الغضب في عقله، يقيمون مأدبة من الأمور لو انساق وراء إلحاحاتها، لقام بلطم تلك الفتاة المتعدية الحدود بكفه حتى تُلجم عن الحديث بهراء ثانية، ولكن طلاما هو يعرف في نفسه حقيقة الأمر، فلِما كل هذا الغضب؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<ليت الأماني بالتفكير تُنال، ولكن شتان بين أمنية في الأرض ونجمة في رحاب السماء الشامخة!>>
استحال حالها إلى يأس لم تعهده من قبل، ذلك القلب الراضي، والعقل الرزين المتحكم بصبر في قواعد مشاعرها المتضاربة في زمن كثر فيه القيل والقال، والهراء دون حياء، وكأنه أصابه شيء من سهام هذه المنكرات السابقة! ترى هل طول تفكيرها في هذا الأمر المحتوم قرارها نحوه سببه تأثرها بهذه المنكرات التي عاشت معها طوال سنوات عمرها منذ أن تعدت سن الزواج الذي عُرف في عُرف المجتمع، وبعده تشيخ الفتاة ويفوت قطر زواجها، أم أن في الحقيقة قرارها قد تزبزب لأسباب أخرى؟
_ "أمنية" أنتِ هنا!
قطع استرسال شريط الأفكار في عقلها صوت ذكوري شق الصمت حولها تبعه اقترابه من مكان جلوسها، سحب مقعدًا بالقرب منها وجلس بينما يكمل حديثه:
_ أي الأخبار، فين "عُمر" يعني مش شايفه من أخر مرة الصبح؟
لحظات صمت تسلل عبرهما الثقل إلى صدره فشعر بغرابتها، نطقت بعدها بفتور:
_ مش عارفة، فطر وخرج!
وبتلقائية نظر في ساعة هاتفه القابع بين كفه الأيسر، ثم هتف متعجبًا:
_ غريبة! من الصبح كده، الساعة شوية كمان وهتيجي ٧، هيكون راح فين ده؟!
بذات النبرة الثقيلة شاركته:
_ تلاقيه مع صحابه، أنتَ عارف "عُمر" مش بمواعيد ثابته!
تراجع قليلًا عن التفكير في شأن شقيقه، وانتبه إلى حالها مظهرًا ذلك في سؤال تفوه به:
_ فكك من الموضع ده، وبصي عليَّ كده!
استشعرت توترًا تَبع طلبه، لا تود أن يعرف بأمرها، تريد خوض الرحلة بمفردها والتفكير فيها بهدوء بعيدًا عن ضجيج الجميع!
التفتت تقابل صفحة وجهه الخمرية بنظرات لم تستطع تكذيب إرهاقها فيهم، بادر هو بالحديث بقلق بدأ يحتد مجرد تدفق الأفكار في عقله مبررة سبب حزن شقيقته بهذا الشكل:
_ "أمنية" أنتِ في حد جه جمبك أو دايقك، قوليلي علشان قسمًا بربي ما هنيمه الليل!
زفرت بعمق، تبعت فعلتها حركة يدها اليسرى تربت على ذراعه بينما تطفيء من نيران غيظه في بداية اشتعالها بحديثها المغلف بالسكينة:
_ ما فيش حاجة يا "عَمرو" ارتاح، أنا مرهقة شوية النهاردة.
عيناه رمقتا هيئتها بشك استطاعت محوه مؤقتًا حين استكملت تستلطف الجو ببعض المرح:
_ وبعدين بقولك أي، ما بحبش أسيب نفسي كده للزعل، ما تيجي نعمل اي حاجة مسلية بدل الكآبة دي!
لم يصدق مرحها المشتق من عينين بالغتين في الحزن، لكنه لم يضغط عليها أيضًا، وسيتركها حيث راحتها.
عقب حديثها موافقته:
_ إللي تشوفيه أنا معاكي، لو ده هيخرجك من أم المود إللي مش بحب أشوفك فيه ده!
رمقته بعينين متأثرتين ضاحتين، تبع نظراتها قولها مقترحة بينما تشعر في ذلك الحين برغبة جامحة كي تفعل ذلك:
_ بقولك ما تيجي تساعدني نعمل كيكة برتقان زي زمان، كنت أعملها وأنتَ و"عُمر" معايا بتنكشوا في بعض، أيوة صحيح "عُمر" مش هنا، بس مش مشكلة، أنا نفسي أعملها أوي.
دون اعتراض جاوبها بينما يتحرك من مكان جلوسه واقفًا:
_ الشيف "عَمرو" في الخدمة، يلا بينا!
سبقها بخطواته نحو المطبخ، وتبعته هي بشغف قليل، رغم ذلك فستكمل مهمتها في اشغال نفسها عن ذلك الحزن الجاثم فوق قلبها، وتترك الأمر لله يدبره.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<برغم الأدلة الواضحة، والتفسيرات المبسطة في حياتها، إلا أنها لازالت في عمق التيه أسيرة!>>
ثمة معضلة تعانيها بعض النفوس الغارقة في دوامات ألامها متعددة المصادر، كلما ابتعدوا عن الاعتراف بها وتفهمها _وتلك بداية التحرر_ زادت معاناتهم اللامنتهية، مما يدفعهم لارتكاب سلوك أكبر خطأ، وهذا ما يدفن النفس تحت أنقاض الوجع المفرط.
على قلبها تراكمت أحجار من الألم حتى وزنت جبال شامخة، كلما زاد صمته العقابي لها بلغ الوجع أثقالًا مضاعفة حتى وصلت إلى مرحلة تُرثى عليها؛ حالة من الجنون التفكيري تلبستها كلما وطأت باب الماضي باحثة عن ذنب ارتكبته، تعود في كل مرة الإجابة بين يديها، وهي أنها عاتبته فحسب، لكنها في عمق قلبها لم تعترف، وصلت إلى مرحلة بالغة من الإنكار إلى درجة أنها أنكرت صدق حواسها وذاتها، وصدقت ما رُسم لها من حقيقة مزيفة خنقتها بأيدي الذنب وتأنيب الضمير المزيف التي تدافع به عن نفسها معتقدة أنها بذلك تخفف الألم، لا تزيده!
كيف يتحرر المرء من شعور يخنقه؟!
سؤال تفتق به عقلها بينما هي على أريكة في غرفة المعيشة تصارع شعورًا موجعًا تجهل كيف تصرفه عنها كعادتها، حتى مجرد التفكير في معرفة سببه والاعتراف بالمشكلة لم تتقدم خطوة واحدة والجة سبيل تنفيذه.
ولأنها لا تجيد سوى طرح الأسئلة دون التعمق فيما بين طياتها من إجابات أهملت التعرف عليها، لجأت لمنفذ مشاعرها الوحيد، وهو البكاء فحسب.
على وجنتيها تزاحمت أنهار دموعها، وبين شهقاتها كانت تندب حالها الذي لا تعلم لماذا يلاحقها هو ذاتها في كل مرة تعلق قلبها، وأحب! فحتى حبها الأول وهو والدها العزيز، تركها ورحل في بداية تفتح زهرة طفولتها الرونقة دون أن يكمل معها الطريق راسمًا قصة حب أساسية تضع لها أعمدة تتكيء عليها في جميع علاقاتها التي بعدها؛ إن خُزلت فلها حبيب يصالحها، وإن تُركت في منتصف الطريق، فلها حبيب تعود إليه وتستظل بظل حنانه وحبه الدائمين، فمهما أحبت وتنوعت علاقاتها في الحب، لن يبقى لها سوى والدها وحبيبها الأول هو من يَصدُق معها في حبه لها دون مقابل.
صوت رنين هاتفها قطع استمرارها في تيار يجذبها نحو غياهبه، التفتت على إثره بينما تمسح دموعها تستعلم عن الطالب، شيء من الحنين سرى في جنباتها وهي تقرأ اسمه على شاشة مُضاءة أمامها قبل أن تمسح دموعها وتعد نفسها متهيئة لمواجهته باعتيادية حتى لا يتجلى له تغيرًا ما سببه حالتها تلك.
لحظات استعدت لتجيب، ثم تنهدت وفتحت المكالمة، فوصلها صوته غريبًا وقد لاحظت هي ذلك التغير البادي خلاله:
_ أخباركم يا "نورا" عاملين أي؟ أمال فين بقية العيلة، ما فيش ولا واحد بيرد، قلقتوني، هو في حاجة؟
أسرعت تنفي دون سابق تهيئة لصوتها كي لا تظهره متعبًا، مما جعله يخرج في صورة محشرجة قليلًا إثر شهقاتها منذ قليل:
_ كلهم بخير، هما تحت دلوقتي تلاقي تلفوناتهم في وضع صامت أو مش معاهم، الله أعلم بحالهم.
إذن فهي وحدها الآن! ولكن مهلًا هي وحدها، هذا قد يثير قلقه قليلًا خشية من أن تكون في معانة ما وهي على غير عادتها ألا تجتمع معهم في الأسفل، لكن صوتها الباكي هذا لا يشي سوى بتأكيد ظنه هذا!
قطع دابر تفكيره في شأنها، ثم أسرع يودعها:
_ خلاص ابقي بلغيهم باني اتصلت، سلام، في رعاية الله.
ودعته هي الأخرى بصوت لم ينفك عنه أثر البكاء المتجلي عبره، ثم أغلقت معه وعادت لصراعه الغير منقطع، أما بالنسبة لحالة من التغير المفاجيء اجتاحتها فبددت أثر الإرهاق عندها، فلم تلتف، وأكملت سيرها في سبيل التيه الغير منتهي!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<شقي على المرء أن يحمل على عاتقه ثقل الضدين؛ وعي وجهل!>>
أن يعي الإنسان في رحلة تعافيه بما اقترفته يداه من أخطاء ندم عليها، ويكتشف مدى جهله سابقًا، وأن يجهل كيف يتخلص مما احتبس بداخله من زوابيع تعيق عليه زفير الحياة، لهو من أثقل مراحل رحلته بينما هو يسعى لأن يتخلص من علة ما في نفسه، وكأن حاله كحال سجين لا يملك زمام التحرر من صندوق محكم الغلق أُسر بداخله.
طول تعمقها في التفكير بماضٍ رحل ترك فيها أثر لمَّا وعيت به ومدى عصيانها لرغبات صادقة بددها ظلام خوفها كان له وقع على نفسها بالغ؛ فقد ابتلعها الشرود، والصمت، وقلة الحركة التي بدأت في طور الانعدام هذه الأيام، حالها أصبح شبيهًا لحال جثث ترقد فاقدة الحياة، ما يفرق عنهما هي الروح التي لازالت ترقد بين جنبات جسدها، أما الحياة عن كلتاهما كانت غائبة!
لازلت عند نقطة عالقة لم تنفك عن عنقها قيودها، فكانت لشدة أسرها فريسة، ترحل وتعود إليها الأفكار الثقيلة، لكنها تبقى عند نقطة واحدة أشد عتوًا في قوة أسرها، وهي أنها السبب، من ماذا بالضبط؟ هذا ما لم تسنح لنفسها المناقشة فيه كي تثبت صحته من عدمه، لذا فكان ثقيل عليها تقبل أعتى أسباب الفشل المخزية، وهي نفسها!
على مقربة من باب غرفتها الموارب، كانت《سهير》تراقب حالتها في صمت قتل البوح في محله، فخبت أثره عنها تمامًا، وبقيت أثاره على صورة أوجاع تؤلمها، كلما رأت ابنتها فلذة كبدها على حالها الغريب المرسى عليه، قُتلت بسكين الألم ألف مرة!
تحركت من أمام باب غرفتها تضع كفها على فمها كي تمنع صدى صوت شهقة تحررت دون قصد منها لمَّا تزاحمت الأهات في جوفها ولم يكن هناك متسع لأخرى، وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها وتركت لعنانها القليل من الوقت كي تحرر جزءًا وتفسح مكانًا لبقية أهاتها كي تكتمهما بإحكام وتظل على ثباتها حتى لا تنهدم قواها، فينهدم البيت كله!
شهقات متتابعة تفصلهما أخرى مكتومة، تريد تفريغ أثقال نفسها قليلًا وإراحة صدرها، لكن سبيل البوح إن دلفته لم تخرج منه سالمة، فصدرها الذي يسع السلام كله، لم يكن يومًا بهذا القدر من تسامح، إلا وكانت قد تنازلت عن حق من حقوق نفسها وهو البوح!
ولأن الأحزان تجر أحزان قديمة بعدها، اجترت الأهات القليلة أخرى كثيرة حتى زادت أضعافًا، ومكثت أضعاف ما حسبته من وقت تبوح فيه عن ثقل يخنقها، ومع كل أهة وجع تتدفق بفعل ذكرى خاصة بها كتمتها في سنون سابقة، كان قلبها يتمزق، وكأن الألم تعيش موقفه الآن!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
اختلطت رائحة الفانيليا بالجو حولهما فسرى دبيب من الشوق إليهما ذكرهما بماضي حمل معه ذكريات دافئة كانت تسكن بين جدران بيتهم خاصة المطبخ الذي دومًا ما كان يجمعهم في لحظات كهذه وأكثرهم حبًا لها هو ذلك الغائب《عُمر》الذي يمارس أمامهم بناء حُلم من أحلامه الضائعة وهو يسخر ويستهزء من نفسه على ضياعها، الجميع يعلم أنه يعاني اليأس، لكنه الوحيد الذي يصدق حالة من الزيف تغلف بها، وهي اللامبالاة.
وقفت أمام رخام المطبخ الذي استقر فوقه إناء يحوي مكونات الوصفة《كيك》التي أخذت تمتزج ببعضها بفعل قوة تحريكها لهم ببطء بعض الشيء، وبينما هي تمزج الخليط ببعضه كانت تسرق النظر إلى شقيقها الذي صمت عن الحديث منذ لحظات بدئها في مزج المكونات معًا. يبدو أنه شرد في ذكرى ما، أو أمر ما شغل تفكيره مما قطعه عن الحديث القليل الذي ليس من عادة شقيقها أن يتصف به خاصة في مثل هذه الأجواء المحببة لهم.
_ "عَمرو" ناولني كمان حبة دقيق.
لاحظت تحركه على الفور صوب الطاولة ليجلب لها مبتغاها، إذن فلم يكن شقيقها شاردًا كما اعتقدت، إن لم يكن كذلك فما الذي أصابه؟ التقطت كوب زجاجي يحوي القليل من الدقيق، نثرت برفق فوق الخليط الذي امتزج تمامًا ببعضه، ثم أعادته ليستقر فوق الرخام الأبيض بالقرب منها وبدأت في المزج من جديد. قطعت الصمت الثقيل بينهما بحديث مرح في محاولة منها لنسيان أحزانها وكذلك فك شفرة ذلك الرجل الصامت لتصل لصندوق أسراره:
_ أي يا باشا! هنقضيها كده وضع صامت! انكشني حتى...ده انا لسة بقول عاوزة أطلع من جو الكآبة قوم أنتَ جاي تدخلنا فيه.
أجاب مبررًا وهو يتابع عملية امتزاج الخليط وكذلك شقيقته:
_ دماغي فيها وش وأنا لما برغي بصدع، خلصي بس الكيكة أحسن أكلها كده بريحتها إللي تخبل دي.
انبهت لخروجه عن موضع هدفها، ذكي يعرف كيف يهرب من الحديث الذي لا يرغب مشاركة أحد معه. لكنها ليست بأحد، هي بئر أسراره المعتاد دفن ما يواريه عن الجميع به. ما الذي أصابه تلك الفترة؟ هناك شيء حل به حتمُا، فشقيقها الذي يشارك أسراره وما لا يستطيع البوح به مع الأخرون فيجد في حديثها عظة، أو حتى تنفك قيود معضلته فيرتاح بالبوح بعد أن وجد حلًا، لم يعد هذا شقيقها، هناك معضلة أصابته، ولا بد من النقب عنها وجعله يشاركها البوح.
بعد دقائق انتهت من عملية مزج الخليط، وأصبح جاهزًا لوضعه في الفرن، قامت بفعل ذلك بعد أن نقلت الخليط في وعاء غويط يناسب حجم الخليط التي أعدته، وجلست هي وشقيقها إلى الطاولة بعد أن قام هو بتنظيفها وترويق سطحها المزدحم بالنفايات من قشر بيض وأوراق فانيليا ومكونات الخليط الذي أعده مع شقيقته.
_ غلب حماري!
عقد حاجبيه بشكل خفيف بينما يرمقها بتعجب مما باغتته به، وقبل أن يسألها تابعت هي توضح له بنبرة يشوبها يأس بعد أن استسلمت أمام عناد الأخر:
_ خلاص ما بقتش عارفة أرجعك زي ما كنت، بصراحة أنتَ متغير يا "عَمرو"، وأنا غلب حماري في إني أكون جمبك في وقت صعب بتمر بيه، كنت مستنية على الأقل تقولي مالك، من سعة خروجنا مع بعض نشتري كتب وأنا بحاول أعمل ده، بس واضح إنك مش راضي، على راحتك بس أنا هنا زي كل مرة في وقت ما تكون عاوز حد يسمعك، هتلاقيني بسمعك.
لحظة من التوتر اجتاحته، صراع داخلي أجاد إخفاؤه، يحاول تحمله كي لا يُهزم أمامها، وهل سيقدر على الثبات؟
نظراتها المتفحصة له، وثباته الزائف أمامها خلقا جوًا مشحونًا بالقلق كاد أن ينفعل على إثره، ويهتف صارخًا أنه لا ذنب له سوى أنه يحاول، يحاول أن ينسى لكنه في كل مرة يفشل، يحاول أن يدعي الثبات مثل البعض حوله لكنه يفشل، المرة الوحيدة التي نجح فيها هي تغيره، عرف كيف ينسلخ عن ماضيه ويدفن الذكرى ومعها《عَمرو》الذي كلما اقترب منه اهتز كيانه وكأنه على وشك ظاهرة أشد عتوًا من زلزال يدمر كل شيء!
لم يبح لها بشيء، لكن عيناه باحت بكل شيء، تراه لازال يتألم إلى وقتهم هذا؟ لم تذوق معنى أن يفترق قلبين كلًا منهما في عالم غير الأخر، أحدهم يعيش دار مؤقتة، والأخر تحت الثرى خالدًا! لذا فلم تدرك مدى ألمه الذي بدله تمامًا منذ أن حل به.
انهزم أمام إصرار نظراتها، لم تكن نظراتها فحسب التي هزمته، بل كان حنينه لأوقات كان يخلع عن قلبه الأحزان في وجودها بالحديث الطويل في أسمار الليل، والمشاورة، والمناقشة في كل معضلة أصابته بالغم، لم تكن أمه، لكنها عرفت كيف تؤدي واجب لم تستطع أمه أن تؤديه، لذا فكانت هي أقربهم إليه. باح أخيرًا بصوت فيه وجع استطاع كبح معظمه:
_ حاجات كتير! مش هقدر أقولها في قعدة حتى، أنا يمكن إللي أقدر أشارك بيه إني تعبان وضايع من زمان.
_ يا دنيا طفيتي شمعي...يا ناس كترتوا دمعي...أاااه يا دنيا طفيتي شمعي..
شق صوته المكان فالتفت الاثنين إلى مصدر الصوت وقد تبدد ضباب مشحون بالتوتر كان منذ قليل وأشرقت شمس المرح في غير معاد مناسب كعادته لتضفي لمسته الخاصة. تابع《عُمر》غنائه بينما يقترب من الطاولة كي يشاركهم الجلوس:
_ أنا تهت مني أنا مش عارفني أنا مش أنا...
توقف عن عن الغناء وغمز لشقيقه، ثم أضاف متوعدًا بمزاح:
_ والله العظيم لو أعرف مين طفى شمعك ومين كتر دمعك، لأكون عاجنه على الضياع إللي أنتَ فيه ده ومصدرلنا الوش العِكر بسببه!
_ كنت فين؟
هذا فحسب ما تفوه به مجاهدًا إخفاء تأثره مما عبث به شقيقه وألمه دون قصد منه، فالذي كان سبب ألمه هو نفسه الذي كان يومًا سبب هناءه!
التوت شفتيه عن حنق تجلى على خلجاته كان سببه ذلك الكئيب الجاثم أمامه، ثم هتف موجهًا نظراته وحديثه لشقيقته التي صمتت تتابع بداية الجريمة التي ستُقام أمامها كي تعرف كيف تبطلها قبل وقوعها:
_ قولي لحبيب عيونك يا اختي إني مش ملزم أعرفه خط سيري وكل تحركاتي، لأني ببساطة أنا مش مراته.
لاحظ شقيقه سلوكه الأبله، فعلم أنه لازال متضايقًا منه منذ ما حدث بينهم بسبب ذات المعضلة، وهي تركه للعمل بدون أسباب مقنعة. ضم قبضة يده في محاولة على تمالك غضبه حتى لا يرتكب ما لا يُحمد عقباه، لاحظ شقيقته ذلك بينما هو أردف بنبرة قوية موجهة له وليس لشقيقته كما هو فعل وجعلها وسيطًا بينهم:
_ بس ملزم تبرر، ملزم توضح أنتَ عملت كده لي، مش تسيبنا لقلقنا ونغور في داهية احنا. أي ما عداش عليك تفة احترام للعلاقات إللي حواليك!
لا يحب توجيه أصابع الاتهام نحوه، هو يفعل ما يحلو له ويريحه، لا شأن للأخرين بحياته. على عكس شقيقه قاده توتره لسلوكٍ عبثيٍ طائشٍ خرج عن عقل لا يفكر مرة، لا مرتين! هتف لشقيقته ساخرًا:
_ قوليله يتعلم الأول إللي بيقوله ده، وبعدين يبقى يتكلم ، مش يمكن لو وفر قلقه وبطل يدخل في إللي ما لهوش فيه ما كانش ده بقى حاله..ضايع!
فزع كليهما تباعًا لصوت كف《عَمرو》الذي صفع به سطح الطاولة بقوة، كاد أن يتبع فعلته بلكمة على وجهه لولا يد شقيقته التي ضغطت على ذراعه محاولة تهدأة ثورانه قبل أن تقع كارثة بسببها، ضم قبضتي كفيه بقوة بينما يرشق ذلك الغير مبالي لما حدث بنظرات حادة. ظلت 《أمنية》على حالها تترقب بخوف هبوب عاصفة بعد هذا الهدوء المطبق والنظرات المضادة المتبادلة، لامبالاة تقابلها غضب يكاد يحرق صاحبه الذي أثار الحديث شيء بداخله فضاعف انفعاله، ظلت هكذا حتى قطع الصمت صوت رنين هاتف أحدهم على سطح الطاولة مستقر، حمدت ربها أنه كان هاتف النسخة الأكثر انفعالًا الآن، فهذه المكالمة ستقطع الطريق أمام عاصفة لا تنذر بالخير بعد هذا الجدال الذي يظهر أنه سطحي، لكنها تعلم تمام العلم أنه أعمق مما يكن. تناول《عَمرو》هاتفه وخرج من المكان بأكمله بنيران ثائرة تحرق كل شيء أمامها، أما هي فتنهدت براحة وهي تنظر في أثره للحظات قطعها التفاتها نحو تلك الابتسامة التي تجلت على وجه ذلك الوغد الماثل أمامها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<سجين لا تعرف عيناه لونٌ سوى الظلام!>
حينما كان الأمر يتعلق بحياتها وظروف معيشتهم القارصة، لم تكن في مثل هذا التوتر والاضطراب، لماذا حينما رحلت عنها تلك الظروف، لم تحلق معها الآثار؟ ليتها لم تكن ضعيفة، وهل هذا خيار في مثل حالتها؟ حسنًا إن كان ضعفها أمر محتوم، فلماذا من بين الملاين كانت هي الضحية؟ الذنب ذنبها، لو كانت في ذات الأمر لهربت، أو قتلت نفسها فهذا أرحم من ذكرى ملعونة تطاردها في نومها، تكره النوم، تكره ذلك الوجه الذي يقتحم ثباتها العميق كل ليلة، تريد الخلاص حتى من حالها!
_ "آية" يا "آية"...أنتِ يا استاذة أنا جايباكي على النيل علشان تسرحي مني، يا بنتِ!
استجابت لأخر نداء لها ببطء ملتفتة بنظراتها لها، تنهدت بارتياح بعد أن خرجت سالمة من عاصفة أفكار اجتاحت عقلها منذ دقائق وصولهم إلى ذلك الكافيه الطال على النيل. في فتور وضياع بعض الشيء قالت:
_ أهو معاكي، هو عمو "إمام" هيرجع امتى ياخدنا؟
_ احنا لحقنا نقعد!
قالتها معترضة حديث قادم توقعته سيفضي في النهاية إلى العودة للمنزل، فهي لا تريد العودة دون أن تنفذ خطتها التي حاكتها بدهاء كي تكشف أمر الأخرى وتعرف ما حل بها. تابعت بعد لحظة صمت مقترحة:
_ بصي انسي حوار عمو ده وجاي امتى، يجي براحته، أنا عملالك مفاجأة وهاخدك مكان كده.
سرت رعشة من التوتر في أطراف جسدها، واستحال هدوء جوفها إلى وجع بدأ يتزايد منذرًا بعاصفة عاتية في طريقها إليها. سألتها في اضطراب جلي:
_ ده فين بس يا "حور" ما احنا أهو قاعدين..لي نغير مكانا بس!
شعرت بمعاناة جلية أمامها، فالتقطت كفها وطمأنتها:
_ اطمني، وبعدين دي مفاجأة هقولك ازاي؟
صمتت ولم تجيب، هي لا تعترض على التنزه، بل تحب ذلك وبشدة، لكن بحالتها التي عليها الآن وخاصة تلك الفترة الزمنية التي بُغتت بكوابيس مؤلمة خلالها، لا تعتقد أنها ستتحمل، كل حركة تحسب لها ألف حساب، تخشى المرور بالقرب من ذكرى قديمة، يراودها فكرة ملحة ومزعجة أنها سترى ذلك الوجه البغيض ذات مرة عبر تلك الوجوه المارة لذا فكانت تلك الفترة تلتزم العزلة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<أسير الماضي لا يفقه حاضره، ويعش أبد الدهر في ماضي>>
لربما كانت مخطئة، أو لا، هذا لا يهمها الآن، القاسي في الأمر أنها كلما تعلقت وأحبت، هرب الجميع من حولها، تُرى هل كانت مذنبة في الحب، أم أن مثل هذا لا ينتمي لها؟
الجميع في الأسفل يشغله قضية أكلت عقولهم كثرة تفكيرهم بها، أما هي فنهش الحزن قلبها وعبث حتى أضحت أرضه خرابًا لما فارقه أُناسه، وهل هو كان أحد المعمرين لقلبها؟
مرة أخرى لم تعرف كم عددها دالفة بسؤال شق نوره عقلها في لحظة تفكير يشوبه جوها الحزين على فراق الأخر، وسمحت الأحزان فحسب كي تشغل عقلها، خلال ذلك الصمتت واتتها صوت قوي من الخارج، أفزعها صوت أرتطام قوي هوى قلبها في حجرها على إثره، وظلت محدقة على باب غرفتها حاجظة العينين للحظات.
جففت ببطء وجنتيها بكفيها من أثر الدموع، وبترو اعتدلت واقفة وسارت خطواتها نحو مصدر الصوت الذي تظن وبدرجة كبيرة أنه أتى من الخارج حيث البهو أمام شقتهم، سارت ببطء بعض الشيء والتساؤلات تضج رأسها بحدة، ماذا هناك، من هناك، أهل هناك من حادثة ما وقعت على درج السلم القريب من شقتهم؟ تساؤلات يغلفها القلق تدفقت في عقلها مرة واحدة إن نمَّت لا تنم سوى على شيء واحد، أنها حبيسة حادث ما في صغرها لم تتحرر من قيد أثره إلى وقتها هذا، فصارت ترى حاضرها عبر نافذته!
ما إن وصلت إلى باب الشقة وفتحته، صدمها ما رأته وخالف توقعاتها؛ فبعد أن ظنت وجود جثة أمامها على درج السلم تتأوه من أثر السقوط، خالف ذلك الشيء الذي وقعت عليه عينيها توقعها تمامًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ساد الصمت في المكان الذي جمعهم، واتخذت الضجة عقولهم مسكنًا؛ في كل عقل مأدبة من الذكريات القديمة فاقت من مرقدها على إثر هذا الحدث، الجميع في نظر بعضهم لبعض مجرم، يواري خلف صمته خبيئة صنعها ولم يفصح بها، إن فُتش عن الثقة بينهم فهي ظاهريًا متواجدة، أما خلف الصدور تكن حقيقة واحدة، وهي الشك.
تفاوتت درجات الشك عند كل واحد من الجالسين في ذلك الصالون، منها الطفيف الغير مؤثر وأخرى تفاقمت حتى كاد صاحبها أن يثور متهمًا صاحب الواقعة التي حدثت ويظن في أنه من فعلها. همست 《منى》بالقرب من أذن 《سعاد》خِلسة والجميع شاردًا في صمت:
_ خلاص أنا على أخري منه، قاعد وعاملي فيها بريء وممثل الدور ببراعة زي عادته.
لم تبدو اي علامات على وجه《سعاد》 ظلت ثابتة بينما تنصت لهمسات《منى》التي أكملت تقول هامسة بغيظ بالغ:
_ من يومه بيقتل القتيل ويمشي في جنازته، شوفي يا اختي بيشاركنا الزعل ازاي، ولا أجدعها ممثل، وده إللي هيموتني طاقة يا "سعاد".
على مقربة منهم، كانت《زوزو》تنصت إليهم دون انتباه لأي منهما، وعلى حين غرة جذبتها من مرفقها وهمست محذرة:
_ بطلي وشوشة وكلام فاضي يا "منى" خلي الليلة تعدي على خير.
أين الخير في أم تدافع عن مجرم فقط لأنه ابنها، في كل مرة هي المخطئة و أخواتها هم على صواب دائمًا، ولكن هنا وكفى، كل شيء لا بد أن يُكشف والآن. انتزعت ذراعها من كف والدتها وحدجتها بنظرات معاتبة طغى عليها الحنق، وقالت بصوت خفيض:
_ حاضر أنا هبطل كلام فاضي، بس هقول إللي له قيمة.
عقدت《زوزو》حاجبيها تحاول فهم مقصدها، بينما ابنتها التفتت للجميع وعلى صوتها تنبههم بهتافها:
_ أي يا جماعة هتفضلوا كده كتير، يعني ما شوفتش حد وصل لحل، ولا جو التحقيق ده مش في طريقكم، والتستر بالسكوت عن الحقيقة هي عادتكم؟
كانت تقصد كل كلمة تفوهت بها، والجميع لم يحتاج وقتًا كي يفهم ما تخفيه بين كلماتها من مقصد، بادر 《مصطفى》بالحديث وهو يشعر أن باب الماضي على مشارف أن يُفتح:
_ ومين قال إننا هنسكت عن الموضوع يا "منى"، أنتِ شايفانا أهو بنحاول نشوف صرفة ونحل المشكلة لغاية ما نوصل للمجرم، ده لو أُثبت إنهم اتسرقوا فعلًا.
ابتسامة ساخرة تجلت على خلجاتها، تابعت بعدها متهكمة:
_ نفس الطريقة، ما فرقتش حاجة عن إللي قبلها، بنفكر يا "منى" ، ما تقلقيش يا "منى"، هنعرف المجرم يا "منى"، وفي الأخر لا "منى" ولا جوزها ارتاحوا، وصوت الحق هو إللي ضاع.
الجميع ألجمتهم كلماتها، ظنوا أن السنوات مضت وطوت معها ماضيها، لكن ما يتمثل أمامهم لا يشي إلا بأنها لازالت حية بداخلها، وفي حديثها الذي من يراها يظن أنها عانت أمس من تلك الأحداث وليس منذ سنوات كثيرة.
تابعت بعد هنيهة من الصمت تراقب تغير خلجاتهم:
_ طول عمركم هتفضلوا كده، أضعف من الضعيف نفسه!
_ "منى" !
صرخة عالية هتفت باسمها بواسطة فاه شقيقها الأكبر 《مصطفى》الذي أوقفها عند حدها بغضب أثارته كلماتها:
_ أي لازمته الكلام ده، أي علاقته بمشكلتنا يا "منى"؟!
أسرعت تهتف وكأنها تعيش ذات اللحظات الماضية معهم في صراع مدافعة عن حقها، غير عابئة لثوران غضبه:
_ لأ له لازمة وكبيرة كمان، في إنكم على طول كده في خوف، تقدر تقولي خوفكم من إنكم تصدقوا حقيقة ضياع ثروة جوزي قبل ما يموت، ومين صاحب المشكلة؟ طب تقدر تقولي لي رافضين تسمعوا كلامي مش شوية وتصدقوا إللي شوفته بعنيا دول؟
كان الغيظ يأكلها كلما تذكرت تجاهلهم لما أفصحت به منذ دقائق متوسطة ماضية، حيث قصت عليهم ما رأته في ذلك الصباح باحترافية ممثلة دور المحقق بشكل لم تتهم فيه الأخر بشكل مباشر لشقيقها الذي أنكر ذلك أمامهم وصدقوه كالعادة، وهذا ما جعل قدح الغيظ يفور بداخلها.
صمت جميع أخوتها والاضطراب أحدث في كيانهم اهتزازًا ليس بضعيفًا، مشت بعينيها فوق هيأتهم المضطربة، وتابعت باستياء عتيق:
_ طيب خليني أنا أجاوب...
قطعها《مصطفى》بقوله محذرًا، فهو يعلم أنها ستزيد الأمر سوءًا بينهم:
_ بلاش يا "منى"، ملوش لازمة نفتح القديم على الجديد دلوقتي، خلينا نشوف إللي احنا فيه الأول.
تابعت دون أن تعبأ بحديث شقيقها:
_ خوفكم من إنكم تصدقوا الحقيقة المرة هي أكبر سبب ضيعتني، وهتضيع حق أمكم دلوقتي لو فضلتوا على نفس الحال، عقولكم رافضة تصدق إنه واحد منكم هو المجرم، حبكم الأعمى ليه خلاكم عاجزين تعملوا أي حاجة صح!
التفتت له وقد كانت توجه نظراتها طوال الوقت نحو شقيقيها《مصطفى》و《أحمد》، ثم تابعت بطاقة غضب تعتقت بداخلها لسنوات:
_ حبكم الأعمى له مش هيخسرنا غير بعض، ده لو ما كانش ده حصل من سنين فاتت...
_ "منى"!
أطلق 《أمجد》العنان لغضبه لتخرج صيحة هاتفًا باسمها، ففزعت في مجلسها وقد انقطع حديثها طريقه نحو تفريغ ما كتمته لسنوات، تابع الجميع ومن بينهم 《مصطفى》نظراتهم المشتعلة، قلبه بدأ القلق يأكله، فما كان يظنه ويخشاه يتجلى أمامه في صورة عاصفة حلت زوابيعها بينهم للتو، صراعات الأخوة التي همدت نارها كما ظن ها هي تعود لتحرق كل شيء!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتبع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman