بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثالث_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
أحيانًا ننسى أن نصبر حين تحل المصائب، فنستنفذ كل زرة طاقة في الحزن، ولمَّا نُفجع بمصيبة أخرى، لم نجد حتى الدمع لنزرفه على بؤس الحال، وقتها يحل الجنون!
ما إن وقعت كلمات الأخر على مسامعه، أغلق على الفور المكالمة ولم يترك له مجال للأستفسار، هرب بوقاحة، وتركه يتصبب بالأسى فوقه أكيالًا حتى شعر أن الثقل سيخل ثبات قدميه ويسقط، هذا ما كان ينقصه، كملت المصائب بأخرى حلت على حياته المشؤومة، والآن يقف يستقبلها بطاقة منعدمة، لا يملك شيء ليفعله سوى الصمت والاستسلام ليأسه.
رأه الاثنين من بعيد يقف في شرود وحالة مرهقة بشكل غريب! بينما هم في طريقهم إليه بعد أن ابتاعوا بعض المستلزمات السريعة لتسد جوعه وتدفعه بالطاقة في جسده. وقفوا قبالته وكان أول من بادر بسؤاله《يحيى》بعد أن ربت على كتفه بكفه:
_ في أي يا "صفوان" مالك واقف هنا لي؟ والدتك بخير؟!
أفضى ما في عقله من أسئلة أقلقته، توقع أنه سيجيب بالكلمات كالعادة في أي حوار كان، لكنه صُدم وهو يرى هيئة تبدلت جذريًا من حال إلى حال في ذات اللحظة، حرك رأسه يمينًا ويسارًا وعلى ملامحه ابتسامة بدأت تتسع شيئًا فشيء مع مرور اللحظات، حتى انقلب الحزن والأهات إلى ضحكات عالية تخرج من جوف الأخر الذي ومن يراه يعتقد أنه جُن عقله!
زادت ضحكاته وتتابعت بشكل سريع ومتقطع، كاد في لحظة ما أن يسقط بسبب ترنح جسده، لكنه استند على ذراع《بلال》الذي كان على شماله، لم يجد هو الأخر تفسيرًا لِما يحدث أمامه فتبادل النظرات مع خليله، ولم يسدي بذلك شيء توصلوا إليه سوى أن كلاهما ظن أن الصدمة أثرت على عقله لمَّا علم بدون علمهم بمرض والدته، وهذا غير مقنع لعقول كلايهما، فازدادا غرقًا في التعجب!
هدأت وتيرة حالته المجنونة كما يظن الناظرين، واعتدل في وقفته وقال من بين ضحكات لازال أثرها بشكل خفيف:
_ كله راح يا "يحيى" ، كله ضاع يا "بلال" ، ما حدش واخد منها حاجة غير البلاء، البلاء وبس! مش مكتوب على نفسنا غير نزعل ونتقهر!
مسح بكفه على سطح وجهه كله يزيل أثر ما أصابه من جنون، وأمام جوز عينين عالقين في تعجب لم يزول، أكمل بابتسامة غريبة حملت مزيجًا من الأسى الموارى خلف لا مبالاة تامة تعبر عنها تلك الابتسامة. نظر إلى يد《بلال》بما جاء به من مشتريات أطعمة سريعة، فانكسرت ابتسامته، الآن أدرك حالة الفقر والحاجة كيف تكون وشعورها أيضًا!
رفع بصره إليهم وقال في فتور:
_ سيبوني لوحدي معاها شوية، سيبوني يمكن أرتاح أنا وهي علشان الدنيا تبقى مبسوطة بعد ما جابت أخري!
قبل أن يولي ظهره بالكامل لهم ويدلف الغرفة، قبض على ذراعه كف《يحيى》، فأوقفه عن الحركة:
_ مش هتمشي غير لما تفهمنا إللي حصل قدامنا ده، ونطمن عليك، الله يهديك قولي مالك.
ما إن تذكر جنونه منذ دقائق، ضحك بخفة تجلت فيها انكسار وقهر، وصمت، فلم يعد في جوفه كلمة تُصاغ ليشرح لهم، سلبت الصدمة كل طاقته، كاد أن يعود ويتركهم، لكن تلك المرة أوقفه حديث《بلال》وكفه بعد أن ترك ما في يده على الأرض في ركن أمن:
_ احنا مش صحابك برضه؟
وهنا نطق يشكر نعمة في حياته وحيدة:
_ الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي.
_ طلاما كده يبقى شاركنا همومك، ده مش أنتَ إللي كنت تجري وتصيح معانا على أقل حاجة تحصل في حياتك.
أخرج زفيره الواهن بعمق ووعده قبل أن يسير في اتجاه مبتغاه بإصرار:
_ عارف، والله عارف، سيبوني بس لوحدي شوية ممكن!
لم يعترض أحد منهم بعد تجلي الوهن الشديد في عينيه، تركوه معها وظنوا أنه بحاجة للبقاء معها كثيرًا، وغرقوا هم في توقعات يخشونها وهي أن يكون الأخر علم بكل شيء، تراه علم أم لم يعلم؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في جوفها شيء ثقيل تكتمه، بل تتجاهل وجوده خشية الدخول في حرب هي المهزومة فيها كالعادة، يطبق على صدرها فيزداد ضيقه، وتنعدم معنى الحياة في الأشياء حولها، فتنشد بألم أنها نادمة أشد الندم على أفعالها، رافعة راية استسلام في صراع تخوضه منذ أن وطأت قدماها ركن قصي يلوذها الأمان في جنباته.
منذ أن التهمتها ذكرى ماضية بينما كانت تعد طعامًا لها، وهي لازالت فريسة لذكريات طفحت في عقلها فجأة، تأخذها تارة إلى قصص شتى كانت هي أول من اقترف خطأ البعد عنها، وتعيش حياة الماضي بمشاعر ذاتها التي مضت، تلوح الذكريات على جدران ملجأ أمانها المزيف، فتنسل إليه في إذعان تتذكره، وكأن عقلها رسم لها درب يصل بينها وبين مواقف ماضية، وبدلًا من نسيانها، يأسرها في غياهبها!
خسرت بسبب ذات الفكرة كثيرًا، متعة المشاركة في الحديث مع من حولها، أو مشاركة أي شيء يسعدها ويشعرها في لحظات قليلة أنها ليست وحيدة، تحب كل من في العائلة ولا تكن لهم شرًا حتى إن كان هو سبب وحدتها وألمها النفسي، تراودها أحيانًا خواطر لمشاهد بينها وبينهم تتخيلها، هي تشاركهم تجمع جميل ويعبق بالدفيء، وهم يلوحون بابتسامات القبول والحب لها، وفجأة ينتشلها من خاطرها الجميل صفعة قلق ما إن تتوارد تعنيفاتهم، تعليقاتهم الساخرة، نبذهم لها، فتراودها فكرة راسخة تقودها للابتعاد، وهذه حياتها معهم وغيرهم باختصار، التجنب!
سارت في ممر يؤدي إلى غرفتها بعد أن انتهت فترة شرودها في مواقف ماضية سدت شهيتها، فلم تتناول الطعام إلا قليلًا، والآن تعود هاربة إلى النوم ببطن تصرخ جوعًا، لكن أين الشهية، تذكرت حسراتها، وأدركت جيدًا أنها نادمة، فلو أنها فكرت قبل حدوث ما اقترفته، لما كانت عالقة الآن بين أشواك الندم.
الشرود البهيم يحجب عن عينيها الإبصار جيدًا، فتسير في تيه مهدلة الكتفين في ذلك الممر، غير منتبهة إلى طريقها جيدًا ولا من فيه من أُناس يسكنون معها، فاصطدمت على حين غفلة بجسد أحدهم كان يمر بجوارها ولمَّا رأها وقف يبدأ حديثه معها لكنها صُدمت به قبل أن يبدأ.
سندها بكفه الذي أمسك به كتفها، ورفع بالأخر رأسها يتفرس ملامحها ويفسر حالة التيه التي بدأت تغرق فيها، ثم قال وهو يطالع خلجاتها الحزينة:
_ في حاجة مزعلاكِ يا "حياة"؟ مالك؟
تحزنها الحياة وما فيها من عِلل تصيب النفس، وتتوق لسعادة على هيئة أفراد من حولها ينشرونها فتنجو من براثن الوحدة. هزت برأسها نفيًا، ثم صمتت وسألته فجأة:
_ "وسام" هو أنتَ فاضي؟!
على الفور أجابها بلطف:
_ وأفضالك لو كان لأ، هو أنا عندي كم "حياة"؟!
انبلجت ابتسامة بسيطة على شفتيها وطلبت:
_ طب ممكن تقعد معايا شوية، علشان مش جايلي نوم وحاسة بزهق، ده لو مش هيأخرك على شغلك بكره؟!
حاوط ذراعه كتفيها وحثها على السير معه بينما يقول بقبول وترحيب لطلبها:
_ يا ستي طلبك فوق كل مخاوفك دي، تعالي بس نقعد نعد النجوم زي زمان في البلكونة ونشرب لمون فريش ونروق.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
استنفذت الفاجعة الأولى في والدته جُل طاقته، فلم يجد ما يدفعه كي يفتعل حديثًا حتى حيال مصيبة أخرى تلتها، لذا فكان قراره في البقاء بجوارها يراقب حالتها سببًا لكي يهرب من حديث معهم لا قِبل له من طاقة كي يخوض فيه، مؤجلًا إياه إلى حين تعود له حياة جسده، وهل تعود وعزيز على قلبه تُسلب منه ببطىء؟!
_ "صفوان" .
خرج اسمه من فاهها بصعوبة تحاملت على نفسها في نطق حروفه من دون تقطيع، وفي وهن أجابها بعد أن قبَّل كفها الذي لم يتركه منذ أن رافقها تلك الدقائق الماضية:
_ نعم يا غالية أأموري.
جمعت حروف كلماتها في لحظات صمت ثقيل على كلايهما، هي تتحامل على نفسها الحديث رغم التعب الذي لا تعلم مصدره بالضبط! أكان سببه المرض ووجعه، أم روحها التي تشعر بأنها تُسحب ببطىء منها! أما هو فثقله كان نتاج عذاب روحه وهي ترى غاليته يأكلها المرض.
_ م..ما تزعلش يا ابني مني...واوعى توقف حياتك... على مصيبة ربنا ابتلانا بيها....
غلبها الألم، فسكتت، ونفى الأخر حديثها في لحظات سكوتها:
_ أنا مش زعلان منك يا غالية، ولا عمري هزعل.
استعادت قدرتها على الحديث فأكملت:
_ أوعى تزعل منهم....ما تشلش في قلبك..منهم يا ابني...ده شطان...شطان يا ابني دخل بينكم...وأنت واجبك تصلحهم.
بدأ عقله رويدًا يتفهم عن من تقصد بحديثها، فرمقها بحاجبين انعقدا بشكل خفيف وهي تتابع بعد لحظة توقف:
_ وأوعى تفكر....في يوم....إنك في الدنيا دي..لوحدك...ربنا..ربنا يا ابني مش هيسيبك...ومتيأس...متيأسش من كتر الابتلاءات....قرب منه يا ابني....واستأنس بيه....احنا ملناش غيره.
هنا أدرك خطرًا دق به نواقيس عقله، فاجفل قلبه خوفًا من حدوث المكتوب الذي توقعه، تلك ليست بحالة مرضية فحسب، هناك شيء أخطر يقف بقلبه على حافة الفزع!
_ أنا مش لوحدي هو معايا وأنتِ كمان، وواثق إنك هترجعي أحسن وترجعي تمشي كويس وهتحضري فرحي إللي كمان قريب.
واجه عقله وأوقفه عن فكرة تدق به نواقيسه بصب جرعة تفاؤل تقنعه عنوة رغم أنف يأسه وخوفه بأن كل ما يريد سيحدث، ولم يجزع أبدًا بسبب مجرد توقع لا أكثر، هكذا نأخذ سبيل الوهم مسلكًا لنهرب من شعورٍ مقلق!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ سبحانك سبحانك، يا مؤمن..أمن قلبي من كل سوء.
كان يردد بخفوت كلماته المعهودة، يلتمس الأمان منه والحفظ في كل وقت، خاصة في حالات شدة يخشى أن تثير في قلبه ما لا يُحمد عقباه!
حالة من الهدوء العارم تلبسته كعادة تطبع عليها، رزقه الله بلطفه الثبات عليها في مواجهة الشدائد والظروف المقلقة، فسبحانه، جعل الذكر ملازمًا للسانه، فسكن قلبه، وطار عنه مثيرات تجعله غير مطمئن، وسلم نفسه تسليمًا تامًا لله عليه متوكلًا، فحفظه بحفظه، وأنعم عليه بالأمان وسلامة القلب، التي يأمل ألا تزول، وإلا سيفنى!
_ "بلال" أنتَ بخير؟
أخرجه سؤال خليله الجالس بجواره من حالة تأمل مسبحًا والتي تنعش قلبه بالسلام، وتنسيه أي توتر، فالتفت له والابتسامة الخفيفة المطمئنة حلت على ثغره وهو يربت على كتفه ويقول بهدوء:
_ ما تقلقش أنا بخير، اطمن.
تنهد براحة وحمد ربه، حالته الشاردة طوال الوقت، وفي ظل تلك الظروف المأساوية، خشي أن يكون قد طال قلبه سوء فتأثر، وبدأ جولته الخاصة المرهقة، فصمته طوال الوقت، لم يزجي به إلا في غياهب فكرة يخشى حلولها على عاتق خليله، وهي المعاناة في صمت!
مكثوا على حالهم بضع دقائق أخرى تعدت العشرة، حتى ظهر صديقهم بغتة أمامهم، لم يلاحظوا مجيئه من بعيد، وقد رُزعت أبصارهم أرضًا حينها وهم في شرود داعيين أن يفرج الله همهم، وقف الاثنين في ذات اللحظة لمَّا ظهر بنيان صديقهم قبالتهم بغتة وهم جالسين، راقبواه وخلجاته المنكسرة، كل شيء فيه منكسر، ظاهريًا أو داخليَا كان، سحبه《يحيى》وأجلسه على أحد المقاعد، وجاورهم《بلال》، فأصبح《صفوان》في المنتصف بينهم.
أسرع《يحيى》يطمئن عليه بلهفة:
_ مالك يا "صفوان" ؟ طمني عليك، قولي أي شاغلك، ما تسكتش كده!
لم يجيب، ومكث الصمت ضيفًا لا يود الرحيل، بقي شاردًا أمامه في وهن، عقله توقف عن التفكير، ماذا يفعل في مصيبته؟ إلى من يلجأ؟!
أتاه الرد بغتتة، وكأن الأخر كان يعلم مكنون تفكيره في تلك اللحظة، وكان ذلك من《بلال》صاحب النبرة الهادئة والقلب القوي رغم ضعفه!:
_ قل اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم فرج همي ويسر أمري، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، وارزقني من حيث لا أحتسب، ولا تيأس، فلك رب رحيم شكور جبار.
وكأن الدعاء جاء يصف حالته، التمس منه راجيًا القبول، ثم تنهد ببطء، بعد أن دعى ربه مرددًا ذاك الدعاء، وجمع ثباته وألقى عليهم خبر قسم ظهره نصفين، وأعجزه:
_ أنا اطردت من شغلي النهاردة.
نظرا كلاهما إلى الأخر نظرات يفهمانها عن ظهر قلب؛ إذن صراعه الماضي العاجز عن البوح به يأسًا كان سببه مصيبة أخرى أُدهي فيها، الآن علموا وبطريقة سلوكه حيال الموقف وإلقاء الخبر عليهم بهذه النبرة الفاترة، الخجولة! أنه يُقهر في صمت!
ركزا جُل اهتمامهم على معضلته، سألانه عن السبب، ومتى حدث ذلك، فشرع بخزي في قص كل تفصيلة عليهم، وهم يستمعوا وعقولهم في تعجب، واهتمام بالغ متأهبين للوقوف جواره في تلك الظروف وحلها بأيسر الطرق مستعينين بالعزيز.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أنزل كوب عصير الليمون الطازج من على شفتيه بعد أن شرب معظمه دفعة واحدة، يحبه كثيرًا، لدرجة أنه ربط بينه وبين راحة عقله الحاصل عليها بسببه، وضع الكوب الممتلىء ربعه تقريبًا والتفت إلى تلك التي تجلس بجواره صامتة وفي يديها الكوب خاصتها لم تنقص منه رشفة واحدة. أخرجها من شرودها في سماء تزينها نجمات تعشق قصصهما التي تحكيها لهم كل ليلية:
_ ها يا شاطرة أخبارك؟ بقالي كتير مش بكلمك واطمن على حالك ولا علاجك ووصلتي لفين؟ طمنيني.
عادت برأسها ترمق سور الشرفة أمامها وتقول في فتور حيال شأن علاجها الذي نسيته تمامًا:
_ بصراحة يعني...مش متابعة من أخر جلسة وأنا وقفت كل حاجة.
كانت بجلوسها معه ومراقبة النجوم في السماء بهدوء وقع الراحة على عقلها فأنساها قليلًا ما خلفه صراع كان يُقام فيه، ولمَّا ذكرها بأمر أنساها صراعها واجبها نحوه، تعكر صفو بالها الغير كامل، وعادت نفسها تشكو يأسًا حل لتوه.
نطق يسألها في هدوء قاصدًا فتح باب الأحاديث معها لتجتر بإفصاحها عن ما تسبب في ذلك:
_ والسبب يا ترى استسلام ولا استراحة محارب؟!
في لحظة شعر بأنه يحدِّث نفسه، فهو يمر بظروف جعلته يقف على حافة الاستسلام والفشل، لكن ما يختلف هو سؤاله الأخير، هل هو استراح بعد الحرب مثلما يطمئن على الأخرى بسؤاله؟!
لحظات الصمت الهاديء بينهم انتهت حينما أفصحت الأخرى أخيرًا بعد تفكير في أسبابها ولم تصل إلى حل، فشكت:
_ مش عارفة يا "وسام" بس أنا الفترة دي مرهقة بشكل ما كنتش أتخيله بعد ما كنت فاكرة إني مرتاحة، إن شاء الله هرجع أتابع قريب بس أرتاح.
وأين تكمن الراحة يا ترى؟ وهل قريبًا وهي ستتلاقى سبلهم؟ نبض قلبها بمشاعر قوية تتوق لأجابة حيال أسئلة افتعلها عقلها، فغرقت تبحث في غياهب التيه عنها! أما الأخر فرمق هيئة ضائعة، شتتها أفكارها وأحالت بينها وبين مرادها الصادق، لم يرى أحد مثلها قط، تريد الشيء مهما كان، فتنحرف بارادتها عن سبيله وتعود شاكية أو منتكسة بين براثن اكتئاب أسود!
باغتها بجملة غامضة أراد بها أن تلتفت قليلًا ولا تترك لمواقف ماضية أن تجعلها تعيد الكرَّة مجددًا حين قال:
_ ساعات إلى فات من ماضي يا "حياة" تأثيره علينا بيبقى خفي، بيبان في مدى تكرارنا لمواقفنا تجاهه لمَّا نقع في اختبار مشابه لغيره فات، وهنا بيظهر هل احنا تغيرنا ولا ما زلنا بنقع في نفس الغلط وبنكرر نفس السلوك.
هو أكثر من يعلم معنى جملته، قد كانت خبرته في ترك الماضي لأهله والسعي لتحقيق أهدافه دافعًا لرؤية المعضلة التي تمر بها من هذا المنظور، فباح بها لينجدها من دوامة تيه بدأت تتعمق فيها.
يهتف بداخلها صوت يؤيد حديثه الذي فهمته كله، رغم أنها لم تلتفت لسؤاله عن سبب بوحه به، لكن ما لبثت لحظات تترك العنان لقلبها أن يرتاح بسيره في سبيله المجيب لتلك الهتافات البعيدة في نفسها مفكرًا فيها، حتى زارها الوجع في بطنها وأمر عقلها بشن حرب أفكاره عليها، وتهيأ بركان في جوفها لنشر شظاياه، فعادت مسرعة تختبيء في ركن أمانها بعيدًا عن التفكير في الأمر مجددًا، لا يهم إن كانت على صواب أم خطأ، المهم أنها في راحة بال وأمان عن كل صراع!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
شق ضوء الصباح عتمة الليل، وبدأت شمسه تتجلى، تنشر خطوطها في كل مكان وتطرد الظلام البهيم من جنباته، فتُضاء الدنيا بأمل جديد، رزق وفير، ونفس تتبدد ظلماتها بعد أن انتشلها صوت الصباح المشرق ونوره من غياهب كوابيس مرهقة.
لماذا تباغتنا الكوابيس وتسرق منا هدوء نفوسنا، وتلقي بنا في غياهب ذكريات مضت؟ أوليست هي ماضي، فما دورها في حاضر مشرق؟ وإن لم يتخلص المرأ منها بالنسيان ومرور الزمن، كيف يتخلص منها إذن؟ أيتم بتر جزء الذاكرة ليكف مخزونها عن المطاردة؟ حسنًا حل منطقي، ولكن هل ينسى الجسد ماضيًا في شتى أنحائه طُبعت ذكراه بعد بتر الذاكرة؟!
انتهت من أداء صلاة الضحى للتو، وبعد أن أنهت تلقين الأذكار مجددًا وقد ارتابت من أنها لم تقرأهم بعد صلاة الفجر، ولكي تنهي جدال في عقلها أعادت قراءتهم بعد أن استيقظت وأدت صلاة الضحى، ثم استعاذت بالله من الشيطان الرجيم ودعت الله أن يطمئن نفسها المرهقة نتاج كابوس مزعج ترى فيه نفسها كل يوم عالقة بين براثن ذكريات الماضي المزعجة.
خرجت من غرفتها متوجهة إلى حيث وجود والدتها التي بحثت عنها فوجدتها في المطبخ تضع طعامًا معدًا منذ قريب في علبة بلاستيكية وتدسه في حقيبة سوداء واسع جوفها، بدون سؤال علمت أنها أعدته لوالدة《صفوان》وستذهب إليها به كما اتفقت ووالدة 《يحيى》الأمس على مرأى منها ومسمع، وقد أشار عليهم الطبيب بنوع طعام معين كما نقل حديثه إليهم《إمام》.
تبادلا تحية الصباح، وأكملت والدتها بعد أن أنهت ما تفعله وصوبت نظرها إليها وهي تقف أمامها ترتدي إسدال الصلاة:
_ أنا هخرج دلوقتي علشان ما أتأخرش علي أم "صفوان"، وخدي نسخة المفتاح أهي علشان لو جيتي بدري وما لقيتينيش، وأنا هبقى أروح مع "بلال".
مدت يدها إليها والمفتاح يحاوطه أصابعها وتقبض عليه بأطراف أناملها، لم تمد الأخرى كفها وتأخذهم وفسرت ذلك بخبرها الذي أعلنت:
_ خليهم يا ماما ملوش لزوم، أنا مش خارجة النهاردة.
تعجبت الأخرى وسألتها عن السبب، فأخبرتها أن اليوم عطلة ممنوحة لكل من في الدار من طلبة ومعلمات وذلك اليوم يعطى كل فترة بعد إنتهاء مرحلة معينة من الحفظ، هذا ما علمته اليوم صباحًا من خلال قراءتها لمنشور في مجموعة على تطبيق《واتساب》تضم المعلمات والمشرفات تم نشره اليوم صباحًا وقد نسيت إحدى المشرفات بالتبليغ عنه مما حدث خطأ في الظنون إن كان اليوم عطلة أم لا، وتم حله في النهاية.
فهمت والدتها وهمت لتوديعها بعد أن وضعت المفتاح في جيب حقيبتها السوداء، وقبل أن ترحل أوقفتها الأخرى تذكرها بشيء اعتادت على فعله:
_ ماما ما تنسيش تقفلي الباب عليَّ من برة، المرة إللي عدت نسيتي واتفاجئت بيه مفتوح لمَّا كنت بتأكد إنك قفلتيه.
تجلى اعترافها بشكها المزعج في ذلك الأمر وخوفها من أن يكون الباب مفتوحًا وهي بمفردها، فشعرت بخيبة في فشلها في التخلص من شك مزعج ووسوسة ترهقها، ولكن ماذا تفعل فالعقل لا يهدأ والجسد لم ينسى أثر ما مر عليه من ذكرى حياة مضت، وما عليه سوى الإذعان لأوامر قائده.
نظرت لها في حيرة، ثم تنهدت وقالت قبل أن ترحل:
_ حاضر يا "آية" مش هنسى، ربنا يهديكي يا بنتي.
ألقت عليها السلام في النهاية ورحلت بعقل تحير في شأنها، تلك الفتاة لم تتخلص من عادات قديمة ترسخت حتى تولدت وساوس في عقلها نتاجها، دعت لها بالهداية مجددًا، بل وعلى الدوام تدعو لها، أما هي فظلت باسدال صلاتها تمارس بعض الأنشطة المنزلية في راحة بال رغم وجودها إلا أنها نسيت خلع إسدالها وقد اعتاد عقلها على إلزام جسدها بالمكوث به في البيت حتى ولو تغير، فتلك عقيدة وذلك جسد لم ينسى الذكرى فأطاع دون وعي منها، واعتادت على حالها ذاك.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
عقله لن يكف عن الإلحاح كي يخطط لهجمته، إلا إذا اتخذ خطوات البدء، ولأنه لا يريد الوقوع في ذات الخطأ السابق، ويحظى بندم التسرع، سيبدأها ببساطة، خطوة تليها أخرى حتى يصل لمرمى بعيدًا ويحرز هدفه.
مرت دقائق بسيطة على صعوده فوق سطح المنزل وانتظاره للأخر الذي وعده بتلبية اللقاء قبل ذهابه إلى العمل صباحًا.
قطع شروده العميق وهو جالس على الأريكة ظهور هيئته أمامه مقتربًا منه، تحامل على عصا تسنده كي يقف ويستقبله باحترام، لكنه عاد ما إن أسرع الأخر بقوله:
_ خليك ما تتعبش نفسك.
استعلم عن أحواله واطمأن عليه بعد جلس جواره على الأريكة في حديث قصير دار بينهم للحظات، أضاف بعدها《مصطفى》يسأله في اهتمام:
_ خير يا "عدي" أي الموضوع المهم إللي عاوزني فيه من الصبح كده؟
_ معلومات.
باغته بها، فلم يفهم منها مقصد يقبع بين طياتها، تحدثت نظراته بدلًا عن فاهه بالاستفسار، فوضح له الأخر:
_ عاوز أجمع معلومات بخصوص مهمة أنتَ عارفها، حكيتلك عنها قبل كده، هي مش مرتبطة بيها، أو ممكن تكون، بس مش مهم دلوقتي، المهم إني عاوزة معلومات ضرورية دلوقتي، وما حدش هيساعدني غيرك.
عقد حاجبيه وهو يسأل في استغراب:
_ غيري! وأنا أي علاقتي بشغلك والمهمة دي يا ابني؟
_ أنتَ طرف الخيط، وبدايته الغير واضحة للبعض، ف علشان كده قررت أبدأ بيه!
لم يفهم شيئًا، وغزت ملامحه استفهام وتعجب كبيرين، لم يلبثا لحظات واختفوا تمامًا ما إن قص عليه《عدي》دون الدخول في تفاصيل سرية خاصة به، اكتفى بإعلامه عن أهمية المعلومات بسبب شيء ما يتعلق بمهمته، بالإضافة لإخباره أنه علم بما حدث لتجارتهم من تدهور وذلك في حديث دار بينه وبين ابنه《عَمرو》صدقة.
انتهى من رواية القصة له، ثم أضاف ملتمسًا المساعدة الضرورية في سبيل يسلكه في الخفاء!:
_ أنا دلوقتي محتاج معلومات عن الشخصين دول، هما أكيد خرجوا من السجن لأنه زي ما بتقول القصة مر عليها سنين، فلو تعرف أي معلومة عنهم تعرفني بيهم علشان أقدر أوصلهم، ياريت تساعدني.
لم يجد سببًا للرفض، بل سيكون طرفًا مساعدًا في التخلص من هؤلاء المجرمون وإعاقة سبيلهم في نشر الفساد، لذا فوافق بإقبال شديد على مساعدته.
وقف كلاهما، وتحركا صوب باب المصعد بعد أن اتفقا على كل شيء، لم يكاد يتحرك أيًا منهما خطوة أخرى، حتى استمعا إلى صوتها:
_ صباح الخير يا خالو.
_ صباح الخير يا "شروق"، عاوزة حاجة؟
ابتعدت ببصرها عنهم، وقالت بحرج من وجودهم في وقت زارت فيه المكان دون حساب لوجودهم الغريب في ذلك الوقت من بداية الصباح:
_ عاوزة سلامتك ياخالو، جيت أدور على حاجة ضايعة مني هنا، ما كنتش أعرف إنكم موجودين.
أزاح عن كاهلها حرج تجلى بقوله:
_ روحي دوري عليها، احنا خلاص ماشين دلوقتي.
أومأت له، ثم توجهت صوب جبهتها حيث الجزء المخصص بهم تبحث عن ضالتها المفقودة منذ ذلك اليوم في ليلة مرعبة مرت بها، حزنت على ضياعه، فخاتم تسبيحها هذا بالتحديد عزيز عليها ولم تستطع تقبل ضياعه.
التفت إلى الأخر الذي تابع الحديث بينهم باهتمام جذبه لا يعلم لماذا! ثم عرض عليه المساعدة بعد نظرة شفقة على حاله وما يكابده:
_ تعالى معايا في طريقي بما إنك نازل.
لكنه أوقفه من الاقتراب حين قال معتذرًا:
_ ما تشغلش بالك، هنزل لوحدي، وهي الشقة كده كده كم خطوة.
_ خلاص أنزل الكم خطوة معاك وأوصلك الشقة، وأنزل أنا بعدها بالأسانسير.
بإصرار استمر عليه هتف:
_ معلش أنا كده مرتاح، اتفضل أنتَ بس علشان شغلك وما تتأخرش.
زفر في استسلام وهو ينظر له بتعجب من أمره، وقبل أن يبدأ حديثًا أخر، صدح صوت هاتفه قاطعًا عليه الطريق، فرحل دالفًا المصعد ما إن رمق المتصل، يبدو أنه تأخر كثيرًا على عمله.
تابعت حديثهم المشحون بالجدال بينهم بتعجب بالغ، فانشغلت عن البحث للحظات، التمست في فكره شيئًا يجذبها، لا لإعجابها، بل لشيء خفي أرادت فهمه بفضولها، تجلى في رفضه المتعنت للمساعدة، ترى هل يرفض مساعدة الجميع في كل مواقفه، أم ذلك المشهد محض الصدفة ولم ولن يتكرر؟
راقبت تحركه البطيء صوب المصعد الذي انحنى عن جهته، وراح قاصدًا تخطى درجات السلم الفاصلة بين السطح وشقته، تجلت أمارات التألم على صفحة وجهه، يحاول بقدر خفيف إخفاؤها، يبدو أنه نسي أن هناك من يشاركه الوجود في المكان بتلك اللحظة، لذا فسمح لآلامه أن تعلن عن نفسها من خلال تعبيرات وجهه.
لاحظت اهتزاز ساق قدميه التي تحمل أكبر قدر من ثقل جسده نظرًا لما أصاب الأخرى من عطب، كان معتادًا استخدام قدمه المصابة بشكل خفيف للغاية، لكنه أمامها الآن يقف على ساق واحدة، حتى عصاه التي يستند عليها لم تكفي لإتمام مهمة القدمين معًا، لذا فتعجبت، وبينما هي تراقب حركته المجاهد لقطع المسافة بها، ترنح جسده بمجرد استسلام قدمه عن التحمل أكثر، فاندفعت نحوه بسرعة هاتفة:
_ حاسب!
قطعت المسافة القصيرة الفاصلة بينهم بوصولها إليه، ذلك الذي وقف أمام استسلام قدمه معاندًا ضعفه، ومنع سقوط كاد أن يحدث، ثبت عصاه تحت إبطه جيدًا، ووقف يرمقها متفاجئًا من وجودها الذي كان قد نسيه تمامًا.
هتفت بحنق لا تعرف مصدره، بشكل ما تشعر أنه بسبب عناده ذلك العنيد، لو أنه ترك لخالها المجال كي يساعده لما كان تعذب في سيره هكذا:
_ كان ممكن تخليه يساعدك على فكرة بدل العذاب ده.
حاولت إخفاء حنقها بقدر كبير، رغم ذلك تسربت حفنة منه إليه، لم يلتفت له، ورد بدون مبالاه لوجودها:
_ أنا مش محتاج مساعدة من حد.
تهكمت في نفسها متمتمة بصوت وصل إلى مسامعها فقط:
_ ما هو واضح!
_ نعم؟!
أجفل قلبها كلمته، خشيت أن يكون سمعها، أجابت بتوتر تجلى بشدة على خلجاتها:
_ أ..أبدًا ما فيش.
أزاح عن صدره ثقل كبير بتنهيدة عميقة، هتف في نفسه لائمًا: ما شأنها هي بتلك الجملة التي رددت عليها بها، وكيف ستفكر فيها، ربما تكون بتلك الطريقة أسأت لخالها أمامها؟!
قطع صراع عن عقله بتحركه متقدمًا عنها بخطوات، وقبل أن يخطو أولى درجات السلم هابطًا إلى الأسفل، رمى بجملة فسرت كل ما يحمل بين طياتها من معنى:
_ أنا مش ضدد مساعدة حد ليّ، بل بالعكس شغلي بيضطرني أطلب بنفسي المساعدة، بس أنا ضد إني أستسلم للظروف وأبان في عيون إللي حواليا محتاج.
فكرة مغلوطة، اعتقاد واهم لا أكثر، هذا ما تبصرته في طيات جملته الكامن خلفها آلام لا تعرف سببها، شردت بعمق في جملته تفكر، جذبها كنايتها المواراة، فأمعنت تفسير سببها باهتمام معتادة عليه في شتى المواقف التي تثير تفكيرها في أمر ما، وتعزم على تشغيل وضع الفلسفة في عقلها، وتغوص مفكرة.
رحلت بعده بدقائق انتظرت خلالهم فوق السطح إلى أن وصل بحركته التي تشبه السلحفاة في بطئها حيث شقته، وعادت إلى شقتها دون جدوى من أن تجد مبتغاها، ترى أين اختفى خاتم تسبيحها، وفي أي مخبأ يوجد؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
رغم أنفاس الجميع حولها وقربهم، كانت أكثر شخص يعاني الوحدة!
بوجه بسَّام لم يعرف طريقه الوجوم، تجده نادرًا ما يكنُّ مكنونًا سلبيًا، لما تحمله صاحبته من صفاء نفس، تابعت《أمنية》حديثهم الذي جمعهم في وقت الظهر، تحمل فيه الكلمات فرحة حيال زائر سيزور بيتهم عما قريب، تباينت فرحتهم بين الشديدة والمنعدمة أو الضئيلة!
وصلها منذ لحظات صوت《سعاد》وهي تعلق:
_ ده أنا هحضرلها أصناف حلويات ما داقتش زيها في بلاد برا، بس هي تيجي غيابها طول أوي.
فردت عليها《منى》ولم تجيد صوغ مكنونها جيدًا فأفصحت بالتفصيل من دون تعديل:
_ ماهي لو بتسأل علينا وتطل مرة في السنة حتى، بس هنقول اي شكله قرايبها إللي عايشة معاهم دول نسوها صلة الرحم.
هنا اختفت ابتسامتها التي تتابع بها الحديث لمَّا تجلى على وجه《سعاد》أمارات الحزن الغريب مشهدها! تراها تصدق على عتاب الأخرى فردت بوجوم ملامح؟ أم أن العتاب فتح أباوبًا من الأعاصير الهائجة فهبت رياحها مزيلة أثر السعادة التي كانت بادية؟
خاضوا في حديث غيره وفي تلك المرة بادرت به والدتها التي لم تجد تفسيرًا لحالة بدت على الاخرى، لم يعد يهمها السماع لفرحتهم ومناقشاتهم الدائرة حول ذلك الأمر، حركت كفها تضغط بأناملها على زر الفتح بجانب هاتفها المغلق كي تعيد تشغيله، ستقوم بجولة سريعة تجهز خلالها قائمة مشتريات من الكتب التي تود شراؤها، وتترك البقية ينغمسون في أحاديث رغم كثرتها إلا أنها لا تلتهمها بأهميتها أو تثير شعورًا أنها معهم تمتزج!
وبينما هي ملتهية في فتح هاتفها، وصلها صوت إحدى فتايات العائلة الجالسات على أريكة جاورت مقعدها المستقرة عليه:
_ أقولك بصراحة يا "شروق" أنا مش عارفة لي قلبي مش مطمن من زيارة عمتو فجأة بعد كل السنين دي.
أثارت شيء بداخلها ساكنًا، أيدتها الشعور ولكن هي كانت أفهم منها، تلك وساوس لا أكثر أو مشاعر سلبية متراكمة فلا بد من التفرقة بينها وبين مواقف نبوح بها خلالها، والأهم أن نستبشر خيرًا، لذلك دفعتها قبل أن تتغلغل في نفسها.
سمعت لمشاركة شقيقتها الرأي بالتأيد المضاف إليه عدم القبول، تلك سهوة خرجت منها في غفلة:
_ بصراحة وأنا، حسيت فجأة لما سمعت الخبر إني مش عاوزة وجودها، الخبر فاجئني بشكل! حتى إني كنت هرفض أروح مع ماما بس ما رضيتش أزعلها، ولحسن الحظ الشغل ما فيش النهاردة.
تضاءل الصوت في أذنها مع نهاية الحديث بينهم وقد التفتت بجل تركيزها إلى هاتفها تحرك فوق شاشته أناملها التي ساعدتها في مهمة بحثها عن إصدارات جديدة أعجبتها فاحتفظت بها اسمًا إلى أن يحين موعد شراؤها، وهو بعد إنتهائها من بعض قديم لديها، فاختفت أصواتهم من الوجود وأصبحت مجرد طنين نحل لا تفطن لتفاصيلها من كلمات متبادلة هنا وهناك، وانغمست في البحث وعقلها انتقل إلى عالم أخر.
حالة من النادر عدم حلولها على الجميع تلبستها، دائمة العيش في حضرتها وهي في وسط الجموع أيًا كان صلتهم بها، ليس تكبرًا، حاشى أن تكون صفة في سجيتها، إنما نوع خاص من الهروب لذيذًا! تنساب إليه نفسها كي تنسى واقع لها غير مرغوب، وهو شعور الوحدة!
عجيب على الإنسان طبعه هذا، يُحاط بنعمة الأنس بأنفاس أقاربه حوله، يلتمس الوجود في حضرتهم، لكن لا يأبه لذلك ومميزاته، وينساب نحو شعور يقتله، وهو الوحدة أيًا كان سببه، وعلى سبيل مثالٍ أخر، قد يفتقر لجُل تلك النِعم، فيجوب في أنحاء حياته باحثًا عن نفوس حوله تؤنسه في تلك الوحدة، وهنا احتارت العقول في تفسير ظاهرة الوحدة القاتلة تلك، وتعددت الأقلام في وصفها كلًا على مذهبه، وأتى السؤال هنا، تُرى إن كانت الوحدة لا ترتبط بوجود أشخاصًا حولنا، فما منبعها في النفوس يا تُرى؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كما توقع، والدته مصابة بسرطان المعدة، وهذا ما اتضح خلال نتائج الفحص صباح اليوم، لم يكن الخبر عليه أشد سطوة في تأثيره بقدر ما كان عليه وهو يعيش المخاوف المتوقع حدوثها وتقف دقات قلبه كلما فكر في مصداقيتها إن أكد له الطبيب ذلك كما عزم على اتخاذ تلك الخطوة قبل أن تصل والدته إلى تلك المرحلة، لكنه لم يكن خفيفًا، لأنه باغته مذكرًا إياه بذلك ذبحًا فحسب! كمن يسرق أخر فتيلة أمل لدينا بغتة، بعد أن أمنا بها وتوهمنا في طياتها نور الهناء!
نسي أنه وقع فريسةً لفكرة مخيفة، فسلك سبيل الوهم مقتبسًا نور الأمل في تكذيب كل ما آل إلى صدق حالتها من أعراض، حتى صفعته نتائج الفحص وذكرته بحقيقة دنياه التعيسة، البائسة، العابقة بصفعات مصائب وابتلاءات تلوح هنا وهناك.
منذ الصباح، حيث العاشرة من بداية ساعات هذا اليوم، اجتمع البقية في المشفى حول والدته في زيارة طويلة لم تنتهي إلى الآن، ترك أمهات صديقيه يعتنون بوالدته وغذاؤها، واتجه حيث الخارج في طرقة المشفى ينتظره الجميع بها، أقام معهم حديثًا صارمًا حادًا في التعامل لأول مرة تعهدهم صرامته في حديثه، ربما كان نادرًا في سابق زمانه، لكنه في حياتهم منذ أن تعرف على أسرته تلك، كان يشكو ويغرق في يأساته فحسب، وبكل ما أُتي من طاقة، أما اليوم فهو لا يملك زرة طاقة تعينه على ترتيب تفكيره وحديثه حتى، كما تجلى لهم ذلك في حوار دار بينهم عن حياته.
_ أنا هشتغل من النهاردة وهسد كل احتياج علاجها، فملوش لزوم حد يساعدني إذا سمحتم.
حينها اعترض《يحيى》في ذوق مراعيًا شعوره بالحرج الذي سببه عجزه:
_ ماشي يا سيدي براحتك وده إللي يهمنا إنك ترتاح، ربنا ييسر طريقك وتلاقي شغل، بس دي مش مساعدة، ده واجب عليَّ اتجاه أخويا، وعلينا كلنا كأسرة اجتمعت على الخير وكل حاجة طيبة، واحنا زي ما شاركناك أوقات فرحك بكل تفاصيلها، هنعمل ده دلوقتي، وحتى لو رفضت، أنا مش هسمع كلامك وأسيب أمي في حالة زي دي يا "صفوان".
وافقه الجميع، وفي صمت قاهر لسبب مجهول، لم يكن لرؤية نفسه عاجزًا أما الجميع، فالجميع يمثلون له الأقرب إلى نفسه من أقربون حقيقيون، لذا فلم يعترض من البداية على حديث《إمام》حين تولى أمر جلسة علاجها التي ستبدأ اليوم، بل كان يعترض لشيء ثقيل في نفسه يرفضه، سببه مجهول!
_ معلش يا "يحيى" اعتبرني بطلب ده لمجرد الراحة مش أكتر، أنا هتصرف في كل حاجة، ممكن؟!
كاد أن يعترض مجددًا، لكن سبقه بقوله بإصرار جعل الأخر يقف عن الحديث رغبة في راحة صديقه، حينها ربت على كتفه وقال مذعنًا لطلبه:
_ إللي يريحك يا "صفوان"، أنا هسكت بس علشان ما أحطكش في موقف قد يكون دايقك، بس أنا مش هبطل أساعدك، وهكون في وقت ما تحتاجني من غير ما تقول، وكلهم برضه.
انتهت جدالاتهم الغير مجدية بشيء في النهاية، فحتى إن طلب صديقه كذلك طلب، لن يتركه في تلك الظروف، وهو يعرف كيف سيساعده، تلك الحالة التي بدا عليها يعرف سببها، فهمها على الفور، تغيرًا كهذا على صديقه لن يفوت على عقله بكل سهولة، ولأنه يعلم أنه يقع فريسة الآن في صراع نفسه وإيمانه، تركه وراحته_كما أوهمه بالموافقة على طلبه_ وخلى بنفسه يدبر الخطط في خلال الأربعة وعشرون ساعة الباقية على حدث سفره الذي لم يستطع تأجيله بأي طريقة مفاوضة مع مدير الشركة الصارم.
بعد ساعة رحل الجميع إلى أشغالهم كما طلب《صفوان》حتى لا تقف حياتهم وخطوط سيرها، وجد اعتراضًا من البعض، لكنه استطاع التخلص منه بحجة أنه ليس في حاجة لهم وأنه بخير، وبقي《إمام》الذي رافقه ولم يقدر على أن يسيِّر قراره عليه، فقد حكم الأخر بصرامة الأب وحنانه الممزوج معه، بأنه لن يرحل ويتركه، ومكثا ينتظران بداية جلسة والدته في العلاج الإشعاعي الذي وُصف في حالتها المتقدمة مع العلاج الكيماوي، وذلك قبل عملية جراحية بعد أسابيع من خطة العلاج الإشعاعي والكيماوي، سيتم استئصال ما تبقى من خلايا سرطانية، وهذا ما نبع منه حالته السابقة تلك، وهي عدم الرضى!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بداخل كل فرد صندوق أسرار، في أعماق نفسه يقبع، ولكي تفتحه وتعرف كنوز بداخلك تميزت، عليك طرح الأسئلة وإجابتها بدورك.
ولأنها دومًا تقذف بهتافات وأسئلة منذ البلوغ تراودها بعيدًا، ابتعدت كثيرًا عن ذاتها وتاهت عنها، وأصبحت الدروب المفروضة عليها سلكها كي تصل إلى صندوق مغلق في نفسها، فثقل عليها سلكها جميعًا، فتقاعصت عن السير نحوه، وحتى تلك الإرادة التي أثارها سؤال خفي قفظ في عقلها أثناء حديثها مع《روان》أهملتها، وانشغلت في ترتيبات ذلك اليوم فيما يخص استقبال عمتها وكذلك نفسها قبل خروجها مع خطيبها.
كانت تدندن بكلمات إحدى الأغاني الرومانسية التي تستمع إليها من خلال ذلك الهاتف الصادح بها والمستقر على فراشها بينما هي تخرج من خزانتها الملابس التي سترتديها، والتي وقع اختيارها عليها بعد أن استعانت برأي《روان》الذي كان مخالفًا، لكنها في النهاية وبغرابة أحست أنها تريد شيء بقناعة، فأخذته.
ربما لأول مرة تراودها تلك القناعة والثقة في حياتها بينما تختار شيء أيًا كان، لذلك فهي أحست بأنه شعور جديد عليها، حتى ذلك الشعور لم يراودها وهي تختار شريك حياتها، وكالعادة لم تنغمس في التفكير طويلًا، والتهت بما لديها من أعمال قبل خروجها.
صوت نقرات بسيطة على الباب وصلها، فأذنت للطارق بالدخول بينما هي تقترب من فراشها كي تغلق صوت الأغنية، فهي تعلم أن شقيقتها التي تنتظرها لا تحب سماع الموسيقى، لذا فاحترمت رغبتها وأغلقتها.
اقتربت منها وجلست بجوارها، وضعت على فراشها مستلزم ما يخصها تريد ارتدائه وهو《حجاب》يتناسب مع فستانها الذي سترتديه، ثم سألتها في أمل ضعيف:
_ برضه ما فيش حد يروح معاكم، أنا مش عارفة ماما ازاي وافقت؟!
_ علشان واثقة فيه وأنا بصراحة، وبعدين أنا مش مع حد غريب، وإن على الحدود يا "شروق" فأنا عرفاها كويس اطمني، واوثقي فيَّ ولو مرة!
أنهت جملتها بحزن خفيَّ، فهمته الأخرى أنه نتج لسوء ظنها الغير موجود من الأساس فيها، لذا أسرعت توضح لها:
_ أنا واثقة فيكِ يا "نورا"، إللي خلاني أقول كده هو عدم ثقتي في الطرف التاني، شخص مش عارفاة من قريب أكيد مش هثق فيه الثقة دي كلها.
لم تترك لها مجال للحديث حين وقفت تستعد للخروج، لكنها قبل ذلك رمت جملة ذات مغزى شغلت تفكير الأخرى:
_ علشان أعرف الشخص ده يستحق الثقة أو لأ، بحطه في مواقف، المواقف بتظهر حقيقة شخصيته.
رحلت من أمامها، وظلت محدقة أمامها حتى اختفى أثرها، وما لبثت لحظات حتى عادت وبرأس مشغولة تنجز ما تبقى من تجهيزات نفسها قبل الخروج والتي لم تبدأ فيها بعد.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
منذ أن نال مراده وعمل لدى عائلتها، وهو مرتاح البال شاغرًا من أي هم يضعه والده على عاتقه، ويرسمه له دربًا يسيره رغمًا عنه، هو لا يعلم ما هدف الأخر من عمله معهم رغم أنه كان باستطاعته العمل معه وبالأخص أنها نفس التجارة! لكنه تحمل على عاتقه المسؤلية فقط كي يتقرب منها متخذًا عمله حجه لرؤيتها، أخذ يتحجج لرؤيتها بزياراته يناقشهم في تفصيلة قد جهلها في العمل الذي لا يعير له أي اهتمام، واتفق مع أحد زملاءه هناك أن يساعده أو يأخذ هو المسؤلية!
لكن اليوم ليس هناك حجج، فهو ذاهب لأخذها في نزهة بمفردهما وقد رتب لذلك الحدث بدقة، فهو لا يريد مرافقة أحد من أقاربها لهم، كي يفعل معها ما يحلو له! داعمًا مراده ثقة والدتها فيه والتي بعد إصرار قليل منه وافقت أن تذهب معه وأخذت عليه وعد أن يحميها، فهي تخشى عليها الخدش الصغير!
اصطف سيارته بالقرب من البناية، وخرج منها سالكًا الطريق صوبها، اليوم ليس عاديًا، فكل شيء سينكشف أمامها، ذلك الشاب الذي تحادثه بخجل وكلمات قليلة أمام محارمها، سيكون اليوم هو نفسه الذي تنام على صوت كلماته ورسائله المغلفة بالعسل.
وجد فيها شيئًا من القبول لأفعاله، والميل لها والكثير منها ممن تواريه مكالماتهم ورسائلهم لبعض بعيدًا عن مسامع وأعين البقية، فنفذ عبر باب نفسها الموارب، واستوطن منتظرًا لحظة الإتاحة له لفعل ما يشاء متخذًا نفسها الضعيفة سبيلًا كي يصير قويًا!
عدة دقائق متوسطة وكان قد تحرر من عناد والدتها التي أصرت كثيرًا أن يبقى وتقدم له الضيافة قبل الخروج، لكنه بحجة عدم التأخير استطاع كسر قيود كادت تسلسله وتفتح عليه بابًا لتقمص حالة لا يقدر على تحملها، وهي الشاب المهذب الطائع الخاضع لتصرفات هو لا يتحمل إبداؤها لهم، وساعده في ذلك أيضًا تذكرها شأن عمة الأخرى التي ستطأ قدمها بيتهم بالقرب من توقيت أذان المغرب.
وصلا إلى حيث بهو البيت من الخارج، ثم توقف وابتسم لها وقال غامزًا:
_ محضرلك مفاجأة على فكرة.
شعرت وكأن صدرها لم يتسع لتلك الفراشات المحلقة فيه، وابتسمت باتساع دون أن ترد على خبره، وفجأة وبينما هي تطالعه بسعادة، شعرت بحرارة كفه الذي احتضن خاصتها، فجزعت واضطربت خلجاتها، وتابعت رد فعلها بإخراج كفها من خاصته بسرعة، شعرت بنار الذنب تقرصها، لا، لا يجب أن تسمح له بذلك، وقبل أن تعود على أعقابها متخذة قرار رحيلها، أوقفها متصنعًا الرضى بإشارة أبدتها:
_ استني خلاص، إللي يريحك، مش هعمل كده تاني.
_ "سمير" احنا متفقين من البداية على حدود ما بينا، فايريت ما تتعدهاش.
قوانين، حدود، ما أبغضها أشياء سنَّتها في علاقتهم، حسنًا فليحتمل قليلًا ذلك الهراء المسمى بحدود، إلى أن يحين ويتغلغل في أعماقها أكثر.
اغتصب ابتسامة مهذبة عنوة عنه ووعدها بالكذب!:
_ مش ناسي، ما تقلقيش، هي غلطة وبوعدك مش هتتكرر.
تشبثت بحديث زائف مبصرة فيه أملًا صادقًا، فتغاضت عن ترددها، وسارت معه مذعنة لشعور مبعثر بداخلها، وانطلق وهي بسيارته بعد لحظات إلى جهته المحددة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ثمة حقيقة لو أدركها المرأ ووضعها نصب عيناه، لأصبحت الدنيا في عمق عيناه دنيا! فالمرأ حين تكبر حوائجه في نظره وتصير عظيمة، التهى، وما بعد اللهو إلا ضلال.
ما كان يحسب نفسه سيجتر مع تيار قافلة عاصية، تغشى قلوبهم عن الإبصار، فأنستهم الدنيا وزينتها معنى واحد وهو الفناء الذي يعقبه العقاب، هو وطأ بقدماه في ظلام ماض اقتلع عنه منذ سنوات فحسب، ليس خشية من الرقيب، بل خشية من عقوبة وخسران لزينة ألهته في الدنيا التي هي مجرد دنيا!
في عينيه يرى الثراء لقمة هنية كبيرة تشبع جُل رغباته، ولأنه لم يشبع وجوعه كان أكثر تضورًا على نفسه، سعى يفتش عنها في أي طارقة تطأها قدماه، يكتنف الفرصة كانت حلالًا أم حرامًا ويغتنم مما اشتهت نفسه صنوفًا من الأموال مصادرها، مشاريع صغيرة خاصة لا يراعي فيها الحق والصدق، عمل شاق يشاركه مجموعة مقربون اتحدوا على ازدهاره، اغتنم منه خلسة وبطريقة غير مشروعة أمواله، عرف كيف يخفي مصادرها، وما إن جمع مبلغًا ضخمًا ترك الطبق الذي كان يتغذى من أصنافه، وخرج يكتنز من وطن أخر ما لذ وطاب لسد جوعه الذي لا ينتهي!
مكث على كرسي خشبي قابع في ساحة فارغة في المقهى أمام طاولة متوسطة الارتفاع يجاوره كرسي أخر ليس بشاغر وقد استحوذه شخص أخر كان يشاركه ارتشاف كوب شاي كالذي معه في صمت حل عليهم منذ دقائق، انهى تناوله لمشروبه ثم أعاد الكوب فارغًا إلا من زرات الشاي الرطبة على الطاولة وتنهد بعمق، كسر الصمت بقوله بينما هو يحدق أمامه في شرود:
_ الواحد مش مصدق إنه العملية تمت من غير ضحايا!
ابتسامة ساخرة التوت على شفتي الأخر وأردف مفتخرًا:
_ عيب عليك، ما حصلتش في تاريخ المعلم "جبار"، ولا هتحصل.
كظم《صابر》غيظه، وتحلى برداء الصمت مخفيًا ما يُضرم به صدره من حقد دفين على ذاك الرجل، يملك مالًا وولدًا يتفاخر بهم دائمًا مذ أن كان يعمل لديه ماضيًا، هو لا يهمه الولد حتى وإن كثر عددهم، هو فقط يريد ثروة تعيد له كهله المثقل جوعًا بشموخ مرة أخرى.
أغلق تلك السيرة مخافة لأن يكون حولهم إخباريًا يتنصت على حديثهم، أو حتى ممن يعادون ذلك الرجل القابع بجواره، استطرد متسائلًا:
_ ألا صحيح يا "جبار" مش شايف يعني ابنك "أنور" من سعة ما جمعتني الدنيا معاك تاني؟!
لم يلفت انتباهه سؤاله بالقدر المبالغ الذي استرع تدقيقه بحنق في جملة نقصها لقبه الخاص، كيف ينطق اسمه هكذا من دون لقب؟!
أجابه بينما هو يمسك كوب الشاي ثانية ليستعد لتناوله مخففًا جلبة حنقه الذي ابتلعها هذه المرة فقط لأجل مصلحة!:
_ مسافر بقاله سنين وما رجعش.
وضع أمام مرآه حافة الكوب بين شفتيه يرتشف القليل، وتركه غائصًا في بحر تعجبه من ذلك الخبر الذي لا يعلم لماذا أثار تعجبه إلى كل هذا الحد!
ذلك الرجل إن لم يكن يخبيء عنه أسرارًا مهمة، فسيلقِّب نفسه بالأبله! نظراته وحركات خلجاته يحفظها عن ظهر قلب، يعرف متى يكون غير مباليًا، ومتى لا، أما تلك النظرات الشاردة عقب حديثهم في سيرة ابنه ذاك، فلم تكن إلا كاشفة له وحقيقة حالته المواراه، تُرى ماذا يدس بين جنباته ذلك الغامض؟!
أخرج دخانًا من فمه وأنفه في ذات اللحظة أمام عيناه المراقبتان خِلسة له، ثم سأله مستطردًا:
_ والأخبار وصلت لحد فين في مشكلتك دي؟!
لبث لحظات يفكر، حتى فهم مقصده وأنه يسأله عن مبلغ تداينه من صديق له أذله في الخارج، تعجب من السؤال بغتة في ذلك الشأن، لكنه لم يمانع من الإجابة حين هتف:
_ كله تمام، وصلته الفلوس في نفس اليوم إياه.
_ حلو!
اكتفى بها فحسب تعبيرًا، لكن الأخر لم تكفيه ككلمة مقنعة، كالعادة يود الاستعانة بقوة عقله ودهائه في مشاركته لتلك الشكوك التي تراوده، لكن تردد ما منعه بسبب موقف خداع سابق معه أحدث خللًا في الثقة بينهم، جاهده، وفي النهاية باح مستندًا على قناعة المصلحة لا أكثر، وليس لرؤيته صالحًا للمشاركة، أمينًا على نقاط ضعفه!
_ بس إن جيت للحق، أنا مش مطمن ليه.
_ ده حتى ساعدك.
_ كذب دي كانت مصلحة! أنا عمري ما صدقته، زيه زي غيره، بتاع مصلحته، ومن سعة ما مثل إنه ما يعرفش عني حاجة لمَّا اتورطت في مشكلة الشركة دي، وأنا عمري ما هرجع أثق في أمانته وصداقته ليَّ.
شبرًا يبقى أمامه في سبيل الهدف الذي نسجه جيدًا بدهاءه، يعرف نقاط ضعفه وهي العلاقات، لذا فنفذ عبر بابها الموارب سالكًا الدرب صوب هدفه.
هتف متصنعًا الجهل:
_ زي غيره!
سخر منه :
_ وهو أنتَ لحقت تنسى!
لم يعقب على جملته، وأرسل إليه نظرات غامضة لم يفهمها، فترك سبيل الغوص مفكرًا، وباح بحقدٍ دفين لم يقل عن الذي بداخل الأخر بمقدار أنملة:
_ صالح!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مضت ساعات وهم على طاولة في أحد الكافيهات الراقية، يتجاذبان الأحاديث المتجاوزة عن حدود التعارف، هي تعلقت بشخصيته التي أبداها لها وليس التي بين جنباته يدسها، وهو عرف ثغرات في نفسها أكثر مما استحال ذلك إلى علاقة سامة بكل تفاصيلها، هو يتغذى على ثغراتها ليصل لمراده وهو التملك بعد أن جعلها تتعلق بزينة أبداها لها، وهي صدقت وأيقنت مؤكدة أنها نالت فارس أحلامها، وهتفت نبضاتها السعيدة أنها محظوظة بظفرها شابًا رومانسيًا بالإضافة لصفات كانت خفيفة على قلبها، لكنها لم تعترف بعد بقلقها الذي يناوبها بين الحين والأخر من أن يتجاوز حدودها التي فرضتها، مما سرت رجفة غير مريحة بين نبضاتها السعيدة نغصت عليها استشعار معنى الأمان!
لاح طيف أمامه يقترب محدقًا ببصره على طاولتهم، فارتبكت، وما إن اقترب مفاجئًا الأخر الذي اتضح أنه يعرفه، حتى حلت الراحة ولكن ليست كثيرًا، عرفها عليه بعد أن تصافحا وتعانقا مرحبين ببعضهم:
_ ده "محسن" صديقي، لما نزلت مصر وبقيت أجي كتير اتعرفنا على بعض أكتر، ودي خطيبتي"نورا"
أنهى حديثه مشيرًا بكفه صوبها، ليتابع الأخر بحركة اعتيادية في مجتمعنا باسطًا كفه ليصافحها، وقفت تفكر بتردد معهود في تلك المواقف خاصة، لا تود إحراجه، لكنها لم تستطع فعل خطيئة، لحظات تصارع بين الشيء واللاشيء! حتى أتتها إيماءته بعينيه يحثها على فعل ذلك، تجاهلت كف الأخر المبسوط، وانشغلت بحيرة في ذلك الذي لم يرف له جفن ويغضب أو حتى ينزعج من حركة صديقه، فيدفع عنها ارتكاب الخطأ، أوليس هو يعلم الحدود بينهم وأن ليس هناك تلامس لطالما لم يكن بينهم عهودًا ووثائقًا رسمية، فلماذا لم يمنعها؟
ولما طال الوقت وحمحم الأخر يخرجها من شرودها وقد ظن ذلك، صافحته بتردد وثقل في حركتها ثم أخرجته من كفه بسرعة، ودعه الأخر بعد لحظات اتفقا على مقابلة فيها، وعاد يشاركها الجلوس تلك التي تغيرت جذريًا خلجاتها!
_ "سمير" أنتَ لي ما منعتوش من إنه يسلم عليَّ، سيبتيني أُحرج في موقف زي ده كده عادي؟!!
ياله من غبي، كيف مر على عقله ذلك الموقف دون أن يحسب له حساب، تراها الآن تحسبه شخصًا كذابًا متصنعًا؟ ولكن مهلًا، هذه شخصيته فلماذا يكذب؟ وهو الآن ليس في وجود أهلها أو قريب لها، فلماذا يمكث على تصنعه، فليكون على راحته، وبخصوص حدودها التي تضع، فهو يعرف كيف يهدمها ببساطة، وبموافقة منها قبله!
استطرد مغيرًا مجرى الحديث بغتة وهو ينظر في عمق عينيها مما أحدث توترًا في أعماقها:
_ جه على بالي سؤال مهم أوي دلوقتي أعرف إجابته.
جذب انتباهها له، فأنساها بحركته وهو يثبت عيناه على صفحة وجهها الخمري ما كانت تفكر فيه وتبدأ في طرف خيطه لنسج خلاف بينهم سببه شك راودها حيال ذلك الموقف.
سألها في هيام غير عادي تتبادله عيونهم، تعلقت به ففقدت صوابها:
_ أنتِ مش بتحبيني؟!
ربما البعد الذي كان بينهم وهم يتراسلون بالكلمات المعبرة عن مكنواتهم تجاه بعضهم، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كان يسهل عليها الأمر كي تعترف، أما الآن فالكلمة ثقيلة، تخجل من البوح بها وهو ينظر في عينيها بكل هذا العمق، وهل كان التردد الذي اجتاحها لأجل هذا السبب، أم شيء أخر؟!
_ ردي! مش هروح غير وأنا مرتاح بكلمة منك، دلوقتي وقصاد عيني.
لم تفهم لماذا فاجأها بسؤاله الثقيلة إجابته، لكنه جاء بمثابة دوامة في أعماقها حدثت، أخذت في سحبها نحوها فانصاغت بقصد بحثها عن جواب، لم تلبث لحظات وخرجت صفر اليدين! ثم قالت بعد صمتٍ باختصار وهي لازالت غارقة في عمق عينيه القاتمتين:
_ أه.
صفر اليدين من الصدق كانت، لمَّا خرجت من أعماقها تائهة، أقنعت نفسها بوهم القبول الرابض على صدرها تجاهه، فنطقت تؤيد، لا لتصدق! تؤيد كل شعور فيه لذة، لا راحة! فكانت نبضاتها تقرصها، لا ترفق بها وتكون كوثبات رشيقة تربت بحنان على صدرها، فتنعم بحركتها مغتبطة.
لم تلتفت لبخل قلبها عليها بدقات الغبطة وهي تقولها، واكتفائه بوثبات مزعجة بحد خفيف؛ فهي لا تعرف لذلك تفسيرًا، يكفي تأييدها لكل قناعة أوهمت بها نفسها أكدت بها حبها له، وبالمثل إعجابها حين تقدم لخطبتها.
هتف بهدوء ليس معهودًا في صوته :
_ يبقى لي يكون في مبالغة بالتحفظ والحدود مابينا؟
كاد أن يبلغ العبث في عقلها مبلغه بحديثه، لكنه توقف عن التفكير فجأة لمَّا دبت الرجفة في أطراف جسدها وصولًا لأعماقها محدثة أثر راقت له! ما إن عانق كفها بخاصته بغتة:
_ أقصد إنه ما يصحش يبقى في حدود تمنعني من إني أمسك إيدك عادي، وأنا خلاص فترة مش كبيرة وهبقى جوزك، يعني ما فيش حاجة غلط بنعملها.
هتف في أعماقها صوت انحدر نحو الخفوت، يهمس بالهروب، والاقلاع، فلم تنفذ أوامره، وتركت لذة الذنب تطغى، حتى ابتعد تمامًا عنها الهتاف، تجلى في حديثها أثره الخافت فحسب لمَّا طلبت منه بضعف وهي تسحب يدها المرتعشتين بشكل خفيف بعد لحظات تردد:
_ معلش بس مش هينفع، يفضل لمَّا نكتب الكتاب.
_ ولي نستنى، واحنا كده كده هنكتب الكتاب؟ مش فاهم، طيب أنتِ شايفة إللي حواليكِ من مخطوبين بيعملوا كده؟
للحقيقة لا، وهذا ما لم تفكر فيه من قبل، أثار سؤاله تفكيرها للحظات، الجميع سعداء في علاقتهم ببعض، وتنتهي الأمور بينهم في هناء، فلماذا تفرض على نفسها ما يضيق صدرها؟! عاد يمسك كفها ويقول تلك المرة متربصًا بسؤاله إن كان أصاب الهدف أم لا:
_ بصراحة قولي، إللي بعمله غلط في حقي وحقك، هل هو جريمة نديق على حياتنا بسببها، شايفة حد بيعمل زينا كده طيب؟
اكتفت تنفي برأسها، ولم تعود لتفكر في الأمر بطريقة سابقة، أغرتها لذة الأمر، وأغرقها الذنب في وحله الواهم لعينيها بصورته المقبولة، وهو في الحقيقة عكرًا، عفنة أعماقه، فشقت ظلام الضياع بنفسها، وابتسمت له في اقتضاب، سرعان ما انبلج من تلك الابتسامة الصغيرة أخرى واسعة، بل وتزايدت في الإتساع مع مرور اللحظات.
وبينما هم كذلك، هو يمعن النظر في عينيها ونفسه ترقص فرحًا على انتصارٍ حققه، وهي تزداد غرقًا في ظلام أُوهمت بلذة نوره! وقفت الأخرى بكامل زينتها وتبرجها مندهشة واضعة كفها على فمها متفاجأة بدهشة تجلت في قولها ما إن أنزلت كفها:
_ مش معقول ده بجد، "سمير" هنا في مصر!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman