بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثالث_ والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بين العقل والقلب تضاد، لم يدركه إلا من وقع يومًا في صراع ما بينهم، حينها كلًا منهم يقوم بفعلٍ يعاكس الأخر، أحدهم يسير شرقًا والأخر ينجذب غربًا، فتنشأ بينهم قوة صراع تُعجز صاحبهما عن اتخاذ قراره، إلا إذا كانت أفعالهما متفقة، حينها تتحد أهدافهما، ويسيران معًا صوب قرار واحد.
على مقعد أبيض رخامي التف حوله خضار النجيل بشكلٍ متفرق، مكث شاردًا أمامه في صفحة النيل المنيرة بضوء القمر المنعكس عليها، وكذلك أضواء البنايات الشاهقة وكأنها حِفنة نجوم تناثرت على صفحته السوداء فبدت كأنها سماء ثانية، تلامس بشرته نسمات الهواء الرطب الأتية من جهة النيل، فتسترخي أعصابه، وتتسلل الراحة لنفسه، ليتسنى له الغرق في دهاليز عقله حالمًا....
ها قد تقبلها عقله زوجة بمواصفات هو يرغبها، وقلبه احتضنها روحًا شقيقة، فسارا معًا لبناء حبًا طاهرًا، يدسه بين جنبات صدره إلى أن يشاء المولى ويخرج من خدره ليخطو درجاته معها واحدة تلو الأخرى، يحفر ذكريات، يوفي بالوعود، يبث الأمان، ويطوقهما ذراعي المودة والرحمة.
منذ ما يقرب الساعة أو أكثر، اتجه إلى مكانه الهادئ، وكما اعتاد، مكث متأملًا سحر النيل وهو يفكر براحة بال وعمق مشاعر في شتى أمور حياته، ولطالما أصبحت هي جزءًا من أمور حياته، فستحتل عقله وفِكره طوال جلوسه المعتاد، جزءًا تمنى لو يكتمل ويصبح كلًا، وليست فترة مؤقتة، فتصبح هي حياته وهو جدران أمانها المحيط بها كسكنًا أوت إليه مطمئنة، فتسكن أرواحهما فيه إلى بعضهما، وتأنس النفوس ببعضها، فهل للمنى أن يُنال يومًا؟
سؤال تهفو لجوابه النفس كي تنال مُنى تتوق لمعانقته بصدق، لكن الأمل في ذلك بدى أمامه خافتًا، بعد أن علم معاناتها ورهبتها الشديدة من خوض تلك العلاقة، وليست تلك فحسب، بل شتى أنواع علاقات التواصل الأجتماعي، انعدام ثقة بمن حولها خشية الجرح منهم والرفض، حتى القريب منه تخشى، فكيف لها أن تثق به وهو الغريب عنها؟
هو مدرك تمامًا بما تعانيه نفسها وقد دار حديث طويل بينه وبين الطبيبة، والتي رأت في عينيه صدق إرادته لمعرفة كل تفاصيل تخص حالتها، التمست منه روح المساعدة والتي بدت في كلماته حين وعد بذلك، يود القرب، رغم العوائق، فهي المُختارة بصدق بصيرة، فلا مجال غير المجازفة والسعي لنيل راحة نفسه المتمثلة فيها.
خرج من هدوء شروده بعد أن دعى بقلبه أن يتيسر له الحال، وتتم مجريات بعض الأمور التي خُطط لها، وقد تناهى لأذنه صوته وهو يلقي السلام عليه، فأجابه بتحية الإسلام بينما يطالع هيئته البشوشة وهو يجلس بجواره، وبادر يبدي تعجبه:
_ اي ده أنتَ جيت!
تعجب من مجيئه المفاجئ، وكان قد هاتفه وعلم انشغاله بحصة القرآن التي تولى أمر تلقينها لجارهم الشاب، فلم يأتي، أجابه《بلال》بهدوء :
_ لقيت الوقت بدري بعد ما خلصت مع "شهاب"، فقولت أعدي عليك قبل ما أروّح، المهم طمني، أخبارك؟
أخبره باختصارٍ عن تلك الزيارة مكتفيًا بقوله أن الأمور لازالت لم تكتمل، ولم يحدث اتفاق بعد بينهم، فتفهم الأخر الأمر ودعى له بالتيسير ثم أُغلقت تلك السيرة بعد أن اكتفى بالاطمئنان على أحواله دون التعمق في تفاصيل قد تكون خاصة بينهم.
طالع النيل أمامه، ثم أخرج زفيره بعمق وأردف مفصحًا عن جزءًا من همومه التي تشغله هذه الفترة:
_ عارف يا "بلال"، رغم إنه قلبي اطمن شوية عليه، بعد ما أموره هديت ومحدش رجع يهدده من معارف اخواته، إلا إنه مازال فيه نغزة قلق عليه.
_ تقصد "صفوان"؟
أجابه محركًا رأسه بنعم أمام عيناه المبصرتان لملامحه التي كساها الحزن، تعجب، فذلك ليس بوجه خليله البشوش المستبشر دومًا، ويبدو أن هناك حزنًا فوق الحزن داهمه، سأله باهتمام وقد جال بعقله حدوث شيء أخر:
_ مهو كويس وأنا مكلمه النهاردة مرتين! ولا حصلت حاجة تاني معرفهاش؟
نفى برأسه ظنون الأخر، ثم أفصح بما يشغله:
_ أيوة هو كويس، تقريبًا من سعة ما عرفته وهو كده، مبين إنه كويس، بس هو مش كده، ضحكه وهزاره إلى مش مفارقينه، دول ما هم إلا قناع بيداري بيهم ألمه وإلى حصله من وهو صغير لحد وقتنا ده وصراعه مع الدنيا إلى معنداه، وده إلى مقلقني عليه ودايمًا ببقى مشغول بيه.
هو أقرب من الأخر إليه، عاش برفقته سنوات بسكن جامعتهم الذي كان أول مكان التقوا ببعضهما فيه، لذا فهو الأكثر دراية بشخصيته وكيف هي، التمس《بلال》الأسى في كلماته، كان يعلم بماذا يقصد، مصائبه المتتالية من فقد متتابع في حياته، ابتدأت باختفاء والده ومن ثم هروب إخوته منجرفين وراء زينة الدنيا وأخرهم جده الشخص القريب لقلبه بعد والدته، فهو ذاق فراق الأب من قبل، فحتى وإن اختلفت الطرق، الألم الذي بعده واحد.
ربت على كتفه يواسي حزنه وقال يخفف عنه القليل، بتلك الكلمات التي يلقنها في قلبه كلما ضاق به الحزن وتذكر هو الأخر كيف عركته الحياة:
_ لا تحزن يا خليلي، فإن الذي فوق سبع سموات قريب، وبمعيته كل الأمور ستتيسر وأعتى الهموم ستفرج، والأحزان حتمًا ستزول.
مكث ينظر أمامه للحظات يردد في نفسه ذكر الله حتى تزول همومه المثقلة على قلبه، والأخر يطالعه بمزيج من المشاعر؛ الحزن على صديقهم أيضًا، والتعجب لكل هذا الحزن البادي على خليله، فتلك المعضلة حلت بحياتهم منذ أيام ولم تكن حِدة الحزن هذه بادية عليه، فما الذي قاسى خليله مؤخرًا كي يجعله مهمومًا للغاية؟!
سأله إن كان هناك ما يشغله غير مشكلة صديقهم، فأجابه مواريًا الحقيقة عنه أنه بخير وليس هناك ما يشغله، فقط اكتفى بطلب الدعاء له لتتم بعض الأمور، ثم تغير مجرى حديثهم بتذكير《يحيى》الأخر عن ذلك الموعد المُعتاد، والذي اعتاد هو و《بلال》ومعهم 《إمام》أيضًا على التجمع حولها وابنها في يومٍ أو اثنين في الشهر، وإن زاد فليس هناك مانع، فما دام ذلك يشعرانهم بجو أسري جميل افتقدوا معناه، وينسيهم مقاسي حياتهم، فهذا ما يسعون له ويقبلون على تحقيقه منذ سنوات، ف《صفوان》فرد من تلك الأسرة التي جمعها《إمام》، لذا فواجب عليه أن يشاركانه ووالدته بعض اللحظات السعيدة، وافق《بلال》على الموعد الذي اقترحه خليله، والذي كان بأحد أيام أجازة صديقهم من الأسبوع المُقبل.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ الغلط من عندنا يا "سهير"، ومن الواضح إنه ربايتنا ليها كانت مقصرة، والبنت متدلعة، كان مفروض نشد شوية، أهو كان زمانها عارفة تنطق على الأقل أو فالحة في حاجة زي بقية البنات وتعيش عيشة عدلة.
تفوه بها بحزمٍ شديد موجهًا الحديث لزوجته بعد أن قص عليها ما حدث مع ابنته وخوفها الشديد، فزُهلت من حديثه، أهذه نظرته للأمر؟ ألم يدرك أنها عليلة، وتحتاجه ودعمه؟ وأهناك أكثر من هذه شدة يريد فرضها عليها؟ من أي طين خُلق هذا الإنسان الجَافِي؟!
ثبتت عيناها المتسعتين من هول جموده عليه ذلك الجالس أمامها على أريكة بغرفة المعيشة، ثم تفوهت تلومه ولازال عقلها لا يصدق تفاقم جموده:
_ دلع اي يا "أمجد"؟ دلع اي! حرام عليك، أنتَ بتسمي ده دلع، البنت تعبانة، وأنتَ بدل ما تشوفها مالها وأي مشكلتها وتقرب منها، بتدعي إنها بتدلع!..طب يا ريت، ياريت عارفة تدلع مكانش ده حالها.
أنهت جملتها بحسرة، تمنت لو كان حال ابنتها غير الحال الذي عليه، أما هو فلا زال واجمًا، لم يرفع بصره من على أرضية الغرفة الفارغة أمامه، ابنته هشة، الخوف تسلط عليها حتى أضحت للضعف ذليلة، والعجز طال حياتها وصارت للفشل لزيمة، فكيف لها أن تقوى على أخذ قرارًا مصيريًا؟
خرج عن صمته متمالكًا غضبه الذي بدأ يتجلى في حديثه وهو يضيف على وجهة نظره السابقة بعد أن نقل بصره عليها:
_ مفيش مشكلة عندها غير إنها ضعيفة يا "سهير"، ضعيفة والخوف ملازمها لغاية ما الفشل لحقها ومش عارفة تنيل حاجة في حياتها، تروح تشوف إلى قدها اتجوزت وبقت ست بيت شاطرة، وإلى بتتعلملها علام ينفعها، وإلى عايشة وسط أحلامها ونجاحاتها، وهي اي؟ ملازمالي أوضتها أربعة وعشرين ساعة!..يا فرحتي بيها.
_ بس!..بس ده إلى لفت نظرك، هي أي؟ ونجحت في أي، طب ما لفتش نظرك وأنتَ بتحطها في مقارنة مع غيرها، هي لي مش زي بقية البنات الطبيعية؟
أعاد بصره ينظر أمامه في فضاء الغرفة واتخذ الصمت ردًا عليها، فبم يجيب وهو في أعماقه عاجزًا عن التقرب منها لفهم معضلتها، أما هي فأكملت تجتر كل ما بعقلها من حسرات على حال ابنتها:
_ ما سألتش نفسك هي لي بتخاف بالشكل ده والطريقة المبالغة دي، وبالأخص منك، في حين إنه أي أب وبنته علاقتهم الطبيعية مفروض تبقى مبنية على الأمان أهم حاجة، مفكرتش مرة تقرب للصورة بس، وتعرف معاناتها، هروبها المتكرر من مواجهة الناس، رعبها بس لو حد حب يتكلم عنها قصادها وبالأخص العقارب إلى عايشين معانا، ملاحظتش خالص ملامح وشها إلى بلعها الحزن، طب ملفتش نظرك حتى تكرار إغماءاتها ده اي سببه، ولا بس لفت نظرك إنها مهملة وبتدلع!
دقت نواقيس عقله ضجيجًا مزعجًا، والتف حول عنقه الضيق خانقًا، وأضحى فريسة وحشٍ كَمَن بداخله، خرج الآن صائحًا وقد كان من قبل ميتًا، وضعه تأنيب ضميره في مقتل، فألجمه عن الحديث ومكث يصارع معاركه الداخلية في صمت.
أكملت بعد لحظات توقف، رتبت خلالها كلماتها لتلقي بذلك الخبر على مسامعه بوهنٍ في نبرة صوتها:
_ بنتك مش بتدلع يا "أمجد"، بنتك مريضة وبتتعالج، ولو كان في ذرة ضمير عندك، حاول تصلح علاقتك معاها، يمكن ده يساعدها تخرج من حالتها وهي شايفاك ولأول مرة بتدعمها في حياتك.
ومن بين كلماتها المبعثرة حوله بفعل عاصفة حلزونية لفت حولها تلك الكلمات بعشوائية، استرع انتباهه كلمة واحدة توقفت ما إن سمعها تلك العاصفة وسقطت من حوله باقي الكلمات، 《تتعالج》، غضن حاجبيه وهو يطالعها وتجاهل كل صراعٍ كان بداخله واقتضب كلمة بتعجب شديد:
_ تتعالج!
استجمعت ثباتها، وأجابته مفسرة بكل إرادة دون خشية عائق، فهو لا بد أن يعرف، ويرضى قبل كل هذا، ويقتنع أن هذا ليس عيبًا، زفرة عميقة ثم أجابت بثبات:
_ أيوة، بتتعالج، ومن فترة، "سحر" متابعة حالتها من زمان مع "وسام"، ومن كم يوم فهمتني حالتها، وهي بتعاني من أي، "حياة" نفسيتها تعبانة أوي، وده كله تراكم وإهمال مننا من البداية يا "أمجد".
رق صوتها في نهاية الحديث تلوم نفسها قبله، وتلتمس بذلك لين جموده، لكنه ضرب بخيالها عرض الحائط حين اندفع فجأة بحديثه الثائر غضبًا يبدي رفضه التام لما قاموا بفعله:
_ إهمال اي ونيلة اي، أنتوا ازاي تعملوا حاجة زي دي من ورايا، لأ ومش أي حاجة، مودين البنت مصحة تتعالج! لي هي مجنونة؟ كله من أختك كلت عقل الواد وفهمته إنه ده مرض، وملت دماغه بشوية كلام فاضي علشان تسترزق زي أي حد في مجالها.
لم تشعر بنفسها وهي تصيح بقوة في صوتها، لكن لم يكن بعالي:
_ "أمجد"، أنتَ واعي لنفسك بتقول أي؟ دي أختي.
زفر بقوة، ثم تحرك من أمامها حانقًا قبل أن يسمعها كلماته التي كساها الغضب ملوحًا بكفه حانقًا أمامها:
_ أختك مش أختك، ميخصنيش، أهو كله قرف وكدب، البنت تبطل ومفيش هباب هتروح تنيلة.
تركها والصدمة رشقت جسدها، فأصابت أعضاؤها، وأضحى القلب ينزف ألمًا، والعين تزرف دمعًا، والعقل شُل عن التفكير، لم يصدق غلظة ما حدث، وها هي الآن بعد أن دلفت بيسراها أرض المعركة لتجلب النصرة لابنتها، عادت والرماح أصابتها بقسوة حديثه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
إن لم يضبط المرأ نفسه، ويتحكم في سلوكها حتى تستقيم، فسيخسر الكثير في طريقه، وأهمهم المقربون.
ها هو ألحق بنفسه الجُرم، فسقطت في غياهب الهزيمة، بعد أن تركها ضحية لبركان غضب منفجر، طاله لهيبه قبل الجميع حوله، وأضحى بناره يُضرم.
لم يكن واعيًا لما يدور حوله من أحاديث تتبادل بين البقية، كان حاضرًا فقط بجسده، بينما عقله وحواسه كانت سجينة كهفًا عازلًا لأصوات تتردد خارجه، تعيش صراع ضجيج داخله، حياة أخرى عبثية يكابدها، امتلأت بتناقضاتٍ كثيرة، غضب وحلم، خضوع وكِبر، لومٍ ولامبالاه، حنين وجفاء، ضعف وقوة، لين وقسوة....
الكثير من المتناقضات، يصارع بعضهما بعضًا، فيخرج في النهاية الأقوى بينهم، وتعود النفس إما مبتهجة بنصرتها، تعلو درجة من درجات الفضيلة، أو غارقة في ظلمات هزيمتها كما بات يندب حاله هذا الغارق في غياهب هزائمه المعتادة.
وجه إليه أحد أشقائه حديثه، لكنه لم يسمعه، وقد غرق في عالم أخر وحياة أخرى كلها صراعات؛ ندم، لوم، عتاب، غضب وعدم رضى عن نفسه، هذا ما طاله إثر الهزيمة، ورغم ما يعانيه في النهاية بسبب جُرمه، إلا أنه يعود ويقع في نفس الخطأ، فيغرق بدوامة الهزيمة مجددًا، يبدو أن بذرته زُرعت بغير صواب، وتشكلت باعوجاج حتى صارت شجرة جذورها صلبة، فصَعُب تعديلها.
أعاد شقيقه كلماته يلقيها عليه في تعجب من عمق شروده، فتنبهت دهاليز عقله لصدى صوته والتفت على إثر هزة الأخر لمرفقه يقول في تيه تلاشى تدريجيًا :
_ ها..بتقول اي؟ ما كنتش معاك خالص والله.
لم يجيبه《أحمد》_الذي جلس بجواره_على سؤاله، وغير مجرى الحديث يسأله في تعجب:
_ أنتَ في حاجة شاغلاك يا "أمجد"، احنا من بدري بناقش موضوع مهم في الشغل، وأنتَ ولا هنا!
أسرع يواري ضيقه خلف ملامح كستها قوة زائفة، وتفوه نافيًا:
_ لا ولا حاجة، كنت سرحت شوية في أمور تخص البيت كده، وماكنتش مُنتبه لكلامكم، كنتوا بتحكوا عن اي في الشغل؟
أغلق الطريق أمامهم كي لا يتعمقوا أكثر بأمر شروده، فتنهال عليه التساؤلات، استكمل 《أحمد》 حديثه السابق المقطوع، وقد تفهم الأمر وتغاضى عن التفكير المطول به، أما《مصطفى》صمت يستمع بعدم انتباه كثيرًا، وقد شغله حال شقيقه:
_ كنا بنحكي في مشكلة نقص العمال عندنا ونشوف هنحلها ازاي، أنتَ شايف التجارة ابتدت تتوسع وترجع زي الأول، فمش عاوزين مشاكل تأثر عليها.
عقله لم يكن برحبٍ لاستقبال أي معضلات أخرى، كفى ما به من ازدحام، لذا فأقتضب يجاري الحديث:
_ تتحل بإذن الله، أهو الشباب كتير، ونشغل.
_ مهو لو كان بالسهولة دي يا "أمجد" كان زمان المشكلة اتحلت، احنا مش عاوزين نشغل أي حد وخلاص، لازم نبقى عارفينه مين ونثق فيه ولا لأ، أنتَ شايف إلى بنعاني منه بسبب إلى حصل زمان لمجرد بس زيادة ثقة وسوء اختيار.
_ توكل على الله يا "أحمد"، ربنا يوقعنا في ولاد الحلال، متقلقش.
ذَكَّره 《مصطفى》بتوكله على الخالق، حتى يتيسر أمره للخير، قبل أن يشرد في صراعات الماضي، ومعاركهم التي خاضوها بسبب سوءٍ طالهم، توقفت على إثره إزدهار تجارتهم _تصدير واستيراد الحاصلات الزراعية_ واختلت سمعتهم في السوق لما تُداول عنهم والاتهام الباطل!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ أنا خايف عليه من نهاية استهتاره وحياته العبثية دي، وهو ولا هنا، بيعاند وخلاص، وقال اي هو حر ومش عاوز حد يتحكم في حياته!..يا ابني وهي فين حياتك دي؟ مش لما يبان ليها ملامح!
ضحكة جانبية يائسة رُسمت وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا حائرًا بعد أن أفصح بهمه للأخر الذي جلس بجواره على أريكة قبعت فوق سطح المنزل، فمنذ أن تركوا الرجال بالأسفل وتوجهوا لسطح البيت، بدأ حديثهم عن تلك المعضلة التي جعلت من الوجوم لوحة رُسمت على وجه《عَمرو》طوال جلوسهم، فدفع ذلك《أدهم》لمعرفة ما يشغله.
يتملكه الضجر، ويلازم اليأس نفسه، كلما اطلع على حياة شقيقه العبثية، الضعف هو السائد فيها؛ اعتاد على سحب يداه من أي مسؤلية، وإن تولى إحداهم، لم يكملها، إما أن تبقى ناقصة فيعود ذلك على رأسه بالفشل، أو يستعين بمن يكملها له معتمدًا على قدرته، وفي كلا الحالتين يُعتبر انسحابًا، هكذا حياته في شتى أمورها، ودَّ لو ينصت لنُصحه يومًا، فيكون قويًا وواثقًا يرتب بعثرات حياته باهتمام، ويضع الأهداف أمامه ويشغل نفسه بالسير نحوها، لكنه لم يكترث، وسار وراء هوى نفسه وراحتها الكامنة في اللهو واللعب والاستهتار سواء بضياع وقتٍ أو مالٍ أو ضلال نفسٍ عن طريقها المستقيم.
احتار هو الأخر، وترك هذا الخبر استفهامات عديدة في عقله، لم تُستنفد كثيرًا من طاقته وهو يفكر في أجوبتها، فهو يعلم الأخر وطبيعته الغير جدية، والتي ما تؤول في النهاية بالانسحاب، كمرات سابقة.
هدأ من غضب الأخر ويأسه قليلًا حين تفوه باستسلام للأمر مبسطًا إياه:
_ مفيش جديد، ده "عمر" ! من يومه بيلخبط الدنيا بقراراته المتسرعة، وفي الأخر يرجع يندم، خليه أهو ياخدله درس أو يتعلم يبقى مسؤل، ومين عالم يمكن المرة دي عنده هدف وهيشتغل في مجال جديد، متشغلش بالك أنتَ بس.
زفرة يأس أخرجها، ثم أحبط اعتقاد الأخر بقوله اليائس:
_ ده لو كان في شغل أصلًا يا "أدهم" وبيسعى ليه، أهو مشغول مع شلته إلى اتلملي عليها دي وخربوا حياته أكتر ما هي مخروبة، ولا بيدور ولا بينيل.
جذب انتباهه كلمة واحدة فقط علقت في عقله، فبدأت تساؤلاته المرتابة تجول به، واندفع بجسده للأمام ببطءٍ قليلًا، وسأله وهو يطالعه بحاجبين معقودين:
_ شلة! وهما مين دول يا "عَمرو"؟
_ دول صحاب ليه اتعرفوا على بعض من فترة كده، أنتَ ممكن متعرفهمش، لأنه الشغل كان مانعه إنه يقضي معظم وقته معاهم، وأهو ماصدق ولازملي البيت علشان يبقى يقضيها خروجات، ما هو مش وراه حاجة!.
ثبت بصره على الأريكة أمامه وهو يجيب سؤاله، ولازال على حاله، فشرد لحظات يسترجع شريط الأحداث ليقارن بين حياته الآن وسابقًا والتي كانت لم تقل خرابًا عنها، أما《أدهم》فزاد حديث الأخر من جلبة عقله المزدحم بالشكوك، ومكث غارقًا في التفكير بقلبٍ طالته يد القلق.
خرج من شروده ملتفتًا إليه بعد أن زفر مطولًا يخلل لنفسه بعض الراحة الهاربة بفعل كثرة انزعاجه، لم يلحظ شروده، وظن أنه فقط كان صامتًا يستمع إليه وهمومه كما سبق، أغلق تلك السيرة وسأله مستعلمًا عن أحواله خاصة منذ علمه بقرار سفره الخاص بالعمل بعد أن ترك مهمته في إتمام مشروعه السابق وقد عاد المهندس الخاص به لإتمامه:
_ المهم أنتَ اي أخبارك، وأخبار قرار سفرك؟
انتبه لحديثه ما إن شعر بكفه على فخذ قدمه المثنية تحته، فتشتت أفكاره، وأجابه بعد تنهيدة بطيئة بتيه:
_ مش عارف والله يا "عَمرو"، مش ثابت على قرار لسه.
لاحظ فتور نبرته عند تلك السيرة، يبدو أنه يصارع لأتخاذ قراره، وقلبه لا يريد البعد عنها، تذكر كيف كان ضحية لتسلط عمته وفرض قرارها، فأصبحت عائقًا بينه وبين مراده، ألم خفيف يسري بقلبه كلما تذكر قصته الغير كاملة، وتساءل ماذا لو كانت تعلم الأخرى بحقيقة مكنونه لها، وطلبه القرب منها والرفض دون علمها؟ هل كان هناك شيء سيتغير؟ هل كانت ستحارب إن التمست صدق حبه لها؟
شتت عن عقله تلك التساؤلات، وود لو كان بيده فعل شيء كإخبار الأخرى بحقيقة ما حدث أو إخبار الأخر بنفي الشكوك بعقله، ليريحه من صراعات نفسه التي تقتله كلما فكر أنها رفضته لشخصه وماضيه المظلم، لكن جدته قطعت عليه وعدًا ألا يخرج حديثهم بينهم ثلاثتهم، لا يعلم لماذا اتخذت هذا القرار، رغم علمها بحبه لها، فهل هان عليها أن تتركه يُعذب به؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أغلقت العيون وأخيرًا أجفانها، بعد أن غلب النوم أحزانها، وغاصت النفوس في ثبات عميق، تهرب مؤقتًا من ألم قد طالها، إلى أن تعود بإذن بارئها، وتكمل السير على جسر أقدارها.
طوت السماء صفحة ليلها البهيم، وكشفت عن نورها معلنة بداية يومٍ جديد، يحمل بين طياته بدايات جديدة، تأخذ بأيديهم نحو سُبلٍ مجهولة.
استيقظ مبكرًا على غير عادته في يوم أجازته، وتوجه نحو المطبخ، ليراها، فيتسنى له الحديث معها وإخماد أي شرارة حزن أُشعلت بداخلها بسبب حديثه الذي قاسى نفسها أمس وخرج في لحظة انفجار بركان غضبه، قرر البداية من جديد، بعد أن بات ليله يفكر في حاله وما آل إليه بسبب طباعه الجامدة، حتى فر النوم من بين جفونه لساعات إلى أن عاد لينهي صراعاته.
ولج المطبخ فلم يجدها، فاستراح على أول مقعد يقربه بعد أن حركه من مكانه مبعدًا إياه من أمام الطاولة، قرر انتظارها حتى الاستيقاظ والتوجه صوبه حيث إعداد الفطور كعادتها، لم يعرف إن كانت قد استيقظت أم لا، وقد غابت عن غرفتها تلك الليله، وجَرَّت أحزانها خلفها لترحل عن مسببها وتبيت محتضنة ابنتها تشاركها فراشها، فلم يجد الفرصة للحديث معها.
مرت دقائق متوسطة وهو لازال ينتظر، يئس من ذلك الحال، وظن أن لا فائدة، فيبدو أنه أمام عنادها سيخسر، صوت بداخله يدفعه لأن يذهب لغرفة ابنته ويوقظها، لكنه أبى، وقد تذكر خوف الأخرى لمجرد رؤيته، فقرر التراجع عن القرار، حتى لا يتسبب في رجفتها المتكررة، شعر بشيء من الندم القاهر، وهو يفكر في علاقته بابنته، جفاء وغلظة، لا غير ذلك.
تسللت لنفسه جرعة من الأمل، وقد سمع صوت إغلاق باب إحدى الغرف تبعه أقدام تلثم الأرض تحتها مخلفة صوت خفيف، اقترب صوت حركة ذلك الشخص من أذنيه، حتى لاحت هيئته أمامه، فعاد اليأس مجددًا حين اقترب منه "وسام" الذي ألقى تحية الصباح عليه، ورد هو بفتورٍ، ثم توجه الأخر صوب الموقد وأخرج طعامًا مجهزًا، ليتناوله وهو معه، استغرب الأخر، فمن أعد الطعام؟ وما لبث ثواني غارقًا في تساؤلاته، حتى أنتشله منها "وسام" حين أخبره أن والدته أعدت الطعام وتركته حتى يستيقظ البقية ويأكل هو معهم _ كما أخبرته باتصالها به صباحًا_ وهبطت وزوجة عمه 《مصطفى》لقضاء بعض حاجات جدته، فرسم على وجهه علامات زائفه يواري مشاعره الحقيقية، وبدأ وابنه في تناول الفطور معًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ لا أعلم ما الذي أكنه في قرارة نفسي، وماذا أريد بالتحديد،
فتلك المشاعر المتعددة لدي، منها خوف يخترق بطني، قلق يقرع جلبة في عقلي،
جعلت مني إنسانًا عاجزًا عن إتخاذ قراره...
ورغم ما قاسته نفسي من ذلك اضطراب، إلا أن هناك حالة من الراحة الغريبة تلبستني،
قلبي بهذه اللحظة، لم يكن له دور في إرهاق نفسي،
أجل كانت نبضاته متسارعة، لكن لم تزعجني،
وكأنها حياة أخرى بدأت تحياها نبضاته، غير التي كانت تقاسيه من قبل!
فما تلك البداية يا ترى؟!
أنهت كلماتها المتراصة بأحد صفحات دفترها بهذا السؤال، ودون طول تفكير، أغلقت دفترها لتشتت عن عقلها أفكارٍ ترفضها بشدة، أو ظنت أنها أوهام، وستؤول في النهاية للألم، فهو بالتأكيد ليس مُعجب، طغى على فكرها في تلك اللحظة شعور الدونية وعدم ثقتها في نفسها، فأغلقت النوافذ في وجه أحلامها، مانعة دلوفها إلى عقلها، وعادت تبحث في نفسها عن قرارها، لكنها لازالت مترددة.
خرجت بعد أن استسلمت لعجزها من غرفتها، واتجهت صوب المطبخ ترتشف القليل من الماء البارد، لم تُغير عادتها السيئة بعدم تناولها وجبة الفطار، فلازالت لا تشتهي من الطعام إلا القليل، فيبدو أن مشاعرها السلبية تلك، تسد جوعها، فلم يعد لديها شهية للطعام.
دلفت إليه ولم يكن فيه أحد، وقد اعتقدت أنها ستجد والدتها تعد الطعام كعاتها، فتعجبت، تجولت بعينيها في المكان، فوقع بصرها على حوض سلستيني رمادي اللون امتلأ قليلًا بأواني مستعملة، انتصف رخام أبيض، وخلى من أي أواني أخرى حوله، يبدو أن هناك من أعد الطعام وتناوله أيضًا، ومن المحتمل والدتها ووالدها كالعادة.
أعادت كوب الماء لموضعه حيث باقي أخوته في الخزانة ومن ثم أكملت فراغ الزجاجة التي سكبت منها جزءًا من الماء، وأعادتها في الثلاجة، وأدارت جسدها لتخرج من المكان، فتفاجأت بشقيقها يقترب منها....
تبادلا تحية الصباح، ثم سألها إن كانت تناولت فطورها أم لا، وقد ظن أنها أتت إلى هنا لذلك الغرض، فخيبت ظنه بنفيها كالعادة، وبدون أي ردة فعل بحديث لائم أو ناصح كما كان يفعل، عانق كفها وسار بها نحو الطاولة، وأجلسها على أحد المقاعد، ثم توجه أمام عينيها المتعجبتين صوب الثلاجة، وأخرج منها طبق زجاجي عميق، تجلى بياض الأرز الممزوج باللبن من خلف جدرانه، وجلس أمامها بعد أن جلب ملعقة قام بغرسها في الطبق ما إن جلس، ثم صوبها نحو فم الأخرى والتي رفضت بعدم شهية:
_ ماليش نِفس يا "وسام"، لما يبقى ليا نِفس هاكل والله، وعد.
تجاهل حديثها، وقرب الملعقة أكثر من فمها في صمت، وظل مُصرًا على تناولها، حتى أذعنت وتناولتها عنوة، قالت بعد أن ابتلعت الطعام بعدم رغبة توقفه:
_ خلاص كده كفاية، والله يا "وسام" بطني وجعاني أصلًا من الصبح، وتفكيري وخوفي من إني أخد قرار أندم عليه مقلقني، ومابقاش ليا نِفس.
أعاد الملعقة يغرسها في الطعام أمامه، ثم أردف يقوي من عزيمة نفسها ويبدد خوفها:
_ متخافيش من حاجة، وشوفي أنتِ نفسك مرتاحة ل إي، وأنا معاكي في أي حاجة.
تفوهت حائرة، والكلمات تثقل على صدرها فخرجت بمعاناة:
_ ما المشكلة في كده، أنا مش عارفة نفسي عاوزة اي، جزء جوايا خايف ومرعوب وبيشدني أرفض وأخلص من المعاناه دي، وجزء تاني بدأ يسحبني ناحيته وبيقولي إدي الوقت فرصة يوضحلك حقيقة كل حاجة، زي ما قولتلي امبارح، وفي كلا الحالتين قلقانه، و أديني عايشة في صراعي إلى ما بينتهيش، وعاجزة إني أخد قرار.
_ مفيش حل غير إنك تختاري وتقرري، أكيد في واحد فيهم نفسك هترتاح ليه، حاولي تاني وتالت، وخليكي ورا نفسك لحد ما تفهميها، وتعرفي هي عاوزة أي.
زفرت ببطء وأومأت بتفهم، فليس هناك حل سوى اعتياد الصراع وتقبله، حتى تصل في النهاية لقرار، مد يده بطبق الطعام إليها مجددًا، وأصر أن تتناول ولو القليل، خيرًا من أن تظل على فراغ أحشائها، فخسرت أمام عناده، وبدأت أمامه تتناول القليل، وخلال ذلك شاركته حديثها المتعجب وهي تسأل عن سبب نزول والدتها مبكرًا، فلم يكن لديه إجابة سوى عدم المعرفة بما يدور، حتى أنها أفصحت عن استغرابها من أمر بيات والدتها معها في غرفتها، فطاله هو الأخر الاستغراب، وتسألت نظراتهم لبعض، ما الذي جرى وتغيرت الأحوال؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في ردهة البيت أمام باب خشبي بدى مظهره بسيط للغاية وليس كتلك الأبواب حديثة التصنيع، وقفوا ثلاثتهم بعد دلوفهم تلك البناية العتيقة، وحولهم تراصت حقائب لكل منهم واحدة، امتلأت بالثياب والأمتعة الأخرى وكل ما يخصهم جمعوه وعادوا لوطنهم يأويهم بعد ضربة قلبت حياتهم رأسًا على عقب!.. كان أحدهم يحاول فتح ذلك الباب ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، زفر بنفاد صبر بعد أن أخرج المفتاح من ثقب الباب، والتفت بعصبية يخاطب تلك السيدة التي خط الشيب على وجهها بشكلٍ خفيف، وهو يلوح في الهواء أمام عيناها بالمفاتيح:
_ أنتِ متأكدة إنه ده المفتاح؟ بقالي ساعة بحاول ولا زفت منهم راضي يتنيل يفتح.
وقبل أن تجيبه تلقى لكمة في ذراعه الذي يمسك بكفه المفاتيح، فتأوه وهو يضمه لصدره يربت عليه بكفه الأخر بينما يستمع للفاعل الذي قال مغتاظًا بعد فعلته:
_ بطل زعيق في أمك يا بغل، ووطي صوتك الغجري، وبعدين مش عارف تفتح باب بيت يا خايب، أمال هتفتحه ازاي يا بتاع خطيبتي، وريني المفتاح!
صاح والده آمرًا بجوهرية صوته، فأسرع الأخر يمد يده بما يريد، وتحرك للوراء مفسحًا الطريق وهو لازال يربت على ضربة ألمت ذراعه، لحظات حاول فيهم والده فتح الباب حتى انتصر على تعنته، فهو باب قديم ويبدو أنه يحتاج تغير لقالبه الحديدي والذي شك أنه صدأ، مما أعاق فتحه، استدار يرمقه بحنق ممررًا عيناه من مقدمة رأسه لأخمص قدميه قبل أن يتحرك ويمسك بيد حقيبته السوداء ليجترهها خلفه دالفًا وزوجته إلى الشقة، وكان هو أخرهم حيث زفر بحنق شديد وولج بعدهم.
ولج الجميع وأسند كلًا منهما حقيبته بالقرب من الباب وتوجهوا صوب صالون واسع أثاثه القابعة فيه قديمة، ليستريحوا عليها بعد سفر دام ساعات، عداه وقف بقامته الطويلة والتي تضفي هيبة لكل مرأى يرمقها وملامحه التي ورغم توقيع الشيب عليها، بدت جذابة وأنيقة، حتى شعره الأبيض، كان علامة تميزه، قرر عدم الدلوف معهم، والتوجه لمبتغاه والذي ظن أن الحل لتلك الورطة عنده، لذا فقال قبل أن يستدير ويرحل:
_ أنا واصل مشوار كده مهم وراجع، أما نشوف حالنا ده هيوصلنا ل إي، وأنتَ يا "سمير" خليك علشان عاوزك، متخرجش وتلفلي لفة كده ولا كدة من بتوعك ما أعرفش أجيبك منهم، ها.
أومأت زوجته بتفهم، ثم تحركت صوب إحدى الغرف تريح جسدها المنهك، أما 《سمير》فاعترض بقوله:
_ بس أنا خارج كمان شوية مع خطيبتي.
ثارت براكين الغضب في عقله، فذلك الأحمق يفكر في معشوقته ويترك حالهم المرثى عليه هذا، تفوه حانقًا:
_ يعني أنتَ شايف ده وقته للمرقعة بتاعتك دي، أمال لو كانت حبيبتك بجد مش واحدة زي غيرها من بتوعك يا خسيس، كنت اتبريت مننا يا ***!
تأفف بضجر، فوالده لا يعلم أن تلك المرة هي كنز بالنسبة له بهيئتها التي فتنت قلبه !
اقترب منه والده وضرب عدة ضربات على كتفه وهو يقول بحزم:
_اظبطلي نفسك كده يا حبيبي، وقت الدلع والمرقعة اللي كنت مقضيه على قفى الخدام بتاعك ده بقى سراب خلاص كل حاجة راحت وفلست، واللي جاي صعب وعاوز تركيز.
سكت هنية ثم أضاف بجدية وسط نظرات ضجر ابنه:
_أنتَ تشوف شغلك معاهم وتنسالي حوارات الحب والقرف بتاعك ده، وركز ازاي هتعرف تخليهم يثقوا فيك علشان يشغلوك معاهم، وأنا بقى هرجع لنقطة البداية وأشوف هتوديني على فين.
ألقى حديثه ومخططاته عليه والتي كان يغصبه عليها فقط لصالحه، فمنذ حدوث كارثة فقدانه لثروته وتشرده في بلاد الغُرب لم يجد حتى مأوى لهم، وهو يرسم خطواته المتقدمة لتفادي الضرر، ثم رحل حيث مبتغاه وهو ذلك الشخص الذي جال بعقله ما إن وطأت قدماه تلك الأرض العائد إليها بعد ضربة حطمت حياته، وخسر على إثرها كل ثروته التي عكف عليها سنوات كي تنمو وتزدهر ونسي دينه وألهته دنياه، والذي كان سبب في مساعدته!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
"بعض الغائبين يُعكرون صفو حياتنا لمجرد ذكرهم، فما بالك إن عادوا بعد الفراق!."
على فراشها المسنده بظهرها للوراء وهي تجلس عليه وتبسط قدميها المغطتان بلحاف بني مزكرش بنقوش بيضاء، جلس بجوارها على حافته وبسط ذراعه خلف رأسها لتتوسده، ومكث على حالته هذه منذ عودته من صلاة الجمعة، يرافقها قضاء الوقت معها، يؤنسها وهي التي ليس لها من الأقارب بقية، الكل تركها كما تركوه هو أيضًا، زوجها، والدها، وأبناؤها، لم يعد في القلب حبيب يؤنسها، رحلوا فجأة دون سابق إنذار، وتركوا خلفهم الندوب تنزف ألمًا لم يعد يُشفى مهما مر عليه الزمن.
كان يستمع لحديثها وفضفضتها معه المعتادة باهتمام، والتي تجتر معها عادة أيام الزمن الجميل_كما تُلقب_ فبعد ما شهدته من مقاسي وعَركتها الحياة وداست أقدام الدهر زهرة شبابها حتى ذبلت، أدركت تمامًا كيف الأيام تتبدل أحوالها، وشتان بين ماضي وحاضر عاشته.
روت له كيف عاشت حياتها وسط دفىء والديها بمفردها_فهي وحيدة ليس لها أخوة_ ما إن ذَكّرها بذلك حديثها عن ذلك الزمن البسيط والذي ما كان يعاني أصحابه الذين عاصروه من أي معضلة سائدة بتلك الأونة الأخيرة، ورغم أنها تكرر تلك القصص التي عاشتها مع والديها قبل زواجها، إلا أنه كان في كل مرة ينصت باهتمام وكأنه لأول مرة يسمعها، فتكمل هي بدون توقف، هي لا تتذكر إن كانت قصت عليه ذلك من قبل، فذاكرتها الضعيفة لم تسعفها على ذلك، وقد احتلتها ذكريات الألم فقط، فلم تعد تميز ما قالته مما لم تذكره.
تبدل حاله بين الضحك والتأثر بحب، تارة على مشاكسة بعضهما وكيف كانت والدته الطرف المصلح بينهم، وتارة أخرى يجذبه مواقف حبهما لبعض، فتمنى إن كان باستطاعته بناء ذلك مع زوجته المستقبلية والتي خطبها منذ أيام، كما هي تمنت بالضبط لكن كان قدرها ابتلاء!
انتهت جولتها في الماضي وانتهى معه ضحكهم ونكاته التي كان يلقيها عليها بين الحين والأخر ليثير ضحكها قليلًا، وعادت تخطو بوابة حاضرها المؤلم بقولها بفتورٍ بعد تنهيدة بطيئة اختفت بعدها ابتسامتها:
_ بس يا ابني، وأدينا عيشنا أيام دافية مع بعض، كلها حب وحنان رغم خناقاتهم ومشاكستهم لبعض إللي ما فشلت مرة تضحكني، لحد ما جه وقت والزمن اتغير وأنا سيبتهم واتجوزت، وما بقاش حاجة فاضلة من ريحتهم بعد موتهم غير البيت ده.
شردت في حزن وهي تجتر شريط حياتها منذ بداية فراقها لهم وزواجها المشؤم، حتى عادت لنهاية دائرة مغلقة كانت هي نفسها نقطة البداية، وأوت في بيت والدها تربي أطفالها بعد أن استيقظت على خبر اختفاء زوجها المبهم، وإلى الآن لا تعلم أين هو، وكيف حاله، فقط ما وصلها منه هو ورقة طلاقها التي فطرت قلبها نصفين، ورحل نصفٌ منه في ظروف غامضة مخلفًا خلفه الندوب.
طالعها بحزن وقد فهم أنها عادت تتذكر أمورها المُحزنه، فراق جده، وأولادها، وأخيرًا والده، هكذا كان ترتيبهم بالنسبة له، من العزيز إلى النكرة واللاشيء في حياته، تعكر صفو مزاجه ما إن تذكر الأخير اللاشيء بالنسبة له، لم يراه، ولم يعي لملامحه جيدًا، فقط ما علمه عنه هو الغدر والخيانة والقسوة، ثلاثة طُعنت بهم والدته_كما قص عليه جده_ وبقيت وحيدة تعارك حياتها حتى توفر له ولأخوته حياة أخرى بعد أن تركها عديم المروءة ذاك تواجه عاصفة الدنيا وحدها، لو أنه رأه لكان محى من عقله صلة قرابته، وارتكب فيه الجرائم.
قطع شروده المغتاظ تثاؤب الأخرى تزمنًا مع تحريك كفها الأخر تسحب الغطاء عليها لتستعد للنوم، فأوقفها بكفه وهو يقول بعد أن اعتدل في جلسته:
_ لا استني أنتِ هتنامي مني ولا أي، هقضي اليوم مع الحيطان أكلم فيهم يعني! وبعدين احنا لسة الضهر فينك وفين النوم دلوقتي.
ردت بنعاس وبطء في نبرتها وقد بدأ النوم يسحبها إلى خِدره كالمغناطيس :
_ والله يا ابني ما أنا عارفة مالي، أهو اليومين دول النوم مش سايب عينيَّ، وكأني منمتش من سنين، شكلي كده بودع وهروح للغاليين قريب.
خفق قلبه لمجرد كلمة عابرة خرجت من فاهه في لحظة نعاس، وداهمته فكرة الفقد للمرة الثانية لشخصٍ قريب لقلبه بعد وفاة جده التي لم يشهدها!.. ابتلع غصته وشتت أفكاره المقلقة وقال يمازحها رغم خوفه المتسلل لقلبه لا يعلم لماذا:
_ قومي بس يا غالية، أمال أنتِ تروحي للغالين وأنا أبقى لوحدي من غير غاليين، دي مش جدعنة على فكرة.
وبابتسامة فاترة قالت بينما هي تذعن لقوة الجذب تلك وترفع الغطاء عليها مجددًا:
_ روح يا ابني شوف دنيتك أنا خلاص مبقاش في تاني أشوفه بعد إللي شوفته، روح شوف خطيبتك ومستقبلك معاها روح....
ثم كبحت تثاؤبًا أخر، وعدلت الوسادة تحت رأسها قبل أن تريحها عليها وسرعان ما أُغلقت جفونها وغاصت في ثبات عميق، أما هو فأذعن لمرادها وتركها ترتاح كما تريد، وقبل رأسها بحنوٍ ومكث بجوارها شاردًا في كلماتها، صارع كلماتها المتشائمة التي عصرت قلبه منذ قليل معه وكنسها من عقله، لا، لا يستطيع تقبل الفقد ولو كان فكرة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
جلس ثلاثتهم على أريكة قبعت بأحد أركان صالون بيتهم الواسع والذي تخلل إليه ضوء الشمس الخافت وقد تسرب من فتحات ستارة بنية تدلت بشكل منظم أمام شرفة بيتهم التي لم يُغلق زجاجها فسنح ذلك بتخلل أشعة الشمس بخفوت في تلك المساحة الواسعة المواجهة للشرفة.
كانوا يتجاذبون الأحاديث المختلفة منذ أن انتهت الصلاة وعادوا الاثنين معًا للمنزل، والتي كان منها ذكرهم لعدة كلمات داعية لإتمام رغبته في الزواج من تلك الفتاة ما إن فُتحت تلك السيرة، وشملت أيضًا تلك الأحداث الأخيرة التي حلت بحياتهم فأقلقتهم جميعًا، وهي معضلة 《صفوان》التي ذكرتهم بحياته وما يقاسيه، فانتابهم الخوف من أن يقع في فخ مشكلات مع هؤلاء المجرمون! فما استنتجه《إمام》وهو يجتر ماضي إخوته معهم الذي كان يعلم به من قبل_وذلك بواسطة ابنه_ توقع ذلك الشك،بأنهم هم، والذي وافقه معه《صفوان》وهذا ما أقلقه طوال تلك الفترة.
_ الله يحفظه من كل شر، ويخليه لأمه، إن شاء الله ده يكون مجرد شك، وبعدين بعد السنين دي كلها جايين يظهروا !..أكيد في سبب غير إللي بنفكر فيه.
قطعت بها 《أمينة》استرسالهم في دائرة الشك حول ذلك الأمر الذي عاد يقلقهم، وقد أرادت طمأنتهم وخاصة ابنها الذي يخشى على حياة صديقه من هؤلاء المجرمون، فحتى وإن كان شجاعًا وأقر في نفسه الوقوف صادًا لأي مؤامرة تُحاك على صديقه، إلا أنه لايود أن تُعرض حياة صديقه للخطر أبدًا، فأيدها《إمام》الذي مكث على يمينها على أحد جانبي الأريكة:
_ يارب يا "أمينة" ربنا يريح باله ويحفظه، المهم فكرتيني، الست والدته أخبارها أي، بدأت تتحسن شوية؟
_ يعني، بنحاول معاها أنا وأم "بلال" وأغلب الفترات مش بترضى تتابع علاجها وبتفقد شغفها، بس بنجاري الأمور بسهولة لحد ما نقدر نخرجها من نوبات الحزن المعتادة بتاعتها وترجع تداوم.
حل الصمت بينهم ما إن أنهت حديثها المحمول إليهم بنبرة أسى وحزن على حالها، تلك السيدة التي دعستها الحياة بخفها الصلب فأصبحت إنسانًا نصفه حي، الجسد هُزل وقرصه الوجع والعِلل، والنفس أُنهكت وأُسرت في أحزانها، والروح إثر كل هذا تتعذب.
صيحات وهتافات شقت فجأة ذلك الصمت الشارد بينهم وهي تنادي بحزم توقف الأخرى عن الركض، فخرجوا جميعًا من ظلمة شرودهم ملتفتين لها وهي تقترب منهم واثبة فوق فخذ《يحيى》الذي اتسعت ابتسامته رويدًا ما إن توسدت فخذه، وأخذ يمسح عليها بحنانه المعهود وهو يستمع والبقية لشقيقته التي وقفت قبالتهم تتوسط بكفيها خصرها بينما توجه حديثها المُغتاظ لتلك القطة المستقرة على فخذ أخيها:
_ والله! أنتِ كده يعني نفدتي من العقاب وهو هيحميكي؟
سألها ضاحكًا وهو يومىء لها بكفه أن تهدأ:
_ طب بالراحة اهدي، هي عملتلك اي؟ دي حتى هادية مش بتخرب!
هرولت تستنكر حديثه بقولها الحانق بينما تلوح بكفها في الهواء، فيبدو أن المعضلة بينهم كبيرة:
_ الهدوء ده في قاموسك يا حلو، إنما دي معداش عليها نسمة منه، مفيش قطة هادية تخرب بالشكل ده...
أنهت جملتها بحزم قبل أن تبدأ في قص ما حدث في الداخل بينهم، حيث كانت《حور》تجلس بغرفتها في هدوء أمام مكتبها، وتكمل إعداد بحثًا مهمًا في مجال علم النفس الذي درسته أربعة سنوات بكلية الأداب، وبعد أن أقبلت على إنهائه وتبقى الحفظ وبعض التنسيقات، خربت القطة كل شيء بعدة ضغطات غير واعية ولا مدركة لكم الخراب الذي تسببت فيه في لحظات غابت《حور》فيهما لقضاء حاجة ما، تاركة جهازها المحمول《لاب توب》 فريسة بين أنياب تلك القطة المشاكسة.
وجهت كلماتها الحزينة المغلفة بالغضب والندم معًا، وذلك وسط نظراتهم المتأثرة لجهدها الضائع، لكن ما بيد أحد أن يفعل شيء، فهي قطة! :
_ أنا غلطانة إني فتحتلك باب أوضتي يا خرابة، وهتطردي، وإن كان الواد ده بتتحامي فيه، فأحب أبشرك إنكم الإتنين هتطردوا مع بعض.
ورغم حنقها الحزين بسبب ضياع مجهودها إلا أن حديثها لم يخلوا من المزاح، اتسعت ابتسامة《يحيى》بعد أن رمقها بحاجبين مرفوعين إثر زهوله البسيط من حديثها، ثم تقدم بعد وقوفه وسحبها بكفه نحوهم لتشاركهم الجلوس، بينما بكفه الأخر احتضن قطته، فأصبحت في المنتصف بينه وبين والده والذي طوقها بذراعه ملتفًا حول كتفيها قبل أن يقول بمرح:
_ أنتِ تؤمري يا شعنونة، لو كان على الطرد، فأنا أصلًا بتلكك من زمان، وأنا بقول جه الوقت و ياخد قطته ويتكلوا على الله، أهو عنده شقه يروح يبرطع فيها هو وقطته.
كانت تستمع له بعدم انتباه كثيرًا مما جعلها فقط تقتضب ابتسامة صغيرة وتعود حيث كانت تفعل، تستعيد أنفاسها الهادرة إثر الغضب، بخروجها ودخولها بشكل منظم، كنوع من أنواع الاسترخاء، لم يكن غضبها بسبب قطة، فهذا ليس بعقلانيًا أن تنزعج بسبب كائن غير عاقل، إنما غضبها نتج فقط عن ألمها الناتج عن أهمية ذلك الشيء الذي أصبح سرابًا بعد أن بحثت كثيرًا وذبلت عيناها في قراءة الكثير من المصادر المختلفة والكتابة لتخرج بحثًا متسقًا وكاملًا إلى حد ما ستقبل على تطبيقه ودراسته على أرض الواقع.
عادت لطبيعة حالها وهدأت في غصون لحظات، وتبعت ذلك التغير بحديثها المُتحسر:
_ خسارة كنت بحضره من أيام كتير، وأخد مني مجهود كبير، بس الحمد الله أكيد خير، الحمد لله.
لقنت عبارات الحمد كما تعودت، تثور وتغضب، لكن في النهاية تضبط نفسها لتسنح لها إدراك الأمور ببساطة وحلها. ربت《يحيى》على كتفها بكفه الأخر بينما يقول معتذرًا:
_ حقك عليا يا ستي، متزعليش، وأنا بوعدك قطقوطة مش هتسببلك ازعاج بعد كده.
نقلت بصرها من على تلك القطة التي أخذت في التحرك بعيدًا عنهم، وتفوهت يائسة بعد أن خطفت نظرة لشقيقها، ثم ثبتت بصرها أمامها تجتر مواقف الأخرى المُخربة معها:
_ هه، كل مرة بتقولي كده وبترجع تشاكس معايا، مش ناسية أخر مرة لما دلقت فيها الشاي على الطارة من كم يوم بعد ما كنت خلاص بنهي....
قُطع حديثها بشهقة قوية اقتضبت بعدها كلمة واحدة قبل أن تتحرك مهرولة اتجاه غرفتها:
_ الطارات!..
حمحم《يحيى》في حرج وسط نظراتهم اللأئمة لكثرة خراب الأخرى وقال بفكاهة:
_ شكلنا كده هنتفرج عليهم في المسامح كريم قريب.
ضحكوا جميعًا بخفة على تلك المشاكسات الدائمة بينهم، ثم ما مرت لحظات حتى تحرك《إمام》 صوب غرفته، وقد عزم في طريقه أن يمر على ابنته يشاركها بفكاهة المشاكسة مع تلك القطة المخربة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
خلا المكان إلا منهما، فساد الهدوء بينهم للحظات كانت والدته تراقبه فيها وعمق شروده، كان أول ما تحرك هو كفها الذي مسد على كتفه لتخرجه من شروده برفق، فالتفت لها متفتحًا عقله على واقعٍ حوله وقد خرج من شروده مدركًا أنها بجواره، وكان أول شيء فعله هو تنهيدة بطيئة حائرة وهو يرمقها بعينين امتلئتها بالقصص التي قرأتها ما إن أبصرت مقلتيه، أبعد بصره مسرعًا واستدار بجسده ليضع رأسه على فخذها، تلك التي تسألت في استغراب من حاله وهي تراقب حركته بينما يتسطح على الأريكة:
_ مالك يا حبيبي، اي إللي شاغلك ومخليك شايل الهم في عنيك كده؟ في حاجة غير موضوع صاحبك ؟
_ ما تقلقيش يا ست الكل، ادعيلي ربنا ييسرلي، أنا عاوز بس تيسير وكل حاجة هتكون كويسة.
دعت كثيرًا بقلب حنون يبغى رؤية روحه سعيدة، وحل الصمت بينهم للحظات شاردة بينما تمسد على خصلات شعره الكثيف بلطف، شق الصمت حديثها المستعلم عن أخبارها تلك التي تذكرت أمرها المحزن:
_ و"حياة" عاملة اي؟ تصدق نفسي أشوفها وحشتني من سعة أخر مرة وإللي يادوب كلمتها كلمتين وقضيت باقي الوقت مع قرايبها.
حتى هو لم يتسنى له البقاء معها لفترة طويلة، ونفسه تتوق لذلك بشدة، هذا ما تناهى لنفسه ما إن ذكرتها أمامه، تلك التي لم ينساها عقله قط، زفر بعمق وطمأنها:
_ بخير..بخير يا ست الكل، ادعيلها هي كمان.
وبتلقائية دون تفكير مطول في كلماتها التي أخرجتها دون وعي، دعت بحب:
_ ربنا يا ابني يشفيها ويعافيها وأشوفها في أحسن حال.
وقعت كلماتها على أذنه فتعجب، ووضعته في اندهاش شديد، وتساؤلات عقله تضج، ماذا تقصد؟ أهل علمت بأمر مرضها الذي فَضَّل محترمًا خصوصيتها ألا يخرج بينه وبين شقيقها لأحد أخر حتى لو كانوا والديه؟... ولكن كيف؟!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_ عثمان.
Marriam Othman