بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثامن_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
راقبت حالته في صمت مؤلم، تكتم به شعورًا خانقًا جثم فوق أنفاسها المضطربة إثر قلق رابض تثيره ظروف قاسية تعيشها، وعاشتها من قبل حتى جزعت نفسها!
كان على الأريكة أمامها يجلس وهي واقفة تمسك في يديها علبة تحوي مستلزمات طبية من ضمادة ومطهر وغيره، بينما تراقب زوجة خالها تضمد جُرحه المُفتعل من أثر ضربة قوية على جانب فكه أحدثت شرخًا فوق مقدمة شفته العليا على طرفها الأيمن.
لاحظ رعشة كفيها الخفية من خلال اهتزاز بسيط لعلبة الإسعافات الأولية التي تمسكها، قابلته بنظرات تعاني الألم وهي ترى سندها، أمانها، حبيبها الأول قد تشوهت ملامحه إثر الصدام الذي لا تنتهي قصته، كم من المرات سيتعدى ذلك الجبار على حياتهم، ويبطش بطشة تلوح بعدها أمارات الأذى؟! ليتها ترتاح منه ومن أمثاله في هذه الدنيا، فرعبها منهم أزهق بحياتها في قاموس الباغضين على تلك الحياة!
انتهت زوجته من تضميض جُرحه بوضع شريط لاصق فوقه بعد أن طهرته ووضعت دهان طبي فوقه، ثم تناولت من الأخرى علبة الإسعافات الأولية تخبيء بداخلها ما كانت تستعمله من مستلزمات طبية، وأثناء ذلك، سحبها الأخر من ذراعها وأجلسها بجواره على الجهة الأخرى، ثم طمأنها بحنان بينما يحاوط كتفيها بذراعه:
_ أنا بخير ما تشغليش بالك.
ثم قبل رأسها وضمها إليه، فأصبحت تحت شراع الطمأنينة والحنان الوحيدين في حياتها، راقبت زوجة خالها تشبثها به وهي تطوق بذراعيها جسده، تلتمس منه الأمان لعل زوبعة القلق الشاقة لصدرها ترحل، فابتسمت بغتة في خِلسة عن أعينهم وهي ترى علاقتهم التي تحب، كم هو جميل الرحمن، عوض الاثنين ببعضهما، هي فاقدة للأبوين، وهو مبتلى بفقد نعمة الأبناء، تركتهم متسللة إلى غرفتها في هدوء، وقلبها مطمئنًا على كليهما معًا.
ابتعدت عنه قليلًا، ومكثت على مقربة ترمقه بخوف تجلى في كلماتها وصوتها المتوتر الذي لا تظهر حالة ضعفها تلك إلا أمامه:
_ لحد امتى هيفضل قلبي يتقبض عليك كده؟ أنا والله تعبت من دي حياة، لي لازم يبقى في وحوش حوالينا تبوظ علينا راحتنا، لي؟ ولي دايمًا الضعيف هو أكتر حد بيعاني في صمته، حتى اعتراضه على الظلم بقى عيب وبيشكل ليه خطر!
أخرج زفيرًا عميقًا، ثم مسح قطرات دمع قليلة انسابت ببطىء على وجنتيها بأنامله وهو يدَّعي السلام بابتسامته التي قال بعدها بمرارة عن ذلك الواقع:
_ ما باليد حيلة يا "أميرة"، هي دي الدنيا، وده للأسف واقعها المؤلم، القوي فيها متوحش والضعيف فريسة عاجزة عن الهروب.
_ لأ في يا خالو، بايدينا نحط نهاية لكل متجبر، القوة إللي بيخوفوا بيها الناس الضعيفة أيًا كان الموقف في الحياة، مزيفة، عاملة زي الآلة عاجزة عن العمل بدون طاقة تدفعها، نفس الفكرة في المتجبر القوي، مجرد آلة عاجزة عن العمل في ظروف فقدانها لمصدر طاقة وحيد وهو ضَعف الضعيف، فبإظهار الضعف ليه، احنا كده بنمدله طاقة علشان يتجبر أكتر.
_ بس الضعف شيء فطري في الإنسان، ومجبول عليه!
_ أيوة صح، وده بتظهره قدام اتنين، ربك وده أولهم، وهنا احنا بنخضع ونعترف بنقصنا وضعفنا، فنحن لا نساوي شيء أمام عزته سبحانه، وحد بتثق فيه وأقرب إليك من أهلك، حد روحه هي روحك، وأنتَ هو، وهو أنتَ، فتقدر تشاركه ضعفك بدون خوف ولو لحظة إنه ممكن يستغلك، وده حتى شريك الحياة ما أثقش إنه ممكن يقدر يبقى محله!
افترت شفتاه عن ابتسامة صغيرة حائرة وهو يخيل له متفهمًا عقدة تعانيها ابنة شقيقته المتوفاه، يبدو أن ذلك الحال القاسي أثر على بعض نظراتها في الحياة. غيرت مجرى الحديث فجأة لمَّا طلبت منه ما إن أنهت حديثها السابق:
_ خالو ساعدني أساعدها، أنقذها من بين أيدين الوحش، أنتَ شايف كمان ماما "صابرين" زعلانة أوي، وقلبها مقبوض عليها وكل لحظة خايفة حاجة تحصل، وبباها لو عرف ممكن تجيله غيبوبة سكر يموت فيها وهو راقد على سريره بعد ما بتروا رجليه ومش قادر يتصرف.
مسد على رأسها وضعها في خانة التردد بقوله الغير متأكد منه:
_ حاضر يا "أميرة"، حاضر، هعمل إللي أقدر عليه، ما هو "جبار" مش سهل برضه!
سكت ثم أخذ منها وعدًا:
_ بس اوعديني ما تدَّخليش بعد كده، تمام!
أومأت برأسها في تردد ربض بداخلها وهي تحاول اقناع نفسها بالتريث، وعدم التهور بقرار سريع رسمته وخططت لاتخاذه كي تنقذ تلك المسكينة الضعيفة الضحية لادعاءات كاذبة، ولكن هل فكرت في عواقب دخولها في دائرة ذاك الجبار وخصوصياته؟ هذا ما لم تفكر فيه من قبل!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
نهش التفكير رأسها بمخالبه الحادة، حتى أدماه مما عطل عن إيجاد حلول لمأذق وقعت فيه بسبب عاصفة قديمة بدأت ذوابيعها الهجوم على حياتها.
تعصف دهاليز عقلها ألمًا من فرط القلق القابع في جملة قيدت حريتها في التفكير براحة والعيش في هناء، فهكذا حال الخبيث في نهاية المطاف الموهوم فيه بلذة هناءه:
_ سواء رجعت أو كنت ميت، كل حاجة مصيرها تتنكشف، وزي ما البُعد كان له تمن، الرجوع له تمن برضه ويمكن أكتر!
لم تستطع فهم مغزى يرمي به وسط الكلمات، التقطت فحسب شظايا القلق، فأحرقتها، ومكثت تحارب مفترسًا جبارًا باحثة بعقلها الضعيف الذي استسلم لوحش التفكير المقلق عن معنى وحلول، أو ربما هروب!
فزعت بغتة ما إن حاوط كتفها جسم تسربت حرارته إليها كنار أحرقتها، فانتفضت مفزوعة تلتفت إلى صاحب الذراع الذي مسد على كتفها برفق، لتجده زوجها الذي كان يشاركها الجلوس في غرفة الصالون لكن شغلته عنها مكالمة مهمة تخص العمل، فابتعد عنها أشبار قليلة تفصله عنها وهم على أريكة واحدة.
غضن حاجبيه وتساءل في تعجب:
_ مالك كده مش على بعضك يا "سعاد"، في حاجة؟!
بابتسامة استطاعت طمس أثار اضطرابها بها جيدًا نفت:
_ أبدًا ما فيش حاجة، بس خضتني يا "أحمد" كنت فاكراك مشيت.
غيرت مجرى الحديث بنبرة تغيرت معه جذريًا، فلم يلاحظ هو تلك العمليات الخفية التي تُجرى في تلك اللحظات، وقال مفسرًا:
_ وأنا بتكلم مع صديق في الشغل، التلفون فصل شحنه وجريت أكمل المكالمة وأنا بشحنه.
حركت رأسها في تفهم وهي تنظر له بابتسامة مرغمة عليها، ثم حل الصمت بينهم ضيفًا للحظات قطعها قول زوجها ما إن تذكر سؤاله الذي قد أنساه حديثه عن العمل ومشكلاته:
_ وأي أخبار "أدهم"؟ كنت ناوي أكلمه بعد الشغل بس نسيت الموضوع خالص، وقولت أسالك عن حاله.
في براءة سأل وهو الذي يعرف عنها_كما تخبره_ أنها الأم المثالية في غيابه، ترعى رعيتهم في وقت هو منشغلًا عن البيت وأحواله، لكنه صُفع لمَّا وقعت في سهوة دون وعي حين اندفعت وقالت:
_ "أدهم"! هو مسافر!...
لم تكمل حديثها وقد وعيت لما أخرجه فاهها تعبيرًا عن فجأتها، هي نسيت تمامًا أنه في سفر، ولأنه معتاد على العودة من عمله والبقاء فوق سطح المنزل ومن ثم العودة في منتصف الليل حتى ينام في غرفته، ظنت أنه على ذلك الحال، ونسيت غيابه!
أكملت بعد لحظات توقف تصلح خطأها أمام نظرات الاستغراب والصدمة الموجهين لها من قِبله:
_ ق..قصدي هو مسافر ومشغول أكيد، ويادوب بيلحق يكلمني ويسلم عليا في أخر الليل ده لو كنت لسة صاحية، وبيرجع على شغله يا حبيبي، ربنا يعينه.
لم يكن لديه مانع لترك عقله السير نحو التصديق، لكن شظايا الريب عكرت صفو طريقه، ومكث أسيرًا لشرارة قلق لا يعرف من أين مصدرها!
التفتت إلى هاتفها على الأريكة من الجهة الأخرى، فوجدته مضاءً برقم يطلب الحديث معها، فكبحت في نفسها تفاقم اضطراب مما مزق أحشاءها حتى شعرت بأنها ستنفجر، أغلقت الهاتف تمامًا، ثم وقفت بغتة وقالت مستأذنه:
_ عاوز حاجة يا "أحمد"؟ أنا هنزل عند "منى" تحت، مستنيني هي و "فوزية".
أجابها بلا، ثم تحركت صوب جبهتها التي وما إن وصلت صوب باب الخروج، تغيرت في عقلها وأصبحت شيئًا أخر!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بخطوات بطيئة متريثة، كانت تسير بين أركان الشقة ملتفتة بين الفنية والأخرى حولها وكأنها تتحذر من هجوم الأعين عليها بغتة فينكشف أمرها، فأخيرًا وبعد أن تخلصت من عوائق الطريق بنجاحها في الإفلات من بين يدي إصرار عنيد تميزت به تلك العجوز التي أصرت بشدة أن تبقى وهي من ستقوم بتقديم واجب الضيافة، تحررت، وصارت أمامها الفرصة لتغذية نفسها بظفر رغبتها!
بعد أن اقتربت من المطبخ كما أخبرت الأخرى أن تقوم بدورها بإعداد مشروب لها وهي أيضًا، غيرت وجهتها وعادت خطواتًا إلى الخلف عوضًا عن استكمال سيرها في طرقة واسعة، التفتت يمينًا ويسارًا باضطراب خفي، ثم توقفت عيناها على باب الغرفة المواجه لها، لحظة، اثنان، ثم الثالثة وكانت قد تقدمت نحو الغرفة ودلفت ببطء هو ذاته الذي أغلقت به باب الغرفة خلفها بإحكام حتى تتم مهمتها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
طرقتين على الباب خفيفتين أخرجوها من شرودها الغارقة فيه منذ أن انفردت بنفسها وتركتهم ينتشل بعضهم بعضًا بطوق نجاة عوضهم في الحياة، ولج الطارق أمام عينيها في هدوء وهو يوجه نظراته الغالب عليها وهنه فيهما، اقترب منها حيث الفراش الذي تجلس على أحد أطرافه، وجلس قبالتها على نفس الطرف، تحدثت عيناهم بالكثير في لحظات صمت قطعهما بوح بادر به زوجها تدريجيًا:
_ أمي عرفت؟!
_ أه!
صمت في غموض، ثم أضاف مسترسلًا البوح:
_ كنتِ تعرفي إنه المشكلة اتطورت للضرب؟!
عند تلك النقطة، أخفضت عينيها وعزفت عن البوح، أتكذب وتقول لا، وتزيد من جرمها شبرًا؟!! هذا ليس بمقدورها أن تفعله بعد أن وارت عنه حقيقة الأمر منذ أن علمت.
عن من تواري تلك المرأة، عن زوجها؟! روحها الذي امتزجت به مذ أن تعاهدا على الحياة معًا حتى بعد ابتلاء في طياته حكمة حل عليهم ومنعهم من رؤية الأبناء حولهم، حسنًا، هي لم تستطع الكذب أمامه مهما طال الزمن واختلفت الأسباب.
_ لي خبيتي عني يا "صابرين"؟!
سألها وفي السؤال عتاب، تراها نسيت عهده معها أن يكونا ملجأ لضائقة تراودهم؟ أم نسيت أنه يفزع لسماع شائكة تصيبها وابنة أخته وأمه، ماذا كانت تنتظر، أن يهدم ذاك الجبار البيت فوق رؤسهم، فيعود بعد عمله المنهك فيه يحمل بجسد بلا روح أشلاء قلبه!
رفعت عينيها ترمقه في تردد من البوح، لحظتان جاهدت، ثم باحت بغلب:
_ ما تزعلش مني يا "أحمد"، والله ما القصد كان أخبي أبدًا، بس أنا خوفت، خوفت عليك ترجع تتأذى بسببه تاني، أنا مش هتحمل عليك أذى يا "أحمد" بعد إللي حصل في أختك بسبب المشاكل إللي حصلت زمان.
كلاهما يعترض على الأخر ورأيه لأجل هدف واحد، وهو حياتهم، أسرة بسيطة ضربت أسواط الفواجع فوق راسها، فاصبحت أشلاء يحركها القلق على باقي ما تبقى منهم، وكله تحت سلطة الضعف يُصب عليهم!
الضعف قهر للرجل، حين يتملكه في كل ضاحية في سبيله يسير فيها بحثًا عن الحق، وفرضه مهما استبد أصحاب القوة والتسلط متجبرين في أنحائها، وهو رجل أطبقت عليه قوة التجبر، فخضع للضعف بإزلال!
ذكرته بأكثر حادثة قصفت بظهره نصفين، وأُحكم على نفسه بالضعف، الذي لم يقدر على حماية أخته قبل نفسه، ضعيف، وهل يُلام المرأ على ضعف فطري استبد به في موقف عصيب يستحق أن نخاف فيه وتضعف قوانا؟!
نزع عن عقله تلك الذكرى المزعجة، لا يريد أن يعيش الألم مرة أخرى، ويرى في قهر نساء بيته الضعفاء، تنزل فوق رؤسهم أسواط ذاك الجبار، فتقتلهم، يريد السلام، لا شأن له في حياة ذلك الرجل المتسلط، ولا شأن له في حياته بعد اليوم.
شق صوته صمت حل للحظات طوال بينهم:
_ "صابرين" من أمتى والكلام ده حصلان؟!
_ والله ما اعرف، تلاقيها ساكتة ومش بتقول المسكينة، أنا عرفت من فترة قصيرة، ويا ريتني ما عرفت، أو..أو ...أنا خايفة يا "أحمد" عليها، أختي ما ملهاش غيري وبابا، وبابا على سريره مش بيتحرك، مين هيساعدها وهي لوحدها يا "أحمد" وملهاش ضهر!
انهارت عبرات مع نهاية حديثها الموجع لقلبها، حالها وأختها يرثى عليه، اقترب منها زوجها وحاوط كتفها بذراعه، فأسندت برأسها الضعيف على صدره، وأخذت تزرف دمعًا ترثي حال حياتهم المستبد به.
مسد على رأسها، ثم قبلها، وطمأنها وعقله بدأ يُشغل بحال بيته وزوجته وما يخصها وكيف سيوفق بينهم:
_ هتتحل بإذن الله العزيز يا "صابرين" خلي أملك فيه كبير، ومن كان ليس له غير الله، وهو أضعف من في الأرض، فقد امتلك القوة والعزة كلها، ربنا يستر.
تمتمت بالدعاء خلفه، ومكثت تستنشق الأمان ورأسها مُسند على سندها في الدنيا الذي وهبها الله به، تمنت للحظة أن تكون شقيقتها مثلها في الحظ ولو قليل، لكن بلاؤها كان أشد! ليتها ما كانت وافقت على الصمود والتضحية، وتركت الحقوق تسلب كيف شاء الظالم، وغنمت بنفسها سالمة!
راح هو بعقله يدبر أمورًا خفية كي تنفك من على عاتقه تلك المعضلة، مذ أن رقد والدها، وأصبح عاجزًا، وهو يحمل مسؤليتها وشقيقتها، ووالدها مطمئنًا أن ابنتيه في يد أمينة، وإن مات، فهناك سند بعد الله سيرعاهم، ويحميهم من ذلك الجبار.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وقعت عيناها على هيئتها بينما تروح وتجيء في بهو البيت حينما كانت في طريقها إلى الخروج من شقة《زوزو》، فتوقفت ترمقها في فضول يغلي قدحه بداخل صدرها ودت لو تخمده، لكن كلما تتبعت خطواتها لتكشف غموضها المخبأ خلفه صورة حقيقية غير التي تراها تلك المنافقة، فشلت في ذلك، وها هي أمامها الفرصة مجددًا، لتستغلها إذن!
تحركت خطوتين، وقبل أن تقترب من أولى درجات السلم كي تنزل متجهة صوبها، صدح صوت توقف المصعد، فعادت أدراجها إلى الوراء، ووقفت تراقب هذين الاثنين اللذان خرجا من المصعد متجهين صوب الأخرى التي أغلقت المكالمة فور ظهوره، مما أثار ذلك حفيظة الأخر!
رأتها، فلم تستطع التحرك خطوتين، فبذلك ستوحي لها التفكير بأنها كانت تراقبها، لذا فمكثت تنظر إليها وهي تنهي حديثها مع أبناء خالها،《عَمرو》و《أمنية》، وبعد دقائق بسيطة، خرجوا هم من البيت، وتوجهت《شروق》نحوها متخطية درجات السلم القليلة، ثم توقفت قبالتها وسألتها في تعجب:
_ في حاجة يا عمتو؟ شوفتك واقفة لوحدك من شوية، قولت يمكن عاوزة حاجة معينة محرجة تطلبيها.
لوت شفتيها بابتسامة مقتضبة وهي تنفي:
_ لأ يا حبيبتي مش محتاجة أي حاجة.
أومأت لها بابتسامة منبعها نية طيبة، ثم استأذنت منها كي ترحل متجهة لمبتغاها، لكنها توقفت لمَّا هتفت الأخرى بغتة:
_ رايحة فين؟ أنتِ مش هتدخلي عند "زوزو"، مامتك ومرات عمك "أحمد" عندها جوه.
_ جاية، بس لحظات هطلع فوق السطح أجيب حاجة ضايعة وهرجعلكم، وأهو بالمرة نرن على "أدهم" و"زوزو" تكلمه بما إنه طنط "سعاد" جوه.
هتفت بها بينما هي تبتعد عنها، لحظات واختفى أثرها بدلوفها المصعد الذي تحرك بها إلى الأعلى، ووقفت هي ترمق المصعد بعمق لدقائق قليلة، ثم تبعت خطوات رغباتها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لا بأس أن تكون الحياة عنيدة، دومًا ما ينتظره فيها هي محطات الانتظار، معزولًا عن ضياء الشمس الغائبة معها أحلامه، لطالما هو موقن أن في التأخير خير كُتب في كتاب محفوظ، فلمِا العودة لأحداث ماضية والنبش في أقدار مضت؟ نفسه وسلامتها أهم من أن يكيل فوقها الأحزان أطنانًا، ولأنها عليه حق في حفظها لما يمسها من حزنًا جِبلًا، اقتبس من القمر الخافت ضوءه في حياته أملًا، ومكث في محطة انتظاره يوقن أن الخير آت.
كانت الشمس قد غابت تمامًا واختفت وراء الحجب، كما بالضبط رغبات عدة في حياته غابت، ولم يكن له الخير في الفوز بها، وهو لازال مثبتًا بصره على سماء بدأت حدة سوادها في التعمق أكثر معلنًا الليل بذلك قدومه، شاردًا في حديث بينه وبين نفسه يقيمه دائمًا وهو يراقب لحظات الغروب كعادته...
لا أنكر أن مشاعري مالت إليها، ولا أنفي أني لازلت أشعر نحوها بذات الشعور الطيب، والذي ما جذبني نحوها فيه سوى طيب ونعومة مروره على صدري، ولكني لم أستطع المبالغة، وترك شعورًا رغم أنه حميدًا وهبني الله به أن ينبش صدري بعد أن يتحول إلى ذئب مفترس، يتغذى على نفسي فأخسرها، نصيبي لازال غامضًا، لا أعرف إن كنت سأنال تلك النعمة أم لا، لكن ما عليَّ سوى البقاء منتظرًا محاصرًا على نفسي حتى لا تطغى عليها مشاعر طيبة فتستحيل إلى مرض ينهشها، سأدعوا، وأصبر، عسى في ذلك خير.
صراع ما أجله صراع على نفسه أن يترك مشاعره تغزو قلبه، فتفسد نفسه وهو لازال خارج دائرة الحلال، جهله بماهية ما قُدر له في ذلك الطريق صعب عليه الجهاد، لم يكن معه سلاح حينها سوى الانشغال بالدعاء، راغبًا في حلول الخير فحسب.
حرارة سطح خفيف لامست سطح كتفه أخرجته من شروده العميق، فالتفت إلى صاحب الكف الرابت على كتفه بردة فعل سريعة ليجده صديقه حاملًا في كفه الأخر صِنية يستقر فوق سطحها كوبين من الشاي المضاف له نكهة النعناع الأخضر الطافي على سطحه.
اقترب يميل بجزعه من طاولة منخفضة في شرفة الغرفة بينما هو يقول في مزاح:
_ تصدق أنا قربت أشك إنك بتحب من كتر شرودك!
أنهى حديثه وجلس على مقعد يجاور الأخر الذي يشغله صديقه الذي تولى معه مهمة الإشراف على صحة ذلك المريض الراقد في الداخل، ثم أكمل بنفس المزاح يعاتبه:
_ يا جدع ده احنا بقالنا ساعتين مع بعض بتراقب البحر والمنظر الطبيعي ولا كأنك هنا وأنا بحكي مع نفسي زي المجنون!
على شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة بشوشة، سرعان ما أخفاها حين تذكر حالة انتظاره، وقال محاولًا الابتعاد عن الحديث في الأمر:
_ معلش إن كنت أشعرتك بالتجاهل بالطريقة دي، ممكن تفسرها على إنها الطريقة الوحيدة إللي بقدر خلالها أكون أقرب من نفسي، وخاصة لو كانت لحظات التأمل دي في الطبيعة، بتبقى لحظات كدة من الصفاء الذهني إللي بتفصلني عن دوشة الدنيا ومواويلها.
حدجه في خبث بينما يعود ويشرد متأملًا السماء التي بدأت النجمات اللامعة البروز فيها بوضوح، ثم بدأ بتنحنح قصير في حنجرته جعل الأخر يلتفت إليه راقمًا إياه في تعجب اشتد أسره له بسؤال الأخر بغتة:
_ لو هلعب معاك لعبة دلوقتي هتشاركني؟!
انعقدا حاجبيه، والتوت شفتيه بابتسامة صغيرة وهو يقول في استغراب بينما يراقب خلجات الأخر المنتشية كطفل يستعد للعب:
_ لعبة! لعبة أي دي؟
دون توقف أطلق قطار كلماته من فاهه شارحًا:
_ حجر ورقة مقص، وإللي هيكسب فينا هيكون ليه فرصة إنه يسأل التاني سؤال، بس بشرط، ما يكونش خصوصي فيتسبب في إحراج التاني، تطلع معايا الطلعة دي بدل الملل ده، ولا رأيك أي؟!
مد كفه ليصافحه في نهاية حديثه بشكل عفوي جعل الأخر تزداد ابتسامته في الاتساع وهو يصافحه معلنًا القبول بكل رحب، وفي نفسه نشطت خلايا الحماس متأهبة للمغامرة في رحلة مسلية لأول مرة يجربها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
من على بعد مترات، خلف الباب الموارب فوق سطح المنزل، وقفت تحاول مواراة جسدها خلف الباب والسور الملاصق له، علها تسمع وترى ما يحدث في الداخل، لكنها لم تفلح، ورغم ذلك لم تستسلم ومكثت مكانها تراقبهم وفي عقلها تدور أفكار عظيمة!
تلك الفتاة التي تدعي التدين، تسير فوق الأرض وما تجد مخلوقًا إلا ووعظته، ولا شيئًا إلا واعترضت عليه محرمة ومحللة على هواها، حتى ظن الجميع أنها ملاكًا لم يخطيء، ها هي الآن وقعت أمام مرأها وهي تقيم ليلة طال حديثها مع عشيق لها في سرية وبحنكة لم تتوقعها منها.
كانت تعلم، كانت متأكدة أنها ليست على ما يبدو عليه من قيم وأخلاق، بذلك المشهد، وتلك الهمسات واللمسات التي توقن تمام اليقين أنها لو استطاعت الاقتراب أكثر ورؤية المشهد كاملًا، لوجدت ما هو أفظع مما تخيلت، تُرى كم من مرة التقت به وبين أحضانه ارتمت تلك الكاذبة الخبيثة؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بدأت اللعبة...
_ حجر..ورقة..مقص.
تفوه بها《بكر》الذي كان أكثرهم حماسًا، توقفت كفوفهم عند شكلين مختلفين، كف ضُمت جميع أنامله عدا خنصره وبنصره، وكف أخر ضُمت انامله كلها لتصير في هيئة مُقبضة وهو كف 《بكر》الذي قال بانتصار:
_ الحجر يكسب يا برو، يلا استعد!
في انهزام رد《يحيى》ممازحًا وهو يقلده في حديثه:
_ سامعك يا استاذ برو، اسأل براحتك!
بابتسامة عريضة واجهه، ثم شرع يفكر في سؤاله الذي يرغب بينما ينظر إلى السماء وأنامله تعبث في خصلات شعره الخلفية في علامة على التفكير، لحظات يراقبه الأخر في ترقب، حتى عاد ملتفتًا إليه لمَّا اقتنع ببدايته بهذا السؤال:
_ بما إني عارف عنك بعض الصفات القليلة من سعة معرفتي بيك في الشركة، ومنها إنك شخص عميق في تفكيرك، فأنا بقى هستغل الفرصة وأسالك عن حاجة وتقولي من وجهة نظرك الشخصية، وأنتَ شايفها أي.
بابتسامة صغيرة رد:
_ اتفضل يا سيدي اسأل!
_ أي تعريف الحب بالنسبة ليك في كل العلاقات المختلفة، مش بس شريك الحياة؟
تجلت أمارات التعجب على وجهه حين سأله باستغراب:
_ غريبة! وأي إللي خلى سؤال زي ده يخطر على بالك، كنت فاكر إنه الأسئلة هتكون مجرد تسلية زي بتحب أي مش بتفضل أي، هواياتك أي،يعني زي الحجات المسلية دي.
حرك كتفيه ببساطة وقال:
_ عادي، شيء فضولي، ولسبب ما بصراحة هصارحك بيه في وقته.
تركه لراحته، ولم يجد مانعًا من أن يتفكر في نفسه ويخرج من عمقها شعورًا ينسجه بالكلمات فيعبر عن المعنى، مكث لحظات ينظر إلى السماء في شرود، ثم تنهد وقال بهدوء:
_ الحب هو زينة العلاقات بالمعنى المختصر، والمحرك الرئيسي لأفعالنا في الحياة، هو نعمة، لو ما استخدمتهاش صح، أو بالغت فيها بشكل ما، هتنقلب نقمة للأسف.
_ نقمة! ازاي وهو حب في بدايته؟ يعني أنا ممكن أكره حد كنت بحبه حب أعمى زي ما بيقولوا؟!
لم يلتفت له لمَّا تدخل مستفسرًا، قاطعًا استرساله مفكرًا، وأكمل وهو على نفس هيئته ينظر إلى السماء:
_ الفكرة شبه حال واحد عنده حب شديد للأكل مثلًا، ما فيش حد مش بيحب الأكل أصناف وألوان، لكن الميزة إللي بتفرق ما بين كل واحد والتاني تحكمه في مقدار الحب للشيء ده، فتلاقي إللي افرط بشدة في الحب لدرجة إنه جاله أمراض خطيرة أكبر من مشكلة السِمنة، لازال منغمس في حبه للأكل، ورغم إنه عارف إنه مريض وبيتعالج، إلا إنه لسة بيحب الحاجة دي، ومش بيبعد عنها، وحد تاني متحكم في قدر الحب إللي بيعبر عنه للشيء، فبيقدر ينظم نفسه على وجبات معينة في أوقات معينة لذلك تلاقي جسمه صحي نادرًا ما يصيبه مرض ما بسبب حبه للأكل، لأنه ما بالغش فيه، ودي نقطة الفرق بينهم.
سكت بعد حديث طويل لهنيهة من الوقت، ثم أضاف بعد تنهيدة صغيرة:
_ نفس الفكرة والتشبيه في كل العلاقات، هتدي حب أكبر من اللازم، وتفرط فيه لدرجة إنه يصيبك بداء ما في نفسك، مصيرك في يوم هتدفع تمن الإسراف غالي، وغالي أوي!
لا يعلم لماذا سرى في نفسه ريبًا تجاه فكرة ما جالت في عقله ما إن أنهى حديثه بنبرة استشعر فيها دبيبًا من الوجع المكبوت، ربما تخلص منه فلم يظهر له بالعمق الشديد، أو يمكن أن يكون قد أجاد إخفاؤه ببراعة!
قطع تفكيرهم الاثنين، صوت رنين هاتف من داخل الغرفة الجالسين في شرفتها، فتحرك 《بكر》قاطعًا استكمال حديث الأخر الذي لم ينتهي لكنه توقف لمَّا شرد في أخر حديثه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يعتريها شيء من الوخز الموجع في جنبات قلبها كلما مرت الدقائق، بل والساعات، وهو على نفس حالته يتجنبها، تراه قطع سبيل الوصال بينهم؟ متى يعود، فقد هزمها الشوق إلى صوته وأحاديثهم الغير منتهية ليلًا؟
حاولت إلى ما يزيد عن عشرات المرات الإتصال، وتأتي النتيجة في كل مرة محملة بالحزن الطاغي على نفسها، يثيره في كل وقت توقع مؤلم، فتعود على أثره ربط الوصال راجمة كل فكرة تدب رأسها وتؤلمه بحجارة الإصرار، عازمة أن تعيد كل شيء لمجراه، فهي لا تستحق عقاب الصمت واللا مبالاة الواقع عليها، هي لم تفعل شيئًا، وهو كذلك، فلا داعي لأن يطول خصامه.
هبت منتفضة فجأة ما إن أتاها الرد أخيرًا في المرة التي لا تعلم عددها، وتحركت من مكانها حيث الفراش ومكثت واقفة في توتر اضطرب بسببه دقاتها بينما تستمع لترحيبه الميت، خالي من أي حبور !:
_ نعم يا "نورا" تفضلي، قولي ما عندك علشان مش فاضي.
أهذا الذي كان شاغرًا وقته منذ أن عرفته لأجلها، لم يعد لديه حتى بضع دقائق يسمع فيها ترحيبها حتى؟! اضطربت، وتزعزع ثباتها حيال شعور خفي سرى في جنباتها لا تعلم عنه شيء سوى أنه يوجع بشدة.
نطقت بعد لحظات من قوله، وبضعف اهتز بسببه صوتها عاتبته:
_ د..ده مش أنتَ يا "سمير"، أنتَ تغيرت أوي، لو ده زعل طيب قولي؟!
خرج صوتها في النهاية مختنقًا، لم يتحرك لأجلها ساكنًا في داخله، بل لم يبالي بحالتها تلك حيال بعده فترة من الزمن، أجابها مغلقًا حديثه على الفور غير مهتمًا بسؤالها:
_ لو ده الموضوع إللي عاوزة تكلميني فيه، فسلام علشان أنا مشغول ومش فاضي لنقاش يوجع الدماغ.
أسرعت توقفه هاتفة بلوعة:
_ استنى..استنى معلش، علشان خاطري، قولي مالك، ده مش أنتَ وده قالقني، قول أي حاجة، عاتبني، اشتكي بس ما تسكتش كده وتغيب عني كتير.
_ لأ يا "نورا" ده أنا وما اتغيرتش، أنا بس زهقت وما بقاش عندي طاقة أناقش في موضوع لا مؤاخذة نفسي فيه ما بتتقدرش!
سألته باختناق:
_ لي بس؟
وهنا جمع مشاعره وتلاعب بها أمامها كلاعب مهاري يعرف كيف يوقع مواجهيه باحتراف في مصيدة الخسارة:
_ بسيطة علشان ما فيش حد يقدر يستمر في علاقة فيها شك ما بينهم في كل تفصيلة في حياتهم، ما فيش حد يقبل على نفسة الإهانة باتهام زي ده يشكك فيه وفي شخصيته وسمعته، حضرتك لو مكاني وحد فكر عنك إنك في علاقة تانية وبتخوني فيها غيرك، هتستحمي إنك تبقي ولو دقيقة واحدة مع الشخص ده؟
سكت هنيهة يسمع اضطراب أنفاسها، ثم أكمل تلاعبه:
_ أكيد لأ، فأنا أي دوري دلوقتي؟ أصلح؟ أصلح غلط مش غلطي وأنا الموصوم بيه من جناب سعادتك؟!
هو معه حق، وكامله، هي المخطئة، هي السيئة في روايتهم، كيف تشك فيه بغبائها ويهزمها ريبها ويفرق بينهم مسافات، ألم تفكر في النتيجة مسبقًا؟ هي لم تفكر من الأساس وتستعمل عقلها جيدًا وبكل وعي، فكيف ستفعل هذا في موقف كهذا؟!
سالت دموعها ببطىء على وجنتيها، واعتذرت بصوت مختنق:
_ أنا آسفة، أنا غلطانة، ما كنش ينفع أفكر فيك كده.
تنفس بعمق بعد أن غزى صدره بشهيق كبير، ارتاحت جنباته، ورحلت عن عقله ريباته وخشيته من الوقوع في النهاية على يديها خاسرًا، الآن انتصر وشعر بلذة معهودة في كل موقف ينجح فيه بأن يضع من أمامه معترفًا بالخسارة، ويقذفه في غياهب الذنب الذي هو من فعل يداه!
ودعها بفتور مضيفًا خاتمة لعبته:
_ خلاص يا "نورا" ملوش لزوم ده دلوقتي، إللي حصل حصل والله وأعلم أي اتغير بسببه، بس أنا على عهدي معاكي، طلاما بحبك مش هسيبك ولا أنهي علاقة ما صدقت إنها جمعتني بيكِ، سيبيني فترة أحاول أرجع فيها زي الأول وأنسى إللي حصل.
ودعها ثم أغلق على الفور، أما هي فازداد انهمار دموعها في ندم حيال ذنب ثقل على قلبها، وبدأ على إثره تنجرف مع سيل من المشاعر الغازية، تسحبها لأعماقها، وفي كل مرة تقترب، تجد الظلام يبتلعها جزءًا فجزء.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ ها بقى يا عم العميق، كمل إجابة السؤال!
قالها بينما يعود برفقته إلى الشرفة مقتربًا من مقعده، والأخر أيضًا جلس في ذات اللحظة التي جلس فيها الأخر على مقعده. تنهد ببطء وقال في إرهاق:
_ رغم إني مش عاوز أكمل، بس ما فيش طريقة غيرها هتسليني، أهو أحسن ما أسيب نفسي لنفسي ونغرق في دوامة مالهاش مخرج!
اتفق معه بقوله حينما التفت يشرد في السماء أمامه:
_ عندك حق، النفس دوامة لو سبت نفسك ليها هتغرق!
التفت إليه حين لاحظ اتفاقهما في الرأي النابع من طاقة سلبية، وقال متهكمًا بابتسمة ساخرة التوت على شفتيه:
_ أنا حاسس نفسي الفترة دي بقيت سلبي، ده أي جو الكآبة ده!
بادله نظرات ضاحكة، وهتف بسخرية:
_ أو أنا إللي عديتك، وأنا شغال من الصبح بصيح من كتر خوفي على المسكين إللي جوه ده.
أزال عنه حرجه الذي التمسه رغم دقة الأخر في مواراته عنه:
_ لأ خالص، بالعكس أنتَ شخص بتعرف تعبر، مش بتكتم مشاعرك زي المعظم، يعني ما سببتليش أي سلبية بصياحك ده، وعلى فكرة ده نوع من أنواع الحب لاحظته من خلال طريقة تعبيرك وخوفك الصادق عليه.
سرى طيف من الحزن عليه لما تذكر علاقته معه، الرفض لا غير ذلك، ورغم هذا لم يستطع حمل ضغينة نحوه، فمن يحب بصدق، مهما كانت العلاقة، لا يحمل الضغائن نحو الحبيب وإن كان خطاءً!
طال صمته وشروده، لم يقطع عليه الأخر الغوص في أعماق مشاعر أحدثها حديثه، فتركه حتى هتف في النهاية بهدوء يتلبسه في مواقف كهذه:
_ "أدهم" ده حكاتي معاه موال، من أول مرة عرفته في الشركة وموقفة كان إنساني، قولت بس هو ده صديق الرحلة، لأني بصعوبة ما بلاقي صاحب بصراحة من أخر مرة كان عندي ناس صحاب بالاسم، بس للأسف ما حصلش نصيب ونكون صحاب قريبين، مش بس مجرد زملاء في العمل.
لامس حديثه في نفسه شيئًا، فحركه، وهو الذي ظن أن بالنسيان سيرحل ذلك الحدث ومشاعره الملازمة له عنه!
تغاضى في نفسه عن شعورًا باغته، وقال مكملًا حديثه عن المعنى السابق ذكره:
_ حبك لشخص مهما كان مين، وعلاقتك بيه أي، شيء حلو، وعلشان يفضل كده وميأثرش علينا بشكل ما سلبي، بنحاول ما نخلهوش درجة أولى في قلبنا، لأن الله أولى أن تبالغ في حبه، ما غير ذلك فستُبتلى فيه، ودي أصعب معاناة بالنسبة للشخص، إنه يبتلى فيمن يحب، ويستحيل حبه لذلك الشخص إلى سيفًا يُغرس في صدره!
سكت هنيهة من الزمن ثم أكمل:
_ الحب جميل، جميل أوي يا "بكر"، بس عارف شعور لما تكون خايف من زوال نعمة بنيت عليها حياتك كلها، وبتبقى مفزوع، هو ده بالظبط إللي بحاول وياريت كلنا نحاول ما نوصلهوش، علشان في الأخر احنا إللي هنُفنى مش الحب بس! لذلك بدعي بألا يبتليني فيمن أحب، وأن يرزقني علاقات حب من حولي كافية، وألا أتعلق إلا بسواه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانت تراقب الطريق من نافذة السيارة وحالة من الانتشاء تغلغلت بين جنباتها، بعد دقائق ستكون بين الكثير من الأصدقاء مختلفي الثقافة والمنفعة، لذا فالغبطة كانت تثلج صدرها. لاحظ شقيقها الذي كان يقود السيارة حالتها وهي تتبسم بين الحين والأخر وأمارات الفرحة تزين سنحتها، فرح لسعادتها وقال بمرح:
_ أنتِ لو رايحة تشتري فستان فرحك مش هتفرحي بالشكل ده.
التفتت إليه بابتسامة مرحة وهتفت تؤكد حديثه:
_ معاك حق بصراحة، حاسة إني رايحة أجيب حاجة تنفعني طول عمري، حاجة بتؤنس وحشة الليالي، بتنفسها في أمتع فترات عمري، لذلك هتلاقيني منشكحة كدة للحياة.
بادلها الابتسامة، تمنى ألا تزول من على ثغرها، ثم عاد يتابع الطريق وهو يسأله بأن تذكره باسم المكتبة التي أخبرته عنها والآن هو يقترب من مكان مشهور يعرفه، وهي بالقرب جدًا منه:
_ فكريني المكتبة اسمها أي، علشان قربنا نوصل.
ردت《أمنية》بهدوء:
_ اقرأ وارتقي.
وبعد دقائق من حديثهما معًا، كانت السيارة قد توقفت على جانب الطريق بالقرب من مكتبة بسيطة المظهر من الخارج، يبدو عليها القِدم، لكنها تجذب العيون ببساطتها وألوانها الدافئة التي زينت جدرانها من الخارج، اقترب وهي خلفه يفصلهما خطوات بسيطة، ودلفا معًا عبر الباب البني حوافه الخشبية، أما باقي سطحه فكان زجاجًا شفافًا، ألقى《عَمرو》السلام على صبي تعلق بصره على صفحة وجهه مرحبًا به دون أن يلتفت إلى الفتاة بجواره، بادله 《عَمرو》الابتسامة وتركه ودلف وشقيقته التي سبقته بخطوات نحو أصدقائها الذين جاءت كي تنتقي منهم من يؤنسها، كم أرادت ألا تُضع في مأزق كهذا، وتريح عقلها من هم الاختيار، وتشتري المكتبة بما تحويها من كتب!
كانت تسير ببطء تتفحص إصدارات جديدة جذبت انتباهها، لم تكن تعلمها من قبل، ولكن بقراءة نبذة عنها زادت رغبتها في شرائها، بعد دقائق تفحص للكتاب بين يديها وقراءة نبذة على غلافه الخلفي، وضعته في سلة حديدية صغيرة معلقة على رسغها، همت بأن تأخذ غيره وتبدأ في تفحصه وعن تصنيفه، لكن يد شقيقها قطعت عليها الطريق وهو يسألها بريب:
_ لحظة يا "أمنية" ، إللي حطتيه في السلة ده، الكتاب الكام؟!
وباعتيادية وهدوء أجابته:
_ العاشر.
_ نعم!!!
صاح بها بغتة من دون حرص على أنه في مكان عام، فالتفتت إليه أعين بعض الزائرين لهذا المكان، تنحنح في حرج، وهتف هامسًا بالقرب منها، محاولًا ألا ينفعل أكثر:
_ طب لو سمحتي كفاية كده، ويلا نروح بكرامتنا، ده لو بقي منها حاجة بعد ما نعرف سعر إللي في أيدك دول.
كتمت ضحكة على هيئته وهو يكظم غيظه ويتحكم في انفعاله، تحكمت في إيماءاتها، وقالت بهدوء من بين ابتسامة مرحة هربت من قيودها:
_ حاضر، يلا، بس لو أعلنت افلاسك ما ليش دعوة، إللي عرض الهدية على غيره يدفع وهو ساكت وعلى وشه أجمل ابتسامة.
_ ما هو أنا أستاهل الإفلاس علشان وعدت، اطلعي قدامي يا "أمنية" اطلعي.
تحركت وعلى وجهها ابتسامة ضاحكة، وتبعها هو وفي نفسه يندب لومًا على اليوم الذي وعدها فيه، ولكن في النهاية تبدلت حالته إلى الغبطة والفرح وهو يرى الكتب أمامها تُضع في صندوق مزين بشكل بسيط من الداخل، وتفاجات هي من تلك المراسم، يضعون الكتب في صناديق هداية بسيطة وفوقها ملصقات تزينه، عد الصبي الذي يعمل في المكان الكتب داخل الصندوق مجددًا، ثم أغلقه لمًا تأكد من أنهم كاملي العدد؛ إحدى عشر كتابًا !
خرجت والغبطة تعم جنباتها، والابتسامة لم تطير من عينيها، وقفت أمام الباب حتى خرج خلفها بعد لحظات، وتلقته ما إن خرج بابتسامة شاكرة:
_ ربنا ما يحرمني من هداياك يا عمورتي، وأشوفك كده مستور وجيبك مليان دايمًا يا رب.
_ يارب يا "أمنية"، والمكاتب تختفي علشان أرتاح وأعرف أوعدك براحتي من غير إهدار أموال!
ضحكت وهي تسير بجواره على أمنيته الغريبة، تذكرت لحظة أنه لم يكن من قبل يصب في قلبه كل هذا الكره للكتب، هي تعلم جيدًا أنه يحبها مثلها، ليس كتوأمه، كان في أيام جامعته يهدر كل مصروفه اليومي على شراء الكتب، ولكن《عَمرو》لم يعد《عَمرو》، حانت منها التفاتة حانية وهي ترمقه وقد تذكرت حاله السابق وهذا، تبدل تمامًا، أصبح أكثر قسوة، وانفعالًا بغضب، لم يعد يتحمل الصبر إلا قليلًا، ولا الأشياء التي يحبها ظل على حاله لها، بل ابتعد، وكأن《عَمرو》الذي كان عليه نسخة لم يقدر أو ربما لا يطيق أن يعود لها.
وصلا إلى السيارة، وقبل أن يدير المحرك، سألته بحذر تبث فيه شيئًا من الشوق لأيام الهناء خاصته والتي كانت أمام مرأها تنتشي نفسها بها قبله:
_ "عَمرو" هو ما فيش خالص أي كتاب عجبك، وحبيت تشتريه؟
أصدر صوتًا من فمه ينفي ظنها، وأدار محرك السيارة دون أن يلتفت لها، أو يسألها عن سبب سؤالها، حالة من الامبالاة لم تعهده حلت به، وطوال الطريق صمت مطبق شاركهم اللحظات، هو شارد في الطريق بتركيز وقسمات وجه تبدلت تمامًا، استحالت لينها ومرحها إلى وجوم يخفي وراءه الكثير، ففهمت على الفور أنه لم ينسى، ولم يتغير، ويعود كما كان، فالذكريات التي كانت تشاركه نسخته الماضية، رحلت ومعها《عَمرو》الحقيقي، لذا فصمتت حتى لا تفتح عليه باب ذكريات سوداء تبتلعه آلامها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لازال الصراع قائمًا بين قوتين هي في المنتصق بينهم، تجذبانها كلًا منها نحوها، تارة تغوص في عالم مرير يحيطها به أبالسة الندم كل واحد متمثل في خطأ ارتكبته، وبكل إرادة في ثناياها تقبع فعلته، وصدقت سبيل الوهم خاصته، وتارة أخرى تجذبها من تيهها وأسرها داخل حدود اللوم المفرط على ما فات وضاع من بين يديها بسببها، كان الصراع قويًا، لذا فقوتها تضاءلت أكثر مما كانت عليه في بداية اليوم.
الدرس الذي تعلمته صعبًا، لا لأنها اكتشفت بلاهة أفكارها التي قادتها نحو سبيل الوهم، بل لخسارة تلك المرة كانت أكبر، وهي التي عصت كل قوانين النفس وتجنبت أكثر نداء كان أمامها واضحًا، يهتف بالاطمئنان، والقبول الرحب به، لكنها لبلاهة ظنونها، وقعت في ذات المصيدة التي عاشت في داخلها طوال عمرها بسبب اعتيادها اللجوء إليها هاربة!
قطعت شرودها الساكن فجأة لما تثاقل الحمل فوق صدرها، وحركت كفها ببطء نحو الوسادة، أخرجت دفترها الأسود، استقر فوق ركبتين مثنيتين بشكل قريب للغاية من صدرها، رمقته بعمق للحظات، تحاول استجماع طاقة إرادة بين جنباتها تقبع ولو فتيلة منها، لم تجد سوى قدر بسيط دفعها لتكتب خاطرة عميقة أزرفت خلال كتابتها زخاتًا من الدمع....
_ مذكراتي العزيزة...
ربما يكون هذا حديثي الأخير بين وريقاتك،
لذا فاحتضني أحرفي جيدًا، واحفظي ذكراهم إلى حين يشاء القدير ونجتمع.
أردت في أخر المطاف أن أبوح، ولا أترك أثر حروف عالقة في جوفي،
حتى ولو اضطررت على الوقوع فريسة لصراع مؤلم.
كذبت حين التمست من الفرار أمانًا، ولجأت له حلًا عاجلًا ينتشلني من بين أنياب وحش القلق، وكذبت حينما أدعيت بالرضى، فوالله ما كان قولي سوى سرابًا أتبع سبيله،
حتى وصلت في النهاية إلى حافة مرتفعة لم تكن بادية أمامي، فهويت فجأة،
وصرت أسيرة ندم دفين تجلى حزنه في النهاية بصورة أعطاب تؤلمني.
لم أشك يومًا أنني في أمان ما دمت بعيدة ووحيدة، فصار الوهم حقيقة،
وامتزج الخيال بالواقع، فتوهت، وعدت في النهاية أجر خيباتي وحسراتي،
لم أنال مرادًا كنت أسعى إليه يومًا، أو شخصًا أراحت سجيته صدري وصار عزيزًا،
أو حلمًا انتشت به نفسي الغير راضية عن حالها وفشلها القابض عليها، كل شيء كان حقيقة تُغلف بالوهم، فصدَّقت وأنا التي تعثر في الأشياء عن الأمان حتى وإن كان مزيفًا، وخسرت في نهاية المعادلة كل شيء.
مذكراتي العزيزة، الآن أنا لم أعد أنا،
صرت مذنبة في حق نفسي لمَّا أوهمتها بعقلي المتسلط عليها أنها في أمان،
وما كنت سوى ألقي بها في غياهب الخسارة القارصة،
الآن أنا فهمت وأدركت حقيقة كانت عني تائهة،
أنني ماكنت أبتعد، بل كنت أموت ببطء!
لم تنهي جملتها المعتادة بالوداع، ثقل القلم في يديها، وتباطأت حركتها، لا عادت تقوى على خط حرف أو الحديث في نفسها بكلمات معبرة، كل متحرك من صراع وجلبة بداخلها سكن، وساد الهدوء الغير موشي بالخير بين جنباتها، حتى الأجندة لم تغلقها وتضعها في مكانها المعتاد، تركتها على الفراش جوارها، وانسلت في غرق عميق تسحبها دوامة بجوفها ظلام داسم، أسرتها أحزانها وحسراتها بداخلها، وابتلعها الظلام من كل جانب، معلنة بذلك فقدانها الحياة وشتى معانيها.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman