بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الرابع_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وبتلقائية دون تفكير مطول في كلماتها التي أخرجتها دون وعي، دعت بحب:
_ ربنا يا ابني يشفيها ويعافيها وأشوفها في أحسن حال.
وقعت كلماتها على أذنه فتعجب، ووضعته في اندهاش شديد، وتساؤلات عقله تضج، ماذا تقصد؟ أهل علمت بأمر مرضها الذي فَضَّل محترمًا خصوصيتها ألا يخرج بينه وبين شقيقها لأحد أخر حتى لو كانوا والديه؟... ولكن كيف؟!
اعتدل مسرعًا وعاد لجلوسه كما كان سابقًا، وسألها بتعجب بدى على ملامحه معقودة الحاجبين:
_ أنتِ تقصدي أي يا ست الكل؟..أنتِ تعرفي؟...
لم يكمل حديثه، تاركًا لها مجال للإفصاح بما تعلمه، لربما ما تقصده شيئًا أخر غير الذي جال بعقله، حركت رأسها إيجابًا _نعم_ فبعد أن غُلبت على أمرها وجر لسانها مفصحًا عن خبيء صدرها، ليس أمامها سوى التأكيد بقولها:
_ أيوة يا ابني عارفة، عارفة إنه نفسيتها تعبانة، ومن قبلك كمان، وكنت مقررة أقولك، بس "إمام" فَضَّل إننا نسكت ومنتدخلش، وأكيد أنتَ هتعرف ده لوحدك وهي هتصارحك، وواضح إنك كمان عرفت من رد فعلك ده.
سبح عقله في بحر الغموض والتعجب الذي تزايد بعد حديثها، فهو لم يعلم منها ولم تصارحه، فكيف علموا هم ومِن مَن؟ 《وسام》أم هي، أم والدتها، فهؤلاء فقط من يعلمون بمرضها كما علم من شقيقها، أيمكن أن يكون أحد منهم صارحهم؟
خرج من شروده متنهدًا بعمق وأكد نهاية حديثها السابق وهو يرمق الفراغ أمامه في وهن:
_ عرفت كل حاجة.
فقط هذا ما تفوه به باختصار، وصمت يجتر مأساة معاناتها التي علم بها وشاهد إحداهما منذ أيام حين فقدت وعيها، بدى سكوته مُحزنٌ، فأجفل قلبها قلقًا عليه وسألته بحنان:
_ وهو ده إللي مزعلك يا حبيبي؟
تنهد قليلًا وأفصح بينما لازال يثبت نظره أمامه:
_ مش مزعلني قد ما هو شاغلني أكتر يا ست الكل، أه حزين شوية على حالتها وبتمنى تبقى أحسن وسعيدة، بس عقلي اتشغل بكم حاجة كده وده إللي مخليني أبان زعلان الفترة دي، بس ما تقلقيش أنتِ أنا تمام، وادعيلي وهي كمان.
عادت تتمتم بالدعاء لهم، ثم سكتت وحل الصمت ضيفًا بينهم، هو شارد يفكر في أمرها وهل سيتم ما أراد حدوثه، وهي تراقبه بانشغال قلب عليه وتَبدُل حاله تلك الفترة، فهي تعلم ابنها جيدًا، يطيل صمته ومكوثه هادئًا طالما عقله انشغل بمرادٍ يبغاه، جولة تفكير عميق يأخذها طوال فترة صمته المُنشغل. دعت مرة أخرى_في نفسها_ أن ييسر الله له، ويهبه الخير وهناء قلبه.
يبدو أن هناك حب يولد أمام عينيها، ذكرها بتمسك والده بها رغم ما قاسته وماضيها المعيق لأمر زواجها منه، فلاحت ابتسامة خفيفة على شفتيها قبل أن تتفوه بهدوء:
_ أبوك كان معاه حق لما قالي إنك مش هتبص لحاجة زي دي، بس سعتها أنا كنت خايفة على مشاعرك ورد فعلك لما تعرف زينا وبالأخص لو من حد غيرها، بس واضح تمسكك بيها، ورغم كده لسة مكمل.
ببساطة شرح لها رأيه الثابت عليه:
_ واي هيخليني أسمح لمشكلة زي دي تقف قصاد رغبتي، وأنا من قبل ما أعرف بحالتها كنت متقبل كل صفاتها البادية قدامي، لأنها ما كانتش غير مقبولة خالص، ولأنه ببساطة حاطط أسس بناءً عليها أخترت وقلبي ارتاح.
_ ربنا يسعدك يا حبيبي بيها، ويسعدها بيك.
لامست قلبه كلماتها الداعية، هل سيكون له القدرة على فعل ذلك؟ يتمنى أن يفعل كل ما بوسعه لأسعادها، ردد في نفسه الدعاء بالتيسير، ثم سألها في تعجب قليلًا من جملة لفتت إنتباهه في حديثها السابق:
_ قوليلي يا ست الكل مين إللي قالكم بالظبط؟ حد من أسرتها يعني؟
نفت بحركة رأسها وكذلك حديثها المُفسر:
_ لأ خالص، دي مرات عمها هي إللي قالتلي، رغم إني مطلبتش حتى منها أعرف أي حاجة عن "حياة"، بس اتفاجئت بيها دخلت في حديث طويل عنها معايا.
وبحاجبين داقتا المسافة بينهم سألها في تعجب:
_ مرات عمها! غريبة ..طب هي قالتلك أي بالظبط، ممكن تقوليلي؟
لم تفهم سبب شدة تعجبه، لكن يبدو أن الأمر مهم للغاية، لذا أفصحت له باختصار عن ما دار بينهم من حديث، كما قصت على والده بالضبط، ثم أكملت تبدي رأيها:
_ بس أنا مش متأكدة من مصداقية كلامها، خاصة إنه كان في علاقات ماضية ل"حياة" انتهت بسبب مرضها، لذلك مكنتش حابة حد يعرف غير لما يتأكد الحديث، لكن محصلش للأسف وأنت و"إمام" عرفتوا.
حرك رأسه ببطء متفهمًا، وشرد فيما قصته عليه متفكرًا، متشتتًا إثر حديث غير مقنع، يشي بالمبالغة والزيف كما ترَأى لبصيرته، فهي لم تطلب منها شيئًا لتدفع بحديثٍ لا فائدة لهم فيه! عجيب هذا الأمر، عظمت التساؤلات ضجتها في رأسه، متشتتًا بين التصديق، وعدم الانجراف وراء ما لا يمر على قلبه، فضبط حالته، واستحالت للهدوء والتريث إلى أن يقوم بقطع الشك باليقين بدوره.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ إديني وقت أفكر يا باشمهندس "بكر"، أنا لسة مش عارف ظروفي اي في حوار السفر ده.
_ ماشي، بس افتكر إنه ردك مجرد شيء رمزي، لأنه مدير الشركة مُصر على اختيارك بدالي، فحتى لو أبديت اعتراض، هتضطر توافق بعد محاولات فاشلة قدام إصراره. بالتوفيق ليك، وأنا موجود لو محتاج مساعدة، تقدر تكلمني على رقمي ده في أي وقت.
بابتسامة مُغتصبة، أبدى ترحيبًا زائفًا بمقترح الأخر عليه، فحتى إن فعل طلبه واستحوذ رقمه مساحة بهاتفه بجوار باقي أرقامه القليلة، لن يطيع رغبته المُلحة عليه منذ دلوفه تلك الشركة والعمل بها في أن يبقى بالقرب منه وشخصه، كصديق.
أطلق زفيره بقوة في هواء الطلق المُحيط به وهو يقف بالخارج أمام بناية بيتهم، والتي خرج من بوابتها بعد تركه المشاركة في الجلوس مع أعمامه كما اعتاد، ليجري تلك المكالمة القصيرة، ضاق به الأمر، وعجز عن اتخاذ قراره، عقله في وادٍ، وقلبه في وادٍ أخر، لم يتفقا، فنشبت في نفسه الحيرة.
أيسير على درب قلبه ويحاول إقناع مديره بعدم استطاعته على الابتعاد عن عائلته وأحبائه، ويدفع أمامه بالمبررات ليوافق؟ أم يصدق سيد الأوامر الحاكم على سائر أعضائه بقرارته، ويسمع لقراره المفروض على قلبه، فيكف عن تركه يتألم لهذا الحد ويبتعد؟
_ أيوة يا "يحيى" عارفه، خلاص تمام بعد العصر نتقابل بإذن الله.
أتى من خلفه ذلك الصوت الذي ظهر صاحبه أمامه وهو يبتعد قليلًا عنه ليتسنى له الحديث مع الطرف الأخر، وقف شاردًا به وهو يتعمق في رسالاتِ عقله المتدفقة الآن ما إن وصله حديث الأخر،《أيوة》كلمة بذاتها كانت الإشارة لتحريك رسائل عصبية من سيد الأوامر ليؤكد عليه بتلك الكلمة، أجل اتبع قراري، فاتخذ بذلك دليلًا خفيًا ليسير في دربه
اقترب منه في لحظة شروده《وسام》الذي لوح أمام عيناه فلم ينتبه إلا بعد لحظات على صوت الأخر وهو يحاول إفاقته من غيبوبة شروده:
_ يا ابني فوق، بكلمك من الصبح!..سافرت بعقلك ولا أي؟
《سفر》!..كلمة أخرى، دليل أخر، ألم يكف ذلك العقل عن إلقاء أوامره عليّ، هذا ما هتف به قلبه المتألم من فكرة الابتعاد نفسها، هو جربه كثيرًا، وبطرق مختلفة، ولا يود تكرار الألم، خاصة بعد أن أصبح لديه أوناس يستوتطنونه.
نفض رأسه ثم مسح بكفيه وجهه، كمحاولة منه لإزالة شحنات سلبية أصابت ملامحه بالعبوس وهو غائصًا في بحر صراعاته، أنتبه《وسام》لحالته المتغيرة، يبدو أنه كان منزعجًا بهمٍ ما لاحقه، لذا فسأله باهتمام:
_ في مشكلة معاك طيب؟
هذا ما اختصره هو الأخر، لم يجد تعبيرًا يبدي اهتمامه أكثر من هذا، أو ربما يوجد كثيرًا، لكنه لم يعتد إبداء ما بداخله كله للطرف الأخر أيًا كان. نفى الأخر برأسه وقال وهو يربت على كتف《وسام》ليطمئنه:
_ مافيش حاجة يا "وسام" ماتقلقش، دي بس كم حاجة تبع الشغل والسفر زي ما أنتَ عارف بحاول أحلها.
أومأ الأخر برأسه متفهمًا، ثم رمق ساعته في يده ليتأكد من ظنونه بأنه موعد أذان العصر قد اقترب، لذا استأذن منه ما إن تأكد، حتى يلحق بتلك المقابلة الغير مرتب لها، أُثير تعجبه، ولكن ليس بدرجه كبيرة، وقد ظن أن الأخر يريد الحديث معه عن عدة أومور تدور بينهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
"ثمة مشاعر بداخلنا نعجز عن البوح بها أو قبولها، ظننًا منا أنها مجرد سراب، أو عبث ناتج عن ضعف نفس لا أكثر، فلا ندرك كنهها ولا أهميتها، ولكن إن سار العقل مخالفًا سلوكه المعيق باتباعه همسات قلبه، لكان لكثير من الأحوال تبدلت ولم نكن على ما نحن عليه الآن، نادمين!"
وقف حائرًا في منتصف الطرقة المؤدية لغرفة النوم خاصته وزوجته، يفكر في حل لتلك المعضلة التي تسببت له في الضيق خاصة بتلك اللحظة بعد أن يأس لعدم قدرته مواجهة الأخرى والحديث معها لحلها، ماذا سيقول؟ كيف سيمحي أثر حديث لاذع تَعود على ترك العنان للسانه أن يتفوه به في لحظات غضبه المنتصرة عليه؟
حسننًا يكفي الأعتذار وحسب، هذا ما توصل له في النهاية، فهو لا يجيد تلقين تلك الكلمات الرومانسية واللينة حتى، لذا يكفي إظهار أسفه لها، ولكن أين هي؟ ولماذا لم تأتي إلى الآن لشقتها؟ يبدو أنها ستهجره كثيرًا، فالحزن كان على قلبها ثقيلًا. زفر بقوة غاضبة، فهو لا يطيق تلك التصرفات، هجر، خصام، ومن ثم يتوجب عليه قول ما هو لين ويطيب خاطرها بالهدايا مثلًا، ليس معتاد على ذلك ولم يفعله من قبل ولن يفعله، فكل هذا بالنسبة له سخافة...
حركته عاصفة غضبة القائمة بداخله باندفاع وتشنج في حركات جسده، وخلال مروره بالطرقة، لفت بصره غرفتها المُوَارَب بابها، فتعجب، تلك ليست العادة، جال بعقله إن كان هناك أحد عندها، مثل زوجته مثلًا، لذا فالباب مفتوح، فدفعته تلك الفكرة في فضول ليعرف مدى صحتها، اقترب من الباب ولم يجد أحد لا على الفراش أو بالقرب منه من تلك الناحية المواجهة للباب، فهم؟َ ليستدير ويعود خارجًا، لكن أوقفه مظهرها الذي التقطه وهو خارج بطرف عينيه، وعاد ملتفتًا بهدوء يرمق حالتها وسكونها اللذان ذكرته بمشهد متكرر لم ينساه.....
أمام حافة السرير، والمواجهة لنافذة غرفتها المبتعدة عنها لعدة مترات متوسطة، اتخذت حيزًا صغيرًا يكفي جسدها الضئيل، أقرب للنحافة، لكنه ليس نحيف، ماكثة في وضعيتها المعتادة؛ تضم ركبتيها إلى صدرها، وتحاوطهم بكلا ذراعيها اللذان اتخذتهم وسادة تريح عليها رأسها المثقلة بضجة أقامت بها لفترة طويلة كالعادة، وتغوص في ثبات عميق.
جالت بعقله ذكريات لمشاهد متكررة لوضعها هذا، كان كلما عاد بعد عقابه بحبسه لها، يلقى ذلك المشهد أمامه، في سكينة والدموع جفت على وجنتيها، تغط في نومٍ انتشلها من غياهب حزن وبكاء داما لساعات حتى عودته، والبقية، والذين لم يكن لأحد الجُرأة أن يخالف قراره، والفارق الوحيد بين ذلك المشهد أمامه الآن وبقية مضوا، هو تلك الشهقات المتتالية التي تخرج من جوف صدرها المرتجف بعد نوبة بكاء لم يحتضنها فيها أحد ويشفق عليها، وكأنها غير مرغوبة، هي ولا بكائها بينهم!
هتف في نفسه يتساءل بريب مقلق، أهل كانت تعاني من نوبة بكاء قبل قليل، وانتهت على نفس حالها السابق؟ أم أنها فقط اعتادت على تلك حالة جلوسها، وليس هناك خطب يبكيها؟ تلك القسمات الحزينة على ملامحها، لأول مرة يلحظها، فهي معتادة على إخفاء تلك الهيئة عنه، ففي كل مرة يحدثها، ما كانت إلا لترمق الأرض، فلم يلحظ بوضوح ذلك الإنكسار الكاسي وجهها، وإضافة إلى ذلك، معظم فترات وقتها_إن لم يكن أغلبها_ تقضيها وحيدة في غرفتها، فلم يتسنى له القرب منها.
شيء من القوة الخفية تدفعه ليحرك قدماه نحوها، نَبعت عن إرادة ضئيلة عاجزة عن فعل ما خطر بعقله ليفعله، وهو الأقتراب منها وبدء حديثه معها بلطف، عن أحوالها، وما أصابها من حزن_إن كان_يلتمس منها بوضوح سبب خوفها الكبير من أمر الزواج، تذكر علاقة ابنة أخيه《أمنية》بابيها، كيف تشاركه كل أمر في حياتها، وكيف هو يسمعها بتقدير لكلماتها، أراد أن يكون كذلك معها، هو يبوح لها باهتمامه، وهي تشاركه أحزانها وكل ما يشغلها، ولكن كما قيل، قوة الفعل تنبع من قوة الإرادة، فلم يكن لديه القوة الكافية للسير خلف هتافاته الخافته بداخله، فعجز وأدار جسده ورحل، ملقيًا خلف ظهره تلك المشاعر التى لم يلتفت لها، ولا حتى أدرك أهميتها، وقد أقر أن كل ذلك الهراء مجرد ضعف!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في عرفها البدايات عواصف، تنذر بالشؤم وظلام يطمس حياتها ما إن تنتهي زوابيعها من تدمير كل فتيلة بداخلها، ولأنها تحفظ عن ظهر قلب تلك السيناريوهات المقلقة، والتي تخشى حدوثها، أو تكرارها! فهي تبتعد، وتترك كل ما يُعرِّض نفسها إلى الوقوع فريسة بين براثن أوجاع كالحة، لذا فرفضت تلك البداية وبشدة.
منذ أن فاقت من ثباتها العميق لدقائق متوسطة أنقذها النوم من هجمات أفكارها، وهي تدير القرار المحتمل حدوثه في عقلها، تميل إليه وبشدة، بنفس راضية مرتاحة تعجبت لأمرها وتلك البداية الجديدة التي تخطوها، ولكن عجبًا لتلك العواصف القاتلة التي تأتي به إليها ما إن تفكر فيه، كأنها تعلم براحتها، ومواضعها، فتأتي بعتوها وتخرب كل شيء...
أحيانًا تروادنا أحداث سابقة، تهجم كوحش مفترس، يطارد راحتنا الحاضرة، فنعلق بين أنيابه، يتلبسنا الجزع والخوف فيتضخم إلى قلق بالغ تهب زوابيعه علينا، فنؤُسر في غياهب حالنا المُرثى عليه، ولا نستطيع أخذ قرار.
بالضبط حالها كهذا، بعد هبوب تلك العاصفة المقلقة عليها، فظلت عالقة في ظلام التيه، ما أخرجها منه سوى ترديد دعاء واحد لا غيره كان سببًا في خروج سيدنا يونس من ظلمات بطن الحوت لنور النجاة؛ "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مكث على أريكة بغرفة المعيشة، ونواقيس الغضب تدق رأسه كلما زاد عِلو صوت كلمات زوجته برأسه عن ابنته وحالها كغير باقي الفتايات، فأفاقت عدة حروف متشابكة وحشًا مات بداخله تعين عليه الخوض في صراع معه، صراع نال فيه السباب والتعنيف واللوم والجلد من قِبل ذلك الوَحش الذي كشف عن ضعفه أمام نفسه، وتعرت حقيقة ينكرها بداخله،《أنه فاشل》، كلما تمادى في إخفائها وعدم الأكتراس لها، كَبر ذلك الوحش، وتجبرت قوته، فأضحى سهلًا عليه سَلبْ طاقته وإنهاك نفسه التي سقطت ضحية صراعهما معًا....
فشل في أداء معنى الأبوة بكل معانيها؛ أمان، احتواء، حب، حنان،...فشل في التغيير من نفسه، وأن يخلع ثوب يكرهه قبل الجميع عن نفسه، انهزم في جل معاركه الحياتية؛ مع نفسه، دوره في شتى مراحل حياته، نجاحاته، كيانه المراد تحقيق معنى له، وانتهى مشواره برفع راية الاستسلام، ومعها تسلط وحش ظلمات نفسه القديمة، وتحكم في شخصه وسلوكها، وأضحى ضعيفًا، بين أنيابه عالقًا.
قام من مكانه، وقرر الهروب من ذلك الصراع، لا يملك الجرأة على مواجهة نفسه بعدة حقائق تكالبت بجوفه، وصنعت وحشًا متجبرًا يسلبُ منه راحته، وأثناء سيره متوجهًا صوب باب الشقة حيث قرر تشتيت عقله بمجاورة أشقاؤه وتبادل الأحاديث معهم، تناهى لأذنه صوت مفاتيح تتحتك بثقب الباب أمامه، فتوقف وقد ظن زوجته، فنمى بعض الأمل بداخله، ومالبث ثوانٍ حتى تبدد بظهور ابنه《وسام》أمامه، ألقى عليه السلام دون أي تعابير على وجهه، فردَّ والده بنبرة خالية، هي ذاتها التي ابتدأ بها حديثه الذي خطر بعقله ما إن رأه أمامه:
_ من امتى وهي بتتعالج؟
وقع سؤاله عليه كصاعقة جمدت عقله عن التفكير لثوانٍ، هربت فيها جميع حروف اللغة، فأصبح جاهل بها، مما أعجزه عن تكوين كلماته، أضاف الأخر بلومٍ شديد خرج بنبرة جامدة:
_ أفتكر يا استاذ إني قولتلك لأ، ورفضت الموضوع نهائي، ورغم ده خالفت كلامي، اي خلاص كبرت وما بقاش قيمة لكلمة أبوك عندك؟
لأجل ذلك اللوم الغليظ، أراد أن يخبره بنفسه وبطريقة ما، فيمنع حدوثه، لكن الفرصة لم تسنح، هربت مرات، حتى وقعت بيدٍ أخرى فعلم الأمر من غيره، والآن يواجه عواقب خطأه الذي بنى عليه عدة مصالح أكبر من الخطأ ذاته.
بكل خزي واعتراف لخطأه، أجابه بعد زفرة عميقة مكتومة في نفسه لم يلحظها الأخر:
_ أنا آسف يا بابا، أكيد ما أقصدش إني أخالف كلامك، بس ما كانش قصادي حل غير ده بعد الحالة إللي وصلت ليها، حجم الضرر كان أكبر من إني أقعد وأفكر هيحصل أي لو اتوليت الأمر بنفسي بدون علمك.
_ وده يخليك تفضل ساكت وما تقوليش حتى، لي مش أبوها ومفروض أعرف كل حاجة؟ ولا مش قد اللقب يا استاذ؟
قالها بغضب، فأسرع ابنه يزيل لبس تلك الفكرة المعبرة عن خطأ فهم في عقله:
_ لأ خالص يا بابا، أنا كنت هقولك أكيد، بس بعد ما الأمور تهدى شوية، أكون عرفت طريقة أقنعك بيها، كنت خايف ترفض في حالة مش مسموح فيها الرفض نهائي.
لم يلتمس الرضى من قسمات وجه أبيه الغاضبة، ورغم ذلك أضاف بكل ثبات على تأيده ورضاه بما قام به:
_ حالتها ما كنتش زي كل مرة، كانت أكتر خطورة على نفسها، وأنا مقدرتش بصراحة أفضل ساكت وأتفرج على موتها بالبطىء.
هنا وبتلك الكلمات، أثار بداخله صراعٍ لائم، ابنه لاحظ مدى خطورة حالتها واهتم لأمرها وساعدها، وهو لم يتحرك بداخله نسمة عاطفة ليدرك حتى حالها المأسوي، انغمس في بحر عقده المضرية، وانجرف وراء هتافات زائفة، تاركًا حقائق مُنكرة.
ألقى عليه نظرة صامتة، خاوية من أي دليل يهديه ليعرف تعليقه على الأمر بالاستمرار على الرفض، أم تغير إلى الموافقة، ثم رحل هاربًا من صراع بعقله كاد أن يسدي بنفسه إلى الغرق في ظلماته، غير مدركًا أن هروبه يلقي به في غياهبه من الأساس!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لكل امرئ من اسمه نصيب_كما قيل_ يُصاغ معناه في صورة شخصه، فيتجلى لنا ما حاذه منه من صفات.
على كرسي خشبي جلس إلى طاولة صغيرة مرتفعة بشكل متوسط بجواره، وهو يضع قدمًا فوق الأخرى بينما ينفث دخانًا أدخله إلى رئتيه بواسطة تلك الأرجيلة التي ينفث منها على لحظات متتابعة، انتظر كوب الشاي المعتاد احتساؤه وهو ينفث دخانًا، مرت الدقائق طويلًا ولم يأت أحدٌ بطلبه، انتابه شيء من الغيظ، كيف يلتهي العمال عن طلبه؟ ألم يلحظون جلوسه في مقهاهم؟ فيسارع الجميع لتلبية طلبه، حسننًا، يبدو أنهم نسوه تمامًا، ولا بُد من رياح تلفحهم وتنفض غبار عقولهم ويتذكروا من هو!
اخترق عاصفة عقله بتلك اللحظة ظهور عاملٍ في مقتبل عقده العشريني وهو يحمل كوب الشاي على صينية من السلستين، وضعه الشاب الجديد في عمله أمامه دون أي اكتراث ولو بكلمات اعتاد الأخرون الثناء عليه بها، أو حتى كلمة اعتذار تشفع له عنده بسبب تأخيره، فقط اكتفى بأدبه قول كلمة بسيطة《تفضل حضرتك》ثم دار على عقبيه ليرحل من أمامه بهدوء بدى على قشرة الأخر الخارجية، مواريًا خلفه عاصفة غيظ أقامت زوابيع الغضب بداخله.
تتبع بنظرتٍ حملت في طياتها الحنق الشديد، العامل وهو يرحل من أمامه، وما إن اختفى حتى أعاد بصره على كوب الشاي وهو يجز على أسنانه حتى برزت عظام وجهه، أراد إطفاء نار أحرقت نفسه، فاحتسى قليلًا من المشروب مالبث ثوانٍ حتى بسق ما تناوله وصاح أمام أعين من حوله راقبت رد فعله فانتظرت في رهبة لتعرف ما مصير العامل:
_ محمود!.
صيحة جامدة هزت أركان المقهى فخرج كل من فيها خشية من أن تُطبق جدرانها فوقهم من هول الصيحة، اقترب منه عاملٌ كبير السن اعتاد على خدمته دومًا، لكنه لأنشغاله بأمر ما، خرج الصبي العشريني يعمل محله. هتف العامل في رجفة يسأله:
_ ن..نعم يا معلم "جبار" تؤمرني بحاجة؟
وبغيظ لم يقل حدته عن السابق، قال:
_ مين إللي عمل الشاي؟
_ أنا، في أي مشكلة؟
أخبره ذلك الصبي العشريني بكل ثبات لم تهزه رجفة قط، بعد أن اقترب مع البقية من العمال في نفس اللحظة، فازدادت حدة غضبه، وكاد رأسه يجن من ذلك الجاهل، ألا يعرف مع من يتحدث؟ فيكون أكثر خضوعًا، بحدة وجَّه حديثه ل《محمود》:
_ أي إللي غير الحال يا "محمود"، ما أنتَ كل مرة بتحضره، مش ده الشاي إللي أنا بشربه.
وهنا فهم العامل خطأ الصبي، لا بد أنه أخطأ في وزن مقاديره الخاصة والتي يحفظها عن ظهر قلب، أبدًا لم يخطئ بها، اعتذر منه كثيرًا وأخبره عن مانعٍ جعله يتخلى عن إعداده له، ثم رمق الصبي بنظرات لم يفطنها إلا حين اقترب منه وهمس:
_ اعتذرله يلا!..مش عاوز مشاكل.
زفر مطولًا فهو يكره أن يكون خاضعًا لتصرفات شخص يتعالى على من حوله، ولكن عادته التي جُبل عليها اضطرته للأعتذار بهدوء:
_ أنا آسف، مكنتش أعرف أنتَ بتشربه اي.
《آسف》الخاضعة_كما استشعرها_ سقطت كثلج على لهيب صدره المشتعل، فأخمدته تمامًا، وأعادت لأعصابه الهدوء وكأنه أفيون يجري في عروقه، إن لم يسمع من يعظم قدره ولو بحركة أو إيماءة، يفقد صوابه وتثور أعصابه إلى أن يُحقن به، حتى لو اضطر على أن يُحيك الأكاذيب!
هدأت الأمور وعادت كما هي، وانشغل كل عامل بوظيفته، عدا الصبي، فقد تولى مهمة التنظيف بدلًا من إعداد المشروبات، وذلك بعد تعنيف من كبير العاملين《محمود》. جلس في استرخاء ينفث من الأركيلة براحة مزاج ونفس فائقين، تبددت ما إن وقع بصره على طويل القامة الواقف أمامه، وتقاذفت التساؤلات بعقله بينما هو يقول بدهشة:
_ أبو "سمير"!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
علت شفتيها ابتسامة خفيفة وهي تطالع هيئتها في المرآة، شردت في اللون الأسود وقتامته الجذابة، وما أضفى جمالًا جذابًا على فستانها، هو ذلك الحجاب البني من الدرجة الفاتحة 《بيج》الذي ارتدته متلائمًا مع تلك الفصوص اللامعة في نفس لونه والمتناثرة على المسافة بين كتفيها وما بينهما حول الترقوة....
تذكرت ذات مرة أنه أخبرها بأن اللون الأسود في ملابسها جذاب ويحبه، وخاصة ذلك الفستان الذي رأها به في يوم فُتن فيه قلبه بها، وهو يوم مناسبة في العائلة جمعتهم، ولأنها تضع تلك الصورة بنفس الفستان على منصة التواصل الاجتماعي《انستجرام》، تحجج باخبارها أنه رآها منشورة على تلك المنصة، واغتنم الفرصة ليبدي إعجابه، وبتلقائية تحركت في ثبات غير معتاد، واختارت ذلك الفستان لترتديه في موعد خروجها اليوم معه.
بسرعة انتشلت نفسها من قوة جذب خفية توهمها بها أفكارها، فتحركت لتضع اللمسات الأخيرة من مساحيق تجميل خفيفة على بشرتها، هاربة من خيال واسع وجميل، تحب العيش فيه، ولكن ليس وقته!...
توقفت للحظة شاردة، هل ليس وقته، أم ليس صوابًا؟! في أعماقها جوف فارغ، امتلاء لتوه ومنذ فترة أيضًا بالكثير من المشاعر اللذيذة! ولأن نفسها تشبعت بمشاعر كانت عنها تائهة، لم تسنح لفرارها والبقاء متعطشة لها مجددًا، هي مقتنعة برأيها والسبيل الذي تسير فيه، فلماذا التعكير إذن وقلب حالة السعادة الحالية إلى سواد أسئلة تدور في فلك أجوبة لم تطولها ولو بعد حين.
عادت لما كانت تفعله، حيث وضع الكحل وهي أخر خطوة وصلت لها، وابتلعت بعنوة مشاعر رفضت حلولها، أو حلت وبكبتها لها، أصبحت في ظلماتها غريقة دون وعي!
صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها، فتوقفت بينما تخرج عن صمتها وتسمح له بالدلوف، اقتربت منها《روان》التي أصدرت صفيرًا خفيفًا بينما تطالعها من مقدمة رأسها لأخمص قدميها، وقالت باعجاب:
_ اي الجمدان ده، أنا شوفت الفستان ده قبل كده!..شوفته فين ..شوفته فين؟!..
أخذت تفكر بهذه الطريقة بينما تضيق عيناها وهي تحك رأسها في حركة تنم على التفكير، فقطعت 《نورا》بتململ في نبرتها تيار تفكيرها:
_ في فرح ابن عمك(....)
غمزت لها بغتة، ثم غلفت كلماتها بمغزى هي تفهمه:
_ أيوة بالظبط، يوم الفرح وحرب النظرات.
ضربتها《نورا》 في كتفها بخفة لا تتناسب مع حنقها من تلاعب الأخرى بمشاعرها، ثم وأدت ابتسامتها وابتعدت عنها وكأن كارثة حدثت. اقتربت《روان》 منها وشاركتها الجلوس على الفراش، فطنت من سكوتها وعدم تبادلها الحديث بروتينيتها منذ أن دلفت، بل ومنذ أخر حوار بينهما، والذي اشتدت حدته، فتركتها ورحلت كالعادة مصدومة من قسوة قلبها وحديثها...
هي تعلم أنها رقيقة، لا تحب من يخاطبها أو حتى يتحدث عن غيرها بقسوة، وهذا ما اعتادتا عليه منذ الصغر، 《روان》 تخطىء وتجرح، ثم تعود وبدون اعتذار تلتمس الرضى بمشاركتها الصمت!
كما فعلت بالضبط الآن، تشاركها الصمت، تقلد حركاتها قاصدة حنقها، ولما يطول ذلك الحال، ولم تتركها《روان》وشأنها، تتناسى《نورا》ما حدث بينهم جارحًا، فتبتسم وتسامح وتحتضن وتقبل...
خرجت من أحضان رفيقتها المقربة كما تلقب منذ الصغر، ثم طالعتها بابتسامة سعيدة ما إن رأت أمارات الرضى في عينها، حينها تدرك بعودة طبيعتها تلك، أنها سامحتها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتهى من احتساؤه الشاي في نفس اللحظة التي توقفت فيها الحكاية، قصَّ عليه دون التطرق لتفاصيل عميقة ما طرأ على حياته في الخارج من أحداث مفاجئة أدت لخسارة عمله بالشركة وأملاكه أيضًا، فقد أتُهم بسرقة المال الخاص بالشركة ببضعة ألاعيب حاكها لصالحه، مما أدي لتراكم ديون على الشركة مجهولة المصدر، ليتضح في النهاية أنه المتسبب، لذا فكانت عقوبته رد الحقوق كشرط للتصالح، فضلًا عن البقاء في السجن لسنوات، ولكي يفعل ذلك، باع كل ما يملك وأفرغ حسابه البنكي في سبيل دفع الحقوق لأصحابها، وتبقى جزء من المال، لجأ إلى صديق في الشركة يعمل معه ليساعده، تزلل، وأخضع نفسه منكسرًا أمامه، حتى أخذ صديقه عليه وعد، بأنه سيساعده وفوق ذلك سيعينه على العودة لوطنه، وانتهت الوثيقة بينهم بتهديد من قبل صديقه، ينص على أنه إن لم يلتزم بالإيفاء بوعده، سيكشف ستره عليه، ويبلغ عن جرائم أخرى ارتكبها خلسة طوال سنوات عيشه معه ومعرفته به، فأرتعد وفزع، وعاد على عقبيه، وحاله منقلب رأسًا على عقب، يلتمس الحلول بتذلل!
_ عارف إنه كان بينا مشاكل يا"جبار"، بس زي ما تقول هتلف كتير ومش هتلاقي غير أقرب حد ليك هيكون سندك، وعلشان كده جيت ليك.
قالها بتوسل طغى في نفسه ملتمسًا من الأخر المساعدة، متحاملًا على نفسه مشقة ذلك، هو يكره الخضوع لأحد خاصة إن كان عدوه، لكن المصلحة له أكبر من أي شيء، ويستطيع تحمل ما يكره ليصل لما يرغب وبعدها يقرر ماذا يفعل.
صمت حل بينهم، لم يجيبه الأخر، ومكث لحظات ينفث دخانًا ببرود أعصاب أمام مرأى المدعي بصديقه، وهو يقلب الأمور في عقله بحُنْكة وذكاء اعتاد عليهم قبل الإقبال على أخذ قرار، أما《صابر》فلعن نفسه ألف مرة على تلك الظروف التي اضطرته اللجوء لذلك《الجبار》، حاول اقتباس صفة اسمه في نفسه والتحلي بالصبر أمام ذو الكِبر مرفوع الرأس، متعال النفس.
وضع قدمًا فوق الأخرى، ثم أخرج دخانًا من رئتيه وجاءه بالمدد:
_ إذا كان على الشغل ورجوعك تحط ايدك في ايدي من تاني، فيا مرحب التجارة تجارتك ومن دلوقتي تقدر تشتغل لو تحب، وإذا كان على مبلغ الديون إللي في رقبتك، اعتبره خلص، بس بشرط.
كان يعلم من البداية أنه لن ينهي حديثه إلا حين يطلب ثمنًا مقابل ما قدمه، ولكن مهما كان الثمن فالورطة التي وقع بها لابد أن تنفك عنه ويرتاح باله، وبعدها يعلم كيف يتعامل مع الأخر. هتف بإذعانٍ لمطلبه:
_ أي شروط، إللي هتقوله أنا قابله، بس توفي بوعدك وتساعدني.
ابتسامة خبيثة لاحت على محياه لم يبصرها الأخر وقد كانت خافتة، هو يعلم نقطة ضعف ذلك الأحمق، ولكي يصل لمبتغاه جاراه بها، ونصب بواستطها جسرًا للوصول لهدفه، قرب القطعة الفموية الخاصة بالأرجيلة من فمه وسحب مطولًا، ثم نفث دخانًا في الهواء أمامه قبل أن يقول في غموض مختصرًا:
_ سيبها لوقتها.
عض على أنامله متحاملًا ألاعيب الأخر مستغلًا حالة ضعفه، فهو بدون ماله ومنصبه، ضعيف،_كما يخيل له_ سب الدهر والزمن الذي أتى به تحت قدم ذلك الرجل، لم يكن بوسعه سوى البغض واللعنة على حاله، فلا سبيل غيره كي يساعده، رجل يملك من المال والسلطة والمعارف ذات الشأن، ما يساعدانه على الوقوف من جديد ورفع اسمه وإنقاذ حالته الاجتماعية التي توغلت في وحل الفقر، فهو وحيد، لم يملك صلة قرابة متفرعة تساعده على حل معضلته، وكان هو《جبار》 ذات يوم عائلة لجأ إليها، شهدت الأيام على رابطتهم القوية والتي ما استحالت إلى العداوة، فهذه نهاية مناسبة لعلاقات اجتمعت على المعصية!
وزوجته أيضًا لم يكن لديها سوى أختها المتزوجة بأحد الأقارب من نسل تلك العائلة التي خطب ابنه ابنتهم منذ قريب، لم يخطر على باله قط اللجوء لهم، وطلب المساعدة خشية من كشف الستر عنه، فقط أزج بابنه ليحقق أهدافه من خلاله.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعد أن أدى صلاة العصر برفقة خليله، تركه متجهًا صوب جبهته المحددة بعد أن اتفقا على زيارة صديقهم 《صفوان》ما إن يعود وينتهي لقاؤه الحاسم لإجابات مرضية تفي لإخماد تساؤلاته وشكوكه، هو ليس أبلهًا كي ينجرف وراء القيل والقال، ويسمح لنفسه تغرق في سيل الأقاويل فيصدق عن فلان ما قيل عنه، إنما يشيد سدودًا تحجز ذلك السيل عنه، أو كلمة خرجت من فاه فلان لا يعلم مصداقيتها، ولا يلتفت لكل كلمة يقولها من حوله حتى يذهب بنفسه إلى صاحب الشأن الذي وقع عليه القول، ويتأكد بنفسه ملتمسًا الصدق، هكذا تعلم وعلَّم نفسه.
دقائق معدودة وكان قد وصل إلى مقهى على النيل نادرًا ما كان يمكث لحظاته المتأملة لسحر النيل فيه، ولجه متجولًا بمقلتيه في المكان يبحث عن الأخر الذي ما إن توقف واقعًا ببصره عليه عاد السير صوبه، قام هو ما إن رأه وتبادلا الترحاب بابتسامات بسيطة علت محياهم، ثم اتخذ كلًا منهما مقعدًا للجلوس.
_ بدون مقدمات هدخل في الموضوع إللي اتصلت بيك علشانه على طول.
انتظر حديثه بانتباه بالغ وهو يركز نظراته المستفسرة عليه، فقال موضحًا ما يدور بعقله بتلك اللحظة من تساؤل:
_ الأنسة "حياة" كانت مخطوبة قبل كده؟
لاحظ تعجبًا باديًا على الأخر، هو يعلم أن السؤال غريبًا، وليس ضروريًا أن يفتش في ماضي الأخرى والتمادي في معرفة تفاصيل لم تُضف أي تغيرًا على علاقتهما، لكنه قصد نية سليمة، أراد بها قطع الشك باليقين ورفع الستار عن غموض زرع استفهامات مرتابة في عقله.
_ عارف إنه السؤال قد يبدو غريب شوية، وحتى إنك مستغرب دلوقتي إي لازمته ندخل في تفاصيل حصلت أو حتى ما حصلتش مش هتفيد بحاجة في النهاية، وهقولك معاك حق، لكني مقصدتش أدخل في تفاصيل ذي دي غير لسبب مهم هفهمه ليك كمان شوية.
كان ولا بد أن يتخذ ذلك السبيل ليسكت عقله عن التفكير في الأمر، ويتأكد من شك داهمه، ترقب إجابته في صمت للحظات جمع فيهما الأخر الكلمات ليجيبه بعد تنهيدة عميقة ارتخت بعدها قسمات وجهه:
_ لأ، هي ما كنش ليها أي علاقة سابقة قبل كده.
زادت تساؤلاته حتى بعد اتضاح الأمور في عقله، لماذا يلجأ المرأ للكذب وتداول الأحاديث الوهمية؟ ما الفائدة التي تعود على نفسه وهو يلوك الأكاذيب في فمه بسهولة، ينقل ما لا يمس بحقيقة عن الأخرين، ألا تخاف تلك الألسن ربها ويوم يلقونه فُرادى؟.
تعجب كثيرًا، بما أن هذه علاقتها الأولى، والجميع من أقاربها يعرف ذلك، فلماذا كذبت الأخرى في ذلك؟ وبينما هو يتهيأ جامعًا كلماته ليخبر الأخر سبب ذلك الاستفسار، باغته《وسام》مفصحًا:
_ بس كان هيحصل والموضوع ما كملش.
رفع《يحيى》بصره ينظر إليه متفاجئًا بإفصاحه، أما هو فأخذ لحظات يعد فيها الكلمات ليفشي عن ماضٍ تسبب في ألم شقيقته، تردد قبل أن يفصح بذلك، لكنه اتخذ القرار بثبات وأفصح ببغض وهو يرمق سطح الطاولة أمامه يتذكر ذلك الشاب عديم المروءة:
_ كان معارف جدي، من بعيد شوية، كان عايش مع جده الراجل البركة إللي عاش باقي عمره يربيه وأخواته الأيتام، وإللي كان بينه وبين جدي علاقة محبة أصيلة لصديق وصديقه، استمرت بعد وفاة جدي بينه وبين أعمامي، بشكل بسيط وسطحي جدًا، بس زادت الصلة ما بينا وبينه بعد ظهوره وطلبه تزويج حفيدة من أحفاد صديقه، إللي هو جدي الله يرحمه، لأحد أحفاده، فوقع الاختيار على "حياة"...
هنا قطعه《يحيى》بسؤاله المباغت الذي دفعه أمامه بتسرع:
_ مش فاهم يعني، اشمعنا هي بالتحديد!
رفع عينيه يرمقه مبتسمًا بخفوت وقال مرضيًا فضوله الذي أشعلته نار غيرته الواضحة وضوح الشمس في منتصف السماء ظهرًا:
_ علشان كان شايف إنها أكتر حد مناسب ما بين باقي البنات، قضى وقت كتير معانا في طفولتنا لما كان يرافق جدي الله يرحمه في معظم أوقاته، لذلك فهو عارف سجية كل طفل فينا، ورغم إنطواء "حياة" وقلة تعاملها معاه، بس كان شايفها البنت الهادية الطيبة إللي فيهم، ولما كبرنا الفكرة كبرت في دماغه، وطلب يزوجها لأحد أحفاده.
سكت هنية اتخذ زفيرًا عميقًا ثم أخرجه ببطء قبل أن يغوص في ظلمات ذلك اليوم:
_ الكل وافق وبابا، بعد فترة مشاورة وإقناع، واتفقنا مع جده على يوم الخطوبة على طول، وكل الأمور اترتبت وفي انتظار الوقت يعدي، بس حصل إللي صدم عقولنا كلنا.
ما هذه الصرامة والمعتقدات، أين حق الأخرى في الرؤية الشرعية، سأله بتعجب، فاكتفى بإخباره أن والده كان يتبع المعتقدات مثل جده، لطالما الأخرى وافقت_ حتى إن كان خوفًا دفعها لذلك_ والأخر يعرفها ورأها، فستتم الأمور ولا لزوم لتلك الرؤية، فهم ورأيهم _رجال العائلة_ وموافقتهم تكفي، معتقدات هزت كيانه دهشة!
احتدت نظرات《وسام》 ونبرته بينما يتذكر ذلك الفعل الخسيس:
_ في نفس اليوم والوقت، انتهت القصة قبل ما تبدأ، بعد ما أوهمها بالأمل، هرب قبل بداية القصة وسرق كل شعلة أمل منورة جواها، وسابها عايشة في ظلام طول حياتها!
حاول ربط الأمور ببعضها في عقله، تمعن في حديث الأخر وتوصل لمعنى واحد احترق قلبه بفهمه، إذن هي الآن تعيش في ظلام علتها النفسية، وهذا الحدث ظلمة من ظلام حياتها الغارقة فيها، كم من ظلمة تحيط بها تلك الفتاة العليلة؟!
بحاجبين معقودين قطع استرسال مشاعره المضرمة ما إن سمع قصتها الحزينة:
_ وهو ازاي يعني هرب؟!
أطرق برأسه محاولًا التذكر، ثم ألقى ما بعقله من ذكريات عالقة:
_ ما أعرفش، اختفى ده إللي أعرفه، اي السبب، وراح فين محدش عارف، وبعدها بأيام بسيطة سمعنا بخبر وفاة جده، ومن سعتها ما حدش يعرف عنه ولا أسرته حاجة، ولا حتى أخواته إللي معرفش شكلهم حتى، لأنه ما كناش أصلًا نتقابل ولا نعرف بعض، يادوب بس كم مرة في طفولتنا ومش فاكرهم كويس، إللي أتذكره بس، إنه اسمه "سعد"، راح فين من يومها ما أعرفش ولا حد فينا يعرف.
لم يعرف سبب توقف عقله عن التفكير فجأة كان سببه شدة غموض القصة المحزنة، أم تلك《سعد》التي أصابت عقله بصدمة أوقفته عن العمل! فكلاهما له وقع في نفسه بالغًا، يتسمر على إثره تفكيره، عالقًا بين براثن الدهشة.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman