◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇

◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇

26 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_الثامن_والعشرون.

تعافي_النفوس_الجزء_الأول.

الفصل_الثامن_والعشرون.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

في مكان يسوده ظلام دامس يحجب عن العيون بصرها، كما حالهم، يغشو الظلام نفوسهم حاجبًا عن قلوبهم فطرة الإبصار والتمييز لما هو محلل وغيره محرم، مكان انقطع الزائرين عنه وانعدمت العيون المراقبة له، فهُيء لهم اللجوء إليه مطمئنين بقلوبهم العمياء أن لا أحد يراهم وما يفعلون، ونسوا الرقيب الذي لم يغفل عن خلقه أبدًا.

وقف في الهواء الطلق بجوار دراجته المضيء كشافها فأنار له الطريق ليبصر جيدًا شخصًا ينتظره، كانت نسمات الهواء شديدة الهبوب، فالمكان خالي حوله من أي سكن، كان يأخذ أنفاسه بانتظام عاد إليها ما إن انتهى من عداء خرج منه منتصرًا، لم يصدق أنه نجى، فلولا حركة ذكية منه أوهمت الأخر بأنه في الطريق الصواب، بين السيارات المارة، وسرعته المتضاعفة ليفر من ذلك المراقب الذي شك فيه منذ أن وطأت قدماه حارتهم الشعبية، لكان مكانه الآن في الحبس بين أسوار حديدية هو ومن معه من عصابة اجتمعت على تداول وتهريب المواد المخدرة، فحتى لو كشف بمفرده بالجرم المشهود، كان حتمًا سيعترف بأي طريقة معذبة أثناء التحقيق.

لاحت من بعيد هيئة الشاب الذي ينتظره، فاستعد لمواجهته بالاعتدال في وقفته، وما إن اقترب يقف قبالته نطق معنفًا:

_ كله ده تأخير، كانت ناقصاك هي علشان نترمي في السجن بالمرة على إيدك وتأخيرك.

وبلهجة همجية تجلت فيها حنقه الشديد من تلك المعاملة:

_ جرى اي يا **** أنتَ جاي وقالب سنحة إللي جابوك علينا من طريق ونص، ماكنتش جيت أريح وريحتنا من سنحتك.

انقض عليه ثائرًا يمسك بقبضتيه ياقة ملابسه المنمقة، وهجم بفظاظة حديثه:

_ ما هو سنحتي إللي مش طايقها دي لولاها كان زمانك في السجن يا**** ، وكان زمانك مش لاقي إللي يخرجك وقاعد تتعفن بين أربع حطان.

لاحظ رجفة نبرته فأدرك أن الأمر وراء ذلك خطير، ففك قبضته بقوة وسأل باهتمام بالغ:

_ لي وهو اي إللي حصل؟!

زفر بقوة ومكث صامتًا للحظات قبل أن يقص عليه تحركات ذلك الشاب الذي كشفها، واضطر لتضليل طريقه وتغير جهة الوصول، مما تسبب لتأخير موعد لقاءهم نظرًا لمكوثه فترة من الزمن مختبئًا خشية الإمساك به متلبسًا، ثم أضاف في نهاية حديثه مؤكدًا والشك ينهش قلبه كمفترس متجبر:

_ من البداية وأنا شاكك وملاحظ تحركاته من أو ما رجله دبت في الحارة وشغله في القهوة، والنهاردة كل حاجة أكدتلي إنه عينه علينا، خاصة لما شوفته من بداية اليوم وترقباته المركزة عليا وخاصة المعلم "جبار"!

_ الواد ده وجوده خطر حوالينا، بس هو اي شغله معانا يعني علشان يهتم بتحركاتنا!

ضربه بقوة على جبهته وقال تباعًا ذلك متهكمًا:

_ وهي دي عاوزة تفسير يا غبي! أكيد ظابط أو شغال تبع جهة في الحكومة وبيتتبع معلوماتنا علشان يوقعنا متلبسين.

كان يفرك مكان ضربته ليخفف الألم بينما هو يستمع إلى تفسيره لماهية ما حدث، وما إن انتهى الأخر ورمق الساعة في هاتفه ليجدها قد قاربت على الحادية عشر مساءً، حتى تأهب للرحيل خشية هجوم مفاجئ غير مرتب له أو موضوعًا في الحسبان، وقبل أن يترجل دراجته النارية ويرحل، سلمه ملفوف قماشي يخفى بداخله ما يتم تداوله مع ذلك الشاب منذ طويل، وغيره من الشباب أيضًا الغير معروف اسمهم ولا هيئتهم بالنسبة له، لكنه ولكثرة تعامله مع ذلك الشاب بالتحديد، توطدت علاقتهم، وأصبحا أصدقاء تجمعهم أفعال السوء !

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

المشهد كان مختلفًا، والموقف كان عاديًا لا يحمل ذرة خطيئة، فلماذا سرت تلك المشاعر لحظتها، ومن أين نبتت؟ ولماذا رغم ما حولها من إثباتات نافية، شعرت وكأنه نفس المشهد؟! أيمكن أن يكون امتزج حاضرها بماضيها، فنتج هجين مشعار حيال موقف مضاد لها؟!

تبدد حاجز وهمي في عقلها، يفصل بين حقيقة وخيال، واقع وماض ظنت أنها نسيته، وبمجرد زوبعة مشاعر مشابهة، ثارت شوائب ذكرى ماضية، وبعثرتها زوابيع رياح عاتية، فاستحال صفاء عقلها غبارًا كثيفًا، يحمل بين طياته ذرات لذكرى ماضية، فغاصت تعيشها من جديد....

لم تكن حينها تعلم أنها ستتلقى تلك الصفعة العاتية، حينما عادت لمنزلها بعد قضاء يوم شاق عليها كانت لنوبتها القلقة وجلبة أفكارها دور في تلقيبه بالشاق، فمنذ أن ناوبتها عاصفة قلقها وفقدت وعيها في يوم جامعي نادرًا ما كانت تقضي مثله في حياته، وقد التزمت البيت لفترة حتى في أيام دراستها، طالها إحساس عدم القيمة في الحياة والفشل الملاحق لها، لذا لم تكرس نفسها أي أهمية لمتابعة دراستها بشكل منتظم...

يومها عاشت أشق لحظات حياتها في وجوده المفاجيء! وعيونه الثاقبة المحملة بشتى معاني الشكوك، والغضب المتطاير شرزه فطالها منه ما طالها، وتسمرت في مكانها واقفة بجوار ذلك الشاب، للحد الذي يجعل كل من يراهم يعتقد بأن بينهم علاقة سرية غرامية، كُشفت أمام مرأهم بقربه وسيارته منها ومنزلها بينما كانت عائدة إليه فتفاجأت به ينتظرها على ناصية شارعهم...

رأها، فدب القلق في شتى أعضاء جسدها، دقاتها تخوض عداء لا ينتهي، والخوف تمشى في أطراف جسدها مما استحال لتسمره متجمدًا، وأحشائها رُشقت بسهام القلق فتقطع منها ما تقطع، أما عقلها فكان واقفًا عن العمل، حتى التبرير لم تجده لتتخذ منه سبيلًا ينقذها...

في لحظة هدوء أسكنت عاصفة صراع تدور حولها قبل أعماقها، أسرع الأخر يترجل سيارته ليفر هاربًا، وتركها تحمل عقاب خطيئة لم تقترفها حينما عادت مع والدها إلى الشقة التي فور وصولهم، أفرغ شكوكه وغضبه العاصف بعقله في صورة دوي قوي نتج عن تلاطم باطن كفه بوجنتيها فجأة.

انتفضت مزعورة، أخرجها صوت الصفعة الذي لازال عالقًا في براثن عقلها، وثبات قلبها تتسارع، أنفاسها تتلاحق في الدخول والخروج، مكثت على حالتها المزرية إلى أن هدأت، ورحلت عنها عاصفة عاتية، مخلفة خلفها أثار تمثلت في دموع بدأت تسيل على وجنتيها في صمت.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

أحيانًا العقاب يأتي في صورة شعور، بمجرد الندم، والتعلم من الدرس، يزول، وتحل فرصة أخرى مفعمة بالأمل والحياة من جديد.

جزع ورعب تخلفهما كارثة، كضربة مؤلمة تعيد للمرأ ضالته المتمثلة في نفسه واستقامتها، يعيد النظر لأحوال في عمقه تسير، يدرك بألم أن الخطأ نبع من جوفه الفارغ إلا من أشياء تافههة، لا تمس للقيم بشيء ولا تشي للأهمية بفتيلة، كلها متاع ولهو وزينة، فلو أنه حازم، غير متسرع ولاطائش، ما كان الندم جثم على صدره يخنقه، فهل سيعيد ترتيب بعثرة حياته ويعثر على ضالته؟!

الصمت المطبق عليه منذ أن تم الافراج عنه، يكيل لومًا فوق صدر شقيقه الذي مكث هو الأخر بجوار ابن عمه《وسام》شاردًا في الطريق بصمت بينما هم عائدون بسيارته إلى المنزل، يعيد التفكير في الأمر مجددًا ويقلبه كيف تسول له نفسه، ليعود في النهاية حاملًا الذنب!

.............

تسير الأمور بتدابير مقدرة، بين طياتها تكمن المفاجاءات والأسرار والحكم، العليم وحده من يعلمها.

لم يصدق الجميع تلك الجلبة التي حلت منذ أكثر من ساعتين تقريبًا، خلفت وراءها استنكارات وتساؤلات كثيرة في عقولهم، ببساطة وسهولة تخلت الضحية عن حقوقها، وبسرعة لم يتوقعوها جرت الأمور كما دُبر لها، وأُغلق ملف القضية وحُكم فيها بالغرامة المالية والإفراج عن المتهم بعد الانتهاء من بعض الإجراءات اللازمة، وذلك ما جاء به القانون الجنائي.

عقولهم لازالت غائصة في بحر غموض ما حدث من ساعات بينما هم عائدون إلى البيت في الحادية عشر والنصف من مساء ذلك اليوم المزدحم بالصدمات، في سيارة الرجال التي كان يقودها《أدهم》شاردًا هو الأخر في عالم الشكوك المؤلم خاصته، غافلًا عن شرود أعمق منه، بل ومنهم جميعًا غاص فيه عمه《مصطفى》بجواره على المقعد الأمامي، تلاطم بشرته الحنطية نسمات هواء اتجاهها عكس اتجاه السير، فلا تخرجه قوة تلاطمها من شروده المتسائل الذي لم ينفك عنه إلا بحلول جواب مقنع.....

ما دافع ذلك الشاب ليفعل ذلك معهم، ترى هل سجيته تغلبها السماح فدفع بذلك الفعل بها؟! ما هذه الدراما، لا يوجد أحد تأذى بهذا الشكل حتى كاد أن يُلقى فى عداد الموتى، ويأتي بسهولة ويسامح، فالمتأذي يجب عليه القصاص ونيل تعويض برد حقه. لازال شاردًا في جدالات عقله، فيبدو أنه لم يرتاح له بال حتى تنفك العقد بإجابة مقنعة.

.............

_  في اعتقادي إنه موقف الضحية غامض، ما حدش عارف حصل اي ولا حتى الطبيب لأنه خرج معايا سعتها، بس القرار كان عادل بشكل ما، يعني العقوبة المالية في حالات زي دي خاصة إنها أول مخالفة ليه، ده شائع، وجايز كمان يكون للشهود تأثير عليه بعد ما أثبت أكتر من حد إنه"عُمر" ما لهوش يد في الصدام، وإنه كان يستطيع تفادي الحادث لولا اعتراض الدراجة النارية طريقه، وفي النهاية حصل خير والشاب رجع بيته ونحمد ربنا إنه مابيتش في السجن.

نطق بها المحامي شارحًا باستفاضة ظنه في الأمر، فهو لم يكمل مشاركة الضابط سير التحقيق وقد طلب منه الخروج من الغرفة حينها، ظنًا منه أنه له يد بالضغط على الضحية في القرار، وذلك بينما كان《يحيى》عائدًا من القسم برفقته بعد أن ودع البقية الذين منذ قليل أمام قسم الشرطة بعد أن تم إطلاق سراح الأخر وإطمئنان قلوب المحبين عليه، شكروه، وأثنوا عليه رجال العائلة وأخبروه بامتنان أنهم لم ينسوا تلك الفعلة الطيبة أبدًا، فلولا وجود المحامي لتاهوا خاصة أن محاولاتهم في الاتصال بغيره من معارف《أحمد》باءت كلها بالفشل.

هتف شاكرًا بينما يراقب الطريق أمامه وقد اقترب من مقر منزل الأخر:

_ كل الفضل بعد ربنا بوقوفك معاهم رغم ضيق الوقت، كنت قادر تلم بكل المعلومات والأدلة علشان تراعي حقه في القرار وإنه ما يتظلمش حتى لو مشارك في الحادثة، جزاكَ الله كل خير يا "كريم".

_ وخيرًا جزاك، ما تقولش كده ده واجبي وإللي مفروض يحصل، ما تنساش تسلملي على "بلال" من زمان أوي ما شوفتهوش، يمكن من أيام الشغل والبهدلة بعد التخرج في المحاكم والتدريب، واتفاجئت النهاردة بيكلمني بعد غياب بخصوص القضية دي.

وعده بذلك مبتسمًا بسعادة وارت خلفها حزن دفين سببه ذكرى ليست بهينة عليه ولا على خليله الذي ساد الظلام حوله واغلقت الدنيا أبوابها في وجهه.

توقفت السيارة أمام بناية《كريم》وخرج منها والأخر معه ليودعه بمصافحة كفه لخاصته، ثم عاد إلى القيادة مهدلًا الجسد والنفس إثر يوم كامل خارج بيته، يتوق لمعانقة فراشه وإراحة عظام جسده المرهق حتى يستعد ليوم عمل جديد.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

عادوا جميعًا حيث منزلهم، وهو معهم استقبله البقية الذين كانوا في انتظاره ولكل منهم استقبال مختلف تبدَّى له من خلاله حقيقة نفسه في صدورهم، الجميع يفتقده ولم يتقبل فكرة البعد مسجونًا بين جدران مظلمة، فقلقت قلوبهم إلى أن طابت برؤيته بأقل درجات العقاب.

وكان أول حضن ارتمى فيه هو حضن والدته التي جفت دموعها من فرط البكاء كلما تخيلت أن ابنها أُزج به في السجن وسط مجرمين بين جنباته تقبع، هي تعلم أنه طائش، متسرع، لا يعير مسؤلية نفسه حتى، ولكن قلب الأم سيظل يحن حتى وإن اتفق عقلها على العقاب القاسي!

وما كاد أن تخلص من هلع والدته بالتهدئة تارة ممازحًا وأخرى معتذرًا، حتى وجدها تنهمر دموعها بين أحضان 《زوزو》التي هي الأخرى طالتها عدوى البكاء بعد أن كانت هي الوحيدة من بينهم متماسكة وتدعو الله بإيمان قوي، وتذكرهم أيضًا به القادر العزيز، فتنسل رجفتهم  ويحل اطمئنان يسكن فزعتهم لحين اللقى.

_ دي "نورا" الشكاءة البكاءة يا جماعة، مش هتبطل عياط غير لما تعيطنا كلنا معاها.

ضحكوا جميعًا بخفة ثم سار كلًا منهم متفرقين في أماكن جلوسهم حيث صالون شقة《زوزو》الواسع الذي دائمًا ما كان يجمعهم، أما《نورا》ظلت بين أحضان جدتها تربت عليها إلى أن اقترب《عُمر》منها وجذبها حيث غرفة جدتها الفارغة أمام أنظار لم تعير اهتمام لهم لانشغالهم بطمأنة البقية، فيما عدا عينا《أدهم》التي كانت ومنذ دلوفه عالقة بين دموعها تعد قطرات منهمرة بتأثر حارق لصدره، فهو يعلم لماذا هذه المبالغة!

_ خلاص يا عم عرفت إني غالي عليكِ وما تحملتيش فكرة البعد، بطلي أم العياط يا مفترية.

مسحت أثر دموعها من على وجنتيها بينما ترشقه بنظرات اللوم التي عبرت عنها منفعلة حيال مزاجه المعهود حتى في تلك المواقف المؤثرة:

_ والله يا "عمر" أنتَ ما عندك دم، أنا مصدومة من إللي حصل وفضلت عايشة سيناريوهات كل واحد فيهم أبشع من التاني لما سمعت بالخبر، وأنتَ ولا هنا!

_ مين قال ما أنا هنا، هو ده عفريت يعني؟!

برودته المعهودة كادت تفتك برأسها فتكًا، نكزته في ذراعه بقوة وأضافت:

_ بطل هزارك ده، خليك جد مرة واحدة في حياتك، أهو شايف أخرة استهتارك كان هيوديك فين، حرام عليك يا "عُمر" أنا مش حمل حد غالي يروح مني غير إللي راح!

وهنا فهم سبب معاناتها، فتلك المبالغة لم تكن سوى باب من أبواب ماضيها فُتح لمجرد طرقة حادثة أحلت به كهذه، حاوطها بذراعه ما إن عادت دموعها تنهمر، وحاول أن يلامس شغاف قلبها ليزيل عنه غلاف الحزن:

_ عيوني يا استاذة شكاءة بكاءة، هبقى حريص بعد كده على نفسي، بس بطلي عياط أبوس نفوخ إللي جابك عندي حساسية من النكد.

وما كاد أن ينهي حديثه حتى دلفتا《أمنية》و《شروق》إليهم بعد أن وجدوها أخيرًا وقد افتقدوها الاثنين بين الجميع فاجتمعوا يبحثوا عنها لتطمئن كلتاهما عليها أنها قد هدأت ثائرتها، اقتربت منها《أمنية》تربت على كتفها بعد أن ابتعد عنها الأخر والذي قال موجهًا حديثه ل《نورا》قاصدًا هدف معين:

_ وبعدين لي ما تكونيش زيها أهو، حلوة وهادية ومش نكدية، أهو شوف أختي الكبيرة وفي ما بينا رابط دم، إلا ما شوفتهاش نزلت دمعة فرح حتى بخلصانها مني.

حدجته بعينين ضيقتين فوقه، وقالت بينما تستعد لتفارق الغرفة والأخرى:

_ ما هو علشان  محضرالك مفاجأة تقيلة فوق يا بطل، لينا بيت برضه يلمنا ويشهد على الكركبة إللي هتحصل.

ثم ارتخت ملامحها فجأة وهي تطالع الأخرى بابتسامة هادئة وتتحرك وهي خارج الغرفة، تاركة 《شروق》التي وقفت جواره من دون أن يحس بوجودها، أما هو وقف مصدومًا وتجلى ذلك في تمتمته بينما هو ينظر أمامه:

_ يكونش محضرالي سجن مؤبد فوق هي وأبوها إللي شكله متحلفلي بعلقة هو التاني! 

_ حصل أنتَ إللي زيك عاوز سجن مؤبد.

التفت فجأة بجواره حيث صوتها الجاد المغلف بالغيظ الدفين، وما إن أدرك وجودها وسماعها لحديثه التوت شفتيه بابتسامة سمجة مؤيدًا حديثها ليعلو فوق نيتها درجات ويحرقها غيظًا:

_ تصدقي فعلًا، أهو برضه أرتاح منك.

زمت شفتيها عابسة، هزمها ببراعة وأضاف فوق الحزن أكيالًا مشابهة، صمتت ولم تجيبه واكتفت بأن ترمقه بحنق وترحل من أمامه، ذلك الجاهل بمعنى المشاعر، هي فقط اغتاظت من فكرة حدوث مكروه له ذلك المشاغب خاصتها، ولم تجد تعبيرًا سوى المعاتبة بشكل غير مباشر، تحركت ولمَّا ابتعدت قليلًا حتى كادت أن تخرج، أسرع خطواته إلى أن وصل لذراعها وقبض عليه ليوقفها بينما يقول ممازحًا بجملته المعتادة:

_ استني هنا أنا مش بكلمك، احترمي سني احترمي طو....

وهنا توقف وقال ساخرًا:

_ يا دي طولك إللي هتاخد عليه ذنوب بالهبل وأنتَ ماشي تفتخر بيه!

ابتسمت رغمًا عنها، فحل في نفسه شيء من الرضى، وقد وصل له أنها تغاضت عن جملته الحانقة منذ قليل، ونسيت، ثم أردفت بجدية قاطعة سير تفاهته المعتادة:

_ "عُمر" خليك حريص شوية على نفسك، بطل تخليها تقع في وحل الخطأ لمجرد تهور منك وعدم حرص كفاية، أيوة احنا مش معصومين من الخطأ، بس بايدنا نقلل من ارتكابنا ليها، ونقومها.

ها قد عادت صغيرته إلى الوعظ، ولم تتركه وشأنه حتى تلقنه دروسًا في المسؤلية وتقويم الذات، لذا فأسرع يشير بسبابته على كلا عينيه ويؤكد بصدق باهت، يمنعها من أن تكمل! :

_ حاضر عيوني.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

في سحر الليل والنفوس غافية، يناجي قلبه الرحمن من كان قريبًا، بسجدتين تضرع وخشوع تُزال هموم الدنيا وما فيها، تصغر في عين كل من كان، في قلبه اسم المولى عظيمًا، فهو الكبير أكبر من كل شيء كان، وبقدرته تنهدم من الهموم جبالًا.

بصوته العذب الصادح في جنبات غرفته، أنهى صلاته مُسلمًا ومكث يذكر ربه في ثنايا قلبه قبل شفتاه، يدعوه مناجيًا بأن يفك الكروب لمن كانت له ضائقة، ويزيل هموم من ثقل على صدره الحِمل، ويرزق كل طالب مُراده الذي هو خير، ويشفي صدر كل مجروح لم تطوله لحظة هناء، ثم أنهى دعاءه لنفسه بالرضى لما قُدر له والهناء به مهما كان، وأن يرزقه الخير الوفير في أخرته ودنياه.

هكذا اعتاد في دعائه، أن يدعو لنفسه وغيره، ربما لم يكن يصدق سعة صدر والده وصبره وهو يشمل الجميع في دعائه، لكنه الآن وما إن فعل مثله فهم معنى أن تكون واسع الصدر متمنيًا للجميع الخير فيدعو لهم به معه، أدرك لذة كانت تسود في جنبات والده وهو يفعل ذلك السلوك الحسن.

_ يا ابني خليك كريم في كل حاجة حتى الدعاء، ادعي كتير لغيرك وليك، فما رأيت داعيًا لأخيه بالخير إلا ونال ما دعى به أو أكثر.

تلك الجملة لم ينساها في مرة من المرات التي اعترض فيها بينما كان في الصغر على والده الذي كان يدعو كثيرًا لغيره ويطول في المكوث بعد الصلاة، أو خلف المنبر الذي كان يخطب عليه في ذات المسجد والمنبر الذي ورث مكانه فيهما كإمام، وترك له الدنيا تكيل فوق كاهله همومًا!

صوت رنين هاتفه برقم خليله《يحيى》الذي كان ينتظر مهاتفته، فقطع عليه لحظات أمانه والراحة العارمة وهو بين يدي الله يردد أذكاره، فتحرك مقتربًا من فراشه والتقط هاتفه، ثم أجاب رادًا السلام قبل أن يسأل كي يطمئن:

_ أي الأخبار، قريبك أي حاله دلوقتلي؟!

أعجبته كلمة《قريبك》 وجد فيها نسمات تذكره بها، فهمس في نفسه متمنيًا أن يكون قريبًا.  تنهد بعمق وقص عليه بأيجاز ما حدث، منتهيًا بطمأنته على الأخر وأنه خرج وأصبح تحت ذراعي عائلته الكريمة أمنًا.

شعر《بلال》براحة كبيرة لا يعلم ما مصدرها، لكنه فسر ذلك على أنه سعيد بعودة الأخر لأهله وتيسير الأمور له لأن لا يخسر دفىء عائلته ويُلقى بين جدران باردة مظلمة تسودها الوحشة، يعرف ذلك الشعور جيدًا!

أخرجه《يحيى》من بين براثن شروده والنعاس قد بدى في نبرته ذات الصدى البطيء بعد أن كبح تثاؤبًا:

_ بقولك يا "بلال" قبل ما أنسى، اتفقنا أنا وإمام نتجمع عند "صفوان" في نص الأسبوع كده، بما إنه أخد أجازه من شغله بسبب تعب والدته، وأهو نبقى حواليها في الظروف دي ونفرحها.

_ خير ما فعل الوالد والله، كنت بفكر النهاردة في نفس الفكرة، بإذن الله، روح نام أنتَ علشان شغلك وشكلك كده بتنام مني.

لم يصله ردًا، بل تسلل عبر سماعة هاتفه صوت انتظام أنفاسه، فابتسم《بلال》ضاحكًا على حالة الأخر وكيف سرقه النوم منه في ثوان، ثم أغلق المكالمة وتسلل هو الأخر إلى فراشه ليهنأ ببضع ساعات قليلة في ثبات عميق قبل أن يحين موعد صلاة الفجر.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

ظل شاردًا وسط الجموع حوله وكلماتهم المتبادلة تقرع صداها عقله، هو ليس في حالة مرحه المعتادة ليشاركهم الحديث، فقط عقله كان مشغولًا بما اقترفته يداه، كالعادة يزل ويقع في وحل الخطأ ويعود نادمًا من دون حلول!

الندم شيء قارص، علقمًا يصيب الحلق فيتخذه مستقرًا، يبدد أي طعم غيره يمر عليه، فيفقد المرأ شهيته حتى لا يتعين عليه استشعار مرارة حلقه، وكما يخفي للمذاق أثر، يمحو للحياة معنى من الهناء بجثومه على صدر النادم، وقبوعه في دهاليز عقله حتى إن أتى وقت وتذكر فعلٍ خاطىء، قُلبت حياته أسفًا وتمنى لو كان لم يصغي لوسوسة جاءت مغلفة برداء الكارثة.

لاحظ《أدهم》شروده وهو يمسك بكوب عصير أعدته ومثله الكثير إحدى زوجات أعمامه ووزعته تخفف عنهم إرهاق يومهم وذلك بإشارة من《زوزو》أيضًا، فحاول إخراجه من حالته التي بدأ يغوص فيها مؤخرًا بهتافه بهدوء:

_ "عُمر" !

التفت على صوته يرمقه، فوجده يشير بكفه على الكأس الذي بيده كي يتناول ما بها، كيف يشرح له بأن مهما تذوق من ألوان مختلفة مذاقاتها، أن النتيجة لديه واحدة، مرارة تغزو حلقه أفقدته شهيته تجاه أي مذاق أخر، أجابه بينما يجول بعينيه في المكان باحثًا عن هتاف أقدم على تذكيره به قلبه:

_ مش عاوز أشربه يا "أدهم".

وما إن أنهى نفيه ووضع الكوب على طاولة خفيضة أمامه، عاد ملتفتًا إليه يطالعه ليسأل بلهفة بدت في عيناه الناطقتان بالندم:

_ فين "عَمرو" ما شوفتهوش من سعة ما وصلنا هنا؟

_ هو ما دخلش معانا أصلًا، فضل واقف برة، حتى لما حاولت معاه رفض وسيبته لوحده زي ما طلب.

رجفة خفيفة سرت في قلبه، يخشى أن يكون الأخر تركه وابتعد، هل فاضت أخطاؤه وبلغت الحناجر حتى كادت تخرج عن صرحها، حتمًا هذا ما حدث، ويبدو أنه اتخذ جانبًا آمنًا هادئًا لنفسه بعيدًا عنه وكوارثه التي يأتيه بها دائمًا، إما أن يطوله منها الأزى أو يتألم على أثرها فازعًا هالعًا من الخوف على فقده، لا فرق بينهم، فكلاهما يصيباه بالوجع. تكالبت عليه هواجس أفكاره، وهب مسرعًا يبحث عنه بدقات قلب هالعة من فكرة البعُد، كيف يبتعد نصفين لبذرة حب واحدة عن بعضهم!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كيف تركته يسير وحده من دون أن تكون له طوق نجاة غرقاته؟! فلو كنت رافقته ما كان غريقًا لأخطائه! ليتك كنت معه، لمنعته من اتباع طائشة، وحميته من ارتكاب خاطئة، ماذا لو كان أُدهى به لسنوات بين جدران مظلمة، أو كان هو الضحية لتهوره فتخسره إلى الأبد؟! أكان سيفيد ندمك بشيء الآن؟!.....

كاد عقله أن ينفجر حيال قذفات أسئلة لائمة ترتطم بجدران عقله فتؤلمه، أثارتها تلك الجلبة الحادثة وكذلك نظرات والده المعاتبه حيالها!

ندمه كان عن الأخر مختلفًا، شقيقه ندمه حقيقي يستحقه، فهو الذي ارتكب الخطأ، فلماذا هو يتألم نادمًا على ذنب لم يقترفه، تراه يعيش الوهم بأفكاره؟!

نغزات قلبه تزعجه، إثر غضم جم على نفسه، يعاقبها بالبعد والانفراد بعقله حتى يستحيل إلى وحشًا فيلتهمه، يستحق ذلك فهو المخطىء حيال تلك الكارثة، فلو أنه كان معه!...

《فلو أنه كان معه!》أسكتت جلبة عقله لحظات ارتسمت فيها على شفتيه ابتسامة ساخرة، جملة معتاد على تلقينها منذ أن كان في المهد صبيًا مع نهاية كل عاصفة كارثية تهب زوابيعها عليه ما إن يأتي الأخر بجريمة ارتكبها أو خطأ اقترفه، فينال هو التوبيخ مُلامًا، لماذا لم تحمه، أين انشغلت عنه؟ حتى لازمه اللوم المعتاد كلما شعر بالاهمال حيال مسؤلية على عاتقه، وأضحى يردد في نهاية كل عاصفة تحل بالندم عليه "فلو أنه كان معه!" فنال منه الندم منالًا، وأصبح سجينًا لظلمات ذنب لم يقترفه، ولأنه يحبه ويخاف عليه نتاج أخطائه، أصبح رداء حمايته المُستقْبِل لهجمات طائشة صوبتها عليه نفسه!

_ "عَمرو" .

شعر بلمس صاحبها قبل أن تتزبزب صدى نبرته في الفراغ حيث كورنيش النيل وتصل لمسامعه، فالتفت متفاجئًا بوجوده هنا، كيف عرف مكانه؟ هو يهرب من مواجهته ورؤيته في حالة مزرية نادمًا من ارتكابه كارثة، حتى لا يصيبه مما أصابه أضعافًا!

_ أنتَ ازاي عرفت إني هنا؟

أشار بسبابته نحو صدره ملصقًا به إياه وقال متفكهًا:

_ ده فتن على صاحبه إللي مبرطع بين ضلوعك، وتتبعت الفتنة طلاما النية خير!

وارى بين جنباته أن 《أدهم》ساعده في العثور عليه بواسطة سيارته، ثم تركه برفقته ورحل من دون أن يراه الأخر.

لم يعيره اهتمامًا قط، وهو الذي اعتاد على الحزم والصياح بغضب على كل فاعلة يرتكبها تلحق به الأذى، لاحظ طيف حزن رغم حاجبين معقودين ينما على الغضب الثائر بداخله، فاقترب منه كي يجلس جواره ويشاركه شرود صامت مر كدهر مما أصابه بملل فخرج عن حنقه صائحًا:

_ طيب اي طيب هنفضل كده كتيير، قول بم يا عم وأنا سامع.

لم يجيب، بلغ منه الغضب والحزن مبلغه، فنفذت طاقته منذ ساعات إثر عاصفة هلعه، أما شقيقه فلم يزيده ذلك إلا اضطرابًا، سكوته ما يشي إلا بأنه سيفارقه روحًا بلا جسد!

_ يعني يهون عليك تسيبني كده وأنا بموت من الخوف في كل مرة أفتكر بس ولو لحظة إني كنت ممكن ما أشوفكش تاني واترمي وسط مجريمين ي...

لامست قلبه كلماته فأحرقته شرارة الفراق، فخرج عن صمته يعبر بغضب لائمًا:

_ وأنتَ عقلقك كان فين لما وقعت نفسك في مصيدة الإجرام يا فالح، اي مفيش هنا خالص نسمة تحذير حتى!

أشار في نهاية حديثه صوب عقله، فزفر الأخر بحنق، لا يحب أن يُعاقب على أخطاؤه مرتين، أو لا يحب العقاب من الأساس!

قال مبررًا خطأه:

_ وأنا كنت أعرف منين يعني إنه التاني ده هيطلع فجأة، الطريق كان واسع قصادي وفاضي، أكيد يعني يا "عَمرو" مش هكون شوفت إنه مزحوم وسرعت بالشكل ده.

_ مش مبرر، الواحد بيفكر ألف مرة يا "عُمر" قبل ما يخطو أي خطوة، يحسب ألف حساب قبل ما ياخد قرار، مش كل حاجة تنفع لها التسرع، مش بناخد منه غير الندم.

_ وأنا ندمت وكفاية، ربنا يسامحني بقى ويشفي المصاب ويخرج بسلامة، فك بقى والله ما بتحمل أشوف تكشيرة وشك دي، بتقتلني بحس إني السبب إني ما قدرتش أكون جمبك وأمنع ده يحصل.

كيف له أن يساعده وهو من يريد ذلك في كل خطوة يخطوها في حياته؟!

تنهد بعمق أخرج قليلًا من ثقل على صدره، وقال مريحًا بال شقيقه متخذًا الكذب سبيلًا:

_ خلاص يا "عُمر" ما تشغلش بالك، أنا مش زعلان، أنا بس كنت خايف..خايف عليك من إنه تاخد عقاب سنين أو شهور تمنعني من شوفتك جمبي، وده كله أثر على نفسيتي شوية وفضَّلت أكون لوحدي شوية.

لم يكاد ينهي حديثه، حتى تفاجأ بالأخر يحاوطه بذراعيه محتضنًا إياه بشدة، التمس منه خوف تجلى أثره في حديثه مسبقًا عن فكرة ابتعاده عنه، وشعر بأنه سيفقده إثر حزن يجعله يندثر ولا يتحدث مع أحد كما اعتاد ويندثر بين جنبات الظلام، كما حدث سابقًا في حادثة لم يكن هو السبب فيها، وكانت إحدى ذرات الأكسجين التي تمنحه الحياة!

بادله الحب المتغلغل بين أحضانهما لمَّا عانقه ملتمسًا الواقع أنه ها هو معه ولم يتأذى أو يفارقه بسبب إهماله! ثم لحظات ورحلا وفي قلوبهما بريق نجاة تسبب في إشعاله كلًا منهما لبعضهم!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كانت تتحرك بطاقة ملحوظة في المطبخ تعد طعامًا شهيًا يحبه الأخر، يداها تصنع ما لذ وطاب في حنان يميز طعامها نكهته، وعقلها رغم ذلك مشغولًا، لا يهمه نكهة ولا طعم ولا لذة تطيب بها صنعتها، فقط ما عبق به سوى مرارة حالهما، هذان النصفين المتشابهين في الشكل متضادين في الداخل.

شغلها ردود فعل كلًا منهما عن الأخر، وظلت عالقة في المنتصف بين ضدين، أحدهما لم يعير اهتمامه لجرم ارتكبه حتى وإن ندم قليلًا، وأخر سيظل أيامًا بلياليها يعاتب نفسه على خطأ ليس هو مقترفه، كلاهما تخشى عليهما السوء من نفسيهما!

وصلها صوت إغلاق الباب بقوة، فعلمت أنهم بالتأكيد هم، وما أكد ذلك هو ظهور أحدهم يتجه نحوها مهرولًا كي يختبىء خلف ظهرها بينما يقول مستنجدًا:

_ ألحقي أخوكي يا "أمنية" الوحش هيبلعه.

تململت خلجاتها وتهدل كتفيها مللًا من سيناريو تحفظه، وبدأ يعيد نفسه كعهد زمانه ما إن ظهر توأمه محتقنًا الوجه نتاج كظمه لغيظه:

_ أنتَ يا ابني عمرك ما هتتعظ، قولي بس ناوي على اي؟! تموتني مجلوط !

_ خلاص يا عم ما حصلش حاجة لده كله.

نطق بها《عُمر》مستعطفًا وقد بدا على الأخر أمارات غضب عارمة، فأراد تهدئة الموقف لكنه لم يدرك أن ما اقترفته شفتاه أصاب قدحًا يفور بداخله فانسكب غضبه الثائر بغزارة فهرول نحوه يمسكه من ياقة قميصه ويصب ما انسكب عليه ثائرًا:

_ أنتَ كل حاجة عندك ولا حاجة، حتى الغلط بتكرره وترجع تقول ما حصلش حاجة، دي تقولها يا حلو لما تدلوق كباية عصير على غيرك، مش لما ترجع بكل تهور وتكرر غلط كنت ندمان عليه من كم ساعة، فوووق!

صاح بها بجوهرية في صوته، زلزلت جدران البيت الخالي إلا منهما، ولمَّا سمعت ما يدور بينهم، تركت ما بيداها من أداة مطبخ كانت تعد بها الطعام الذي أغلقت نار الموقد تحته، ثم سألته بريب داهمها فيما جال بعقلها من إدراك لمقصده:

_ تقصد أي يا "عَمرو" إنه رجع يكرر غلطه؟!

أعاد ثباته لنفسه، وحاول تهدئة ثائرة في نفسه بعد أن ترك الأخر الذي ظل يستمع بحنق إلى حديثه الرواي عبره ما حدث......

منذ بضع دقائق متوسطة عندما كانوا يرافقان بعضهم على كورنيش النيل، وبينما هم يستعدون للرحيل عائدين إلى بيتهم، نشب جدال بينهم على من فيهم سيقود السيارة، أصر《عٌمر》 كثيرًا على رأيه وانتهى منتصرًا بظفر الموافقة من الأخر بعد أن أقنعه أنه فقط يراه متعبًا لذا فيود القيادة بدلًا عنه، ووعده بالاحتراس، ولأن شقيقه لم يكن لديه طاقة للجدال أكثر وافق، وبينما هو شارد بجواره يتابع الطريق، إذ به يتفاجأ بسرعة عارمة تغزو الفراغ بواسطتها سيارته، على صوته وكرر تحذيراته لكنه لم يستجيب إلى أن وصلا حيث المنزل في غصون دقائق أقل من نصف الوقت المقدر لوصولهم إن كانت السرعة متوسطة، وما إن وصلا أمام البناية، خرج الأخر مهرولًا حيث شقتهم وقد لاحظ تدفق الغضب في عروق شقيقه الذي لحق به.

_ أقسم بالله كانت نيتي خير، كنت عاوز أوصلك بسرعة البيت وأنتَ تعبان.

قالها ملتمسًا التصديق في نظراتهم، لكنه لم يجده وقد حل اللوم مجددًا خاصة في عيني شقيقه الذي اكتفى بالصمت، لم تعد طاقته تسنح لقول شيء، ذلك المتهور سيقتله وطيشه!

كسى الصمت لحظات بسيطة، لم ينطق فيها الاثنين أمامه بحرف، حتى أنه عاد سير الأحداث كما السابق، وبدأت تضيف لمساتها الأخيرة على الطعام الذي من المفترض عشاءهم الذي ضاع موعده بسبب عاصفة حلت عليهم، أما شقيقه فتركهم ورحل في تعب تجلى على خلجاته لاحظته شقيقته.

أراد كسر الصمت، فاقترب منها يسألها قاصدًا هدفه:

_ "أمنية" الجميلة عاملالنا اي؟!

لم تعيره اهتمامها، واستمرت في إعداد الطعام وترتيب مكوناته حيث كانت تضع الجبن فوق ال《مكرونة》المتراصة طبقات في إناء زجاجي عميق يشبه الحوض، هو يعلم ماذا تفعل، وأنه طعامه المفضل، لكنه أراد سماعها.

تحركت تضع الطعام في الفرن لمدة دقائق إلى أن يكتمل طهيه، وما إن تحركت كي تجلس على مقعد أمام الطاولة تنتظر انتهاء المدة المحددة، حتى اعترض طريقها مكررًا فعلته أكثر من مرة، إلى أن نفد صبرها وهتفت توقفه:

_ خلاص يا "عُمر" مش بهزر أنا.

_ كان لازم يعني تخليني أعمل كده علشان تنطقي.

_ هنطق أقول أي، ما فيش عندي كلام أقوله غير أدعيلك، ربنا يهديك.

_ يعني مش زعلانة!!

هنا وعند كلمة لم تستطع تكذيبها، ترقرقت عيناها بالدمع وصارت شفتاها تشكو عتابًا:

_ حرام عليك يا "عُمر" ، هفضل كل مرة قلبي يتفزع عليك؟! أنتَ ما بقتش "عُمر" الصغير إللي بيجري على أخته بمصايبه المتكررة، أنتَ خلاص كبرت ومفروض تبقى مهتم ومراعي مسؤلية نفسك أكتر.

فتش عن كلمات تهدىء من حزنها الذي بدأ يتجلى على خلجاتها، ولمّا لم يجد، احتضنها بعد أن قبل رأسها معتذرًا، مكث لحظات بسيطة، وعاد لمرحه محاولًا إزالة أثر حزنها، لكنه لم يفلح وقد جهل بما تكنه نفسها من أعطاب!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

وثبة رشيقة مغلفة بالراحة فلم تزعج جنباتها، ألفت حلولها الهادىء على نفسها، واستساغتها حياة كانت عنها تائهة.

نسمات الهواء النقي تلثم وجهها فتنعش خلايا بشرته كما تُنعش تلك الوثبات الهادئة صدرها فيستحيل إلى سكينة ونعومة منعشة. كانت تقف متأملة رداء أسود أمامها ترصع بلؤلؤ أبيض في مشهد بديع يلهم قلبها ونفسها الراحة ما إن تشرد فيه، كان ذلك المشهد كافيًا لأن يخرجها من حالة مزرية منذ ساعات حينما استحال حاضرها ماض معتم علقت بين أنياب ذكرياته.

نقاء الطبيعة وبديع خلق الله المتواجد حولها في ملكوته، كل هذا نعيم غنمت خلاله الهدوء لنفسها في ساعات وحدتها المعتادة، تعشق الإبحار متأملة في كل صفاء ونقاء حولها، ومنها سماء نُصبت من دون عمد تزين كون فسيح غاصت عيونها فيه تتطلع إلى أن تصير حرة فيه كتلك النجمات المتناثرات، من دون تعقدات وسلاسل أفكار وقلق تقبض على عاتقها تجعلها سجينة صندوق أمانها المزيف!

كل ذلك ليس على العلي ببعيد، هذا ما ذكَّرت به نفسها بينما تقف أمام النافذة تستقبل نسمات الهواء النقي، طموحها الذي بدأ ينبض بريقه منيرًا ولو حتى بخفوت، أبصرته طيف أمل يلوح من بعيد، يكنز لها بين طياته بذور حياة جديدة، تغرسها في أرض ضحلة فيشاء المولى برحمته أن تنبت، فيستحيل الجفاف خصوبة ويخرج من الميت حي يترعرع بسلام حتى يصبح بستانها يعبق جنباته بالعطور.

تعلقت عيناها بنجمتين في صدر السماء تبرقان، إحداهما كانت خافتة والأخرى أكثر منها لامعانًا، قريبتان من بعضهما للحد الذي يجعل بريقهما يمتزج، فلم تستطع العيون الناظرة تمييز من أي واحدة يقع شعاع البريق اللامع على مرأهم، خيل لها لوهلة أنها على بعد أميال من قصة حب دافئة، استحال خفوت الأخرى على إثرها إلى بريقًا جذابًا أضاء لها جنبات ما حولها، فسرى في نبضها طيف خيال خافت، همست على إثره دقاتها《النور حولنا يود النفاذ، لكنك تغلقين أمامه أبوابك!》

سرت رجفة في أطرافها ما إن عادت البرودة تتغلغل في جنباتها، وابعدت بصرها عنهما قبل أن تتحرك وتتطرف فراشها، لماذا يحل بها ذاك التغيير الجذري ما إن يلوح طيف سيرته على خيالها؟!...

قطعت استرسال عقلها في سلب الأغوار واصلًا إلى قلبها القابع في أعماقه الجواب، لكنها عنه تحيد، وبجُل إرادتها لا تريد، فكلها أوهام مثلها مثل التي بنتها ببلاهة سابقًا، وبنت دروبًا من السعادة فوقها، سبحت في سماء الخيال الخصب والتمست قصة رائعة تعيشها بين جنبات منزل دافىء أركانه، حتى حلت عاصفة عاتية أحالت بناءً من الهناء شيدت إلى ركامًا جثم فوقها فأُزهقت، وصارت منذ ذلك الحدث لا تقرب للآمال معنى، فهي تخشى العواصف!

لا تعلم لماذا تلك الوثبات بدأت تزعجها، فهي منذ قليل كانت مصدر هدوئها، هل جمعت من الطاقة أكيالًا فهجمت مضطربة ترفض شعورًا رابضًا؟ أم حلت في نفسها ما إن جال بعقلها نفس السؤال ذاته《هل أنتِ مقتنعة في أعماق قلبك بهذا القرار》؟ تراها ترفض القرار أم تعترض على شعور لازمه أم تنذر بحلول عاصفة محملة بالخيبات بين طياتها؟

ارتفع صفير عقلها ضحية لأفكار وتحذيرات تتردد صداها بين جنباته فتؤلمه، واتبع على إثره نبضات تلك المرة موجعة وكأنها تنذر بحلول عاصفة مؤلمة، فأنهكت نفسها، وثار بركان في جوفها كان هامدًا، عاد ينشر شظايا ما بجوفه على نفسها، فتزبزبت خوالجها مفزعة، وأسرعت تختبيء من شخاظاياه الحارقة، في ركن بين جنبات نفسها التمست فيه الهدوء والراحة الزائفة، بعيدًا عن ثوران عالم خارجه، واتخذت القرار الحاسم لتخمد هوائج عمقها المضرم، وتهنأ بنسمة راحة ولو كانت مؤقتة!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

لا يصدق أنه عاد بعد بعثرة خطوط سيره الحازم اتباعها، وانقضى اليوم منتهيًا بالهناء وزوال القلق، لم يعد يهمه الأمر بعد زوال الهم بعودة ابن عمه سالمًا إلى بيته، فقط ما أعال همه منذ العودة واطمئنانه عليه والجميع، هو ذلك الترتيب المبعثر الذي أحال بينه وبين إنجاز يومه الصارم في تحقيقه، إن لم يحدث ذلك، هو يعلم ما ينتظره من ظلام في نهاية الدرب، تتابع الفشل!

ولأنه لم يسنح لفرصة واحدة تنتهز حالة ضعفه وبعثرة أمور حياته، اكتنف الحل مسرعًا، بين جنبات غرفة جدارها من اللونين الأسود والأبيض، كحياته!  ظل على عمله عاكفًا، وأخذ في قرارة نفسه بجد أن يقطع من ساعات نومه لينجز مشروعًا مهمًا سيضاف يومًا لقائمة نجاحاته، هو يثق.

وبينما هو كذلك مستأنفًا عمله وهو جالسًا على مقعد أسود اسفنجي أمام مكتبه، إذ به يتفاجأ بطرقات خفيفة على باب غرفته، أوقفته عن العمل لحظات بتضجر بعض الشيء، لا يريد شيء أن يقطعه، لكنه تمالك نفسه واختفى أثر ضجره ما إن رأها تقف أمامه بعد فتحه للباب، رسم ابتسامة بسيطة ورحب بها متسائلًا عن حالها، هو لم يراها منذ أن عاد والبقية من جلبة غيرت موازين حياته، عنَّف نفسه قليلًا بهمسات لم تسمعها، كيف ينساها وينسى أمرها! مهمل!

أشار بكفه لها بالدلوف بعد أن ابتعد من أمامها تاركًا لها المسافة لتلج غرفته، لكنه وقبل أن يولي ظهره ويتعمق حيث الداخل، وصله صوتها الفاتر الخفيض كاد ألا يفهم تفاصيل حملها من كلمات لولا وقوفه بالقرب منها:

_ أنا مش موافقة .

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع....

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة