بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_السابع_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ما بعد مرحلة معينة، وفي نهاية أي واحدة، تزداد الأمور صعوبة، تشتد الصراعات المختلفة، رغم أن الطريق على وشك الانتهاء فيبدأ سهولته تتدفق، إلا أنه يزداد صعوبة، فيتجلى لكل سائر في شتى الطرق معنى واحد وهو السهل الممتنع، لم يناله سوى من كان صادقًا ويريد بقوة التغير!
~~~~~~~~~~~~~~~
_ أدخلي يا "أمنية".
هتف بها بينما لازال مستقرًا عل الأريكة يتفحص باقي الرسائل والاشعارات الواردة من شتى مواقع التواصل الإجتماعي، ولجت الغرفة وبإحدى يديها تمسك بحاسوبه، اقتربت منه دون أن تغلق الباب خلفها، ومدت يدها به في صمت، تناوله منها وهو يراقب خلجاتها الغير موشية بشيء! صمت فحسب، ثم مالت بجزعها العلوي تلتقط هاتفها من على الأريكة، وهمَّت بالرحيل، لكن صوته أوقفها حين هتف:
_ "أمنية" لحظة.
وقف واقترب ماكثًا قبالتها، رمقته لحظات في ترقب، تستفهم نظراتها عن حديثه الغير منطوق به إلى الآن، فهزم تردده وجمع ما قابله من كلمات وألقاهما عليها في عبث:
_ بصي أنا أصلًا خلقي ضيق، فيا تنسي إللي حصل وما تزعليش، أو تتكلي على الله من سكات، وما تشغليش بالك بيَّ، أنا مش هسمح بأي حاجة تخليني أخسرها.
نظرت له في لوم، وقالت بابتسامة مقتضبة بينما تربت على ذراعه تزيل عنه عناء الحديث اللبق!:
_ ولا يهمك، أنا مش زعلانة خالص، انتبه على نفسك بعد كده.
أنبه ضميره على حديثه الغير لائق تمامًا بالموقف لمَّا قابلته بردها المتسامح، المسالم، زفر بحنق، لم يكن منها، وأوقفها قبل الرحيل بقوله مترددًا:
_ أنا ما أقصدش، كنت بس متدايق وكل حاجة اتلخبطت وجت فيكِ، يارب تنسي علشان أكيد ما أحملش زعلك يوم مني بسبب الهمجية إللي حصلت مني من شوية.
سكت ثم أضاف قبل أن تنطق بحرف من جملتها التي همَّت بقولها، وتلك المرة يأمرها بأريحية وكأن شيء لم يحدث:
_ المهم أنا جعان، روحي حضريلي فطار عبال ما أخد شاور وأفوق، أحسن أنا أقسم بالله هموت من الجوع.
تراجعت عن حديثها الذي قطع عليها بدايته، وتنهدت في غلب،《عُمر》هو《عُمر》! ثم تمتمت في نفسها بالدعاء صابرة، عسى أن يتغير، ووافقت على طلبه ضاحكة بتبسم:
_ حاضر يا "عُمر".
أكملت طريقها بعد ذلك حيث خارج الغرفة التي أغلقت بابها فور الخروج، أما هو فانغمس في مهمات صغيرة بعقل زال من على عاتقه التفكير في الأخرى ومشاعرها؛ أخرج ثيابه من خزانته، وتوجه صوب المرحاض الأقرب لغرفته، ونسي تمامًا تلك الصورة التي لازالت على شاشة حاسوبه!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وهج من الحرارة يلفح جفنتا عينيه يتسرب أثره منتقلًا منهما إلى خلايا جفتنيه بينما هم مطبقتان عليهما بشكل محكم بدأ يزول في الأونة الأخيرة وهو يحاول فتحهما، لكن ثقل التعب تكوم فوقهما كجبلين لم يقدر على زحزحة ثباتهما، فمكث يحاول الخروج من دوامة مظلمة ابتلعته مؤخرًا بجسد متعب يسري بين أوصاله قشعريرة متزبزبة.
تهادى إلى مسامعه طنين أصوات لم يستطع تحديد كلمات تتطاير بخفوت وشكل متقطع وكأنهما من باطن بحر عميق، كان في بداية استفاقته من نوم ظن أنه ثلاثون عامًا بشعورٍ مؤلم جاثم على أنحاء جسد تئن خلاياه كلها من فرط التعب.
استطاع التقاط كلمات بدى له أنها مودعة بينما يحاول فتح جفنيه:
_ هستأذن أنا، ما تنساش تطبق إللي قولته، ألف سلامة عليه، سلام عليكم.
من تحت جفنتين مواربتين نفذ خلا شق مطول أحدثه فتحهما الغير كامل طيف جسده وهو يقترب منه عائدًا من جهة باب الغرفة الذي يبعد بطرقته مترات بسيطة عن فراشه وشرفته المجاورة له، بدأت الصورة تتضح أكثر بسعي عيناه للفتح كاملة، وما إن وقف جوار فراشه بابتسامة تجلت فيها صدق فرحته واهتمامه لرؤيته، حتى اتضحت له هيئته بالكامل وكان قد اكتمل فتح عينيه.
_ أنتَ!
كبَّل التعب كلماته، وانفعالاته كذلك، فلم يستطع التعبير عن صدمته إلا بكلمة نطقها بثقل، اقترب الأخر بعد أن اجتر كرسي في زاوية من الغرفة كان يقبع، وجلس جوار فراشه قبل أن يفتح ماسورة كلمات خرجت متدفقة تسرد له ما حدث بشكل متتابع دون انقطاع:
_ سلامتك يا غالي، خضيت قلبي عليك والله وأنا شايفك من بعيد بتقع فجأة، خطر على بالي ألف خاطر وأنا بسوق بيك العربية وأنت ولا هنا، حاولت أفوقك بشوية مياه، فوقت لحظات ورجعت تفقد وعيك تاني، وبعدها بدأت سخونتك تزيد، وأنا في طريقي للبيت بعد ما شوفت إنه مناسب أكتر لأني لاحظت إنه الأعراض دي أعراض برد، اتصلت ب"يحيى" وبمجرد ما وصلت الفندق وساعدوني رجال الأمن، ربنا يجازيهم الخير، ونقلناك على سريرك، كان "يحيى" بعدها بدقايق بسيطة وصل ومعاه الدكتور، قالنا إنها بداية حمى للأسف، وصفلنا الدوا، وازاي نتعامل مع حالتك، ومشي ومعاه "يحيى" من شوية.
ألم فوق الألم تضاعف بمجرد محاولة عقله التفكير فيما حدث، وكأن عملية التفكير تلك بمثابة مطرقة تضرب رأسه فيتضاعف الألم وفي شتى أنحاء جسده كذلك، حاول النهوض، وهمَّ بتحفيز ذراعيه بضغطهما سطح فراشه كي يدعما ثقل جسده وينهض، لكن أوقفه الأخر بحركة كفيه ملامسة كتفيه وهو يعيده لوضعية التسطح مرة أخرى:
_ خليك ما تتعبش نفسك، الدكتور قال إنه واضح الأعراض في مرحلة متقدمة، يعني شكلك كنت حاسس بتعب ما، ومع ذلك استمريت في مواصلة عملك، لذلك طلب مني ترتاح الفترة دي جدًا، وتاخد دواك، وما تقلقش أنا ههتم بكل حاجة تخص الشغل.
_ تسلم، بس أنا هقدر أتحرك، بمجرد ما أقوم كل حاجة هتبقى تمام.
حاول النهوض مجددًا، التمس الأخر عناده الواضح، فقابله بعناد مثله وأكثر حين أعاق حركته بكفي يديه يدفعان صدره للوراء كي يتسطح بينما يحذره:
_ مش لصالحك إللي هتعمله ده صدقني، وبعدين حرارتك لسة ما نزلتش، حتى الدوا ما أخدتهوش، فهتقدر إزاي تقاوم؟ خليك أفضل مكانك وارتاح، وأنا هنا و"يحيى" لو احتجت أي مساعدة.
الرعب كل الرعب أنهم هنا، بجواره، في حوذة قريبة من حياته، يمارسان معه لعبة من ألاعيب ذوات الأقنعة، يتحلون بالمروءة، وهم في الأساس عاريين منها، لذا فلا بد من إظهار قوته أمامهم، لا ضعفه، حتى لا يستحيل إلى فريسة في أعينهم!
_ بس أنا فعلًا كويس، وأديني هقوم أكمل، لو سمحت ما تمنعنيش.
دفع يده بقوة خفيفة، وتحرك متحاملًا أنين عضلات جسده المحطمة، ووقف على قدميه، لحظات واسودت الغرفة بالكامل أمامه، وسقط في غياهب التعب مجددًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتهى من تصفيف شعره أمام المرآة التي عكست هيأته اللبقة بهندامه الجديد الذي ارتدى بعد انتهائه من الاستحمام، قِصر قامته ساعده في البقاء قريبًا من المرآة دون أن يُخفى جزء كبير منه، ابتسم بسخرية على ملاحظته تلك بينما يراقب نفسه في المرآة التي زُخرفت حوافها بشكل بسيط ووضعت في إحدى أركان غرفته.
وبينما هو ينظر لهيئته أناقته التي يتأكد من تمامها، صدح صوت رنين هاتفه المستقر على أريكة في بداية الغرفة حين ولوجها، زفر بحنق، ذلك الشاب لم يتركه وشأنه إلا إذا أقنعه، كم من الأيام وهو على حاله لم يجيبه، كان شيء في نفسه يحثه على البقاء صامتًا، لا يعرف كنهه، لكنه امتثل لسلطته، فعملية التفكير مزعجة بالنسبة له، لذا فعزف عن عرض عمل قدمه له صديقه الجديد الذي تأكد للتو من ظنه أنه هو المتصل ما إن وصل إلى الأريكة والتقط الهاتف من فوقها.
وضع الهاتف على أذنه، وقال في تهكم:
_ ها يا نجم، المرة دي هتقبضني كاش من غير مجهود ولا أي الدنيا، أبهرني بخيالك يلا!
وصله صوت الأخر معترضًا بلوم:
_ عيب عليك يا "عُمر" إللي بتقوله ده، بقى أنا شاغل نفسي بمستقبلك وبساعدك تلاقي شغل مكسبه عالي، وأنتَ قاعد تتريق! أنا برضه غلطان إني بساعدك.
كاد أن يغلق معه ويتركه وحياته البادي خلالها صفة عناد قد تكون عائقًا لإتمام مهمته التي يسعى! لولا أن أوقفه صوت《عُمر》بعد شعوره بشيء من تأنيب الضمير نحوه والتمس بين طيات نبرته حزنًا:
_ استنى يا عم أنتَ، أنتَ قفشة منك كده على طول، بهزر يا عم معاك، بس إن جيت للحق، أنا مش مصدق عرضك ده، يمكن علشان قيمته عالية رغم إنه شغل بسيط، أو يمكن حاجة تاني، مش عارف، بس كل إللي أعرفه إني قفلت من الفكرة ومش عندي طاقة أفكر في شغل دلوقتي.
_ جرب مش هتخسر لو عاوز تتأكد، وبعدين مش عندك أهداف ونفسك تبني حياة سعيدة وتتجوز زي ما قولت قبل كده، بسيطة أهو الفرصة قدامك ده لو كنت بجد عاوزها!
ختم حديثه بما يثير طاقته للتقدم، هو يعمل لأجل حلم رغم كسله وعبثه الطاغي في حياته. جميعنا نحلم ولكل منا مُرادٌ حتى وإن كان بسيطًا، يدفعنا لفعل المستحيل لأجل اقتناؤه، وما غير ذلك، فلا شعور بمعنى الحياة إذن! فالعقل الخاوي من الأحلام هو بمثابة صندوق فارغ خالي من أي حياة.
لمَّا لاحظ الصمت قد طال، أضاف محذرًا بين طيات كلماته:
_ وبعدين إن جيت للحق، ما فيش بنت تضحي وترمي نفسها بين أيدين حد عاطل لا مؤاخذة، وحياته ملخبطة زيك، وبصراحة بس ما تزعلش مني، يمكن هي كمان فكرت بنفس الطريقة وده سبب كافي يخليها تأجل الرد على طلبك، مش زي ما هي وهماك بدراستها!
بين طيات الأحاديث العابرة، قد تجد حقيقة مواراة عن نفسك، تكتشفها، يتضح لك أمور خفية لم تستطع بنفسك رؤيتها في ذاتك، وتلك مهمة أعين من نثق بهم حولنا، فليس كل ما تراه في نفسك باديًا، هناك حقائق تاهت عن عينيك فلم تبصرها، وعملت عيون من حولك على استنباطها وتجليها.
الصمت كان إجابة على سؤاله، يحمل بين طياته نتيجة يراها في نهاية الدرب تنتظره. ابتسم بانتصار على الجهة الأخرى، وقبل أن يودعه قال:
_ أنا في انتظار رأيك، عارف إنك هتفكر المرة دي كويس أوي، سلام يا "عُمر".
وصله صوت صفير ينذر بانتهاء المكالمة، أنزل الهاتف من على أذنه، وزفر في ضيق، محتارًا بين طريقين، أيًا منهما سيسلك لينال هدفه، ويرسم بيديه نهاية غير معلومة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
خمسة عشر دقيقة يصارع الحرارة بقطعة قماش مبللة كي لا تقتله بلفحاتها المنتشرة في شتى أنحاء جسده وأشدهم جبهته، ولكن لم يفلح، رغم تناوله الدواء الذي جاء به 《يحيى》مذعنًا لإصراره في تناول طعام يكفي لمد جسده بالطاقة كي يتفاعل الدواء مع الخلايا المستهدفة، يبدو أنه ضعيف للغاية، وسيستسلم لهم، يأمل ألا يصيبه مكروه في فترة غفوته التي يصارعها، محاولًا البقاء مستفيقًا.
صوت ارتطام لقطرات ماء ببعضها تعاظم في جنبات عقله محدثًا صدى متردد، فأحس به كطنين نحلٍ من بعيد، ينخر عقله نخرًا، فيتألم، يجاهد نزع نفسه من قوة مغناطيسية هائلة تسحبه نحو أعماقها، لكن يبدو أن عقله وجسده المرتعش استسلما كليًا لتلك القوة العظمى، وانسحبا من واقع أصبح لا يدركه جيدًا لما آلت إليه حالته من غفوة عميقة تسحبه نحوها رغمًا عنه، وهو الذي يحاول ألا يكون فريسة بين يديهم!
انتهى《يحيى》من عصر قطعة قماش من القطن كانت غارقة في وعاء يحوي ماء فاتر وخل، ثم وضعها فوق جبهة《أدهم》الذي أُغلقت عينيه تمامًا، واستسلم لنوم عميق بعد تناوله دواءه، ومكث يراقب حالته التي استكانت، وانحرفت عن سبيل صراع معهم يمنعهم بتمتمة لم يستطع تنفيذها بحالة مرضية أستبدت جسده وسرقت منه كل طاقته.
_ سيبوني أنا كويس، أنا هقدر أكمل لوحدي، سيبوني!
جذب انتباهه أخر جملة تمتم بها محاولًا استجداء طاقة نداء أخيرة عله ينال مراده قبل أن يستسلم لتعب ابتلع جسده ووضعه في خانة الشبه أموات! فمكث يفكر فيها بعمق يضاهي بشكل ما تفكير الأخر في موقفه السابق معه_بل مواقفه_ الذي أبدى له فيه عدم قبوله له بشكل غير مباشر، تلك الجملة كانت بمثابة باب نفذ الاثنين خلاله ليتبصرا حالته وما أفضى بها إلى الهروب المقلق في عينيه!
أطلق أحدهم تنهيدة قصيرة قال بعدها يطمئن:
_ حرارته ما نزلتش لسة؟
تبع سؤاله حركة كف《يحيى》يستشعر درجة شدة حرارته، ثم عاد القلق يغزو ملامحه ونبرته التي أخبره بها:
_ للأسف لأ.
_ طب والحل، أكيد مش هنسيبه كده.
تجلى توتره البالغ في صوته، فهتف الأخر يطمئنه:
_ أكيد يا "بكر" لو اضطر الأمر لكده، بس أنا سألت الدكتور قبل ما يمشي إن كان لازم يروح مستشفى أو لأ، أكد لي إنه ما لوش لزوم، وحالته تطمن، وإن كان على الأعراض دي، فهي مجرد بداية مفعول للدواء مش أكتر بإذن الله.
حرك يده نحو جبهة المريض يلتقط قماشة قطنية استقرت فوقها، وتزامنًا مع ذلك قال مكررًا طمأنة الأخر:
_ ما تقلقش شوية وهيفوق ويكون أحسن بإذن الله.
عاد أمام عيني《بكر》لما كان يفعله سابقًا، وهو محاولة خفض حرارته بتلك الطريقة البدائية، آملًا بقلب توكل وترك زمام الأمور للعزيز وحده أن يخلص الأخر من براثن مرض مؤلم!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
فزع، ورهبة مكتومين بين جنباتها، عكستهما مرآة عيونها على هيئة ضعف وانكسار أعربا عن قلق بالغ!
نظرات لم تنساها، منذ أن رأتهما وعبقت نفسها بالمشاعر المرهقة ذاتها!
على أريكة في غرفة المعيشة مكثت غريقة لتفكيرٍ زارها منذ دقائق متوسطة تبع رؤيتها ل《سعاد》وحالتها المتبدلة هذه، من الممكن ألا يشعر أحد بتغير خلجاتها، فهي تستطيع تغير لونها في لحظات كحرباء بارعة، تخفي حقيقة نفسها وحالها، لكن لم تمر على عيونها التي تحفظ تلك الحالة عن ظهر قلب ببساطة.
أين رأت تلك النظرات من قبل يا تُرى؟ أين، أين...
شعورها وهي تسترجع طيف الفزع والخوف في عينيها هو ذاته ما يراودها في كابوس تُلقى بعده في غياهب لا نهاية لها سوى باستيقاظها، كيف خُزنت تلك الرؤية في اللاوعي عندها، ومن أين أتت؟ ولماذا يراودها القلق البالغ كلما تذكرت ذلك الكابوس؟ مهلًا، ولمِا راودها ذات الشعور عند رؤية نظرات الأخرى لها؟...
تدفقات من الأسئلة عبقت داخل عقلها، مما استحال هدوء حالها لصراع يقرضها بأنيابه، الأمر أشبه بجنون بدأ يلف عقلها لما لم تجد لذلك الأمر تفسيرًا، تُراها فقدت جزءًا من ذاكرتها لم تستطع تحمله بسبب صدمة ما أفقدتها إياه؟ وإن كان، فما ذلك الجزء المفقود يا تُرى؟!
_ أنتِ هنا يا "سهير"!
أخرجها صاحب الصوت الجافي من صراعها الغارقة فيه قاصدة حل لغز عجيب نبش راحة حياتها الغير متواجدة! فالتفتت إليه ترمقه في توتر بالغ لم يقتبص في عينيها بصيصًا له وهو يقترب ويجلس بجوارها مكملًا حديثه الذي جاء لأجله فحسب، لا لأن يسأل عن حالها أو ما يشغلها كعادته:
_ أي أخرة السكوت ده أنا عاوز أعرف، البنت هتفضل متدلعة لغاية امتى؟ مش عيب برضه نسيب الراجل اسبوع كامل من غير رد، أودي وشي من الراجل فين لو شوفته!
شعر ببداية غضب سيسري بين عروقه قاذفًا بكلمات ربما تجرحها، وهو لم يصلح الجرح الماضي، فخشي تعقيد الأمور. راقبته وصراعه وهو يخرج طاقة غضب كمنت بين جنباته عبر زفرة قوية عميقة أضاف بعدها على الفور:
_ على طول ما فيش من وراها غير حرقة الدم، وكلام الناس عنها وسلوكها المنيل!
في محاولة للبقاء على ثبات، امتصت الغضب بالبقاء مستمعة صامتة فحسب حتى أفضى ما في عقله من جدال، أعدت العدة كي تجاوب في ثبات وهدوء بتنهدها بعمق، ثم قالت في هدوء حصلت عليه بعد جهاد:
_ معلش يا "أمجد" أعذرها هي كده، وبعدين مش أنا طمنتك وقولت إنه "يحيى" سافر وهو بنفسه أجل الموضوع، أي إللي رجعك تدايق من تاني؟
اندفع في رده ملوحًا بكفه في الهواء:
_ متدايق من حالها وعيشتها دي، أي مش كفاية، أعزار..أعزار، كل ما أعلق على حاجة مش عجباني وعاوزها تشوف نفسها وتغيرها هتقوليلي أعزرها، أعزار أي دي يا "سهير" إللي بتعلقي عليها شماعة أخطائها؟!
التوت شفتيها بابتسامة خزل قبل أن تتفوه في وهن:
_ وأنتَ يعني كنت شوفت فيها أي يرضيك علشان تبطل اعتراضاتك وغضبك عليها.
ألجمته العبارة، بل وجعلت حمم الغضب في عقله تتقاذف، كلما رفض الاعتراف بالحقيقة في جوفه، ازداد حرقًا بنار الغضب المتلظي!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لم ترتاح عيناه إلا برؤية الأمور كاملة، وإن كانت غير ذلك، فسيظل بين غياهب الصراع مقيمًا، ولكي يريح باله النابتة فيه فكرة إلزامية وجب عليه تأديتها، سلك سبيلًا وعرًا، لم تجذبه فيه سوى القمم المرتفعة التي يسعى إليها، أما السقطات التي تنتظره في النهاية، لم يحسب لها حساب، وظل منعمًا بسيره سبيل العلا، لا يكتنف فيه سوى النجاح، أما الاخفاقات والفشل فلا وجود لها في حياته!
مرت الدقائق ببطء عليه وهو يراجع تصميمًا جرافيكيًا أعده فرد من فريقه الذي يترأسه بشركة التصميم التي يعمل فيها، وخلال تلك الدقائق المنقضية، لاحظ أن متطلبات العميل تتطابق مع ما صممه الأخر، لا يوجد عيوبًا كثيرة، ولكن هناك بعض الثغرات التي لم تريح عيناه، لذا وبعد مرور ما يقرب النصف ساعة، قرر استدعاء المصمم الذي تولى مهمة ذلك المشروع الجرافيكي الصغير، ولفت نظره لبعض الثغرات التي لربما تتسبب في عدم رضى العميل عن التصميم.
وبينما هو يتحدث على هاتفه طالبًا استدعاء الأخر، نُقر فوق باب غرفة المكتب البسيطة في الحجم والشكل، فانتبه بتعجب صوبه وهو يتساءل في نفسه بتعجب، أبهذه السرعة وصل الأخر؟! فهو للتو أغلق معه الحديث على هاتفه!
لم يتعمق في التفكير كثيرًا، لمَّا ظهر أمامه بقامته متوسطة الطول ولباقة ملابسه بينما يقول برسمية تامة وهو يقف على عتبة الباب:
_ هل يأذن لي الأستاذ الفاضل بالدخول؟
التوت شفتيه بابتسامة ساخرة من أداء دور تمثيلي فاشل قام به الأخر الواقف أمامه، ثم هتف بتهكم يحثه على الدخول:
_ يا سيدي أدخل هي العملية محتاجة رسميات، أمال لو مش ابن عمك وكنت مدير الشركة إللي عمرك ما تعاملت معاه برسمية أوفر زي دي!
وأد الأخر ابتسامته، وولج الغرفة مغلقًا بابها خلفه، ثم اقترب منه، وجلس على كرسي اسفنجي أمام المكتب يجاوره من إحدى جهتيه في صمت قطعه بعد لحظات حين قال مؤيدًا:
_ تصدق الواد "عُمر" عنده حق، أنتَ ما يجيش معاك سكة بالهزار خالص، يا كئيب أفندي!
شق شفتيه ابتسامة بسيطة سرعان ما اختفت، ولم يعلق على حديثه الذي لم يهمه، سأله في اهتمام وهو يراقب حالة فراغه وعدم انشغاله بشيء كعادته حين يجتمع معه في مكتبه:
_ شكلك فاضي مش وراك حاجة؟!
أجابه بروتينية وهو يعتدل في جلسته على مقعده القابع خلف مكتب متوسط الحجم:
_ مش فاضي، لسة كنت مخلص من شوية مراجعة تصميم بتاع العميل الجديد، ومن شوية اتصلت ب "محمد" علشان أقوله على بعض التفاصيل في التصميم قبل ما يسلمه.
كان يستمع باهتمام وعقله يصر على فعل فضولي انتابه، فأذعن، وطلب منه بعد انتهاء حديثه أن يطلع على التصميم، لم يجد《وسام》سببًا للرفض، فحرك الحاسوب المتنقل المستقر أمامه على سطح المكتب، وتركه يرمق التصميم لبضع دقائق قلائل.
كما ظن، التصميم مبهر، وباديًا خلاله تعب صاحبه الذي من المؤكد عكف عليه ساعات كي يخرج بتلك الصورة الإبداعية البسيطة، ولكن أين عين الأخر لرؤية ذلك الجانب، كالعادة يريده خاليًا تمامًا من الأخطاء، وهذه عادة يحفظها في ابن عمه عن ظهر قلب، في شتى أمور حياته، وليست في العمل فحسب.
حاول لفت انتباهه لتلك النقطة حين هتف مبديًا رأيه بلطف:
_ ما شاء الله، الواد "محمد" ده على طول بيبهرني بتصاميمه، إيده مبدعة وأفكاره مبتكرة، وكمان واثق إنه العميل هيعجبه التصميم من غير أي تعديل أو إضافة.
لم يقتنع، تجلت على خلجاته أمارات الرفض وهو يعيد الحاسوب ليرمق شاشته المعروض عليها نموذج التصميم، مكث لحظات يفكر في حديثه، لكنه التزم في النهاية بعقيدته التي يقتني، وقال معارضًا:
_ لأ يا "عَمرو"، لسة في كم حاجة محتاجين يتظبطوا، الخطوط واللون والحجم، أظن إنه في أفضل من كده علشان يخرج العمل مبدع.
في حيرة تنهد، ولم يجد ما يضيف من كلمات تُقنع عقل لا يرضى بأبسط الأشياء، فإن دخل في نقاش معه قاصدًا توعيته، لم يخرج إلا صفر اليدين، لذا فصمت وتركه وعقله يموجان في بحر الإرهاق، واكتفى بالدعاء له بالهداية.
ربما يحتاج هداية ليعرف ما غاصت فيه نفسه من أمواج عاتية، فيها لذة لكل بَحَّار، ولكن بين طياتها تخبيء المخاطر، لذا فكان تائهًا بشكل ما لا يعرف به.
قطع لحظات الصمت بينهم، ولوج المصمم الجرافيكي إليهم، وما إن ولج، استأذن《عَمرو》بعد إصرار من الأخر يقر فيه أنه لا داعي للخروج، وليس هناك مشكلة للبقاء، لكنه انتصر بإرادته حين أخبره أنه لديه موعد مهم مع شقيقته التي تنتظره في البيت وعدها بها، فتركه الأخر، والتفت يولي اهتمامه لمهمته التي يبغضها أفراد فريقه دون أن يعلم!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
نحن الذين اخترنا منذ البداية، وسلكنا دروبًا برضانا، فلماذا كلما التفتنا خلفنا تصيبنا سهام الحسرة؟!!
لماذا تختار الهرب بدلًا من المواجة؟ ولماذا تترك الخوف يختار لها سبل الحلول، فتتبع سربًا لا وجود له؟ الخوف خداع، يوهم صاحبه براحة مستلذة، ويبعده عن خضم حقيقة في أعماق النفس تتوارى، يطمسها ضباب القلق فلا ترى لها العين أثر، فتتوه وما تجد أمامها سوى الإذعان لسلطان سلوكها المتحكم فيها، وهو القلق.
علقت في عقلها بقايا حديث شقيقها، ومعه أيضًا حديث كان نوره عنها غائبًا، وهو ذلك الذي أوضحت خلاله خالتها في أخر جلسة العلاج الماضية معنى فكرة تلقائية، تفتَّق عقلها بعد حديث شقيقها عن أسئلة انشغلت بالبحث عن إجابة لها في نفسها، تتحمل نبضة قلق يحدثها صراع وقرصة ألم تعقبه في كل مرة تخرج من ركن قصي فيه قبعت وصارت بوهم الأمان مخدوعة.
حسننًا فليفك عقلها قيوده ويحرر نفسها ولو هنيهة من الزمن تغوص فيها دون وقفات أفكار منه، وتبحث في خضمها عن إجابة في تلك اللحظات النادرة حلولها عليها، تزورها فيها نسمات هدوء توقف عقلها عن الصراع، ليتها تعيش دومًا في ذلك الحال!
لماذا تختار الهرب بدلًا من المواجهة؟
ذاك سؤال وفي نفسها تعددت إجاباته، حتى شعرت بالتشتت قليلًا، على أي منهم يقع الاختيار والاهتمام فتُعبر، لذا فلم تدع ذلك السبب أن يخرجها من غرق تاهت فيه بين جنبات نفسها المظلمة، وهتفت الأصوات حينها.....
_ لأنها ضعيفة، لم تستطع تحمل أشواك أفكارها وهي تؤلمها في كل مرة عزمت على مواجهة المواقف، لذا فابتعدت.
_ لأنها تعلم جيدًا مصير المواجهة المحتوم، فهو كغيره من مرات فات عليها الزمن، فلِما الإرهاق بتكرار الشعور ذاته حيال مصير يتكرر ألمه؟ الأفضل أن تبتعد.
_ ولأنها تخشى التعلق بقشة أمل في بحر واسع من المشاعر الفياضة، فتغرق، وتبتلعها دوامات الحزن، لذا فأنكرت وجود تلك المشاعر وصدقت وهم أنها تائهة عن معناها.
عند هذا العمق الذي قادها إليه إجابة تعترف بها تليها أخرى وقفت، وتأملت شعورًا يغمرها لأول مرة تصدقه، فتساءلت والراحة تثلج قلبها، وهل كان هو أحد القشات التي خشيت التعلق بها في بحر شعور غزى قلبها منذ فترة وجوده في حياتها؟
كان النطق بما يعتمل به صدرها ثقيلًا، فابتلعته، وتركت لعينيها تعبران عن شعور احتلها عقب ذلك السؤال في نفسها بدموع تقف بإذعان لقيود جفنيها، وساد الهدوء القاتل حولها دون حراك حتى منها، وكأن الحياة هنا توقفت عند تلك الإجابة، الآن أدركت أنها وقعت في فخ حسرة كبيرة بيديها، وخسرت وتلك الخسارة كانت أثقل على قلبها من أي خسارة مضت، وهي الوحيدة المذنبة لا أحد غيرها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ دي كل المعلومات إللي باقية للأسف، بعد السنين دي كلها من حكاية السرقة إللي تمت وخداعهم لينا، كل حاجة ضاعت الله أعلم هي فين، ما بقاش غير أساميهم بس وأرقام تلفوناتهم إللي اتقفلت كمان.
كان حديثه بمثابة حائط سد يدفعه نحو نقطة البداية من جديد، محاولًا نسج طريقًا جديدًا غير الذي وجد في بدايته عائقًا كبيرًا، ولكن مهلًا هل يجب عليه التطرق للحلول بسرعة هكذا، لماذا لا يقتني عدة طرق مختلفة في تكملة طريقه دون الالتفات لعائق قد لا يكون من الأساس عائقًا؟
عند تلك النقطة من تفكيره، غرق شاردًا للحظات يدبر الأمر في عقله بحِنكة بينما هو جالس على أريكة فوق سطح المنزل وبجواره صاحب البيت ذا الكرم المستضيف له خلال فترة محنته التي لم يجد فيها من يرعاه خلالها، وهو الوحيد في تلك الدنيا دون قريب ولا عزيز يملاء عليه فراغ حياته.
جال في عقله فكرة أنارت له الدرب مجددًا، فخرج من شروده بعجل وسأله في اهتمام قاصدًا معرفة كل تفصيلة حدثت في تلك القصة:
_ إن أمكن عندك وافتكرت تحكيلي كل حاجة حصلت بالتفصيل هبقى شاكر لحضرتك جدًا، في طرف معين غايب في القصة ولازم أعرفه.
لم يعترض على طلبه، لكنه قضب حاجبيه وهو يسأل بترقب وفضول يهمه لمعرفة ذلك الشيء:
_ مش فاهم أي تقصد يا "عدي" يا ابني، وضح لي علشان أعرف أحكي أي بالظبط!
زفر في عمق، ثم أفصح عن ما يفكر فيه:
_ القصة ببساطة إنه في فجوة كبيرة غايبة عن خطوط القصة، أنتوا قولتوا على حد علمي إنه القضية اتقفلت والمهمة بتاعة العصابة دي ما تمتش لما قبضوا على الاتنين دول، وعرفت منك إنه ما تمش فتح ملف القضية من تاني واكتفى العقاب على المتهمين بسجنهم لسنوات، دلوقتي في معلومات في النص غايبة زي أفراد مشاركين في المهمة، لأنه مش معقول الاتنين دول بس هيتموا المهمة الكبيرة دي لوحدهم، وعلشان أقدر أوصل على الأقل لأطراف خيوط توصلني للمعلومات دي، لازم أبقى على دراية بكل تفاصيل القصة إللي حصلت.
حرك رأسه متفهمًا بينما يتنهد بعمق، ثم بدأت قص الحكاية منذ بدايته مبتدًأ بتلك الجملة التي لفتت جُل انتباهه واستكمل صاغيًا بتركيز لكل تفاصيل القصة:
_ الحكاية كلها بدأت لما "صالح محمود الزيات" اختفى من حياتنا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تأتي المواقف لتوضح لنا حقيقة في أنفسنا، لا أنفس من حولنا فحسب.
ربما تتجلى لنا بادرة ضعف في جانب ما في حياتنا، أو سلوك خاطيء اعتدنا على ممارسته ظنًا منا أنه صواب، يخلو من أي خطأ البتة، وفي بعض الأحايين نكتشف أننا تائهون، بعيدون كل البعد عن ذواتنا وما تثاقلت على كاهلها من مشاعر شتى وتجاهلات كثيرة لحقائق أنكرناها، وسلكنا سبيل الضلال العابق بانشغالات الحياة التافهة، أو ذنوب قارصة، تغشى عن أعيننا حقيقة ذلك السبيل الذي وطأناه، فنظل أسرى لحركة جذب نحو غياهب نهاية تنتظرنا فيه!
ولكي تنجوا، عليك بالتبصر جيدًا،
ولكي تصبح بصيرًا، خض سبيل المعرفة باحثًا، مزكيًا، مصلحًا كل خطأ أبصرته عيناك في نفسك بعد أن عرفتها جيدًا، ما يضعفها، وما يقويها.
راق لها النص كثيرًا، شعرت برغبة في نفسها بأن تعيد نشره على صفحتها حيث موقع 《الفيس بوك 》، ففعلت على الفور، اقتضى منها الأمر لحظات، ثم عادت تتفحص الموقع والمنشورات التي عليه في انشغال تام عن من حولها بينما هي تجلس برفقة شقيقتها التي خرجت من غرفتها على نفس حالها الحزين، وعمتها ووالدتها اللتان انشغلتا في مشاهدة التلفاز.
لم تلاحظ جوز من العيون تراقبها خِلسة بينما هي منغمسة في تفحص هاتفها بتركيز نهم أثار فضول الأخرى المعهود، خيل لها كل خبيث كمن في نفسها واعتادت على رؤية نفسها به، فظنت فيها سوءًا؛ تُرى من الذي شغلها كل هذا الحد طوال الوقت؟ ها، إذن كل شيء يتجلى الآن، تلك الفتاة من المستحيل أن تكون ما هي عليه الآن من تغير، وهي تعرف كيف تثبت لعينيها والجميع ذلك!
وقفت《شروق》بغتتة، وقد فاجأها اتصال من مجهول لا تعرفه، اعتقدت أنه رقم خاص بأحد أفراد الإشراف في العمل، لذا فابتعدت عن المكان كي تجيب وتتأكد من اعتقادها، وإلا فهي لا تجيب على أرقام تجهلها، لاحظت عمتها التفاتها حولها قبل التحرك خارجة من الغرفة، فعقدت العزم أن تكشف هوية حقيقية لتلك الفتاة تتجلى عكسها بينهم.
_ عمتو!
أوقفها بالقرب من عتبة باب الغرفة صوت《نورا》التي لاحظت ما حدث منذ لحظات، فأوقفتها كي تلفت انتباهها، التفتت متصنعة التبسم لها، خشية انكشاف توترها، ثم هتفت الأخرى وهي تمد لها يدها بهاتفها المضاء شاشته:
_ في حد بيرن، شكلك ما لاحظتهوش قبل ما تقومي.
انزاح ثقل من على عاتقها، فتنهدت براحة، ها قد نجت، اقتربت بسرعة تلتقط هاتفها، ثم خرجت على عجل أمام مرأى الاثنتين اللتان ظلتا في الغرفة، تعجبتا، وما لبثوا هنيهة، حتى عادت كل واحدة تنغمس فيما كانت تفعله، والدتها تتابع مسلسلًا عربيًا، وهي شاردة في هاتفها، تنتظر منه إتصالًا بعد أن رشق الخذلان صدرها بتجاهله لها طيلة تلك الأيام، فلبثت بين أنياب الألم تتمزق روحها!
فتحت هاتفها كي تعيد الإتصال، يبدو أنه لم يجيب سوى بلإلحاح الدائم، لذا فستسلك سبيله، مهما كلفها من طاقة في نفسها مفقودة، وجرعات من المشاعر السامة تبتلعها، فهي تخشى بعده!
كالعادة لم تحصل على مبتغاها، وتلك المرة أغلق هاتفه بالكالمل، ألهذا الحد نسيها ولا يرغب في سماع صوتها حتى، أهان عليه وهو البارع في لفظ كلمات الحب والغزل لها؟!
أرادت الهروب من وجع تمزق الروح الذي تمر به، ففتحت أحد مواقع التواصل الإجتماعي《فيسبوك》، كنوع من الهروب تُزجي فيه نفسها المحاطة بمشاعر تضغط عليها وتضيق بها ذرعًا، وبينما تتفحص منشورات اليوم على صفحتها، توقف إبهامها عن الحركة ما إن لقطت عيناها نصًا مُعاد نشره منذ دقائق من قِبل شقيقتها، مرت عليه بعينيها بشكل لحظي، لم تتعمق في قراءته، رغم أن هناك كلمة جذبتها، لا تعلم لماذا هي بالتحديد، لكن باعتقادها أن تلك الأشياء العميقة التي تنشرها شقيقتها غير مهمة، أزاحت ذلك المنشور عن عينيها، وشرعت في جولة على الموقع، غير آبهة، لصوت بدأ يهتف في داخلها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الضعف في شيم الرجال، ليس جيبًا فارغًا أو وطأة منصب، بل عقولًا غير ناضجة تنساق وراء الخرافات؛ الصوت العالي، والسباب والغضب، والقوة في التجبر على المرأة أيًا كانت علاقتها معه، والتصديق ببلاهة أنها صفات من شيم الرجال الأقوياء، كيف ينسبون صفات لا تمت بصلة للرجال الحقيقيون، هذا هراء، أين الرجولة في السطور السابقة؟!
على أريكة قديمة تبدو، جلست تلك المرأة الباكية بقهر وعلى جانبيها شقيقتها، وعجوز ترتدي الأسود الكامل من حجاب إلى عباءة تكسوا جسدها البدين ومن شدة سمنته أصبحت قدماها غير قادرتان على حمله، فاستعانت بعصى لها تتكيء عليها كي تدعمها في سير خطواتها البسيطة بين جنبات شقة متوسطة المساحة.
من بين نواحها لم يفهم أحد قصتها التي ارتابوا حيالها، فهي دائمًا ما تأتيهم بسبب مشاكل بينها وبين زوجها، تشاركهم وشقيقتها الهم وتشكو ثم ترحل وقد ربطت على قلبها صبرًا رغم حلول كانت تُقدمها لها، إلا أنها ترفضها بقلق شديد.
نطقت《صابرين》تلك السيدة الجميلة التي تقاربها في العمر، سألتها بحيرة وغلب:
_ حصل أي بس المرة دي يا "حسناء"؟ اهدي شوية طيب على الأقل أفهم إللي بتحاولي تقوليه.
من بين شهقاتها حاولت إخبارها بفاجعة حلت على بيتها:
_ والله يا "صابرين" ما ليَّ علاقة يا أختي....أنا مليش ذنب والله....
شهقة كبيرة خرجت من جوفها مزقت نياط قلبها رجفة، فانقطعت عن الحديث وراحت مجددًا في نوبة بكاء تقطعت شهقاته وازداد نحيبه.
حمدت الأخرى ربها أن زوجها ليس هنا في تلك اللحظة، وأنه في عمله يقضي دوامه وكالعادة يعود في أذان المغرب أو بعده، وإلا لكان ارتكب جريمة في ذلك المخلوق المدعي بزوجها إن علم أنه يضربها في كل خلاف بينهم وتأتي وتشكوا همها لجارتها تفرج عن صدرها الضيق، وعلى ذكر تلك الأحاديث الماضية بينهم، باغتتها بسؤالها وهي تلمس ذراعها برفق:
_ هو مد إيده عليكِ تاني يا "حسناء"؟!
أجابتها بالبكاء المتزايدة وتيرته، ومن هيئتها وهي ترزع رأسها أرضًا وكأنها في حالة خجل، التقطت إنكسارٍ وزُل، لم تملك لها يد مساعدة كي تقدمها لها تلك السيدة الضعيفة سوى توكيل أمرها للعزيز، وتشاركها الحالة المأساوية محاولة التخفيف عنها ككل مرة بما لديها من كلمات، لكنها لم تكن لها أثر هذه المرة مما أشعل في صدرها ريب أنه لا بُدَ من أن الأمر أكبر مما تتوقع وتأتي به كل مرة.
صوت مفتاح يتحرك في ثقب الباب التفتت《صابرين》له، توقعت من القادم، فهذا موعد عودتها من العمل. صدق توقعها حينما ظهرت بهيئتها متوسطة الطول، وخلجاتها البادية عليها أمارات التعجب بينما تقترب من تلك الباكية بعد أن وضعت ما بيدها من حقيبة ومفاتيح على طاولة مرتفعة بجوار الباب قبعت.
_ في أي يا خالتو "حسناء" مالك، إي إللي جرى؟!
قالتها وهي تجثوا على ركبتيها أمامها، تعلم أن هناك مشاكل بينها وزوجها اعتادت على سماعها منها خلال جلوسها معها وزوجة خالها، أو زوجة خالها تخبرها بها، وللحقيقة الكثير حولهم من النساء_ليس في مبنى سكنهم فقط_ تصلها أخبار قاسية وقصص وروايات عن زواجهم الفاشل.
مسحت بكفيها دموعها، وسألتها مجددًا بعد أن عانقت كفها بخاصتها:
_ قوليلي يا خالتو"حسناء" مالك وأي حصل، وأنا المرة دي هقف جمبك، أنتِ مش لوحدك، بس طمنيني، دي مش عادتك تعيطي بالشكل ده.
كانت وتيرة حالتها قد هدأت قليلًا، ولكن عقلها وما عبق به من مخاوف تخشى حدوثها، لم يستطع جمع كلمات منسقة وإلقاء القصة كاملة أمامهم كي تضمن براءتها، واكتفت بقولها بجزع:
_ هيقتلني!
ثم انفجرت في البكاء ثانية بحرقة أفزعت قلوبهم جميعًا حتى تلك العجوز ذات القلب الضعيف التي أخذت تمسد على ظهرها برفق علها تريحها من ألم عاصفة غامضة!
مرت دقائق حاولوا تهدئتها، إلى أن وصلت لحالة مقبولة، تبكي في بطء وبصمت فقط، مما أتاح ل《أميرة》أن تستفسر منها عن السبب، وكذلك زوجة خالها، فأخبرتهم بإيجاز وصوت فيه إنكسار، أنه علم بحقيقة عدم قدرتها على الإنجاب التي خبأتها عنه لشهور خشية ردة فعله المرعبة، ولمَّا عرف اليوم صدفة من خلال رؤيته لورق الاختبارات وأخبرته هي عن حقيقتها، اكتال عليها غضبًا وضربها وأحدث في جسدها أثار ضرب مؤلم، بحجة أنها كاذبة خادعة، ولمَّا ترجت منه الطلاق وتركها محررة من بين يدي بطشه، فهي لم تعد السبب الذي سيحصل من خلاله على رغباته! حكم عليها بالبقاء مدى الأمد تحت بطش يديه، مما زاد من حالتها رعبًا مضاعفًا!
صُدموا جميعًا، وزهلت العقول مستنكرة فعلة الزوج، خاصة 《أميرة》التي ازداد بغضها لذلك الرجل، كيف لهذا الدني أن يفعل ذلك التصرف المتجبر مع زوجته؟ أوليس الزواج علاقة مودة ورحمة تتبادل بين الطرفين، أين هي في أمر كهذا وارد حدوثه وليس بين يديها منعه؟ هذا الرجل وإن كان رجلًا، لا يستحق لقب الزوج، أحمق، ملعون!
هكذا بغضت في نفسها الرجل وسبته، بل وشمل سخطها على العلاقة ذاتها، لماذا يتزوجون إذن وهم يعلمون أن الطرفين لبعضهم سيكون فيهم الوحش والفريسة؟ رغم أنها علاقة شرعها الله وهي لا يجوز لها السخط على ما أراد به، لكنها لم تستطع تغير فكرها عنها وسير عقلها في سبيل الكره والقلق منها، لذلك ابتعدت!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
صمتها ومواراة الحقيقة الناطقة بها عيناها عنها ما يشيان إلا بوقوعها في مأزق لم تسطع الخروج منه كعادتها، ولسابق عهدها ابتعدت عن مصدر الألم، وابتلعت حقيقة التمع بصيصها في نفسها، ومكثت بين براثن ألم مبعثر في جنباتها يتلظى!
_ أكيد في حاجة يا "زوزو" وهي بتخبي عني، أختي وحفظاها.
أفصحت عن فِكر لها شردت فيه للحظات بينما تقيم حديثًا مع جدتها التي استمعت لفضفضتها عن معضلة شقيقتها وما ألمَّ بها.
تفوهت《زوزو》الجالسة بجوار الأخرى على أريكة في غرفة الصالون:
_ هيكون أي إللي حصلها بس يا بنتي؟ ما هي كانت كويسة من كم يوم.
_ ما أعرفش وده إللي محيرني يا "زوزو"!
ربتت على كتفها وهدأت من خوفها برفق:
_ خير يا بنتي، ما تقلقيش، صحيح أنا من كم يوم ما شوفتهاش، وأخر مرة شوفتها كانت كويسة، وكلامك عنها دلوقتي قلقني، بس والله خير، ربنا يريح بالها يا بنتي، لما تنزل الشقة هكلمها، وهطمنك عليها ما تقلقيش.
_ يارب يا "زوزو" يا رب.
حل الصمت بينهم ضيفًا للحظات، شردتا الاثنتين في أمر الأخرى تلك التي بدأت تغوص في ظلام عِلة مجهولة!
قطع ذلك الصمت سؤال《شروق》حين سألت ما إن جال بعقلها ذكرى ما:
_ ما تعرفيش "عَمرو" فين يا "زوزو"، ده لو كان رجع من شغله؟
_ والله يا بنتي ما بشوفهم هما الإتنين من فترة كبيرة، فين وفين لما بيصَّبحوا عليَّ وكل واحد يطلع يشوف دنيته، حتى ما عارفة أتصل ب"أدهم" واطمن عليه يا حبيبي بسببهم، واديني مستنية أشوف حد فيهم واصطاده.
التفتت توعدها قبل رحيلها كي تبحث عنهم:
_ ولا تزعلي نفسك يا "زوزو" هدور على "عَمرو" بس علشان عاوزاه في موضوع، وهاجي أتصل بيه أنا بنفسي بعد ما أخدلك منه تلفونه، سلام دلوقتي، هجري أشوفه فوق السطح.
قبل أن ترحل، أعاقت حركتها بكفها لما أوقفتها وقالت بعد أن تذكرت شيئًا ما:
_ استني يا "شروق"، ما تطلعيش فوق السطح، خالك "مصطفى" هو والشاب إللي ساكن جديد فوق، لسة "منى" قالت لي.
غزى التعجب ملامح وجهها، واتخذ من سطحه موطنًا، فمكثت أسيرة له!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مكث ما يقرب الربع ساعة في المرحاض، ينعش خلايا جسده الضامرة هذه الفترة إثر الصعوبات التي ضربت شتى أنحاء جسده، بل ونفسه أيضًا، تاركًا لشلال الماء الفاتر أن يقوم بواجبه، خرج بعد أن ارتدى ثياب أخرى جديدة غير التي قضى ساعاته بها في المشفى مع والدته تتلقى علاجها، أراد العودة إليها والبقاء معها يؤنسها في وحدتها، لكن برؤيته لفراشه المرتب، انهزمت كل خلية كانت نشطة في جسده تتأهب للرحيل، فدنا منه مستجيبًا لنداءات جسده طالبًا الراحة ولو دقيقة، وتسطح وهو يتنهد بقوة وصوت مسموع، وكأنه ينفس عن ألمه خلاله.
جال في عقله تفحص هاتفه بينما يعطي جسده قسطًا من الراحة، فهاتفه أيضًا يحتاج منه اهتمام والانشغال بخصوصياته التي عليه قليلًا، وليس جسده فقط المهمل في أخر فترة انشغل في همومه، كان أول شيء راحت تتفحصه أنامله، هي الرسائل على تطبيق 《واتساب》، ما إن رأى إشعارًا برقمها يحوي رسالة طويلة لم يظهر محتواها في أيقونة الشاشة من الأعلى، لذا فما إن رأى اسمها، انتعشت خلايا أنامله، وراحت تبحث عنها، تلك الحبيبة المنسية، سحقًا للهموم، كيف تنسيه مِنة قلبه، وسكنه!
لم يكاد يبدأ في قراءة رسالة بدايتها اعتذار، حين وصله صوت جرس الشقة يطرق أذنه، فترك هاتفه وخرج من غرفته يشغله تعجبًا من هوية الطارق، فمن يكون يا تُرى؟!
ظهر أمامه شاب قصير القامة، يحمل في يده صندوقًا يحوي طردًا جاء به له، وأكد ذلك سؤاله يتأكد من هويته ما إن وقف قبالته يرمقه في تعجب :
_ مش حضرتك برضه الأستاذ "صفوان صالح محمود الزيات"؟!
_ أيوة أنا، تفضل.
استمع له بتركيز وهو يلقي عليه بخبر مهمة جاء من شأنها بينما يمد يده بما تحوي :
_ حضرتك الطرد ده علشانك، ممكن تتفضله، وتمضي هنا.
امتثل لطلبه، ونفذه في حيرة وتعجب من شأن ذلك الطرد مجهول المصدر، انتهى من إجراءات روتينبة، ثم أغلق الباب ما إن رحل الشاب قصير القامة، دلف غرفته وفي يده الصندوق ينظر إليه في لهفة وفضل كي يعرف ما يحويه، ولماذا أُرسل له، جلس على فراشه وبدأ يفتحه.
_ أي ده!!
دهشة رشقت خلايا جسده، فتأهبت جميعها للمواجهة، يبدو أن تلك المرة ستكون جروح الفراق هي العلة التي حلت في نفسه، أوليس ذلك الذهب هو نفسه الذي اشتراه منذ قريب لحبيبة قلبه؟ من المفترض أنه معها، كوعد لها بالزواج، ووعد به، وعد عاصر الكثير من المتاعب وتحملها حتى وصل إلى بداية تحقيقه، فماذا يفعل هنا؟ لا، لا يجب أن يعيده.
توقفت عيناه على ورقة في قاع الصندوق لمح طرفها بينما كانت يداه في طريقها إلى إعادة علبة المصوغات في داخله، ترك العلبة على الفراش، وأمسك بالورقة بلهفة وشوق لرسالة منها وقد ظن أنها الباعثة، لكن كان الحديث موجه من والدها، الذي قال فيه باحترام...
_ قدر الله ما شاء فعل، ولكل منا نصيب، فلا أحد يأخذ ما ليس له، مكتوب ومقدر، كلًا يأخذ ما قُدر له، أسأل الله أن يعوضك خيرًا من ابنتي، ويرزقك من تهنأ معها دنياك.
_ يعني أي، أي الكلام إللي بتقوله ده؟!
صاح بغتة بعد أن ألقى بالورقة على الفراش ما إن أنهى قراءة الجملة التي فهم منها كل شيء، ويا ليته كان أبلهًا لا يفهم!
جالت عيناه في المكان أمامه كالمجنون، لا يصدق تلك البعثرة والتي جاءت به من أوجاع بدأت تئن، وقعت عيناه أثناء ذلك على هاتفه الملقى بالقرب من علبة المصوغات، فأسرع ما إن رأه يلتقطه، فتحه من جديد، وبدأ يقرأ الرسالة، لعله يجد ما يكذب حديث والدها منهما، لكنه تفاجأ، أنها السوط نفسه الذي ضُرب به منذ لحظات!
_ في البداية أنا بعتذر على الطريقة إللي هقولك بيها الخبر،
كان لازم نكون متواجهين أو بابا متواجد يقولك هو بنفسه، بس محصلش للأسف.
أنا بعلن إنهاء علاقتنا، وعدم رغبتي في إنها تكمل، وأتمنى كل واحد يشوف طريق أفضل من ده.
تقدر تقول تفكير متأخر، لذلك القرار كان متأخر.
سلامي لطنط، ربنا يشفيها ويعافيها، ويريح قلبك عليها، ويرزقك كل خير.
سلام.
أين السلام في وداع رحل فيه الأحبة؟ وكيف السلام منهم، وهم منبع الآلام بفعلهم الجارح؟ وأي سلام تقصد؟ فبرحيلها، حُزفت اللام وغابت، وبقى كل ما هو سام! مشاعره، جروحه، همومه، كلها سموم، فاقت مناعة جسده في أخر فترة، وبدأ ينحرف عن سبيل الحياة!
كان كل ما قدر لسانه على أن ينطق به في خذل بالغ، هو اللوم حين قال في وهن :
_ لي يا "منة"؟ لي؟ حتى أنتِ سيبتيني!
لماذا الجميع يتركه ويهرب، لماذا يُترك دائمًا في منتصف الطريق، تراه ماده خام للعبث في مشاعره كيف يشاؤا؛ يحلون في حياته، يرسمون من ألواح السعادة والهناء أبهاها، ثم يلطخونها بطمي أسواد بهجرهم، ويبقى هو بين ثنايا الوحدة متألمًا؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
صوت طرقات على باب شقتهم البسيطة أصابهم بفزع لقوته، وكأن صاحب الكف التي تنزل على الباب ترزعه بقوة، ليست بيد، بل مطرقة!
وقفت《أميرة》منتفضة من مجلسها بجوار البقية، زوجة خالها وشقيقتها وجدتها العجوز، هتفت بغضب من تلك الفعلة وصاحبها :
_ مين الإنسان إللي مش محترم إللي بيخبط بالشكل الهمجي ده؟!
تحركت خطوات بسيطة أمام أعين الاثنتين المفزوعتين في مكانهم بعد أن وقفوا هم أيضًا يترقبون معرفة الشخص المجهول، جال في عقل《حسناء》فكرة أرعبتها، وأجفل على إثر خوفها من حدوثها قلبها، فأسرعت تعدو بخطواتها من《أميرة》توقفها عن فعل ما عزمت عليه، أمسكتها من ذراعها بغتة، ثم قالت برعب ارتعش على إثره شفتاها أمام مرأى نظرات الأخرى المتعجبة من فعلتها:
_ اسسسستني، ما تفتحتحيش يا بنتِ وتجيبي لنفسك الأزى، أنا هطلع وأروح دلوقتي.
عقدت حاجبيها وهي تسأل:
_ أخاف من أي يا خالتو؟ وتروحي لي مش فاهمة؟ وبعدين مالك كده مرعوبة؟
ضُرب الباب بقوة بغتة، فتعلقت العيون عليه، وسرعان ما قبلت 《حسناء》رأس الأخرى التي تفاجأت من فعلتها، ثم طلبت منها برجفة وعيونها تنزف دمعًا!:
_ أبوس راسك يا بنتي ما تتحركي من هنا، أنا عارفة قلبي بيقولي دي خبطة أيده وأكيد جاي يقلب البيت عليَّ، خليك هنا أنا خايفة عليكي وعلى الباقية، أنا أي إللي جابني هنا بس!
أنهت حديثها ثم انهارت في البكاء، شعرت《أميرة》برعشتها المرسلة عبر كفيها الملامستين لذراعيها، فهمت حديثها وعن من تقصد، زارها بعض الخوف، لكنها عزمت في نفسها ألا تُعرض تلك المسكينة الضعيفة إلى أي فتيلة تعذيب بعد الآن.
لم تلتفت لطلبها، أنزلت كفيها في هدوء، وشرعت في اتخاذ اجراءاتها، توجهت في ثبات رغم نداءاتهم الغير مجدية في إيقافها، وتوقفت أمام الباب الخشبي، ثم تنفست بعمق، وإذ بقوة هادرة دُفع بها الباب ما إن فتحته، مما أُصيب كتفها بكدمة قوية صرخت على إثرها، فأُجفلت قلوب الواقفين خلفها على بُعد خطوات.
دخل كثورٍ هائج ما إن ابتعدت عن طريقه تتأوه بجوار الباب المفتوح، بحث بعينه عن الهدف، وما إن رأه، هدر كسرعة السيل نحوه، ومسكها من عنقها حيث المنطقة أسفل الرأس من الخلف، كتمت تألمها ونطقت العيون بدلًا عن صوتها، واستمعت إلى أمره في صمت مؤلم:
_ بقى جيالي هنا تستخبي، هتروحي مني فين، هي الحارة كلها شبر في شبر! قدامي على البيت.
ثم دفعها أمامه بقوة حتى كادت أن تقع منكبة على وجهها، لكن《أميرة》كانت الحائل بذراعها الذي تلقى معظم جسدها، ومنعها من السقوط، ساعدتها في الوقوف منتصبة، ثم توجهت نظراتها المشمئزة من ذلك الثمل للحظات قبل أن تهتف بغيظ:
_ أنتَ ازاي يا بني أدم يا محترم تدخل على أهل بيت مش بيتك بالشكل الهمجي ده وتمد إيدك على ناسه؟!
اقترب منها في لا مبالاة لصوتها الشبيه بصوت نملة في حضرته، ثم هم لكي يمسك بتلك التي اختفت خلف ظهرها، لكنها كانت أسرع لمَّا أعاقت طريقه وواجهته بوقوفها بصمود، لم يطيق حركتها، فدفعها بغضب تلظى كي يتخلص منها حائل بينه وبين هدفه بينما يقول:
_ أبعدي أنتِ عن وشي الساعة دي!
كادت تسقط أرضًا، لكن ذراع مشابه في عمل خاصتها، أدى نفس الدور الذي قامت به مع أخت زوجة خالها مذ دقائق، أسندت كفها على ذراع ذلك الواقف أمامها منحني الجذع العلوي، رمقته بعينين نطقتا بالفزع، فهمس يطمئن:
_ أنتِ بخير؟!
هزت برأسها لا، نطقت عيناها بأحاديث كثيرة، شكوة، ولوم، وقهر، فالتقطتها هو على الفور قارئًا لغتهما بحنانه المعتاد عليها، وفهمه لها، ثم ساعدها في الوقوف، والتفت إلى ذلك الجبار مقتربًا منه قائلًا بحدة:
_ جرى أي يا "جبار"، دي برضه الأصول إللي ناس الحارة كلها بتنطق بيها يا..يا معلم! يا راجل بقى في راجل يدخل بيت ما فهوش ألا الحريم، ولا دي عادتك يا..يا معلم!
جز على أسنانه حتى ظهرت عروق وجهه، تغاضى عن تلميحاته المتهكمة، وهدر بجمود:
_ ما لكش دخل يا "أحمد" أديني بحذرك أهو، ابعد عن وشي خليني أخد مراتي وأروح.
أوقف حركته بذراعه الذي فرده ليصبح عائقًا بينه وبين أن يخطو إلى الأمام، ثم قال في تريث:
_ استنى بس مراتك مين، أنتَ فاكر نفسك بعد إللي عملته ده من شوية فيهم هسيبك! وتخرج منها كده؟!
صوب نظرات تقذف شرزًا نحوه، ثم حرك رأسه مؤكدًا وهو يقول موافقًا رأيه:
_ عندك حق، مش هينفع أخرج كده!
وما إن أنهى جملته، باغته بلكمة دفعته قوتها يمينًا حيث وقوف 《أميرة》التي استند عليها معارضًا السقوط، أما الأخر فعدى من زوجته وقبض على ذراعها بقوة وسار بها حيث الخارج، تاركًا الاثنتين يطمئنون على وجه سندهم في ذلك البيت الذي أصبح فكه ينزف دمًا أجفل من غزارته قلوب الجميع بفزع عليه!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman