بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الخامس_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"لكل نهاية بداية تسوق إليها_ مهما اختلفت_ كي تنتهي كل الصراعات المختلفة في شتى سُبل الحياة."
لا خوف بعد اليوم على قلب خضع لسلطة القبول والرضى، كلما عزفت عنه الحياة وأمانيها، ازداد حلمًا وصبرًا على المفقود، فهي حياة، فترة من الوقت وستمضي بآلامها، فما أجلَّ أن تنتهي وليس في قلوبنا ندوب عميقة، ولا في أنفسنا كسور لم تُجبر.
انتهى من ترتيب حقيبته منذ لحظات، وتركها حيث الفراش خاصته، ثم اتجه باحثًا عن أفراد أسرته يودعهم قبل الرحيل، لحظات ما أشقها على قلوب بعض الراحلين التاركين لموطن فيه الأحبة حولهم ليلقي بهم السبيل في ركن الوحدة، يحاوطهم شعور الغربة وسط جموع من البشر للمرة الأولى تقع أعينهم وقلوبهم وعقولهم عليهم، لذلك فتُستوحش أنفسهم.
وصل إلى شرفة المنزل حيث مكوثهم منذ أن رجع هو إلى البيت وتركهم قاطعًا تجاذب أطراف الحديث معهم وطفق يُعد عدة رحلته المؤقتة تلك، جلس على مقعد بجوار والده الذي كانت تجلس عليه《حور》قبل أن تتجه إلى المطبخ في مهمة على عاتقها وقعت.
بادرته والدته قاطعة على الصمت الطريق كي لا يحل بينهم:
_ هما ما قالوش يا حبيبي لغاية أمتى هتفضل هناك شغال؟!
أعربت رأسه عن النفي بإيماءتها البسيطة قبل أن يضيف بعدها:
_ اعتبريها فترة مؤقتة مفتوحة، حاجة غريبة أنا عارف، بس ما تقلقيش يا ست الكل الأمور تبشر، وبإذن الله ما أطولش في غيابي.
أنهى جملته مرسلًا الاطمئنان في ابتسامة هادئة بسيطة لم تخفي عن عيون والدته حقيقة تواريهما عنها، قلبها منذ أيام يشعر به وبطول صمته، ذلك الذي يحل ضيفًا في حياته كي يواجه مجرياتها به، فبدلًا من أن يعينه على مواراة ما يمر به في دُنياه، يكشفه، وخاصة أمام أعين المقربين العارفين تمام المعرفة بطبيعة سجيته.
لاحظ《إمام》طول شرود زوجته في ابنها الذي لم ينتبه لتفكيرها فيه بينما هو يتفحص هاتفه الذي صاح كي ينبه صاحبه برسالة وردت في ذات اللحظة، يعلم جيدًا فيما تفكر، لذا فكان مشفقًا عليها وقلبه يود لو كُشف المكتوب، وعلم به كي يريح بالها الغارق في حزن كان مصدره قلب ابنها!
أما هي فكانت شاردة فيه وكلماته التي ألقتها في بئر من الحزن عميق، ليس اعتراضًا على مكتوبٍ كان، بل ولشعورٍ جُبل عليه القلب وهو الحزن، لم تستطع إنكاره، فمكثت في عمق البئر يحيطها كلماته التي تعلم وبكل ثقة أنها مرت على قلبه كلهيب حزن قبلها.....
_ أرن على مامتها طيب أو حتى أخلي حد من قرايبها، زي أم "بلال" مثلًا تعرف خبر كده ولا كده.
_ لا يا ست الكل بلاش.
_ طب يا ابني اطمن بس، ما هو ما يصحش برضه يسبونا كده من غير أي خبر ولا إجابة!
_ ست الكل ما تشغليش بالك، أنا راضي بأي حاجة مكتوبالي، ولو عاوزة تريحيني ما تجبيش سيرة الموضوع قصادي، سيبيها زي ما تيجي تيجي، أنا مش هختار لنفسي أحسن من اختيار ربنا ليَّ، يفضل ما نرنش، اتفقنا؟!
على ماذا يتفق ذلك الأبله، على ضياع راحة قلبه! أمنية دُنياه! كيف يقول الكذب أمامها في ثبات، ولعمره إنه لمكشوف مهما احتال عليها بنسج كلماته المطمئنة على سلامه الداخلي، أويكذب قلب الأم في رؤيته لما تواريه صدور عيالها؟!
قطع شرودهم ثلاثتهم في ذات الأمر صوت《حور》التي ولجت تقول في فخر وهي تمسك في يديها صنية تراصت فوقها أكواب العصير الأخضر بعددهم:
_ عملت ليكم عصير ليمون بالنعناع إنما أي، ما فيش أجدعها مصنع يعرف يعمله، دوقوا وادعولي، وياريت لو في تعليق ابلعوه مع العصير يا حبايب.
جلست على مقعدها بجوار شقيقها ما إن أنهت حديثها وفي يديها كوبها، والجميع كان قد تناول كدوبه بعد أن وضعت الصنية على طاولة خفيضة أمامهم، قرأت عينيها الوجوه فلم تجد سوى الابتسامات المكلفة، فزفرت في حيرة، ها هي لم تقدر على إخراجهم من حالة بؤس طالتهم، ولأنها لا تحب روح الحزن بينهم تحوم، راحت وصنعت بيديها نكهة الفرح الخاصة لديها، خلطة سحرية اعتادت على إذهاب الحزن بها كلما أصابها وهن ما، لكنها الآن لم تقدر، تُرى مفعول خلطتها السحرية بطل، أم أن لحالتهم جيوش مضادة بقوة لذلك المفعول، فغلبه ولم يعد يعمل؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
إن لم يضع المرأ لنفسه حدودًا لا يجوز تخطيها، ستزل قدماه بحورًا من الخطايا في خضمها تعصف وتعتو أعاصيرٌ وأمواجٌ من الرزائل حوله حتى يغرق.
الحدود هنا تعني حصونًا من القيم نبنيها، تحيط بنا، تحمينا من سهامٍ، أو موجات عاتية من سوءات الأعمال والخطايا مهاجمة على حياتنا التي لا تخلو من تلك المخاطر، فما دامت هناك نفس تأمر بالسوء، وشيطان مريد يدعمها بكل ما أُتي من خُبث، فلم تزل تلك المخاطر، وإلا فنحن لسنا ببشر بل ملائكة!
صدح أذان العشاء في كل المساجد القريبة من منطقة يتواجد فيها بتلك اللحظة برفقة أصدقائه الذين يتسامرون الأحاديث مع بعضهم منذ أن اجتمعوا في ساحة تلك المقهى المزدحمة بالغافلين مثلهم، لم يسترق السمع للأذان، لم يحقق رغبة كل خلايا جسده الهاتفة بالنجاة هاربًا إلى ملجأ الهدى كي يعصمه من حالة تيه عاتية، لكنه فعل كما فعل مع صلاة المغرب، خالف رغبة جسده في الخضوع لخالقه، وانعطف مع تيار الدنيا وملهياتها حتى تعدى الحدود، وغاصت قدماه في بحر كبيرة لم يدرك أنه افتعلها، وهي عدم تأدية الصلاة في وقتها حتى فات أوانها دون عُذر يُقبل.
الجو كان مزاجيًا بالنسبة له، ولأنه يهواه؛ هوى في غياهبه، خاصة مذ أن اجتمع وتلك الصحبة الساحبة بسحرها الخداع له، أوهموه أن البئر يفيض فيه الماء العذب النقي من أي شوائب تضره أو فيروس يقتله، فصدق، وامتثل لدعائهم، وراح يروي عطشه من بئر تحوي مائه شتى أنواع الشوائب والفيروسات القاتلة!
ساعات ظل يقضيها بتكرار الأيام عليه وهو داخل بئر أناره خداعهم له كصحبة تدعمه، تقبله، تحبه، تتمنى له الخير، فحجب عنه ذلك النور المزيف رؤيته لشوائب راسية في قاع البئر امتثلت في خطايا يخوضون فيها هو اعتادها ووطات نفسه بحرها منغمسة دون وعي، يخوض في أحاديث فارغة خادشة للحياء ألفتها أذنه، نظرات على المارة هنا وهناك مستلذة بطعم الشهوة، قاومها بشق من يقبض على تيار ماء بيديه كي لا يفلت من قبضته، ألفت نفسه الغوص في بحار الخطايا والسوءات متعدية حدودًا لم يهتم ولو دقيقة في عمره كي يشيدها باتقان، لذا فكانت سهلة الهدم كونها هشة!
الفيروس كائن حي دقيق لا يُرى بالعين المجردة، ولأنه كذلك، كان أعمى عن إبصار ما وارته كلماتهم التي بادر أحدهم في سلك طرف الحديث بها من البداية حتى يصل إلى هدفه:
_ ألا قولي يا "عُمر" أنتَ شغال أي؟
يعلم أنه لا يعمل، لكنه أخفى ذلك عنه لسبب في نفسه سيساعده على نسج الخطة ببراعة، التفت له الأخر قاطعًا حديثه الذي كان يخوضه مع صديقه《حازم》يتفقا على موعد زيارته لهم معوضًا موعد كانا قد اتفقا عليه:
_ عاطل يا أخويا والله.
_ ونعم المهن يا عم، بس إللي يجيب فلوس في الأخر!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغر《عُمر》قبل أن يبرر سببها بحنق دفين مجهول السبب!:
_ يا عم كلها قرف وتعب ومسؤلية فوق طاقتك، وفي الأخر الفلوس على الأد!
_ طب وعلى كده هتفضل من غير شغل، ولا هترجع نفس مهنتك دي؟
فكر مليًا في الأمر الذي تركه منذ أمد لا يفكر فيه ويحله كما وعد نفسه قبل أن يتخلى عن مسؤلية العمل التي لا يرغب، وكعهده عاد منزعجًا يلقي بالأسباب معلقًا أخطائه عليها دافعًا بها مبررًا صدقه في نفسه كي يتخلص من شعورٍ مؤلم!:
_ شغل! أنا أرجع للمرار ده تاني؟! انسى، ولو أخر مهنة على وجه الأرض ما هرجع للضغط ده تاني، أنا ما صدقت يا عم!
في تلك المرة هتف《حازم》مستطردًا وهو يَهم بالوقوف وفي كفه هاتف يصدح صوته بمكالمة مفاجئة:
_ عن إذنكم هرد على المكالمة وأرجع.
رحل من أمامهم، ووقف على مقربة منهم خلف الطاولة التي يجلسون إليها، فلم تلاحظه عيون《عُمر》الذي استرق السمع لإستكمال الأخر بغتة قاطعًا عليه التفاته يطلع على صديقه الذي رحل تمامًا!:
_ يعني أنتَ عاوز فلوس من غير تعب ولا ضغوط على يومك؟
أومأ برأسه بقوة وأضاف حالمًا بسخرية!:
_ ويا سلام بقى لو قاعد في البيت والسما بتمطر فلوس كل ما أكون عاوز، كده يبقى عايش يومي براحتي بدون أي وسيلة استعباد في شغل ومواويل بقى، لا منبه يقطع عليَّ ساعات نومي، ولا ساعات ضغط أضطر بسببها أسيب دنيتي أو ماتش بلعبه مثلًا، يااااه على الخيال وأحلام اليقظة.
_ ولي لأ ما تبقاش حقيقة!
باغته بذلك الاقتراح مما استرع جُل انتباهه إليه، ذلك المعتوه ماذا يقول؟! تراه فاقدًا لماهية المنطق الذي هو حلقة وصل بين الحقيقة والعقل كي يدركها، أم أنه فقد عقله من الأساس؟!
_ سلامة عقلق يا نجم، لو في حاجة تعباك قولي ننقذك أحسن الأمور تطور معاك ولا حاجة وتترمي في مصحة!
_ لأ ما بهزرش والله، أنتَ يا عم مش عاوز تشتغل وفي نفس الوقت ما تكونش مضغوط وتعمل إللي أنتَ عاوزه؟!
صمته كان إجابة بالنسبة له، هو يرغب، وأعجبه حديثه بل وجذبه الاقتراح، فمن منا لا يريد الراحة والمال في ذات الوقت، لذا فأنزل الأخر واهمًا درب النعيم بلا كدّ ولا اجتهاد:
_ سيبها يا نجم عليَّ، أنا هجيب لك شغل يريحك.
هو ليس بغبي للدرجة التي تجعله يصدق اقتراحه، لكنه ولثغرة في نفسه جامحة، انحدر مع تيار هؤلاء الذين يوقنون تمام اليقين أن النعيم يُدرك بالنعيم، يصدقون ما حُرف لهم من كلام، بل هو عقيدة في أدمغتهم، رسموا بها الدرب وخاضوا يسلكون سبلًا كانت في الجاهلية محللة!
أعجبه الأمر، وجذبه حديثه، وتلك كانت نقطة البداية الخفية في سبيل يسلكه بغشاء يحجب عنه حقيقته، وبقلب تسكنه الأمراض الخفية! تُرى ماذا ينتظره في نهاية الطريق المجهول؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لازال الهتاف ثائرًا، تضج الأصوات منفعلة، وثبات قلبها في تلك اللحظات_ وما قبلها أيضًا مذ أن تحدثت مع خالتها_ تناشد بحق هي تجهله، كلما اتجهت بعقلها في سبيل التفكير فيه ارتاحت، وطُبع على قلبها السكينة المنعمة، ولأنها ازدادت في الهروب مذ حديث أثار تلك الهتافات في داخلها، وهي في صراع لم تتنبأ به قط!
بين حدود عقلها، ناشدت الأصوات في كل جنب من جنباته...
يهتف أحدهم إلى أخر:
_ لا تخضع هذه المرة لمجرد شعور كاذب، حتى لا تعود في النهاية نادمًا متحسرًا.
فيرد عليه باغضًا:
_ اصمت أيها الصوت الشاذ، أنتَ شاذ بيننا لا وجود لك ولا لأفكارك، كف عن هذا الهراء، نحن لا نسعى سوى للحماية، وهذه لن تكن سوى في الأمان والبعد.
_ كلا، هذا وهم، هذا زيف، هذا كله خداع ابعدك عن حقيقة احساس صادق، مراد خافتْ أسدلت عليه بأبالسة القلق خاصتك حتى صارت له غير مبصرة.
غضب سيد الأصوات المقلقة في عقلها، والتي ما توهمها سوى بالأمان، فأبعدتها عنه دون وعي منها! وثار آمرًا بقية الأصوات المؤيدة له:
_ خذوه من أمامي، اسجنوه، بددوه، لا تجعلوا له أثرًا بيننا، هيا.
اجتمعت أبالسة القلق تطيع أوامر سيدها، وقبضت على صوت وحيد صحيح في عقلها، وجرته حيث بعيد في أقصى بؤرة مظلمة، تدفنه، أما هو فظل يعترض بكل ما أُتي من إرادة لعلها تُبصر النور يومًا ما بسببه:
_ لا تصدقيهم، ابحثي عن احساسك الصادق، لا تصدقي....لا تصدقي...لا تصد...
ضئل الصوت حتى اختفى تمامًا، ولازالت هي شاردة شرودًا عميقًا للغاية، انتشلها من واقع الحياة، وألقى بها في دومة صراع بداخلها تُقام، تراها، تسمعها، تشعر بألمها.
طك...طك...طك
ثلات نقرات أفزعت فرائصها فانتفض جسدها مرجوفًا، وقفت تزيل من على وجهها أثر البكاء الذي أثاره ذلك الصراع العاجزة عن حله، ثم توجهت حيث باب غرفتها كي تستعلم عن الطارق.
انبلجت ابتسامة بسيطة على ثغر شقيقها الذي ولج حيث غرفتها مطمئنًا قلبه على رؤيتها سالمة لم يبتلعها ظلام حالة كئيبة بدأت تغوص فيها منذ أيام، ثم هتف بينما يدخل الغرفة محاوطًا بذراعه كتفيها يصحبها معه إلى الداخل:
_ كويس إنك لسة صاحية يا "حياة"، علشان محضرلك سهرة ما حصلتش.
دلفت معه والغموض يكسو وجهها، تشتت كل شيء كان في جنباتها يُقام، ولم يعد لصراع مكار سرق راحتها أثر إلا قليلًا لم يؤثر عليها، وهذا ما عزم على فعله مذ أن صارحت خالتها بحالتها وأخبرته أثناء عودته إلى البيت على الفور، لذا فقرر من اليوم ألا يتركها بمفردها، حتى لا تكون فريسة لصراع أسود يدعى اكتئاب أفكارها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتهت لحظات الوداع، وها قد وصل إلى المحطة كي يتحرك منتقلًا في رحلة جديدة لا يعلم ماذا ينتظره بين طياتها، يحب السفر والبدايات الجديدة، يستبشر بين طياتهم ببصيص نور من الأمل والتفاؤل، يرى في كل خطوة تقوده في الحياة إليها أقداره، خيرًا، حتى وإن لم يكن يراه، فيستشعره، لذلك لم يعاني كثيرًا في تلك اللحظات.
وقف في ساحة المحطة بالقرب من سيارته التي قادها به والده الذي رافقه وخليله《بلال》أيضًا، مكث يستمع لوالده ونصائحه التي يملاء بها حقيبة سفر خفية تقبع في عقله وقلبه كما عهده معه في كل رحلة يخطوها في دروب حياته:
_ خلي بالك من نفسك، احميها، وأنتَ عارف ازاي؛ تهت، ضللت الطريق، يأست، حزنت، أي مشكلة واجهت نفسك في وحدتك، ما فيش ملجأ يعصمك من مخاطر المشاكل دي غيره سبحانه وتعالى، ثم أحنا موجودين لو احتاجت أي حاجة، الصلاة ما تنسهاش مهما اضغطت في شغلك، هي النور الوحيد في رحلتك، من غيرها ما فيش هداية لا لنجاح ولا أي حاجة، وتهتم بأكلك وشربك يا حيلة أمك، علشان ما ترجعش خاسس ولا هفتان، وتزعلها، وفي الأخر أشرب أنا المرار علشان أخرجها من الحالة، ترجع بالسلامة يا جحش!
أنهى جملته تزامنًا مع ربتة قوية فوق كتف ابنه الذي ابتسم ضاحكًا على حديث والده الأخير الذي وكعهده لم يخلو من التفكه، احتضن الاثنين بعضهم حضنًا عميقًا تشبث فيه كليهما بالأخر، هناك لغة خفية يتبادلانها_ كأي أب مع أبنائه_ وهي لغة القلوب، هو يتشبث فيه متجرعًا الحب الشافي كما يلقب، ووالده لا يود تركه مبتعدًا، فحتى إن كان ذلك لا مفر منه في حياة تفرق وتجمع الأحبة، لكن شعوره بأن قطعة من دمه، ثمرة حبه الأولى ترحل ولو لفترة مؤقتة، كان عصيًا.
همس له ابنه بينما لازال يعانقه:
_ خلي بالك منهم.
_ في عنيا ما تقلقش.
ابتعد عنه وعيناه تهربتا من نظرات والده لمَّا توجه يشارك خليله عناق الوداع، لا يود أن يعرف بما يخبئه قلبه وفي مرآة عينيه انعكس، فضل أن تكون الأمور بينه وبينها فحسب؛حياته الخاصة لا يحب مشاركتها مع أحد حتى وإن كانا والديه، لم يضايقه والده وتركه حيث طبيعته التي في سجيته، واكتفى بالدعاء له بالهناء.
طال عناقهما لبعض، رغم أن طول مدة عناقهما لم تكفي جرعتها فترة من الغياب مؤقتة سيفترق كلاهما خلالها، إلا أن الوهم بذلك كان أخر أمالهم، لذا فمكثا يتجرعان من بعضهما دفئًا وحنينًا سيرافقهما طوال فترة الفراق، كما أُهموا!
شعر ببداية انعطاف دقات قلبه نحو الخطر، فابتعد بغتة في رفق منسحبًا من عناق ود لو طال أكثر، لكن ضغطه وتوتره في حالات يبذل فيها جهدًا من الطاقة سببها مشاعر فياضة، خشي أن يجزي بضربات قلبه الرقيقة صوب معدل من السرعة لم يستطع تهدأته، فيقع صريعًا له!
ربت على كتفه بلطف، وودعه بابتسامة بشوشة:
_ توصل بالسلامة، خلي بالك من نفسك، في رعاية الله وحفظه.
قابله بابتسامة مماثلة، قال بعدها:
_ وأنتَ خلي بالك من نفسك، مش هنسى كل يوم أتصل بيك وأفكرك بدواك حتى لو كنت بعيد، ومش هبطل أفضل اطمن عليك، ورغم ده برضه ما تنساش نفسك، ها!
ذيل بها جملته محذرًا بغموض فهمه《بلال》، تذكر أخر مرة حين نسي دواءه، حينها حل الفزع في قلب خليله، وعاتبه كثيرًا خشية خسارته، حتى أنه فاجأه بأن يقبل على إجراء عملية قسطرة لقلبه وهي الحل الأمثل كما نصحه الطبيب، لكنه وبعلمه مدى تكلفة العملية الباهظة، رفض، وتحجج أنه سيُقبل مقدمًا ما إن تتوافر لديه التكلفة كاملة، ومنذ ذلك الحين وهو لا ينسى دواءه ولا زيارة الطبيب الذي يتابع حالته التي كُتب له أن يُخلق بها، ويعاني منها كثيرًا لما تسببت له من عوائق في سنواته الماضية!
ودعوه الاثنين مرة أخرى، ثم افترقوا؛ اتجه《يحيى》صوب حافلة كبيرة تضم مسافرين مثله إلى ذات المحافظة قبل أن يلقي عليهم نظرة وداع أخيرة نفذت من وراء زجاج الحافلة بعد أن جلس على مقعد بجوار إحدى نوافذها بداخلها، أما هم فاختفى أثرهم وسط جموع البشر في تلك المحطة التي لا يعلم إلى ماذا تنذر نهاية بدايته في تخطيها، وماذا ينتظره في طريقه من مكتوب كان.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
من البديهي أن تصدق العين ما تراه، ويؤكد القلب ببصيرته عليها، بل وعلى كل رسالة تُبعث إليه من مختلف الحواس التي نملك؛ فالقلب محطة التصديق على كل إشارة تُرسلها حواسنا إليه، ولأنها كانت أشد البعد عن تلك المحطة_ التصديق والبصيرة أقصد_ أُزجت بسهولة بين براثن التيه.
مَن قال أن كل ما نراه حقيقة، وكل ما نفكر فيه كذلك؟! أوليس من المحتمل أن نكون موهمومين، خاضعين لمجرد فكرة مغلوطة لا أكثر؟ إذن فلماذا نتسرع في الحكم، كسرعة البرق قبل ظهوره؟! أوليست تلك خطيئة نزجي بها أنفسنا في درك الظلمات؟.....
جمعٌ من الكلمات أقام حفلة أسئلة في رأسها، كان مصدرها رئيس الآلام الرابض على عرش عقلها يقود الإجابات كيف يشاء، ينجرف على حسب الهوى، ولا يجعل باقي الحواس أن تمر على محطة القلب كي تصدق، تقتنع، ترشدها بنور البصيرة أنها بريئة!
غابت في ضباب التيه تحوم حولها كلمات أتت كالسهام تذكرها جُرم ما فعلت كي تصدق أنها مخطئة...
_ أيوة بس مش للدرجة إللي دماغك فكر بيها عني، أنا أه كنت صديق، كأي حد في الدنيا دي، بس مش لدرجة القرب والخيانة زي ما عقلك فكر!
تُراها انحرفت بعقلها عن سبيل حسن الظن الذي دومًا ما تسلكه في علاقاتها، وسلكت سبيلًا مظلمًا فيه العيون والقلوب تتهم بدون دليل يجدي؟ وهل كان ما رأته دليلًا واضحًا كي تفضي بأفكار عقلها السيئة وتتهمه؟
لم تلبث في ساحة الواقع لحظات تفكر فيما ذكرها بها سهام رشقت مسامعها وجُل حواسها، حتى اختفت وسط ضباب لا ترى منه شيئًا، ولا تسمع سوى كلمات ترددها أبالسة الشياطين حولها في ساحة فارغة يحيط بها الظلام....
_ برافوا عليكِ الموقف جه وأثبتلي إنك عمرك ما كنتِ واثقة فيَّ ومش بعيد تكوني مجبرة على العلاقة.
ظل يتكرر صدى صوته بكلمات ارتصت كسلسلة لم تنقطع، بل طالت، والتفت حول عنقها حتى خنقتها، قطعت عن صدرها مصدر أنفاسها، ومكثت فريسة ذنب زائف، صدقته بعقلها، فأضحى حيًا يسعى، هيأه لها عقلها وأضحت به تهلوس، وعلى فراشها بينما تعيد الموقف الذي حُقن بأنياب أفعى سامة أصبح سمها يجري في شراينها، لم تمت، ولكن تعطل قلبها عن العمل، عمله الحقيقي_غير ضخ الدم_ وهو تصديق حواسها، ونفسها، وحياتها، وأضحت تردد ألمًا ألم بها وهي بين براثن الذنب الزائف:
_ ما كانش ينفع أظن فيه السوء، ما كنش ينفع أعمل كده!
سالت دموعها حسرة من دون سبب حقيقي! وتركت نفسها تنساب مع تيار مندفع من الهواجس والتيه، منذرًا ببداية لنهاية مطاف قصتها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ ارجعي ابدأي من تاني مش مشكلة، بس ما تستسلميش لمجرد شعور وأفكار سلبية.
وعظها بها شقيقها حينما وطأت أحاديثهم ساحة ذلك الموضوع، كان يستعلم عن حالها في رحلة علاجها التي بدأت، فباحت له تلك المرة شاكية من طاقتها التي لم تعد في خلاياها مستقرة مما أعاق سريان حياتها ومجرياتها.
ردت في فتور بينما تجاوره على أريكة في غرفتها:
_ حاولت وما قدرتش يا "وسام"، مش عارفة أي حصل أخر فترة، بس حاسة إني عاوزة أوقف كل حاجة وابعد فترة، أنا تعبت!
لم يتفوه بحرف، ومكث يراقب خلجاتها المكسوة بالوهن بعد اعترافها المعلن عنه في ذيل جملتها السابقة، لم تكتم كعادتها يجاهد كثيرًا كي يعرف ما تواريه عنه من متاعب، لذا فصام عن الحديث وكرَّس باقي حواسه لها تلك التي نفخت في وهن حائرة متعبة، ليستمع لإفصاحها جيدًا:
_ أنا توهت يا "وسام"، ما بقتش عارفة أنا عاوزة أي في حياة خسرت فيها كل حاجة عوزتها، مش عارفة الحياة إللي رسمتها لنفسي وعشتها دي صح، ولا مجرد وهم، ولو صح لي بحس بشعور زي ده، لي برجع وافتكر كل حاجة عملتها وخططت ليها في مشوار دنيتي، وأزعل، وكأني عاوزة أرجع وأصلح بعد ندم عيشته واستسلمت ليه، أنا عارفة إني دفعت تمن غالي علشان أعيش حياة الوحدة دي، بس ...بس صدقني أنا عمري ما كان نفسي فيها، لو كنت أعرف خيار تاني يريحني كنت اخترته والله.
وإن سألوا المرأ ما يشقيه، سيقسم: نفسه!
سالت دموعها ببطء منهمرة على وجنتين يابستين كانتا، الاعتراف كان بمثابة استسلام لصراع تعزف عنه منذ اتخاذ قرار كذبت فيه على نفسها قبل الجميع، ربما النكران كان دون وعي منها، أو بوعي بسيط لم تلتفت له لعظم ما أُتيت نفسها من براكين قلق أثارته أفكارها المترسخة بفعل تجاربها في الحياة، فاحترقت بلهيب حممها، وخشيت المكوث ففرت!
بداية النهاية لحالة لازمتها معظم سنوات عمرها تجلت، وهذا ما كان يشق مكانًا في نفسه ليسعد وسط هجمات شعور الحزن على أخته التي ما رآها في حياتها إلا وكانت تعاني من شيء ما!
دنا بكفيه من وجهها، وأزال أثر بكاء لحظي انقطع مجرد تنفست نفسها المثقلة بالكثير، ثم ثبت وجهها يطالعها بينما كفيه يحاوطه:
_ أنتِ مش تايهة، جايز تكون دي بداية خير، أنا بثق في شعور ما قبل التحرر، ما تسألنيش عن الاسم، لأنه ده موضوع كبير وعاوز وقت، يكفي إني أقولك إن الإنسان كون إنه بدأ يفكر في حاله، وعرف ماله، زي ما أنتِ عرفتي إنك تايهة، يبقى صدقيني ما بعد الشعور ده تحرر من كل فكرة سلبية، حال ضيق، كل حاجة احنا مسجونين جواها خلتنا نيأس ونجيب أخرنا ونحس بشعور زي ده، ودي أنا بعتبرها نعمة لأننا بننشغل بحالنا، وده المهم، مش ذي البعض غرقان في دوامات كتيرة، ومش مدرك ده من الأساس، بعيد عن نفسه.
سكت، ثم أنزل كفيه، وأكمل محفزًا:
_ بس لازم علشان نوصل، نثابر، ونجاهد كل شيء هيقف قصادنا، مع الاستعانة بالله طبعًا، يعني ما نوقفش عند النقطة دي، يعني هي جت علشان تغير حياتنا، وتنعطف بينا بعيد عن كل سجن جوانا، مش هنيجي احنا بقى باستسلامنا نسجنها معانا، صدقي احساسك يا "حياة"، جايز تكون دي النقطة الفارقة عندك علشان تتحركي، ولأنك كل مرة بتقعي في موقف ما بتكرري نفس السلوك، فطبيعي هتحسي بنفس الشعور، وده بصراحة كلام خالتو في مرة كانت بتفهمني طبيعة حالتك.
حديثه كان مسكنًا لكل هتاف يصارع في عقلها، لذا فتهيأت نفسها على سجيتها تحاوره.
سألته قلقة من فكرة لا زال أثرها يعيث في نفسها:
_ طيب ولو الإنسان ده خايف، ومعاه دليل تجربة عاش أسوأ أيام حياته بعدها، ومش عاوزها تتكرر لأنه تعب وما بقاش عنده جيوش تقاوم، ما بقاش يشوف السلام! هيعمل أي؟
بكل بساطة أجابها:
_ زي الشاطر هيتجاهل، يواجه فكرة وهمية بيقينه في الله، وسعتها هيقدر يعرف احساسة الصادق ده أي، لأنه خلاص تحرر من سجن فكرة ملازماه بقالها سنين.
في ذات اللحظة التي أنهى حديثه فيها، صدح صوت هاتفه برقم ما إن رمقه، ابتسم، كان على عقله، حتى حديثه الذي راقت له نفسه عن ظهر قلب، كان يستأنس بينهم!
_ وعليكم السلام يا "يحيى"، أخبارك؟
ذات الشعور المريح، الملازم له نبضات متسارعة ذات مذاق حلو، باغتوها، بعد أن غابوا عنها لفترة حسبتها هي دهرًا، استمعت لحديثه بعدم تركيز وقد انشغلت في التفكير بتلك المشاعر التي كانت تخاف منها، لذا فكانت تعزف طوال الوقت التي تباغتها فيها عن فهم ما حملته من أخبار هي تجهلها، أو تقنع نفسها أنها تجهلها لسبب ما في نفسها!
_ ما تقلقش فاكر، بإذن الله تتيسر، سلام، خلي بالك من نفسك، لما توصل طمني، توصل بالسلامة إن شاء الله.
ودعه بكلمات هي جهلت سببها، وهذا ما لفت انتباهها فأمعنت الإستماع في الحديث كي تفهم، لكنها عادت صفر اليدين من أي فهم!
تحرك من مكانه واقفًا، وتبعته هي، وقفت قبالته تسمع لوداعه بعد قبلة طبعها فوق رأسها:
_ تصبحي على خير، ما تنسيش كلامي ها.
أومأت له بابتسامة صغيرة مقتضبة، همَّ كي يرحل لكنها لم تسطع مقاومة فضولها في السؤال عنه، واندفعت بالقول كعادتها:
_ "وسام" أنتَ كنت بتكلمه! قص...قصدي كنت تقصد أي بكلامك وأنتَ بتودعه.
في نهاية جملتها فهم ما كانت تقصده وتريد إراحة عقلها بمعرفته، لكنه قطع على عقلها الراحة حين هتف بينما يتحرك متوجهًا صوب الباب:
_ كنت بودعه علشان مسافر في شغل برا.
اختفى أثره بمجرد ما انفتح الباب وأغلقه خلفه، وتركها والتيه يجتمعان مجددًا، وتلك المرة على خبر لا تعلم كيف تفسره، تراه ذهب ولم يعد؟! أم أن الغياب مؤقتًا؟!.....
مهلًا، مهلًا! أوليس هو في قاموس حياتها غائب، فلماذا تنعته بتلك الصفة بمجرد سماعها عن خبر رحيله؟ تراه كان غائبًا حقًا، أم أن كان متواجدًا في كل صراع هربت من ساحته وتخلت عن وثبات قلب هو مسببها؟ وهل هو من تسبب في تلك المشاعر أم أنها أنكرتها بأفكارها، وعزفت عنها ووضعته واحساسها الصادق في خانة الغائبين، ومكثت تعيش صراع كله وهم لمجرد معاداة أفكارها لتلك المشاعر؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
البداية كانت بقناعة كبرت وترعرعت وتضخمت في دهاليز عقلها، حتى سيقت لنهاية قاربت على الوطوء بها، ولكن هل لقدماها المترددتان قوة كافية، وإرادة ثابتة كي تفعل ذلك؟!
_ ربنا يطمنك عليها يا ابني، شفاها الله وجميع المرضى، هبقى أرجع أتصل بيك واطمن تاني، سلام يا ابني..سلام.
تلك النهاية لحديث بدأ منذ لحظات بينه وبين الأخر الذي تنتظر بلهفة سماع خبر عنه بعد أن عرفت بحالة والدته، وما إن أغلق والدها هاتفه سألته في لهفة واهتمام حقيقيين:
_ ها يا بابا أي الأخبار، طمني؟ مامته مالها اتخضيت لما عرفت من الجيران إنها في المستشفى؟
ربت على كتفها بينما هو جالس على الأريكة في غرفة المعيشة بجوارها، وطمأنها بهدوئه:
_ اطمني هي دلوقتي بخير.
سكت حزنًا على حالتها ومن مثلها، ثم أفضى بما في نفسه من كلمات ترثي حال الأخر:
_ ادعيله ومامته ربنا يفك كربهم، أمه ربنا ابتلاها بكانسر في المعدة، وهي ببتعالج حاليًا، علشان كده ما كانوش متواجدين امبارح لمَّا روحت أديله الأمانه.
تذكرت ذلك الدين الذي أنقذها ووالدها من الوقوع فرائس لوحش الفقر منذ سنوات، حينها كان طالبًا جامعيًا في بداية الرحلة، لمَّا تبرع لهم جده بمبلغ مالي متوسط فك كربهم، والآن بعد أن تيسرت حالتهم الاجتماعية تذكر والدها الأمانة وأراد أن يعيدها، ولكن لماذا تذكر في ذلك الوقت بالتحديد وهو منذ طويل قد تيسرت حالته الاجتماعية؟!
لم يتركها تجري حديثًا تفصيليًا كعادتها معه، ووقف قبالتها لحظة تفوه فيها قبل أن يودعها مفصحًا عن خبر علمه من قريب لديه:
_ هروح دلوقتي أزوروه وأديله الأمانة، يمكن تساعد في فك كربه بعد ما خسر شغله، وأهو الحمد لله جت في وقتها من عند الله وفُرجت.
رحل وتركها لخطاطيف قناعة شرسة تلتهمها، تضمها إليها بكل ما أُتيت من قوة كي تزجي بها في ظلامها، خسر عمله، ووالدته في أشد الحاجة إلي المال كي تُشفى، إن كان عاجزًا عن مسايرة حياته العادية لأقرب الناس لقلبه، كيف بمستقبل....!
لم تكمل التفكير، ورفضت الإذعان لسلطته، وانتفضت من جلستها تاركة محل التفكير، سالكة درب البداية بتردد لا زال يحوم في الأجواء حولها، تُرى هل رسمت النهاية وشكلها قبل الوصول إلى مفترق الطريق المؤدي إليها، أم أنها تسير هاربة فحسب؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
إن كان الفعل هينًا على قلب المرأ في سوءه، فلماذا تعبأ من الأساس نفسه نادمة؟! تلك الأصناف من البشر لا يهمها سوى ضعيف مثلها، لذلك فتجدهم لم تؤثر فيهم كلمة من وحي أُوحي لرسول كريم، ومكث خالدًا بين دفتي كتابٍ عظيم.
في يومٍ وليلة نسيت كل ما مر على عقلها من ذكرى أهلعته، تخشى حلول حدث ما يحييها، ويقيم على ساحة نفسها صراعًا تجاهد عازمة ألا تكون محط أنظار البشر بفعلة لم تكن بالحد الذي يراه الجميع خطيئة كبيرة، بل شيء عادي، عادي للغاية، وهل وعد الأخر لها بالزواج في سر بينهم، يعد خطيئة؟!
حسنًا دعنا من الماضي الآن، ولنجعل للمستقبل منفذًا كي يتسرب نوره المبهج لحياتها، هي الآن لم تعد تحب ذلك الوغد، وعدها بكل صدق، بين لها من الأفعال ما يشي بصدقه، فامتثلت لطلبه وحدث ما حدث، ووقعت في دائرة خداعه التي أرستها على جانب المطاف في حياتها، وبدأت صفحة جديدة، حياة جديدة، يشع فيها المستقبل حبًا جديدًا!
《ياسر شريف عبد الرازق》، يعمل في شركة***للأدوية، يقنط في أحد أحياء القاهرة الراقية وهو المعادي. تأملت ملامحه بينما تقرأ بعدم انتباه تلك المعلومات عنه المرتصة بشكلٍ منظم في لافتة التعريف خاصته على إحدى مواقع التوظيف التي توجهت إليها برغبة جامحة كي تعرف تلك المعلومات المفصلة عنه.
كانت تعلم أنها تُكِن له شعورًا ما، وليس ذلك الوغد الذي كذب عليها بمشاعره التي اكتشفت أنها مزيفة، فأوقعها في شباك خداعه، حينها تسبب في مشكلة كبرى لم ينقذها منها سوى اعتراف غريبٍ عابرٍ من شخص مجهول مر على محطة حياتها مدعيًا انقاذها من بين براثن ذلك الوغد، فتحجج داعيًا نفسه بخطيبها، هو الأخر وغد! أتى لينقذها، فتسبب لها بمشكلة أخرى، ورغم ذلك لم تنسى موقفه وشهامته معها حين انتشلها من براثن مأزق كان سيدمر حياتها، ذلك دينٌ في رقبتها سترده له بالدعاء ألا تراه على وجه الأرض ثانية كي لا يحيي تلك الذكرى السوداء!
في غصون العشرون دقيقة كانت قد أنهت التقديم عبر الإنترنت على عمل في شركة****، هي ذاتها التي يعمل فيها صديقها، أو بطلها الجديد《ياسر شريف عبد الرازق》، ثم مكثت على الأريكة في غرفتها تسترجع ذكرياتها معه في الجامعة وباقي الصُحبة أيضًا بتفحصها الصور التي جمعت بينهم في رحلات ونزهات داخل مقر الجامعة وخارجه.
نقرتين تبعها أخرى بعد لحظة توقف على باب غرفتها أفتُعلوا، فرفعت صوتها تأذن للطارق بالدخول، ودون التفات لمن اقترب وجلس جوارها_ فهي تعلم أنها والدتها نظرًا لمكوثهما بمفردهم في الشقة بعد سفر والدها_ استمرت في تقليبها بين الصور وهي تبتسم بينما تستمع لما هتفت به الأخرى في تعجب:
_ خير الفرحة على وشك منورة يا "رورو"! فرحيني.
في تلك المرة التفتت لها لمَّا أثر انتباهها حديثها الذي يهمها فحسب، التميز من شيمها، لا تلتفت إلا لمن نطق عنها بالصفات التي تعلو بها فوق عرش التميز. أجابت سؤالها بسؤال مهم تعرف إجابته بالنسبة لها:
_ ماما أنتِ شايفاني أي، أي الصفات إللي بتبسطك فيَّ؟
رغم أنها استغربت من سؤالها الغير متعلق تمامًا بحديثهم السابق، إلا أنها أجابت بفخر شديد وهي تحاوط بذراعها كتف الأخرى:
_ أحسن وأجمل دكتورة في الدنيا دي كلها، إللي مشرفاني وسط الناس وزمايلي بشطارتها ورافعة راسي بينهم.
انتعشت روحها وتغذت، ولم تكن بحاجة لذلك النوع من الغذاء فحسب!
تجلت ابتسامتها الزاهية وهي تضيف على كلام والدتها السابق:
_ وضيفي عليهم قريب أجمد استرونج بيندد ومان في شركة****للأدوية.
تفاجأت بالخبر، فانفعلت بصوت مرتفع فيه بُحة سعيدة:
_ ده بجد يا "روان"، امتى ده، وأخدتي القرار امتى، مش قولتي قبل كده مش هتشتغلي في مجالك!
على الفور وبفخر يشعل لهيب الفرحة بداخلها قصت عليها ما عزمت على فعله بعد تفكير ورغبة جامحة في العمل، كبداية لطريق اختارته بنفسها لا تبصر ماهية نهايته!
لم تكن رغبتها بذلك الجموح من قبل، أجل، والدتها تعلم ذلك، وهذا ما لاحظته ولم تعقب عليه إلى حين اتضاح الأمر لديها.
تبع حديثها إرثاءات والدتها عليها وفخرها، ودعواتها بأن يتم قبولها في العمل، فهي بذلك ستكسب بين الجميع وتكون ابنتها الوحيدة من رفعت رأسها في سماء الشرف مُحلقة بنجاحها الذي انتهى بالعمل المشرف ذلك، وكأن كل تلك المنسوبات من مناصب لدى الإنسان هي ما يُستدل به على حُسن الشرف والصفات والقيم الطيبة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
من وسط عالمٍ يسوده الظلام، كانوا هم أعمدة إنارة جُندوا ليُنار سبيلها.
صدحت ضحكاتهم بغتة بينما يشاهدون فيلمًا كومديًا قديمًا يُعرض على شاشة تلفاز من الإصدارات القديمة حيث المميز بضخامة حجمة وثقل وزنه، يقبع أمامهم وعلى بُعد أمتار على طاولة خشبية خُصصت له_ تناسب حجمه_ بينما هم يجلسون بشكل متحد، وكأنهم بنيان واحد لا يتفرق؛ حيث استقر عمود البيت الذي يُقام عليه في المنتصف، وعلى جانبيه استندتا كلتا المسؤليتين الغاليتين في حياته، لا واحدة تفرق عن الأخرى في الأهمية، الأثنتين يفديهما بروحه في سبيل حمايتهما، وكذلك الثالثة التي غاصت في ثبات عميق في ذلك الوقت في غرفتها.
استقرت الأجواء، وزالت مثيرات الضحك وببدأ الفلم يتخذ منعطفًا أخر نحو الغموض، مالت برأسها على كتفه تريحها وقد شعرت بالنعاس يراودها، لكنها لأجل تلك اللحظات التي تحب، وعوضها الله بها بعد أن ظنت الوحدة بقاء حياتها مذ الصغر، تصارع ألا تغلبها عيناها وتستسلم لسلطة النوم.
شعرت بأنها تثقل عليه بتلك الحركة لمَّا تحرك يريح جلسته، فابتعدت قبل أن تسأله باهتمام:
_ خالو مدايقاك؟!
_ ولا يهمك يا عسل، كملي نوم.
تبع جملته الحانية بتحريك رأسها بكف يداه، ووضعها تستقر على كتفه مجددًا، ابتسمت بعد تلك الفعلة، وفي كل مرة يعاملها وكأنه والدها، هو والدها حقًا، حتى وإن لم يكن برابطة الدم، كان بالحياة التي وهبها لها ووعوضها بفضل الله، أنستها مرارًا سابقًا، وحل في حياتها نورًا يضيئها بحبه لها وتضحيته التي لم تنساها مهما مر عليها الزمن.
حاوطت بذراعيها جسده واستقرت رأسها فوق صدره حيث المنطقة العلوية_الترقوة_، وبعد لحظات غلب النوم زوجته التي كانت تستقر رأسها على كتفه الأيسر منذ البداية.
مرت بضع دقائق متوسطة، وانقطع الفلم عن العرض وقد أعلنت القناة التي يُعرض عليها عن فترة استراحة كالعادة في قنوات التلفاز القديم كمثله، على نور التلفاز الخافت كانت زوجته قد استيقظت بعد غفوة بسيطة أخرجتها منها صوت الإعلانات المرتفع، أخفضه زوجها قبل أن يستأذن منهم تاركًا المكان يقضي مبتغاه:
_ لحظات وجايلكم يا سكاكر، تكون الإعلانات خلصت.
ثم تركهم ورحل، وفي غصون لحظات كان قد اختفى أثره من أمامهم.
حل الصمت بين الاثنتين ضيفًا للحظات، قطعته《أميرة》سائلة زوجة خالها عن أمر جال في عقلها للتو بينما تراقب الإعلانات التي تُعرض في صمت بعد أن كتمته:
_ ماما "صابرين" طنط أم "أنور" عاملة أي؟ بقالي فترة مش بشوفها هنا يعني، أو حتى مش عند جدو "صلاح" هنا في الشقة إللي جمبنا؟ غريبة غيابها طول!
كانت في أسعد لحظات حياتها بعد تلك السهرة التي قضوها معًا كأسرة صغيرة جمعتهم الأقدار، وما إن ذكرتها بشقيقتها اغتمت وتقاعست السعادة عن السريان بين عروقها.
تلك المسكينة المنسية وسط وفد من البشر يتداعى القوة، وأين القوة في عين رأت الضعيف زليلًا ولم يرف لها جفن كي تنتشلها من بين براثن الظلم والاستبداد؟!
_ ماما "صابرين"!
خرجت من شرودها على صوت هتف باسمها، ابتسمت في وجهها بتصنع؛ لا تود أن تتحدث عن ذلك الموضوع أمام الأخرى خاصة، فهي تعلم رد فعلها الذي وإن كان يستحق منها كل هذه التضحية، إلا أنها تخشى عليها عدو مكار!
_ هي بخير ما تقلقيش، بتكلمني كل فترة والتانية على التلفون، تلاقيها منغمسة في حياة بيتها الفترة دي، وعلشان كده مش بتيجي.
_ خلاص يبقى احنا نروح لها.
اقتضبت ابتسامة، وأمأت لها قبل أن تقدم المشيئة، ولأنها لا تود التعمق في الحديث أكثر عن شقيقتها وما تعانيه كي لا تجلب لأبنة شقيقة زوجها السوء، هتفت مستطردة:
_ أي أخبار مشوار السفر بتاعك، رسيتي على اي قرار؟
رغم أنها تعجبت من قطع الاسترسال في الحديث عن الأمر السابق، إلا أنها صمتت ولم تعترض وقد جذب انتباهها موضوع كان أثقل كونه يصيبها بالغم، لا تعلم لماذا، لكنها تشعر بضغط نفسي كبير كلما تذكرته.
أخرجت زفيرًا بعمق، ثم أفصحت لها تلك الوالدة التي عوضها الله بها، لا تخبيء عنها شيء، كل مشاعرها، مضايقاتها، أراءها، مواضيعها المختلفة تشاركها معها وكذلك خالها الصاحب وليس أبًا فحسب:
_ بصراحة مش عارفة، أنا لسة ما فكرتش أصلًا في الموضوع.
أصابها ضيق من حالها، عبرت عنه بلطف:
_ لي يا حبيبتي، أنتِ كده بتأخري سريان أمور حياتك يا بنتي.
سالت بلامبالة:
_ وأي فيها هيوقف يعني مش فاهمة؟!
_ كتير يا "أميرة" وأهمهم الجواز، أنتِ عارفة أخر واحد متقدم هيفضل مستني كم يشهر ولا حتى سنة، الله أعلم موضوع سفرك ده هيستمر قد أي، لغاية ما يعرف مصيره كمان الرفض ولا الموافقة، أنا مش عارفة ازاي هيفضل صابر زي ما وعد خالك؟!
زارها شعورٍ خفي، اضطربت على إثره جنباتها، في حديثها حقيقة مؤلمة، تهرب منها في كل مرة تواجهها، كيف تخبرهم أنها لا تريد الزواج من الأساس؟!
حل الصمت ضيفًا غير مرحب به، قطعته زوجة خالها تطلب منها بلطف:
_ فكري تاني يا حبيبتي، عمر التعليم ما كان عائق للجواز، أنا أديني أهو اتجوزت في تالتة جامعة، كان خالك الصاحب ليَّ في مشوراي لغاية ما اتخرجت بتقدير عالي، فكري يا بنتي في نفسك وأي هيسعده وأنا وخالك معاكِ في أي حاجة، المهم راحتك، بس لو في المكان الصح، ربنا يهديكي صواب السبيل يا بنتي.
لم تجد إجابة، اكتفت بايماءة بسيطة، حالتها التي بدأت لم تسعفها كي تواجه وتعترض، أو حتى تفكر، لذا فاستأذنت في هدوء مزيف، وتركتها والدعاء على لسانها لم يزول، تتمنى لها الهداية تلك الفتاة العنيدة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في بداية رحلتها كانت ملتزمة بعهودٍ اتخذتها على نفسها كنذرٍ حاربت كثيرًا كي تحققها، وحدث ذلك بالفعل، تغيرت كثيرًا، وخاضت حروبًا مع الذات حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، عيوبها أقل، استطاعت إخماد نارها ببرود وعودها التي عزمت وبكل ما أُتيت من إرادة كي تتخلص من معظمها، ومميزاتها كثرت، بعد أن علمت بها، وسارت دربها مستخدمة إياها في كل مواقف الحياة، كل ذلك كان بفضل المولى عليها، وهي تحمده على نعماته الوفيرة، لكن ثمة شعورًا خانقًا كان بمثابة من يعكر صفاء الماء النقي، لماذا يراودها؟! لاتدري!
كانت الساعة متأخرة من الليل، ليس كثيرًا، ولكن ليس للحد الذي يجعل ذلك الضجيج يصدح في شتى أنحاء الشقة إلى درجة أنه وصل إليها الصوت بينما هي تعد تقيمًا لذاتها_ كما اعتادت_ في غرفتها، وكانت قد شردت في شعور مزعج مؤخرًا، من الذي يرفع صوت الأغاني لهذه الدرجة، أهو بأناني، أو أناني، لا خيار ثاني؟! لا يهمه سوى راحة نفسه ومتعتها، أما انزعاج الأخرين فليس في قاموسه أهمية له.
مكثت دقائق تعد كتبها المتراصة على رفوف مكتبة صغيرة بالقرب من مكتبها الذي تجلس على مقعد أمامه، لعل يكون ذلك الأناني أخطأ، وسيصلح ما فعل وينهي ذلك الهراء فورًا، وفي ذات اللحظة تكون قد همدت نار حنقها الذي اشتعل مع بداية ذلك الضجيج وتماديه إلى أن وصل إلى خمس دقائق ولم يكف الأناني عن إنهاء هراءه!
خرجت من غرفتها في غضب تمالكت معظمه، لا يجوز لها أن تغضب وتعترض وإلا..!!
ذلك قانون في البيت يخضع إليه الجميع، أما مُسني هذا القانون على ساحة البيت لا يحق لهم الخضوع أبدًا، فهم من طبقة، والأخرون طبقة أخرى، وكأن الغضب عملة نادرة لا تُحلل إلا لأعالي الطبقات في البيت!
وصلت إلى مصدر الصوت، لم تتفاجأ كثيرًا فتلك عادتها التي تعرف، عاشت معها سنوات، فلم يفوت عن عقلها تلك الأفعال المتهورة منها.
طلبت بأدب وبصوت مرتفع حتى تسمعها في وسط ذلك الضجيج الصادر من شاشة التلفاز العريضة المعلقة خلفها على حائط في غرفة المعيشة القريبة من غرفتها، لذا فكان الصوت عاليًا:
_ عمتو ممكن توقفي الأغنية، أنا مش عارفة أنام.
شيعتها بنظرات خبيثة تتفحص أمارات غضب تكتمه، هي من الأساس تعلم أنها لم تعد تسمع تلك الأشياء المحرمة، لذا فاختارتها لتعرف جيدًا إن كانت ستقاوم غضبها وتغيرت بالفعل أم أنها تتصنع فحسب.
انحرفت عن الامتثال لطلبها، واكتفت بإخفتض الصوت قليلًا حتى تسمع الأخر تبريرها:
_ لسة بدري شوية ما فيش حد بينام دلوقت، وبعدين أنا قولت أفرح شوية للبت المخطوبة دي، عرفت يا حبة عيني إنه الخطوبة كانت سُكيتي ما فيش لا هشتكة ولا بشتكة، فقولت أفرحلها.
_ عمتو، أرجوكي مش وقته.
_ ولي يا روحي، الساعة يا دوب عشرة ونص، والدنيا صيف، تعالي بس هيصيلك حبتين، ونادي المسكينة إللي سابتني ومشيت دي مجرد ما جبت سيرة الخطوبة، مش عارفة مالها كده مكتئبة، أكيد البنت ما فرحتش بخطوبتها كويس.
لم تلتفت كثيرًا إلى اعتراف الأخرى الذي أيدته، شقيقتها تعاني من حزن ما سببه مجهول، يكفي الآن الرد على تلك الأنانية ووقفها عند حدها، ومن ثم التوجه لمعضلة شقيقتها التي ظهرت لها فجأة.
_ عمتو لو سمحتي، اقفلي.
قالتها بحدة لم تكن بالغة، لكنها حازمة وكافية أن تجعلها تشعر بعدم رغبتها في ذلك الفعل وانزعاجها، لمحت الأخرى طرفها من خلف ابنة أخيها يقترب والجة الغرفة، فهتفت تلومها في حزن مزيف:
_ برضه كده يا "شروق"! ده بدل ما تقولي البيت بيتك و خدي راحتك فيه، اخص عليكِ خذلتيني وأنا إللي قولت دي تربية إيديا وأنا زي أمها ومش هتزعلني.
أنهت جملتها المتلاعبة خلالها في مشاعر الأخرى، ثم أغلقت شاشة التلفاز، ووقفت بعد أن اقتربت الأخرى من خلف ابنة أخيها ووقفت تستمع لعتاب《فوزية》الزائف.
تعجبت《شروق》بشدة، وهتفت تبرر لها بثبات، فأين الخطأ فيما فعلته؟!:
_ أنا مش قصدي أزعلك يا عمتو، وأنا بصراحة مش عارفة زعلتي من أي رغم إنه المتضرر أنا و...
_ بنت يا "شروق"!
جاءها النداء من خلفها صافعًا مسامعها، فانتفضت فرائصها رجفة، صوتها، نبرتها، هما نفسهما اللذان ينذران بعاصفة صراع قادم من بعيد، فيه هي المعتصرة بزوابيع الذنب!
راقبت عمتها المشهد في متعة بينما تقترب الأخرى تواجهها قبل أن تستكمل تعنيفها:
_ ما اتعلمتيش الأدب في بيتك علشان تكلمي عمتك بالطريقة دي، أمك ما عرفتش تربيكي، ولا أبوكي غيابه أثر وعجزت أمك وما ربتكيش؟
حسنًا، هدئي من حالك، خذي شهيقك بعمق، وأخرجيه ببطء، تلك مجرد كلمات مبعثرة إثر غضبها لا أكثر، أريحي نفسك، ولا تجعلي للغضب مخرجًا كي ينفذ، فهذه أمك.
_ أنا آسفة، ما كنتش...
لم تكمل حديثها حتى قطعتها الأخرى آمرة:
_ على أوضتك يلا.
أومأت برأسها مزعنة، وجرت أقدام الخيبة خلفها، حاملة جسد مشوه بالندوب الخفية، هي لم تفعل شيئًا سوى الحديث بأدب، ولكن أين الفهم والإدراك والوعي في قاموسها، دومًا ما تنهر وتعنف، وإن حانت منها التفاتة تشكوها غضبها في صورة حزن ولوم، ألجمتها بقانون منذ الصغر أسنته، الغضب عيب، الغضب لا يجوز لمثلها، والشكوى جُرم فادح، لذا فامتثلت الآن له، ورحلت.
جلست تزفر بقوة على الأريكة، تبعها جلوس شقيقة زوجها بجوارها التي هتفت بتصنع:
_ بالراحة عليها يا "منى"، دي بنتك.
سكبت غضبها في حديثها بغتة:
_ بنتي ولو عاوزة تتربى هربيها حتى لو كبرت، قال هانم قال وعاملة فيها متعلمة!
اخترقت جملتها جدران الغرفة ووصلت إليها قبل ولوج غرفتها، أصابت سهامها قلبها، وانسكب قدح من الغضب كان يغلي في جوفها فأحرقها، ودون وعي، لعنت في نفسها اليوم الذي جمعهم فيه بعمتها، تلك الأنانية المتلاعبة، وما لبثت لحظات حتى همدت نار الغضب وتبقى الأثر متمثلًا في صورة تشوهات ألمتها، وسلكت سبيل بداية غامضة تتألم فيها بندوب الذنب الحارقة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كلما يتردد صدى كلمات زوجة خالها قارعة أذنها، تصيبها نوبة هلع، فتفر إلى المرحاض ما إن يناوبها شعور الغثيان المرهق الذي لم يتحقق، كم كتمت تلك الحالة أمامهم طويلًا، وها هي أخيرًا انفردت لتسمح لها بالعبث زاهقة لنفسها، هي لا تريدهم أن يكتشفوا حالتها المزرية تلك كلما جاءتها زوجة خالها أو خالها بخبر تقدم عريس لخطبتها، وخاصة أخر شخص الذي لم يكن في حسبانها أنه يريدها، ومنذ فترة تفاجأت بطلبه مما زاد حالتها اضطرابًا!
اسبوع كامل أو ربما يكثر عن ذلك، وهي لم تجيب الطلب بل وعلقته بحجة انغماسها في الدراسة حيث الأبحاث التي تجريها في مجالها كي تنهي رسالة الماجستير التي طال ترددها على لسانها دون أن تبدأ فيها حتى، فقط تتحجج بأنها تستعد لها، وما إن تنتهي ستفكر في الزواج، لذلك ظل الطلب معلقًا بسبب تلك الحجة، لكن ما زاد الأمر اضطرابًا لديها، هو حديث الأخرى منذ دقائق معها، ليت زوجة خالها ما كانت ذكرتها لما هي مقبلة عليه، مجرد التفكير في أمر الزواج يوقعها صريعة لحالة مزرية، لذا فكانت تتمنى استمرار نسيانها وانشغالها عن التفكير في علاقة تكرهها، ترعبها لمجرد ذكرها!
التفكير في الأمر يخنقها، منطقية تحذير زوجة خالها، وعزوفها عن الفكرة من الأساس، تمثلا في حبل التف حول عنقها، فلم تعد تستطع التنفس براحة، شعور الاختناق يرهقها، لا حلول لديها، فليحدث ما يحدث، ولكن ماذا إن عاد وطلب الزواج إن تقاعست هي عن فكرة استكمال الدراسة بتلك الرسالة التي لم تقرر بصدق الخوض فيها، فهي في الحقيقة اكتفت بدراستها الجامعية؟ وبالضبط كما قالت صديقتها وكشفت أمرها من قبل، أنها تتهرب فحسب!
خيل لها أنها حُشرت في عنق زجاجة ضيق، ولم تستطع الفرار، حتى التفكير في حل لم يعد بيديها أن تفعله، فحالتها كلما شعرت بأنها في بداية طريق لم تفكر يومًا بقبول أن تسلكه، ازدادت سوءً، زواج!!! تلك الكلمة صعب حتى على لسانها نطقها، ثقيلة بكل ما تحمله لها من عواصف، وهي التي عاشت وأدركت معنى أن يكون الزواج مجرد عاصفة تقتلع جزور أماننا، فلا هو كما يقولون أنس وأمان، ولا مودة ورحمة، تعرف ذلك جيدًا وبأم عيناها رأت المعنى الحقيقي للزواج الذي ينكره الجميع!
أسرعت فجأة صوب المرحاض، وقد شعرت بالغثيان مرة أخرة، وتلك المرة حدث وأفرغت ما في بطنها تناولته منذ أقل من ساعة مع أسرتها الصغيرة...
خرجت من المرحاض مهدلة الأكتاف، زابلة الملامح، تضع يداها على بطنها الموجوعة، وسارت صوب الفراش بتعب ومكثت فوقه تلفظ أنفاسها الهادرة بفعل سرعة في ضربات قلبها، حالة من الرعب والرهاب الشديد تلبستها، ماذا تفعل، كيف تنجو من عاصفة تنذر بالقدوم؟
أخذت لحظات حتى انعطفت حالتها صوب حالة شبه منتظمة، لم تخلو من بعض الأعراض قليلة الشدة، وعادت تفكر في ذات السؤالين السابقين؛ قارنت بين طريقين، أحدهما لا رغبة لها فيه، ولكن ليس خطرًا، والأخر تعصف فيه الزوابيع مقتلعة كل جذر أمان في نفسها ترعرع، ما إن تخيلت خطر العلاقة ووحشيتها المرسومة في عقلها وترسخت، حتى وقفت منتفضة وأسرعت تخوض سبيل لا يهمها بدايته وإلى ماذا تنذر نهايته، المهم لديها هو الهروب فحسب!
وصلت لهم حيث غرفة المعيشة لتجدهم لازالوا برفقة بعضهم، على أريكة جمعتهم ثلاثتهم وجدتها في المنتصف وكانت قد استيقظت وأتت تشاركهم الجلوس في تلك السهرة، وما إن وقفت قبالهم وتعلقت العيون فوقها، أعلنت بإصرار:
_ خالو، أنا مسافرة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
اكتالت عليه الدنيا همومًا، فلجأ إلى ربه يلوذ إليه مسبحًا.
نعم الكلام تسبيحًا يُجرى على اللسان عابرًا قنوات عدة حتى يصل إلي لب القلب، فتتبدد رجفات القلق، وينعم بنفحة أمان في ظل استئناسه بذكر المولى عز وجل.
في جوف الليل أقام صلاة أخذت بنفسه نحو سبيل الأمان، فهدأت حالته التي لم تكن خطيرة في ظل تلك الأحداث المتتابعة من المصائب على حياة صديقه والتي لا تقل في الأهمية عن حياة البقية، حمد ربه أنه نجاه، وأمن على قلبه وحفظه من كل سوء.
مكث على سجادة الصلاة والسكينة عمت أرجاء قلبه بعد أن قام بجلسة استرخاء تمحو توترًا في نفسه كان، سابحًا بقلبه في تأمل بينما يردد ذكر الله مسبحًا. كان يجلس متكئًا بظهره للخلف حيث واجهة الكميدو المجاور لفراشه_ في الاتجاه المعاكس للقبلة_ وبينما هو كذلك، لمح ظلًا لقدمين من تحت عتبة الباب يمر، وفي غصون لحظات من تتبعه بعينيه المتعجبتين اختفى، قام من مكانه على الفور متجهًا إلى خارج غرفته لرؤية من المستيقظ في ذلك الوقت من الليل، فهو الوحيد الذي يكون مستيقظًا ليقيم الليل، أما البقية فيغوصون في ثبات عميق.
لمح هيئتها من ظهرها وهي تسير ببطء وتوجس نحو باب الشقة المواجه لطرقة واسعة تحوي غرفهم بجانب بعضهم، ثلاثة، أما على يمينه فكان الصالون وباقي أجزاء المنزل من مطبخ ومرحاض، وغرفة أخرى خاوية، منسقون في تصميم هندسي بسيط.
هتف يوقفها قبل أن يقترب منها:
_ آية!
تسمرت في مكانها، رغم أن صوته كان هادئًا، لا يحمل خشونة أو جمودًا يفزعانها لهذا الحد، إلا أن عملية الحركة في جسدها توقفت للحظات، ثم عادت والتفتت له ذلك الذي وصل إليها، ووقف قبالتها وقال بتعجب واهتمام:
_ أنتِ لسة ما نمتيش!
كيف تخبره أنها مذ فترة وهي لم تتفق والنوم سويًا، وكأنه في عداوة معها، فمنع عنها زيارته، أو...أو هي من قطعت عنه السبيل ليأتي نظرًا لما يحمله بين طياته من كوابيس مزهقة لنفسها!
هي تخلصت من ذلك الماضي وانتهاكاته، لما يعود ويستبد ساحة عقلها، ويحكم عليها بالمكوث في ذكرياته المرعبة؟!
نطقت بتوتر جلي:
_ أه بصراحة، عندي أرق وما نمتش، فقولت أخرج واتمشى في الشقة أو أعمل أي حاجة، يمكن أحس بتعب وأنام.
وارت عنه حقيقة مبتغاها الذي هجمت أبالسة الأفكار المُلحة لديها فأذعنت وعزمت على تحقيقه؛ أرادت إراحة عقلها من فكرة قهرية أقلقتها بحد جعلها لم تنام، وهذه سبب من الأسباب فحسب، والتأكد من أن الباب ليس مفتوحًا أو نسي أحد من أفراد أسرتها إغلاق الثلاثة أقفال من الداخل!
استطردت مغيرة مجرى الحديث كي لا يكشفها، ذلك الذي يعلم جيدًا ما جلبها إلى تلك النقطة، بالطبع مخاوفها القهرية، لكنه لم يصارحها:
_ طب بما إنك صاحي يا "بلال" أي رأيك نسهر لحد الفجر، كده كده ما فضلش كتير عليه.
شعر بخفقان لحظي في ضربات قلبه، مما جعله يضع كفه على صدره بغتة، تلك الحالة لم تفارقه حتى وإن أخذ دواؤه، كم ذلك كان عليه شاقًا، ارتجفت لحركته، وظنت أنه متعب، لذا فسارعت بالسؤال متوترة:
_ "بلال" أنتَ كويس؟!
عاد إلى طبيعته، وابتسم في سكينة، راضيًا عن حال لازمه طوال حياته، اعتاد المعاناة، حتى وإن كانت هي سبب ما عليه شقيقته الآن من مخاوف تهاجمها!
نطق بهدوء:
_ أه كويس بفضل الله، أنا هدخل أنام مش هقدر أسهر أكتر من كده، لازم أريح دماغي شوية، وأنتِ كمان أدخلي نامي واقرأي الأذكار من تاني، إن شاء الله يزورك النوم وترتاحي.
أذعنت لرأيه، وأومأت موافقة في استسلام، ولكن لازال أثر لفكرة قهرية تهتف في عقلها بالتأكد من الفعل، وأنها إن لم تتأكد لربما تتعرض لخطر مثل ما تعرضت له ولكثير مثله سابقًا!
فزع قلبها بمجرد استرجاعها لذاكرة ماضية وهي وحيدة كقطة مسكينة في بيتها، وإذ بغتة هجم عليها أسد دني، متسلط، وارتجفت أوصالها، مما دفعها تحيك خطتها لتذهب بنفسها وتتأكد من أن باب الشقة مغلق بإحكام، وتقول في جهاد على عدم إظهار حقيقة حالتها:
_ خلاص روح أنتَ نام يا "بلال"، أنا هفوت على المطبخ أشرب وأرجع أوضتي.
لم يجد شيئًا يعترض عليه، ظن أنها ظمأنه، لذا فسار مخططها بشكل طبيعي دون أي انكشاف لحقيقته، وتفرقا الاثنين بعد أن قبل القوي منهم الضعيف، ورحل كلًا منهما إلى مبتغاه، يسلك كلًا منهم بداية لنهاية تنتظرهم، تتحرر فيها آلامهم المواراة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في مرحلة الحياة حين نطأ سبيل التغير والتعافي؛ حيث نتحرر من سجن أفكارنا، قناعاتنا، مخاوفنا، يُفك أسرنا من براثن وخطاطيف الذنوب، ننُتَشل من وسط ظلام دامس كاد يقتلنا، لابد أن نمر على مختلف محطات عدة، أولها المعرفة بحال ذواتنا وما انغمست فيه، ثانيها_وهذا يبين مدى إرادتنا في السعي كي نتغير_ هي محطة الجهاد، نقتبس طرقًا، نلتمس معرفة ما تدفعنا صوب النتيجة التي نسعى، وإن لم يكن ثمة إرادة تدفعنا بعد عبور محطة المعرفة بالحال، وطأت ذواتنا سبيلًا أخر أشد عتمة من الذي قبل ونحن في حال الجهل بأنفسنا، هنا إما أن ننجو من الظلام بطريقة ما بعد معاناة صادمة وقعت كالسوط على رؤوسنا، فتفيقنا من غفلة كنا نعلم عنها ولكن في أنفسنا ننكرها بطريقة ما أو نهرب من حقيقتها، أو تظل على حالك اليائس دون تبدل، في أقصى ظلمات النفس تتعفن!
أما في النهاية، وبعد صراع في سُبلٍ شتى عبورًا من خلال محطتين، سنقف أمام محطة أخيرة لا بد أن نطأها وإن كانت الطرق قاسية، وهي الولادة من جديد، ما إن نعبرها بما مررنا به من قسوة في جهاد صراعات بينما نعبر باقي المحطات، نتغير، نتبدل، بل تولد أنفسنا من جديد، وحينها يحل عهد جديد!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman