بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_السادس_عشر.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كيف لي أن أهرب من معركة كان العدو فيها عقلي؟
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
لا أعلم لِما رغم شعور الراحة الغالب علىّ إلا أن هناك شعور أخر زار قلبي منذ أن لقيتها فى مناسبة كانت أولى بدايات ارتباط اسمها باسمي ووعد بذلك ، شعور لم أُجد تلك المرة تحديده كل ما أعلمه أنه نتج عنه تساؤلات التعجب لأمرها تلك التي ما لاق بها سوى لقب غريبة الأطوار ، نعم فهى رغم محاسن صفاتها البادية لدي وسأعرف عنها أكثر فى فترة الخِطبة إلا أن سلوكها وإيماءاتها الغريبة ما أثارت بداخلي سوى شعور غريب وتساؤلا عن سبب كل هذه المبالغة ، وكل ما أعلمه أن قلبي ما يقول لي سوى التمسك بها رغم تلك السلوكيات البادية ،وللحق ما كنت سأكترس لهذا كثيراً فجميعنا نملك صفات عديدة ومختلفة فيكفينا النظر لما هو جميل بمن نعرفهم ، ولكن ما زاد الأمر تفكيراً به هو تساؤلات عِدة كان أكثرهم ، لِم هى هكذا ؟أهناك سبب لذلك أم أن تلك طبيعتها؟ قطع صوت استرسال أفكاره وهو شارد أمامه فى الفراغ ، تلك الرنة الصادحة من هاتفه المستقر على طاولة شكلها كمربع صغير قبعت بجواره ملتصقة بالفراش الذي بقى هو جالساً على أحد أطرافه يفكر بها منذ أن عاد وأسرته والتي ذهب كل فرد منها لغرفته يبدل ثيابه ومن ثم التوجه لتناول وجبة العشاء معا ، حرك هو كفه يلتقط هاتفه بعد لحظات وقد نفض رأسه من تلك الأفكار ليجد أمامه ما إن طالع هاتفه تلك المكالمة الجماعية والتي ابتدأها 《صفوان》الذي نطق ممازحاً ما إن فتح الأخر المكالمة يجيبهم :
_ يا مساء العسل على المرتبطين وأهل العشق ، اى الدنيا ياض عندك ؟
قالها بعفوية فوأد 《يحيى》بسمته التى رسمها ما إن فتح المكالمة يرحب بهم بينما 《بلال》سبقه حين رد يعاتب الأخر بلطف على حديثه المبالغ به :
_ سامحك الله يا "صفوان" ، هذه خِطبة يا رجل يعني فترة تعارف ، من أين جاء العشق إذن؟
ليخرج 《يحيى》عن صمته مؤيداً صديقه بفكاهة :
_قوله يا شيخ "بلال" الواد شكله وسعت منه أوي .
على الجهة الأخرى للطرف الثالث وهو《صفوان》الذي كان يجلس فى مقر عمله والذي خلا من الزبائن بتلك اللحظة ، رد هو متهكماً بعد أن عارضه الطرفين :
_ جرى يا عسل أنتَ وهو مخلاص ، وبعدين يا أخويا بتسألني أنا ليه ما تسأل الباشا من أين يأتي العشق !
سأله بفكاهة من بين بسمته الخبيثة جعلت كلاً من 《بلال》و《يحيى》يضحكا بخفة على مزاحه حتى هو شاركهم ذلك مؤخراً ثم بدأ كلاهما بتهنئة الأخر على الخِطبة وعلى ذكرها تذكر 《يحيى》أمر الأخر الذي شارف على أن يتم وهي تلك الخِطبة المؤجلة بسبب عدة ظروف ، حينها تفوه يدعو بفرح للأخر بعد أن رد التهنئة عليهم جميعاً :
_ يلا عقبال ما تتم أمورك أنتَ كمان يا "صفوان" .
آمن الأخر وراءه وكذلك《بلال》ثم اندمج الجميع يتحدثون بشأن ذلك الأمر الذي شارف على التمام وهي خطبته التى أُجلت لعدة أيام حتى انقضت تلك الأيام وها قد شارف موعد الخِطبة الموافق يوم الاثنين من هذا الاسبوع ، وبعد دقائق كانت المكالمة بينهم قد انتهت وودع الجميع بعضهم حتى اللقاء غداً والحديث فى الأمور التي أنهوها حين استأذن هو منهم وأخبرهم بذهابه لتناول عشائه بعد أن أتت شقيقته تخبره بذلك وكانوا قد أجتمعوا جميعاً على الطاولة عدا هو ، وبعد دقائق متوسطة كانت تلك الأسرة الصغيرة قد انتهت من تناول الطعام واجتمعت بعدها فى غرفة المعيشة يتبادلون الأحاديث و التى ما كانت سوى عن تلك المناسبة السعيدة ؛ حيث كان كل فرد يبدي رأيه بصدق فى أخلاق تلك العائلة وخاصة 《إمام》الذي أبدى رأيه بإعجاب شديد بأصالة تلك العائلة حين قال مفصحاً بصدق :
_ بس بصراحة العيلة ماشاء الله محترمه ، وأخوات الأستاذ "أمجد" أخلاقهم ممتازة وناس أصيلة وخاصة أكبرهم ده إلى أسمه "مصطفى" ، راجل كده حكيم فى نفسه .
وافقه《يحيى》فى الرأي وكذلك 《حور》والتي قصدت فى حديثها عن نساء العائلة وفتياتها :
_ وأنا برضه لاحظت صفة الأصل فيهم بعد ما اتعرفت على بنات العيلة كلها .
رمقها 《إمام》 بدهشة بعد حديثها فكيف أستطاعت فى هذه المدة الصغيرة تكوين صداقات لذا فقال بتعجب يمازحها تلك التي استقرت بجواره فى المنتصف بينه وبين 《يحيى》 :
_ يخربيتك يا شعنونة أنتِ خلصتي على مجتمع المدرسة ودخلتي على نسايب أخوكي!
ردت الأخرى من بين بسمتها العفوية مظهرة الفخر بنفسها فى كلماتها :
_ شوفت ! ده حتى عرفت بالصدفة واحدة مدرسة زيي بس الفرق إنها بتشتغل فى حضانه.
طالعها الجميع بتعجب تلك الفتاة الاجتماعية وهم يبتسموا لها ببشاشة، وفى تلك المرة رد 《يحيى》يسألها بمرح :
_قوليلي بس سيبتي مين متعرفتيش عليه ؟!
التفت هى تطالعه ببسمتها البسيطة وكانت قد فهمت مقصد حديثه وظلت لحظات تفكر وهى تضيق عيناها ناظرة للفراغ أمامها حتى قالت بهدوء بعد أن التفت تطالعه مجدداً :
_ بص هو أنا اتعرفت على كله عدا البعض ومنهم "حياة" يادوب اتكلمت معاها كلمتين وسكت حسيت انها خجولة شوية وصعب تندمج فى الكلام مع حد بسرعة ، بس بصراحه قمر وهادية زيك كده .
لاحت بسمته البشوشة على محياه ما إن ذكرتها أمامه وظل يرمقها بعينان نطقتا بالسرور وهى تروي له بقية أحداثها فى تلك المناسبة :
_ ده وأجمل حاجه تيتا "زوزو" دي ، بجد دي رحبت بيا كأنى بنتها وفرد لا يتجزأ من عيلتها بجد حد كده طيبوب .....
أكملت حديثها تقص عليه مواقفها مع الأخرى وكيف كانت طيبة ، بينما 《إمام》لم ينتبه لحديثهم فحينها كان يرمق الأخرى تلك التي تجلس بجواره على مقعد بجانب الأريكة التي يجلس هو وأبناؤه عليها ، فقد كانت شاردة معظم الوقت ولم تنتبه لاحاديثهم ، فما الذي يشغلها حتى جعلها لم تشاركهم الأحاديث على غير عادتها ؟.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كيف لى أن أهرب من معركة كان العدو فيها عقلي ؟
ما الذي فعلته ، ما هذا الهراء والعبث الذي ارتكبته منذ قليل ؟ أيجوز لفتاة مثلي بهذا العمر أن تُبدي سلوكيات كهذه ؟ وتُرى ماذا يقولون عني الآن ؟ بكماء لا تجيد نسج كلماتها والتفوه بها بجرائة معبرة عن ما تود قوله، أم أنني خجولة للغاية للحد الذي يجعلهم يسخرن مني ومن تعاستي تلك؟ أم أشبه المتوحدون فى هيئتي وهدوئي ووحدتي البالغة ؟ وماذا عنه ذلك المخترق لقفصي المظلم ، هل له أن يكون غير متقبلا لى بعد ما فعلته ؟ للحق فأنا المجرمة كيف لي أن لا أجب على حديثه فى تلك اللحظة وأتركه دون رد كيف ؟ زادت وتيرة أفكارها فى التدفق فغرقت بها حتى قالت فى النهاية تعنف نفسها على ذلك المشهد الأخير الذي تذكرته :
_أنا ..أنا أى إلى نيلته ده ؟ غبية غبية والله!
يالتني ما كنت خرجت من الأساس لأقع بكل هذه الأخطاء كعادتي ، فلو كنت تجنبت ما كانت نفسي عانت الآن ولكن كيف وهذا لا يصح فعله ؟وهذا خطأ أكبر من غيره ، كلمات تدفقت مرة أخرى جعلتها تفصح جالدة لذاتها المرتكبة لتلك الأخطاء كلها :
_ فيها اي يعني لو كنت رديت بكل سهولة عليه ؟ يا ربي يا ربي على الكسوف إلى أنا فيه .
قالتها بضيق من نفسها وقد تذكرت المشهد مرة أخرى وخاصة تلك اللحظة التي عُقد فيها لسانها وأصبح لا يجد إخراج كلماته ، ثم عادت تغرق فى بحر أفكارها السلبية تلك والتي ما زادتها إلا خجلاً وتمنت لو تندثر قبل أن تواجه مواقف كهذه مرة أخرى ، وعلى حين غِرة نطقت بنبرة يائسة وقد تذكرت الجميع وكيف تعاملت معهم :
_ طب والباقي ده حتى مقدرتش أقول كلمتين على بعض وفضلت أبتسم وبس ، أكيد وصلهم إني مش بعرف أتكلم وهبلة !...
صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها قطع استرسال أفكارها تلك حينها تنهدت بعمق محاولة تهدئة أنفسها الثائرة بقلق الآن وأذنت للطارق بالدلوف والذي كان 《وسام》ذا البسمة المتعجبة المرتسمة على محياه وهو يقول متسائلا بتعجب بعد أن أغلق الباب خلفة والتفت يطالعها وهو يتحرك صوبها :
_ اي يا "حياة" قاعدة سهرانه لدلوقتي! ده أنا قولت نامت من بدرى لما مشيتي وسيبتي القعدة برا معانا ومع "زوزو" .
جلس بجوارها على طرف الفراش قبل أن تجيب مفصحة بضيق على صدرها قد زاد ثقله وعلامات اليأس والغُلب على أمرها بدت على وجهها :
_ وأنا هنام ازاي وأنا فى خناق مع عقلي طول الوقت ، نفسي بس أعيش مرتاحة يا "وسام" من غير كل القلق ده .
أمنية خرجت معلنة عن نفسها بين كلماتها الصادقة وكم ودت لو ترتاح من عِلة نفسها ، بينما هو أدرك مقصدها ورق قلبه مشفقاً عليها وهى تواجه صراعتٍ بداخلها كادت تفتك بنفسها ، فقال بلطف وقد حاوط بذراعه كتفيها يحتويها :
_ هترتاحي يا "حياة" وهتفرحي والابتسامة مش هتفارقك ، هي بس حبة صبر ومداومة على انتظامنا بالعلاج وأدينا أهو هنبدأ قريب وكل حاجة هتتحل وتتنسي بأمر ربنا .
تنهدت براحة قليلاً حين ذكرها بالخالق ودعا قلبها قبل لسانها باللطف والجبر ، وما لبثت تلك الراحة كثيراً حين تذكرت ذلك الذنب التي ارتكبته مما دفعها تفصح بريب :
_"وسام" هو ..هو أنا كده هبقى كدابة ؟
تقضيبة حابيه بدت وهو يطالعها وقد تحركت فى جلستها تواجهه حتى يتسنى لها رؤيته حينها أكملت هى تنهى تلك النظرات المستفسرة :
_ أقصد إني أكيد هبقى كدابة لو مصارحتش أسمه اى ده بأني ، إني بتعالج ، أكيد أنا كده ظالمة .
بسمة خفيفة رسمها وجاهد ألا يظهرها حين تفوهت بتلك الجملة ثم قال بمرح يلطف الجو الحزين ذاك :
_ هو بعيداً عن "أسمه اى ده" وإنه الراجل أسمه يبدو إنه تقيل عليكِ ، فهقولك يا ستي .
تنهيدة عميقة وسط نظرات الخجل منها على ما قالته ، ثم أكمل حديثه بهدوء يفسر لها وجهة نظره :
_ بصي يا ستي أنك تقولي أو ما تقوليش ده يرجعلك بصراحة وبينك وبينه ، بس حتة إنك حاسة إنك كدابة لو معملتيش كده فهقولك لا يا "حياة" لانه ببساطة أنتِ أكيد بتجاهدي نفسك المريضه إنها تعمل حاجة خارج عن استطاعتها وده علشان خوفها ، وبعدين أعترافك بأنك هتقعي فى الكدب نفسة دليل على صدقك وخاصة مع نفسك ، وفى النهاية رأي إن يكون فى صراحه من بداية العلاقة لانه بناء على الفترة دي بيتحدد هل هتكملوا طريقكم مع بعض ولا لأ .
طريق ماذا الذي يقصده ؟ ومع من، أنا! ولكن أنا لا أود ذلك ! شردت مرة أخرى فى مستقبل مجهول وقد سرى بمعدتنا الوجع بينما هو شرد فى أمر قد تذكره حين صارحته بمعضلتها التى ذكرته به وقد ود فعله حتى يكون بذلك صادق فى الأمر ولا يرتكب اي خطأ .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ بس كده ظبطت ، تسلم.
قالها 《عمر》شاكراً 《أدهم》بعد أن انتهى من مساعدته فى لف ما يسمى《رباط ضاغط》على قدمه المصابة، ثم حرك قدمه يضعها على الطاولة المنخفضة أمامه بعد أن كانت مستقرة على فخذ 《أدهم》والذي رد على حديث الأخر بلطف بعد أبتسامة خافتة :
_ لا يا سيدي معملتش حاجة ، بالشفى إن شاء الله.
أنهى حديثه يدعو له ثم عاد لِما كان عليه منذ قليل بل ومنذ أن جاء يشاركه جلوسه ؛ حيث أنه قضى تلك الدقائق معه فى صمت يقلب فى هاتفه فقط هذا كل ما يفعله متهرباً بذلك من ضجيج عقله وألم نفسه الناتج عنه ، لاحظ 《عمر》طول فترة صمته وإنشغاله و التي أضفت على الجو فى تلك اللحظة شىء من الكأبة لذا فنطق هو بضيق من هذا الحال وخاصة بعد أن حاول يحدثه منذ قليل وهو لم يجيبه وينتبه له :
_ ما تسيب يا عم الفقر إلى في إيديك ده ، ده أنتَ مديله إهتمام أكتر من الإنسان إلى قاعد بيكلمك من الصبح ولا أنتَ معاه ، عيب كده .
التفت يطالعه بفتور بعد أن أسرع فى غلق هاتفه ما إن ألقى الأخر بحديثه عليه وشعر بضيقه ، ثم قال بهدوء فاتر بعد تنهيدة عميقة يريح بها ثقل نفسه المكبوت :
_ معلش يا سيدي ،أديني أهو معاك أنا بس كنت مشغول شوية فملاحظتش كنت بتقول اي ، قول عاوز اى ؟
نظر له بحيرة ذلك الذي اعتاد التكتم على ما بداخله ، ثم تفوه بنبرة تشي باليأس قليلاً :
_ طب يا أخويا هصدق أنك مشغول مش بتشغل نفسك ، قولي كنت فين جاي متأخر كده دي مش عادتك؟!
لم يكترث الأخر لمغزى قد فهمه بين طيات كلماته وأشاح بنظره عنه ملتفتاً أمامه ثم تنهد ببطء قبل أن يفصح بهدوء جاهد الثبات عليه ليخبره عن سبب تأخره :
_ كل الحكاية يا سيدي إني خلصت شغل متأخر شوية ، بس بصراحة مش الشغل بس إلى أخرني يعني ، أنا كنت قاعد لوحدي على الكورنيش قولت أريح حبه من دوشة الشغل وبعدها أروح ، حتى كمان نسيت إنه كان في خطوبة ومش عارف هبرر لعمك ازاي .
ضيق 《عمر》 عيناه فوقه وهو يقول بريب مما قد شعر به ولم يفصح به الأخر :
_بترتاح من دوشة الشغل برضه ولا حاجة تاني ؟
زفر بيأس وقد حاول الأخر كشف أمرٍ جاهد على الهروب منه وغلق كتاب قصته نهائياً وعدم الاكتراس به ، ثم صمت ولم يجيبه مما دفعه يقول بحزمٍ معه قليلاً وكان قد يأس من سلوك الأخر :
_( "أدهم" ما تحاولش تبين إنك تمام وأنتَ مش كده ، كلنا عارفين مالك الفترة دي على الأقل شاركنا وفضفض ، متشلش الحِمل لوحدك .)
بركان غضب يثور بداخله وهو يجاهد ألا يخرجه ولكن يبدو أنه لم يقدر وكلمات الأخر جعلته ينفجر فى قوله منفعلاً بعد أن التفت يطالعه :
_حِمل اى وفضفضة اى ؟ أنا من سعة إلى حصل وقفلت صفحة كتابي خلاص ، فمتشغلش بالك أنتَ وبلاش يعني تفكر إني لسه بفكر فى الموضوع لانه نسيته خلاص ، عن إذنك هطلع أرتاح .
قالها بغضب فى نبرته جاهد ألا يكون شديداً ثم تحرك فى عجل ونفس قد اضطربت صوب باب الشقة ليخرج تاركاً الأخر يرمقه بتعجب قد بلغ مبلغه ما إن شاهد حالة الأخر الثائرة ، فكيف يقول ذلك الأحمق أن الأمر لا يعنيه وهو ثائر كأسد جائع يلتهم كل فريسة أمامه تذكره بالأمر نفسه ، لحظات أخذها وهو يرمق أثره الذي أختفى بتعجب زال أثره من على ملامحه ما إن ظهر أمامه هذين الأثنين وهما《زوزو》والتي كانت بشقة إبنها 《مصطفى》تقضي بعض الوقت معهم بعد أن انتهت تلك المناسبة وقد أصر عليها《عمرو》فى ذلك والذي أقترب منه وهو يسند جدته بملامح وجه حملت بطياتها تعجبه واستغرابه وكأنه يسأل الأخر بنظراته ما الأمر ؛ فقد تقابلا الأثنين مع ذلك الثور الهائج 《أدهم》وحينها اكتفى بإلقاء التحية عليهم باقتضاب وتهرب يفر لشقته حيث غرفته وهى ملجأ لهدوئه محاولا السيطرة على موجة غضبه الناتجة من تذكره لأمورٍ مكبوتة فى نفسه ، اقتربوا هم منه وكان أول من تفوه يتسائل بتعجب وقلق هو 《عمرو》والذي كان قد ايقترب من الأريكة التي يجلس عليها شقيقه :
_ أى إلى حصل يا "عمر" ، مال "أدهم" أول مره أشوفه متعصب كده ؟
قالها ثم جلس بجوار جدته وكان قد أجلسها هو حتى أصبحت فى المنتصف بينهم وظلت تستمع له بفضول وقلبها قد قلق على الأخر ، وبعد أن قص هو عليهم ما حدث منذ قليل وذلك الحوار الحاد بينهم ، رمق كل واحد منهما الأخر بنظرات الحيرة والتعجب وظل 《عمرو》يتسائل بتعجب لِما ردة فعله الغاضبة هذه ولم يجبه أحد ف《عمر》 لا يعرف مثله مثل البقية متعجباً بينما《زوزو》 ظلت صامتة تفكر فى الأمر وقد علمت ما سبب كل ذلك من البداية حتى تفوهت فى النهاية تنهي حيرتهم بقولها مفصحة :
_ أنا عارفة يا ابني اى السبب .
وجه كلاهما بصرهما نحوها يرمقانها باستغراب وحاجبين قد اقتضبا وكأنهم بتلك النظرات يخبرانها عن التفوه بما تعرفه لتسكن ضجيج عقلهم من تساؤلات عِدة قد ملائته، لذا فتفوهت هى تقص عليهم ما قد أثار غضبه وهو ذلك الحديث الذي أفصح به لها حين قضى تلك الليلة معها يشكو لها أحزانه ، نظرات الصدمة كانت قد اعترتهم بعد أن علموا بكل شىء وكان أول من نطق معبراً عن رأيه فى قوله الغير مصدق لما حدث فى الماضي وعلمه الآن هو 《عمر》 :
_ معقولة ، معقولة يكون ده سبب علشان ترفضه؟
قالها ثم عاد يسترسل أفكاره فى الأمر إن كان حقاً أم لا بينما الأخر ظل صامتا يربط خيوط الأحداث ببعضها حتى أفصح في النهاية ينفى ذلك بثبات في رأيه :
_لا يا "عمر" أنا مش مصدق ده إطلاقا، أنا عارف "نورا" كويس ومستحيل تكون فكرت كده .
رد 《عمر》ملتفتاً يطالعه بعد أن خرج من شروده بينما الأخرى كانت تستمع لاحاديثهم فى صمت :
_معاك ، بس أى يخلي عمتك تقول كده ؟ ما هى زلة اللسان دي ممكن تكون كشفت كل حاجة.
أجاب شقيقه وكان قد فكر فى الأمر جيداً حتى توصل لأمر ما ولكن ظل مرتاباً أكان حقيقة أم لا، لذا فأفصح ينفي حديث الأخر مبدياً رأيه من جانب أخر :
_ماشي بس مش معناه إنه إلى كشفته صح ، يمكن تكون القصة حاجة تاني خالص لانه "نورا" سعتها لما اتسجن فى التهمة دي كانت هى أول واحدة حست بأنه مظلوم وإنه اتاخد فى الريجلين مش أكتر ، فمستحيل تكون غيرت رأيها يعني وإلا ده عبط .
بالطبع هو محق فكل ما قاله منطقي ومبرر ، ولكن ما الأمر إذن؟ يبدو أنه معقد ، شرد 《عمر》فى أفكاره المسترسله بعد أن أبدى شقيقة رأيه والذي أضاف عليه مكملاً :
_ثم إني لى ميكونش إلى قالته ده تعبير عن حاجه جواها مش أكتر ، يعني إحنا كلنا عارفين "أدهم" ضد تصرفات عمته وأمه كمان فممكن تكون مدايقه منه فده دفعها إنها تقول كده وتجرحة زي عادتها فى كلامها القاسي.
أبدى《عمر》رأيه فى حديث شقيقه وكان قد تحير للأمر:
_ بس لدرجة إنها تقول كده قصاده يا "عمرو" وقصاد الكل؟ أكيد فى سبب تاني .
شرد يفكر فى الأمر بريب بعد أن وضحت الحقيقة فى عقله كاملة ولكن هل لها أن تكون حقيقة؟ رد 《عمرو》بغموضٍ بعد أن أخذ لحظات فقط يفكر :
_ فعلاً وده إلى محيرني ومفيش لى فى دماغي غير حاجه واحده و حاسس كده إن الموضوع غبي أوي لو التصرف إلى فى دماغي ده حصل من عمتك .
لفت غموض حديثه إنتباههم جميعاً حتى تلك الشاردة بحزن فى الأمر جعلها تنطق متسائلة بتعجب:
_ تقصد اى يا "عمرو"؟!
سؤال أفصحت عنه نيابة عن لسانه قبل أن ينطق هو وظل كلاهما يرمقانه بنظرات مستفسرة حتى أزال جزء من ستار الغموض ذلك :
_ استني وأنتِ هتعرفي ، بس الأول علشان أتأكد عاوزك تساعديني يا "زوزو" ، لأنه مفيش غيرك هيقدر يحل المشكلة بعد ربنا لأنه عمتو بنتك وأكيد تعرفيها أكتر مننا .
_ مساعدتي ، فى اى يا ابني وأنتَ هتعمل اى بس؟
قالتها بغلب وقلب مضطرب ، ليطمئنها هو :
_ متقلقيش يا "زوزو" أكيد مش حاجه غلط وإلا مكنتش خليتك أنتِ إلى تعملي كده .
قالها بثبات وسط نظرات تلهفت لمعرفة ما يود فعله لذا فتنهد بعمق وقص ما يود فعله عليهم بسهولة لكشف حقيقة ما يفكر به وما إن أنهى ما قاله إلا ورمقه الجميع بفهم من تلك الخطوات البسيطه غير المضرة بأحد لكشف ما بجبعة الأخرى .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أشرقت شمس يوم الجمعة حاملة معها دفء وحب لا يتخللان لأنفسنا إلا حين تتجمع الأحبة حولنا مهما كان عددهم أكان حاضر كلهم أم بعضهم ، فيكفى بأن الحاضر بخير وأمام أعيننا أما الغائب فلا داعٍ لارهاق أنفسنا عليه .
كان يمسك بكف يدها لتستند عليه وهى تحاول أن تخطو أولى خطواتها منذ عِلتها التى أصابت قدمهت فاقده بذلك حركتها ، وكان هو يحثها بقوله اللطيف مشجعاً إياها بكلمات الفخر والدعم لها وبداخله ينبض فرحاً وهو يرى أمامه إحدى أمانيه تتحقق وهي بداية تشافيها تلك التي سلب منها الزمن بسمتها وصحتها والتي ما ضاع جزء كبير منها فى تعبها علينا بداية من حملها بنا ولادتنا حتى يومنا هذا وهى تبذل كل مجهود لتريحنا غير معنية لصحتها التي أُهدرت على تربيتنا ،وفي النهاية ماذا؟ راح كل هذا هباءً فى لحظة قرار قصمت ظهرها نصفين . بعد دقائق من محاولة منه ليجعلها تكمل مهمتها اليوم فى أن تحاول التحرك لبضعة من الوقت ، كانوا قد وصلوا الأثنين لشرفة منزلهم الواسعة الطالة على بنايات كثيرة تجاور بعضها وفى المنتصف رُسمت لوحة من السيارات العابرة تروح وتجىء فى طرقات على جانبيها تناثرت الأشجار ، وما إن وصلت معه بعد مجاهدة لتلك الشرفة وجلست على المقعد بمساعدة الأخر ، تفوه هو بكلماته النابعة عن فخرة وكذلك فرحته :
_ تسقيفة وبوسة لأشطر حد حاول وجاهد لحد ما بدأ يتحسن.
ثم مال بجزعه عليها يقبل رأسها بحب تلك التي لا يعز عليه إفناء عمره لأجلها حتى يراها سعيدة مرة أخرى ، رسمت هى بسمتها الحانية وهى تطالعه بعد أن تحرك من أمامها وجلس بجوارها على مقعد أخر وبدأ يُعد وجبة فطورهم السريعة وهي أرغفة الخبز 《فينو》التي سيضع بداخلها بأنواع مختلفة من الجبن وأخرى مربى ، وبينما هو 《صفوان》يحاول وضع بعض من شرائح الجبنة بأحد الأرغفة التي تم فتحها بألة حادة تركها من يده لاحظ بدء شرودها المعتاد والذي ما يأخذ بها إلا فى التفكير فيما يحزنها لذا فنطق بفاكهته المعتادة محاولاً تشتيت أفكارها :
_ أنا هشتكي يا عم على أم "بلال" و أم "يحيى" شكلهم كده مش مهتمين بيكي .
بسمة بسيطة مقتضبه رسمتها قبل أن تجيبه نافية بذلك تهمته للأخرين:
_ والله يا ابني كتر خيرهم مقصروش معايا فى حاجة على الأقل مهتمين بيا أكتر من القريب نفسه.
انهت حديثها بنبرة حزن ظهرت فى كلماتها أيضاً رغم محاولته تشتيت ذلك عنها فرد يحاول مرة أخرى وكان قد أنهى إعداده للطعام البسيط :
_عارف والله ليهم كل الشكر بعد ربنا على وقفتهم معانا ، المهم خدي دوقي بقى من ابنك إلى بقى راجل بيت شاطر وبيعرف يطبخ .
قالها بفكاهة قاصداً إضحاكها وهو يمد لها الطعام لتتناوله هى ببسمتها التى قالت من بينها تمازحه :
_يا واد يا لئيم وهو الكم ساندوتش إلى عملتهم بتسميهم طبيخ .
أجاب الأخر بفاكهته وهو يحرك كفه يلتقط رغيف أخر :
_ مش مهم ، المهم إني عملتهم باديا وبكل حب لأغلى الغاليين .
قالها ثم طالعها ببسمتها المُحبة قبل أن يبدأ فى تناول طعامه بينما هى ظلت ترمقه بنظراتٍ حانية ذلك الابن البار عن غيره ، والذي من دونه بعد الله عز وجل لكانت تائة فى سُبل مظلمة لم تعرف أين منتهاها ، مرت لحظات هادئة بينهم هو يأكل طعامه بشهية مفتوحة حتى أنه لم ينتبه لنظراتها كل لحظة تطمئن أنه هنا معها ، وفى كل مرة تتسائل وقد حن قلب الأم إليهم ، أين هم الآن؟ حتى خرجت عن صمتها وعادت تسأله نفس سؤلها المتكرر :
_ "صفوان" يا ابني.
أخرج هو صوت من حنجرته بمعني نعم دون النظر لها وقد كان منشغلا فى وضع الشرائح فى رغيف أخر وقد أنهى الأول ، فأكملت هى تسأله بريب :
_ عرفت حاجه عن اخواتك هما كويسين أو لا ؟
كلمات معتادة ورغم ذلك كلما تتفوه بهما إلا أنها تجعله يضطرب ،فبما يصارحها وكيف ؟حاول هو بلع الطعام الذي توقف فى حلقه فجأة ما إن سمع سؤالها ثم حرك كف يده بعد أن مال بجزعه نحو الطاولة يلتقط كوب الماء الذي ما إن قربه من فمه إلا وكان قد فرغ تماما قبل أن يعيده مكانه ، ثم التفت يجيبها بهدوء جاهد الثبات عليه فى كلماته المقتضبة :
_بخير يا ماما بخير ، متقلقيش.
《بخير !》كيف لها أن تطمئن قلب حن لهم ولرؤيتهم بعد مفارقتهم منذ زمن طويل ؟ لاحظ هو تعابير وجهها اليائسة كلما يجيبها بنفس الكلمة ولكن ماذا بيده أن يفعل وهو لا يعرف عنهم شىء فى الحقيقة ؟ لذا فأسرع يسبقها مستطرداً بحديثه وهو يمد لها يده برغيف خبز أخر وقد علم أنها لم تصمت إلا حين تعرف كل شىء عنهم ولكنه لا يريد جرحها حين تعلم بأنهم لم يسألوا عنا حتى بعد إختفائهم :
_خدي بقى كملي فطارك يا غالية .
عبس وجه الأخرى قليلاً وقالت ترفض ذلك وقد شعرت بانسداد الشهية لديها :
_ لا يا ابنى أنا شبعت، أنتَ عارف أكلي على قدي .
رد الأخر بفكاهته يمازحها بكلماته اللطيفة :
_ لا بقولك أى عاوزك تكتري أكل اليومين دول وتفرحيني كده وتبقى كويسة ، يعني يومين بالكتير ألاقيكي نازلة معايا نشتري طلبات وإلى منها هتكون الشبكة بإذن الله.
تناولت الطعام من يده وهى تضحك بخفة على حديثه وأمانيه المبالغ بها فهى بالكاد تسير خطوتين على فترات طويلة فكيف له يريدها أن تخرج معه بعد يومين ، ثم قالت تدعو له بقلب قد سَعد لفرحة ابنها :
_ ربنا يسعدك يا ابني وتشوف كل خير فى حياتك ويوسع فى رزقك يا ابني .
بادلها ببسمة مُحبة وشرد لحظات بها وهى تكمل تناول طعامها وقد كانت ملامح وجهها بدى عليها الفرح قليلاً وتمنى لو تبقى دوماً هكذا .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعض البدايات قد تكون غامضة ، لانعرف أكانت ستلقي بنا فى ظلمات نهاياتها أم أنها ستأخذ بيدنا نحو أماني مرسومة بعقولنا ، ورغم ذلك فهى تحمل بين طياتها معاني كثيرة لم يفطنها إلا ذو البصيرة .
فى بيت عائلة《الضاوي》وبقرب موعد صلاة الجمعة ، كان الجميع من الرجال قد اجتمعوا فى بهو المنزل قبل توجههم للمسجد معا كالعادة حتى رحلوا وخلفهم الشباب عدا 《عمر》 الذي بقى بعذر قدمه التي لازالت فترة علاجها لم ينقضى فلا زال هناك أثر للألم كلما حركها حركة شديدة لذا فاكتفى بأن يقضيه فى البيت ، وفى شقة 《منى》بالتحديد جلست هى على أريكة متوسطة الحجم بغرفتها وهى تتابع على هاتفها أحداث أحد المسلسلات على صفحة التواصل الاجتماعي تارة تحزن لأجل حدث فرق بين أبطالها بعد أن شاهدت مقطع فيديو لهما ، وتارة تفرح ما إن علمت بأن النهاية سعيدة ووردية كالعادة وذلك بأحد المسلسلات الأخرى التي تتابعها ، وعلى حين غِرة اهتز الهاتف بيدها مصاحباً بعدها صوت رنته برقم مجهول ظلت تنظر إليه بحاجبين مقتضبين ما إن أبصرته فمن صاحب هذا الرقم ، وهى نادراً جداً ما يهاتفها رقم غريب ، أخذت لحظات مترددة فى أن تعرف من المتصل أم تتركه وشأنه لربما تكون مكالمة صاحبها شخص مشاغب ، حتى انتهت الرنة الأولى وارتاحت صارفه بذلك عن عقلها التفكير فى الأمر فهو رقم مشاغب لا أكثر ، ولكن لم تلبث ثواني إلا وعادت تساؤلاتها وتفكيرها فى هوية المتصل ما إن عاود وطلب رقمها مرة أخرى ، إذن فيبدو أنه مُلح على ذلك، لذا أجابت بصوتها المرتاب قليلاً تسأله بتعجب من هو فإذ بها تصدمها تلك الكلمات المحركة لمشاعرها :
_وحشني صوتك يا قمري ، كل ده علشان تسمعهوني؟!
كلماتٌ أضفت على قلبها طاقة جعلته يتسارع فى نبضاته فمن ذلك الذي يحدثني بكل أريحية وكأنه يعرفني ومقرب لدي؟ ، فأنا لم تكن لدى علاقات كهذه ، ولكن مهلاً هذا يبدو أنه مشاغب لا أكثر زفرت بقوة وشىء من اليأس بداخلها من تلك هذه مكالمات مضايقة ، وهَمت لتغلق المكالمة بحركة إبهابها صوب الشاشة ولكنها لم تلمسها حين وصلها صوته يتسائل وقد شك فى هذا الرقم الذي طلبه حين شعر بطول فترة إجابة الأخرى :
_ألو ! مش ده رقم "نورا خالد أبو الوفى" برضه؟
مهلاً حتى اسمي يعرفه ولكن كيف؟ إذن يبدو أنه شخص جاء للحديث فى أمر وليس مشاغب ولكن لماذا بدأ حديثه بتلك الكلمات المعسولة ؟ لحظات أخذتها تفكر فى الأمر حتى أجابت فى النهاية بثبات فى صوتها يتنافى مع اضطاربها الداخلي :
_ أيوة مع حضرتك "نورا" ، بس مين حضرتك ؟
ابتسامة خبيثة لازمتها تنهيدة عميقة ما إن سمع جوابها بصوتها الرقيق الذي ذكره بهيئتها الجذابة وكأنه يراها فى هذه اللحظة ، ثم رد بنفس كلماته المعسولة بعد أن جلس على مقعدٍ فى بهو شقته الفارغة إلا منه :
_ خطيب القمر ،" سمير " هيكون مين يعني ؟ كده برضه كنت فاكرك هتعرفي صوتي على طول .
بدأت ابتسامتها الخجولة ترتسم رويداً ما إن علمت من هو حتى أنها لدهشتها تحركت تقف فى فراغ الغرفة وكأنها بذلك تخفف من حالة توترها تلك ، ثم ردت باقتضاب وقلب متسارع نبضاته :
_ أهلا بحضرتك .
ما هذه الفتاة صعبة الطباع ألا تُجيد قول كلام غير هذا الرسمي ، فنحن خطيبين الآن فلِما كل هذا الجمود ؟ زفر بقوة بعد أن أبعد الهاتف قليلاً حتى لا تشعر بضيقه ، ثم تفوه بلطف أجاد تصنعه وكان قد قرب الهاتف لأذنه مجدداً :
_علشان متستغربيش أنا أخدت الرقم من مامتك ، وقولت أفاجأك إنى نزلت مصر وبكرة بالكتير هجي فى أول زيارة للجميلة .
يا ليتك تكف عن كلماتك المعسولة فذلك يرهق مشاعري بل ويضطربها ؛فحتى لو كان ذلك مذاقه حلو ، إلا أنني أشعر بأن هناك ضيق يعتريني كلما سمحت لك بأن تتعدي أكثر من ذلك حدود معي ، سحبت نفسها بعمق وأخرجته ببطء لتهدء بذلك دقاتها المتسارعة وتخرج ذلك الثقل الذي تسبب فى ضيق صدرها الآن وكأن كل ما يحدث أمر غير مرغوب به ، ولكن يبدو أن الكلمات جعلتها تتعلق فابتسمت بخجل وقالت مرحبة به على حياء :
_ أكيد طبعاً حضرتك تشرف فى أي وقت .
على الجهة الأخرى حاول هو تحمل كل هذه الرسميات بالنسبة له فهو يعلم كيف يغير كل هذا ، ثم ودعها بكلماتٍ ذات مذاق حلو خربشت على جدران قلبها وجعلتها تتعلق ، مرت دقائق وهى على حالها بالغرفة والأفكار تتناطح فى عقلها حتى رسمت لوحة وردية عن علاقة يبدو أنها ستكون كما تمنت يوماً ما ، رجلٌ رومانسي شكله جذاب كأحد أبطال مسلسلاتها الرومانسية أو رواياتها الخيالية ، غير أنه يملك من المال ما يريحها وكذلك فرصة سفرها للخارج وقضاء أيامٍ سعيدة أيضاً معه ، إذن فأين الخطأ فى ذلك إن كانت كل الرغبات موجودة فيه ؟ تنهدت بعمق شاردة فى أفكارها غير معنيه للضيق الذي تملك صدرها فى هذه اللحظة فهى لا تعلم لما رغم كل هذه المرغوبات هناك ضيق فى صدرها .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ولما سجدت والهموم تثاقلت، بدت لى مدى سعة رحمته فى شفاء جوارحي.
سجدات تلو ركعات شفعت خلالهما النفس للخالق حتى بكت جوارحه ، وكأن ذلك الحزن قربه منه درجات وكأن ذلك الفقد عرفه معنى أن يكون القلب معلقاً فقط بالله الدائم وجهه، قلب تمسك بحلم ولحكمة لم يدركها فر ذلك الحلم ولم يعد ؛ كطائر ترك موطنه وضل الطريق بعده تاركاً ذلك الموطن فى خراب وكأنه هو مُعمره ، أنهى أخر ركعتي سنة بعد أن أدي صلاة الجمعة وبدأ يدعو بقلبٍ قد أوجعه أثر تاركيه ، يا رب يا من يدوم وجوده لا تجعل قلبي معلق إلا بسواك واشفي جوارحه ممن تعلق بأماني لم يضع بحسبانه يوم بأنها زائلة ، يا رحيم مُدني بقدرٍ من الصبر حتى تشرق شمس حكمتك وأدركها وأنا المتيقن بأنها خير ، يا خبير إن كانت حقاً ليست من نصيبي فاكتب يا رب لها الخير فى غيري لربما هو أفضل مني ، دعوة أخيرة تفوه بها القلب عنوة مجاهداً ألمه الذي اعتصر وهو يدعو لها بشخص غيره ، ورغم ذلك تحمل على نفسه تلك المشقة وتمنى لها الخير ، لحظات مرت عليه بعد أن أنهى صلاته فى ذلك المسجد والذي خلا معظمه من الناس ، ثم تحرك بعد ذلك بجروح قد التأمت وقلب قد سكنت أوجاعه وظل يحمد ربه على كل هذه النعم وأهمها قربه منه بعد أن كان ضالاً للطريق وظن أنه لم يَعد بعد ، وما إن خرج من المسجد إلا وتفاجأ به يقف أمامه يتصفح هاتفه ليشغل بذلك وقت انتظاره له ، فاقترب منه بعد أن أنهى درجات السلم حتى وصل أمامه وقال بتعجب بعد أن التفت له الأخر مغلقاً هاتفه :
_أنتَ لسة ما روحتش البيت يا "عمرو"!
حرك رأسه بنعم ورد بهدوء يخبره سبب انتظاره تزامناً مع تفرسه لملامح وجهه المرتاحة :
_أه عرفت من أبوك إنك قاعد لوحدك هتصلي كمان السنن ، فقولت أستناك أروح معاك .
أومأ له فى تفهم ثم تفوه يحثه على التحرك صوب وجهتهم وهو منزلهم ، وقبل أن يتحركا سوياً شعر باهتزاز هاتفه المحمول فى جيب عبائته البيضاء وقد كان صامتاً حينما كان يؤدي صلاته منذ قليل ، فحرك يده يخرجه رامقاً إياه بتعجب ما إن أبصر ذلك الرقم المجهول والذي نطق صاحبه فى النهاية يلقي السلام ما إن رد هو ثم تفوه يستعلم عن أحواله وكأنه صديقه :
_ ازي حضرتك يا باشمهندس "أدهم" ؟ أتمنى تكون بخير.
أعرف ذلك الصوت جيداً ولكن ،من؟ وأين علمته؟ هذا ما غاب عن عقلي ، رد هو بعد لحظة صمت حتى لا يتسبب فى إحراج الأخر وكان قد شك فى ذلك الذي خطر على باله :
_ بخير الحمد لله ، أنتَ عامل اى ؟
أجابه الأخر بالحمد والشكر على نعمة الله عليه وهي أحواله الجيدة ثم أكمل بصوته الرخيم يخبره بموعدهم :
_ أنا منتظر حضرتك بإذن الله علشان أسلمك الأمانة وبالمرة أشوف حضرتك ودي فرصة سعيدة .
ها قد تأكد من هوية المتصل وهو 《يحيى》الذي نسي تماماً أن يحفظ رقمه على هاتفه ، رد 《أدهم》يوافقه الأمر ثم اتفق معه على المكان والتوقيت وأغلق مودعاً إياه ، وكل هذا كان وسط نظرات التعجب من الأخر الذي وقف يستمع لحديثه باستغراب مما دفعه يسأل بسرعة ما إن أنهى 《أدهم》المكالمة :
_ ده صديق ليك يا "أدهم" ؟!
حاول ألا يظهر تعجبه فى سؤاله بينما الأخر رد نافياً سوء فهمه :
_لا مش صديقي ولا حاجة ، ده الباشمهندس "يحيى" زميل ليا فى الشغل كنت نسيت معاه حاجة يعني وبنتفق هنتقابل فين .
حرك رأسه في تفهم فقد ظن أن الأخر عاد لطبيعته وأصبح لديه أصدقاء جدد ولكن خاب ظنه ، وللحظة وهو يفكر فى الأمر تذكر ذلك الاسم فقال بتعجب بينما هو يتحرك معه بعد أن حثه على ذلك :
_"يحيى" ! غريبة ده نفس اسم خطيب بنت عمك ، بس بصراحة معرفش وظيفته لأني يدوب بس جمعني معاه كلمتين لما باركتله وبس .
رد الأخر وهو يسير بجانبه رامقاً الطريق أمامه وقد خلا قليلاً من السيارات :
_ عادي تلاقي تشابه أسماء مش أكتر .
رد الأخر مؤيداً رأيه ثم أكمل كلاهما الطريق بعدم اكتراث لفكرة عابرة كهذه ، بينما《أدهم》أكمل طريقه بعقلٍ ملأته تساؤلات عِدة لم تكن بإرادته إيقافها وقد اعتاد عليها .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بسم الله الرحمن الرحيم.
《لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ (1) إِلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ (4)》
قراءة مرتلة تلتها تلك الفتاة صاحبة الصوت الجميل يحمل فى طياته نبرتها الطفولية وهى صاحبة الثمانية أعوام ، وقد كانت أخر من قرأتها بعد أن سبقها الجميع من زملائها الحاضرين لتلك الحصة القرآنية المعتادة فى بيته ، حيث أنه بعد صلاة كل جمعة يجتمع أطفال العمارة فى شقته وبغرفة متوسطة الحجم خصصها هو لتلك الحصص القرآنية ، يجلسون فى شكل منظم على 《سِجادة》أرضية تلك الغرفة ؛ فقد كان هو أمامهم يجلس القرفصاء وعلى شماله بعض الفتايات الصغيرات الذين لم يبلغ سنهم البلوغ بعد وعلي يمينه وبجواره قريباً منه قليلاً كان يجلس طفل وحيد لم يكن سواه يحفظ القرآن فى هذه البناية ، وبعد أن أنهت تلك الفتاة تلاوتها تفوه هو يمدحها على صِحة قرائتها وهو ينظر فى المصحف أمامه يقلب فى وريقاته والذي استقر على الحامل البني :
_ أحسنتِ يا "رضوى" ، كده خلاص قربنا ننهى الدرس فاضل بس تقولوا استفادنا اى .
أنهى حديثه يخبرهم بالنهاية بعد أن توقف عن تحريك الصفحات أمام عينه ، وكانت أول من نطقت بعفويتها هى 《رضوى》حين قالت بحماس :
_أنا يا أستاذ شيخ ، أنا هقول كله .
لاحت بسمته المرحة على تلك الكلمة المعتادة التي لقبته هى بها ثم أجاب يرضي حماسها بلطف :
_حاضر يا رضوى كلكم هتقولوا بس بالدور ، يلا يا سليمان نبدأ بيك .
وجه حديثه لذلك الجالس على يمينه لينطق هو مفصحاً عن ما استفاده :
_ عرفت قد اى ربنا أنعم علينا بنعم كتيير وإحنا مش مدركين .
ثم تلته 《سلمى》 التي قالت بعد تفكير لبضع لحظات :
_ والإنسان مفروض ياخد حذره إنه ما يألفش النعم إلى عنده وينسى قيمتها وميقدرهاش .
وجاء دور 《رحمة》 التي أكملت على حديث الأخريين بهدؤها المعتاد :
_وأهم حاجة اننا مننساش نحمده على ده كله علشان يزيد فضله علينا .
ومن ثم أنتهت المهمة بقول 《رضوى》المفسر بطريقتها المعتادة فى تفصيل الشيء بعد إجماله :
_ الدرس ده خلاني أفكر فى كل نعمة ربنا ادهالنا ، زي نعمة توفيقي الدراسي ، ووجود قوت طعامنا فى وقت إنه غيرنا ممكن ميكونش عنده ، ووجود إلى بنحبهم ماما وبابا وكلهم وإنه احنا كلنا عايشين فى أمان ، ووجودي هنا وتفوفيق ربنا ليا علشان أحفظ كلامه زي ما قولت يا أستاذ شيخ دي نعمة كبيرة ، وكل إلى احنا فيه نعمة وفضل من ربنا لازم إن إحنا نداوم شكرنا عليها ومننساش فضلة.
وزع نظرات الفخر عليهم وهو يبتسم بسمته الهادئة وفى سره يشكر الله على ما وفقه لفعله بتربية جيل يعلم تفسير كلامه لينشأ عليه ، ثم قال يحييهم على ذلك بكلماته المادحه :
_أحسنتم جميعا وجزاكم الله كل خير ، كده احنا خلصنا.
أنهى حديثه ثم ردد كلماته المعتادة 《سبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك ونشهد أن لا إلاه إلا أنت 》، وأغلق المصحف قبل أن يتحرك واقفا يستعد للخروج ليتحرك ومعه أيضاً ذلك الطفل الصغير وهو يمسك بكف يده ، وما إن خرجوا إلا واستقبلتهم《 آية》تحتضن كلا من الصغيرات كل واحدة على حدة قبل أن تقول طالبة منه بنفس تاقت للجلوس معهم ولو القليل :
_سيبهم يا "بلال" ليا فترة مش بشوفهم ، هقعد معاهم خمسة كده وأنا بنفسي هطمن انهم وصلوا بيوتهم .
رد الأخر بهدوء متقبلاً طلبها بعد أن وقف يلتفت لها وقد ترك الطفل يتحرك صوبها لترحب به :
_ماشي يا "آية" بس متنسيش نفسك فتأخريهم ها ، وابقى نادي عليا أنا هوصلهم تمام .
أومأت له بتفهم ووعدته بأنها لم تتؤخرهم ، ثم تحرك هو صوب غرفته تاركاً إيها وقد بدأت فى توزيع ما أعدته لهم من قطع حلوى لتنتشر بسمتهم الفرحة ما إن رأوا تلك المفاجئة ، وبعد لحظات كان هو قد وصل أمام باب غرفته يستعد لدلوفها ولكن ما أوقفه هو تذكره ذلك الأمر الذي لربما يكون قد شغلها لذا فقرر التوجه صوب غرفتها ويريحها من ذلك الأمر ، لحظات أخرى أخذها سيراً فى طرقة شقتهم حتى وصل إلى غرفتها ودلفها بعد إذنها ملقياً السلام عليها ما إن رأها باسدال الصلاة فكانت قد انتهت للتو من صلاتها وقرائتها لسورة الكهف كعادتها وعادة كل مسلم ، ردت هى السلام عليه ببسمتها الحانية وهى ترمقه يقترب منها ليجلس بجوارها على الفراش قبل أن يقول ببسمته الهادئة وكلماته اللطيفة التى ابتدأ بها حديثه معها :
_أى أخبارك يا ست الحبايب النهاردة ؟
أجابت من بين بسمتها المُحبة تشكر فضل الله عليها ونِعمه :
_ والله يا ابني فى نعمة الحمد لله، وسعيدة أكتر لما شوفتك بخير .
بادلها نفس البسمة وظل لحظات يرمقها لربما تخبرها بما تريد أو أى شىء ينقصها وكانت قد دسته فى ثناياها بحجة ألا تثقل عليها الهم ولكنها لم تفعل لذا فتفوه هو يسأله بلطف مضيقاً عيناه فوقها :
_ ممم ، يعنى كله تمام مفيش حاجة كده ولا كده عاوزة تقوليها؟
أشياءٌ كثيرة أود الإفصاح عنها ؛من قوت بيت شارف على النفاذ وإيجار بيت ثقيل قارب موعد سداده وكثير وكثير لم تسعفهم أحوالهم الاجتماعية لقضاؤها ولكن كيف أفصح بهذا كله فتزيد همومه أضعافاً؟ طال صمتها ولم تجيبه فبم ستنطق وهى لا تود تكذيب الأمر، ولأن الأخر كان يعلم منذ البداية طبيعة قلبها المشغول على همه لذا فاختصر الأمر عليها وأخبرها بكل تقبل غير مبدياً لها ثقل همه برسمه بسمته المرتاحة على وجهه :
_ طيب هقول أنا طلبي بقى ، أكتبيلي كل طلبات البيت إلى عاوزينها علشان نازل بعد العصر كده أجيب شوية طلبات وبالمرة أجيبهم معايا بإذن الله.
تنهيدة غُلب خرجت منها وقد كشف أمرها كالعادة ، لاحظ هو نظراتها المحدقة به بحزن وكأن همومها قد رسمت لوحة حزينة فى عينيها فاقترب يحاوطها بذراعه قبل أن يسأله بلطف :
_لى يا أمي تكون حاجة زي دي شغلاكي ومخلياكي مهمومة ومتقوليش، طب أنا قصرت فى يوم معاكم علشان تخبي عني كده وكأنك خايفة؟
بم أجيبه؟ لا أعلم ، كيف أخبره بأني فقط وددت تخفيف ثقل قد اعتاد على حمله منذ سنوات كثيرة ولم يرتاح وينظر لنفسه ولو القليل؟ تنهدت بعمق وقالت فى النهاية تبرر أمرها بنبرتها الحنونة:
_ أبداً يا ابني ، أنا كنت هقول والله بس زي ما تقول كله جه دفعة واحدة حتى إيجار البيت هنتأخر عليه ، فقولت أقولك واحده واحده أهو أكون خففت الهموم عنك مع إنها كده مخفتش.
أجل هي لم تَخف ولم تنتهي لطالما نعيش لهذه اللحظة ، فلا يوجد إنسان لم تدركه بعض الهموم ولكن فقط باختلاف درجتها ونوعها ، فالدنيا دار اختبار وابتلاء وما علينا سوى الصبر والاحتساب ، خرج من شروده بتلك الكلمات التي رددها فى نفسه ،ثم رد عليها بهدوء يطمئنها :
_ بس أنا يا أمي مش مهموم بل أنا ببقى مرتاح لما ألاقى كل واحدة فيكم مش ناقصها حاجة .
لم تجيبه وبقيت صامته تطالعه بنظرات فهمت بهما ما يدسه وهى تعلم أنه يدعى الراحة والتي أكمل يؤكدها بقوله :
_اوعديني إنك متخبيش عني حاجة تاني أنا مش بتعب والله لانه ده واجبي ، وبالنسبة الايجار البيت فارتاحي أنا سديته من بدري الحمد لله .
أومأت له موافقة بعد تنهيدة راحة وقد خف الثقل قليلاً من على صدرها رغم معرفتها بما يدسه فى صدره فيبدو أن الفضفضة بينهم وملامسة هموم كل منهما الأخر قد أراحتهم قليلاً ، ثم دعت له بقلب يرضى عنه :
_ ربنا يا ابني يرزقك ويزيد فضله عليك ، ويسعدك قريب يا رب .
آمن هو وراءها ثم اقترب يلثم قبلة على جبينها يزيل بزلك أثر همها بحنوه عليها لترسم هى بسمتها الحانية وتقول من بينها تدعو بما فى صدرها تود لو يحدث ويرتاح :
_ وأشوفك كده فرحان زي "يحيى" بعروسته إن شاء الله .
لاحت بسمته البسيطة حين ألقت بحديثا المفصح بأمنيتها المرجوة منذ سنوات ، ثم شرد يفكر بها هو أيضاً ولكنه سرعان ما كبح أفكاره وبدلها باشغالٍ ملاءت رأسه حين تذكر ما يود فعله لأجلهم حتى يراهم فى أيسر حال ، فحتى وإن كانت رغباته ستُنسى؛ ويكفي أنه لبى رغباتهم ويسر لهم أحوال حياة لم يعيشوها فى هناء وراحة من قبل .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كيف لنفس أن تتعافى ، فى مجتمع ساد فيه معتقد عِلتها عار ؟
أأفصح له وأشاركه الهم غير معنياً لمعتقده الراسخ ذاك ؟أم أظل صامتاً وأفعل كل شىء فى تكتم حتى تحين الفرصة المناسبة كما نويت أن أفعل ؟ سؤال راوده منذ أيام بعد إقباله على تكلفه بأمر علاج شقيقته ، وظل قابعاً فى عقله حتى خرج الآن حين نبشت شقيقته بحديثها فى ذاكرته فحركته ليظل هو شارداً يفكر بما سيفعل ويدبر ويخطط حتى ينال الحل المناسب بدقة ، ولكن مهلاً أهل له أن يكون قد تغير ذلك المعتقد لديه؟ أم أنه لا زال قابعاً بثنايا عقله ؟ غاص بعد ذلك السؤال فى ذاك اليوم .....
منذ عدة سنوات كثيرة ، وعندما كانت شقيقته بأخر سنوات مراهقتها وكانت قد تشكلت شخصيتها وعُلمت طبيعتها ، كان قد اشتد عليها اكتئابها المعتاد والذي فى هذه المرة غير مسار حياتها واتضح ذلك فى انطوائها المتزايد وفقدانها لممارسة شىء تحبه كهواية أو عادة يومية ، حتى أنها بعد تخرجها لم تنحاز لفكرة العمل قط وفضلت بقاء سنواتها فى المنزل دون عمل أو حتى نزهات للخارج حتى لحظتها هذه ، وفى أحد الفترات كانت خالته خارج مصر تتابع حالتها على تواصل معه هاتفياً طوال هذه المدة الزمنية الطويلة والتي من خلالها حاولت مراراً وتكراراً أن تقنعه بأن تذهب شقيقته لأحد الأطباء النفسيين والذي رشحته هى لهم ، ولكن حينها الأمر كان ليس بيده فمنذ أن شارك والده بذلك الخبر وما سيُقبل على فعله وهو رافض تماماً أن يفعل شىء كهذا ، وفى فترة من الفترات و التى تَقرُب ذلك اليوم الذي أخبر والده بما سيفعل ، أصر هو أن لا يترك الأمور مبعثرة هكذا وقرر المحاولة مرة أخرى ، لذا ففى أحد الأيام بتلك الفترة أقبل هو على المحاولة مجدداً وذهب يحاوره بأمس ذلك اليوم وقد وجده حينها بغرفة المعيشة يقلب بين قنوات التلفاز حتى يستقر على إحداهما حينها دلف وجلس بجواره يطلب منه بثبات دون أى مقدمات :
_بابا عاوز أتكلم مع حضرتك فى حاجة مهمة .
التفت الأخر له بتقضيبة جبين بعد أن أغلق التلفاز باستخدام《 الريموت》 والذي وضعه بجواره على الأريكة وانتظر كلماته المخبرة بما يريد حتى أفصح هو فى النهاية بجملة مقتضبة :
_الموضوع خاص ب"حياة" يا بابا ، ..
وقبل أن يكمل بعد لحظة صمت حينها أدرك والده ذلك الموضوع الذي سيفتحه مجدداً فأسرع حينها يقطعه فى يأس وضيق :
_ لو نفس الموضوع فانسى يا "وسام" علشان أنا قولت كلمة وانتهينا .
حسنناً من البداية يبدو أن الأمر صعب ، تنهيدة عميقه ثم حاول بهدوء يعرف على الأقل ما الأمر لذا فسألة بحيرة :
_بس لي يا بابا ؟ لي وأنتَ وكلنا شايفين إنها تعبانه ومحتاجة فعلاً علاج ؟
ها قد اعتراه الضيق بل وزاد عن ذي قبل، فهو يعلم فى قرارة نفسه أنها عليلة النفس ولكن كل هذا هراء بالنسبة له ولا يؤمن بذلك الهراء كله ، زفر بضيق وقال بجمود :
_ دي بتدلع وهتاخدلها فترة وترجع يا أستاذ مش أكتر ، إنما الكلام الفاضي ده وشغل الدكاترة إلى ملوا بيه دماغكم الأيام دي ده كدب واستخدموكم وسيلة لكسب مال يا حبيبي فكر شوية ، وبعدين مش ناقص وجع دماغ عاوز الناس تقول البنت مجنونة.
هراء؟ أتعب النفس والعلم الذي يدرسه الطبيب حتى يكون سبب فى شفاء النفوس بعد الله الذي مَن علينا برحمته بهذة النعمة ، هراء ؟ وما الصواب إذن ؟ دهش الأخر من حديث والده فلم يخطر على باله أن يكون معتقد منتشر فى مجتمعنا قد أصاب العدوى فى والده ، خرج عن صمته إثر صدمته بحديث الأخر وتفوه بثبات فى رأيه باحترام :
_ بس يا بابا ده عمره ما كان جنون ولا كلام فاضي ، دي نفس تعبانه زيها زي أي مرض فى الجسد .
زفر بضيق وهو يستمع لتلك الاسطوانة المعتادة التى يرددها الجميع على مواقع التواصل ، ثم ألجمه عن الحديث بقوله منفعلاً بحزم :
_"وسام" ! أنا قفلت الموضوع خلاص ، وانسى الكلام ده وبالخصوص خالتك أنا عارف كويس أوي إنها سبب فى إنك تيجي وتقول الكلمتين دول بعد ما ملت دماغك بيهم .
صمت الأخر والأمل أمام عيناه يندثر مفتقداً إياه بينما والده أكمل بعد أن زفر بقوة واستغفر كثيراً :
_أنا عارف إنك خايف عليها بس مش أكتر من أبوها يعني ، سيبها بس أنتَ وهترجع زي الفل .
ساد الصمت بينهم ولم يعرف كيف يحاول مجدداً وكل الأمور قد أغلقت أبوابها أمامه والآن ماذا ؟ ما علينا سوى ترك الأمر يجرى كما يسيره الخالق ، بينما الأخر عاد مجدداً لفتح التلفاز مهدءً من أعصابه بعد ذلك النقاش الحاد تاركاً الأخر شارد بأيدي معقودة ببعضها لم يعرف ماذا سيفعل .
خرج من شروده وهو يطالع تلك الشاشة أمامه بغرفة المعيشة التي جلس على أريكتها بعد أن عاد من صلاته ، وما كان له إلا أن يردد بندم بعد ذلك القرار :
_ وياريتني ما سيبتها لحد ما غرقت فى دوامة مش عارف امتى هتطلع منها.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman