بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الرابع_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في وقت الغروب، حيث اقتراب الشمس من ناحية الغرب وانتشار أشعتها الباهتة الذهبية في أماكن متفرقة على سطح الأرض تودعها قبل الرحيل، اقتربت سيارة بيضاء تسلك طريق واسع، شبه فارغ، انتشرت على أطرافه ألسنة الشمس الخافتة تودع المكان قبل رحيلها، وهي في طريقها إلى مطار القاهرة لأستقبال الزائرة فجأة لأراضي موطنهم، وبيتهم.
كان يقود السيارة في سكون وراحة بال لم يخلوا من شوائب الانشغال بأمر خفي قبع في صدره، لم يرد الانسياب منشغلًا فيه، لذا فألقى نظرة بجانبه على عمته التي شردت طوال الطريق الذي شارف على الانتهاء والوصول إلى جبهتهم، ثم سألها بعد أن ألقى نظرة خلفه على《شروق》الشاردة في الطريق هي أيضًا:
_ صحيح هي "شروق" بس إللي جات! أمال فين "نورا" يا عمتو؟!
خرجت من شروده البسيط ملتفتة إليه وحديثه، وأجابت بهدوء:
_ خرجت هي وخطيبها.
هتف مندفعًا بدهشة غير مصدقًا:
_ لوحدهم؟!
فاجابته بنعم وبصوت ونظرات تتسائل في تعجب، لاحظهما، ثم أعاد بصره يرمق الطريق قبل أن يعاتبها:
_ لي يا عمتو لوحدها وأنا موجود، حتى لو الشغل اتأخرت فيه، اتصلي بيَّ وأنا هفضي نفسي وأجي مخصوص.
وصله الرد في جمود بينما ترمقه بنظرات اعتادت على القسوة والوجوم:
_ أنا ما سيبتهاش لوحدها يا "عمرو"، هي مش مع غريب، ده خطيبها وأنا واثقة إنه أمين عليها.
صمت ولم يعقب على حديثها، فكيف يقنع عقلها العنيد برأيه وما يراه من وجة نظره حيال ذلك الشأن؟ فلم يجد حلًا سوى الصمت وكظم غيظه الذي بدأ يأكله، يفكر في أمر شقيقته في خوف عليها، ويزاحمه تفكيره المنشغل خوفه من ألا يستطع حمايتها وتتبع أمور حياتها تلك التائهة، كما أوصاه ابن عمه《أدهم》قبل سفره، أنها أمانة في عينيه، وهل راعى الأمانة؟ ياله من مهمل كبير بحد يتعدى إهمال شقيقه التوأم، أينسى أداء واجبه صوبها حتى إن لم يوصيه أحد بذلك؟
بعد دقائق متوسطة من ذلك الحوار الذي جرى بينهم، وطأت أقدامهم ساحة المطار الواسعة، مشت عيونهم في المكان بأكمله تبحث عنها بين الرؤوس الخارجة والمتلقاه بالأحضان وفيها تستقر وتعبق جنباتها مجددًا بالدفء والحنين بلقاء الأحبة....
مكثوا لحظات، حتى رأتهم هي وتعرفت عليهم، اقتربت منهم مرحبة بابتسامة منكسرة لم يلحظها أحد سوى الواقف بعيدًا عنهم بأمتار بسيطة يراقبهم في صمت عميق، تعانقوا كل واحدة منهم على حدة، وتبادلت في النهاية الترحيب بابتسامة مقتضبة مع《عَمرو》الذي منذ وقوع بصره على صفحة وجهها، تأثر، وأخفى تبدل خلجاته مسرعًا، وهتف قلبه بأن يبتعد، حتى لا تنكشف تبدلاته المفاجئة أمامهم والتي لم تلاحظها سوى《شروق》خِلسة.
هتف قبل أن يرحل في أدب بعد أن أنزل بصره من على وجهها بينما تبادلهم الحديث بابتسامة اخترقت نوافذ عقله، فازداد بها تأثرًا:
_ طيب أنا يا جماعة هسبقكم على العربية.
لم ينتظر ردًا، واقترب من الأخرى فجاة، ثم حمل حقائبها ورحل من أمامهم، وبعد لحظات كانوا هم خلفه يتوجهون حيث السيارة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يتوه المرأ في غياهب أعماقه، حينما يزداد في الإنكار، يسير متلهفًا لسد جوع كان مصدره إحتياج يهتف في جوفه طالبًا وبأي ثمن إشباعه، فيُحجب عنه حقيقة ينكرها أنه يغرق في غياهب خدعة خفية!
كان يسحبها خلفه وهي تعارض حركته المسرعة، وكذلك احتضانه لكفها عنوة، اعترضت كثيرًا بقوتها الضعيفة وكلماتها التي يبدو أنه لا يعبأ لها، فلم يسدي عليها بردًا ولو معترضًا، يسير بإصرار من يملك لعبة تخصه خشي فقدها، فيتشبث فيها فارًا عن أعداءه الماكرين المشاركين معه في خيانة هو مقترفها!
اقترب من سيارته وفتح الباب جهة مقعدها الأمامي، وأدخلها عنوة بكلماته الحانقة إثر جدال دار بينهم وقبلها كان بينه وبين صديقته، بل إحدى العلاقات الخاصة به، ثم أغلقه ودار على عقبيه حتى وصل إلى مقعده داخل السيارة بجوارها وشغله، ظل لحظات في صمت يلاحق أنفاسه الغاضبة بينما هي يحرقها الألم كلما تذكرت حديث الأخرى الضاج في عقلها:
_ أهلًا، أنا "ميار" صديقة "سمير" من زمان قوي، يمكن علاقتنا أكتر من مجرد صداقة، وحضرتك.
هو خائن إذن، ذاك متصنع الهدوء واللطافة والأدب، خبيث! ولكن كيف وهو لم يخبرها قط خلال فترة ماضية زادت علاقتهم ببعضهم قربًا؟! أحرقها السؤال ألمًا، تخشى تصديقه فيكيل عليها بركان حزنها حممًا تحرقها، هي وجدت فارسها الوسيم، هي رأت فيه حبًا وقبولًا وشيء من الاحتياج كان ينقصها، فلماذا يفعل ذلك ويهجرها إذن بعد أن استراح قلبها بلقائه، وهل استراح قلبها؟!
بعد تلك الفعلة وذلك الاكتشاف، لا تظن، تائهة لا تعرف ماذا تفعل، يبدو أنها بعد أن تعاملت بعمق أكثر معه، سرى طيف شك في مراجعة اختيارها، وهل ستلتفت لطيف يبرق ولو حتى بخفوت أمامها في غياهب أعماقها وتيهها؟!
لاحظ شرودها الصامت وعيناها التي تمسك على دموعها لتمنعها من الهروب، وكان قد هدأ واستطاع إحاكة الأمور في عقله جيدًا ليمنع عاصفة تهدم ما بناه بداخلها من ثقة نحوه، يتشعب متغلغلًا في جوف نفسها، يأخذ داخل أعماق نفسها عرشًا لتكون ملكًا له، ويشعرها أنه هو المميز في حياتها، بل وكل حياتها تتمثل فيه!
_ أنا ما كنتش عاوز خناقة تحصل ما بينا بسبب حاجة تافهة زي دي و...
_ تافهة؟!!
التفتت مسرعة تقولها باستنكار، فأغمض عينيه وهو يلعن تلك المخلوقة والساعة التي ظهرت فيها فجأة لتخرب عليه حياته، ليته ما عرفها ولا سمح لنفسه بالارتباط بها!
أكملت تلومه بنبرة لاح فيها طيف الحزن، ففتح هو عيناه ليستمع بينما يراقب تزبزب خلجاتها:
_ وهي الثقة لمَّا بتقل ما بين أي اتنين وطدوا علاقتهم وثقتهم ببعض، بتسميها حاجة تافهة؟ لي يا "سمير" تعمل فيَّ كده، فضلت توهمني بالكلام والحب والأفعال، وفي الأخر بتخوني ومرتبط، لأ وكمان قبل ما تعرفني!
اختنق صوتها قليلًا في نهاية جملتها، وقبل أن تفر دمعة من عينيها، أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى تراقب بعدستين لمعتا من الدموع المحبوسة إثر جرح افتعله بها ذلك الخائن الجالس بجوارها.
اشتعلت فتيلة قلق بداخله جراء حديثها المعلن وبكل حِنكة عن حقيقة خيانته، فخشي أن تتوغل في التفكير كثيرًا بعقلها في ذلك الشأن، فينكشف أمره وحقيقة سجيته بل وحياته كلها التي يدعي الزيف أمامها بها ! وما ينتج عن كل ذلك سوى حسرة دبت فيه فاضطرب، أن يخسر كنزًا تمثل في فتاة ذات جمال فاتن، ونفس ضعيفة يجد فيها قوته وقدرته وتسلطه، تنساق من دون تفكير دالفة كل باب فتنة ينفتح لها، ليس لها قرار على نفسها، مذعنة لأي قرار يلقيه أمامها غيرها من دون تفكير سابق عميق، فهذه أكبر حسرة بالنسبة له، أن يخسر عائله الذي يعيش عليه!
وُضع في ورطة، ها قد راحت بتفكيرها صوب جريمة الخيانة، وربما ينتهي بهما الحال إلى شك يعقبه تأكيد بطريقة ما، هو لا يعلمها، لكنه خشي حدوث الفعل! فكر ودبر في عقله الأمر مليًا، ثم اعتد عدته وانتشر كمرض يصيبها كي تكف عن الحياة!
قال متصنعًا الصدمة ببراعة وهو يثبت نظره عليها وعلى وجهه تكونت أمارات الدهشة الحقيقية!:
_ خيانة ! ومرتبط !!
التفتت بتروٍ تقابله بنظراتها التي تجلى فيها التعجب برسم حاجبين معقودين فوق عينيها، استمعت إلى حديثه الذي حقن فيه مرضه:
_ مش مصدق يا "نورا"، علاقة الصداقة إللي كانت ما بيني وبينها وانتهت من زمان، بتسميها ارتباط وخيانة؟! أنتِ ازاي تظني فيَّ كده؟!
مسحت أثار دمع باقية على وجنتيها، ثم سألته ولازالت على حالتها السابقة، متعجبة:
_ أمال أسميها أي يا "سمير"؟ واحدة وجاية تعرفني عن نفسها إنها صديقة وأكتر من كده ليك، ومن زمان تعرفوا بعض، عاوزني أفكر في كلامها ازاي غير كده مش فاهمة؟!
انفعل انفعالًا مزيفًا، لم تلتمس الأخرى فيه كذب لشدته:
_ أيوة بس مش للدرجة إللي دماغك فكر بيها عني، أنا أه كنت صديق، كأي حد في الدنيا دي، بس مش لدرجة القرب والخيانة زي ما عقلك فكر، وبعدين هي فين بطريقتك دي الثقة إللي كانت مابينا؟! بس برافوا عليكِ الموقف جه وأثبتلي إنك عمرك ما كنتِ واثقة فيَّ ومش بعيد تكوني مجبرة على العلاقة.
لاح اللوم في نبرته لمَّا أنهى حديثه، لم تعقب على حديثه بأي رد فعل، ومكثت في قاع الصدمة البهيمة تعيد تقليب حديثه في عقلها، أهل هي حقًا أساءت الظن فيه وتسرعت في اتهامها؟! بدت وكأنها تائهة ترمقه بتيه ومشاعر عبثت في نفسها ألجمتها عن المحاولة حتى كي تتحدث، استمعت فقط حين أنهى الجدال بينهم وقال بحزن أجاد تصنعه فانتقل إلى حواسها بصدق، فاضطربت جنباتها:
_ أنا عمري ما فكرت في حد غيرك وحبيته، وإن كان على الصديقة دي، فهي كانت مرحلة جمعتني بيها صدفة في شغل قبل كده، وأهي عدت وأنا نسيت، ما كنتش أعرف إنها لسة فكراني، وعلى العموم الموقف وضحلي حجات كتير، ويشكر برضه، عرفت أنا عندك أسوى أي،...ولا حاجة!!
صب أخر جرعة كان يحقنها بها، وترك مفعولها السحري يعبث كيف يشاء في نفسها، وتحرك بسيارته وهي معه، يوصلها حيث منزلها في صمت، ويعود تاركًا مفعول دواءه أن يشرع في ما حلّ لأجله بداخلها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
قضت معظم ساعات يومها تمارس شتى الأفعال المنزلية بمفردها، بعد أن ذهبت والدتها برفقة والدة《يحيى》في جولة لشراء بعض الأغراض بعد زيارتهم لوالدة《صفوان》؛ تجهز طعامًا وتعده قبل موعد عودة أفراد أسرتها الصغيرة، ولمَّا انتهت، شغلت باقي وقتها بالاطلاع على دورات جديدة في الدين تأخذها وتزيد ما لديها من حصيلة معرفة حتى ولو كانت أبسط الأمور، حتى قطعها عن عملها الأخير ذاك اتصال صديقتها، أو منقذتها في يوم كانت منذ أن تعارفتا واقتربتا وأفراد أسرتهم من بعضهم أيضًا، اعتدلت في جلستها على الأريكة بحركة قدمها اليسرى كي تنزلها من عليها وتلامس أرض الغرفة، ثم أجابت بتحية الإسلام قبل أن تسمع بقية حديثها الذي أكملته بروتينية:
_ أخبارك يا أيوش؟ ما جتيش يعني تقعدي معايا زي ما اتفقنا، بتلاهيني بكلمتين يا "آية"!
أرادت فك حصار حزنها الذي اجتاحها منذ البارحة ببعض كلمات، فنجحت حين هتفت الأخرى تنفي بقوة:
_ لأ ابدًا والله، إخص عليكِ يا "حور" أنتِ تعرفي عني كده برضه؟ أنا من امتى وأنا بوعدك بكلام وما بنفزهوش.
على الجهة الأخرى اتسعت ابتسامتها وهي تستمع لتخبط الأخرى، رغم أنها تحمل شعورًا حزينًا على حالتها الأمس لمَّا تبين لها أنها لم تنسى واتضح ذلك البارحة لما أثار حديثها ذكرى ماضية، إلا أنها تجاهد أن تكون ثابتة حتى لا تشاركها الحالة ذاتها، قالت بفكاهة:
_ عيب عليكِ يا "آية" بعد عشرة السنين دي كلها ما متعرفيش إنه ده هزار "حور" الرزل.
اجابتها بفتور بعد ابتسامة بسيطة:
_ معلش يا "حور" أنا مرهقة شوية الفترة دي، فحتى ما فرقتش بين الكلام كان هزار أو جد.
_ لي أنتِ تعبانة، طب..بصي أنا هاجي أقعد معاكي شوية عبال ما طنط تيجي من مشوارها.
_ ما لوش لزوم، أنا مش تعبانة للدرجة يعني، فريحي بالك.
أصرت الأخرى بقولها:
_ ماشي يا ستي، هاجي بس نتسلى مع بعض بدل وقت الفراغ ده.
فانقطعت الآمال بإفصاح《آية》الذي أدهش الأخرى:
_ مش هينفع كده كده ماما قفلت عليَّ الباب من برا.
فاجأتها بالخبر، فصمتت والأفكار تلف عقلها، ألازالت تلك الفتاة تمارس فعلًا غريبًا كهذا؟ إذن يبدو أنها أيضًا لازالت ترتدي إسدالها في هذا الوقت الذي تحدثها فيه وما تخلعه إلا إذا عادت إلى غرفتها وتغلقها بإحكام بأكثر من قفل كما أخبرتها في موقف جمع بينهم لمَّا زارتها في بيتها في أحد الأيام الماضية من صداقتهما، تلك السلوكيات لا تشي بالخير أبدًا خاصة أنها تفاجأت باستمرارها بعد أن ظنت أنه مجرد موقف لن يتكرر، أو ستنسى وتغير العادة!
خرجت عن صمتها لمّا هاتفتها الأخرى باسمها، فسألتها مدن دون تفكير طويل:
_ "آية" أنتِ ما نسيتيش إللي حصل لسة؟!
اضطربت خلجاتها مُعربة عن تزبزب في نفسها حدث بفعل توتر تفشى في جنباتها، أغلقت عينيها في اهتزاز حركتهما، وفتحتهما بسرعة، ثم سألتها باضطراب:
_ م..مش ناسية أي بالظبط يا "حور"؟ أنتِ تقصدي أي؟
جمعت ثباتها المشتت بفعل فكرة تخشى أن تكون حقيقة وليست مجرد ظن، ألقت بكلماتها لتصل إلى الأخرى عبر سماعة الهاتف خارجة في سياق خفي لا تدركه أرادت به《حور》اختبار صدق توقعها معتمدة على خبرتها المتوسطة في مجال علم النفس:
_ أنتِ فاكرة العيلة وأيام زمان في بيت بباكي لسة؟
_ و..وووأنا أنساهم لي...قص..قصدي...
قطعت حديثها تتنفس بعمق كي تهدئ من شدة توترها، ثم أكملت بانزعاج تجلى في نبرتها:
_ مالهم يعني؟ أي علاقة سيرتهم بسؤالي يا "حور"؟
زاد عندها الشك، ووصل إلى حد قريب من التصديق، فبالطبع سلوكها ونبرتها أخبروها بما تخفيه، هي لم تنسى ذاك البيت ولا ذاك الرجل وابنه الرزيل. أكدت عليها أنها ما كانت تقصد شيء سوى فكرة جالت في عقلها، ووارت عنها الحقيقة حتى تتأكد بنفسها وبطريقة أخرى علمية، وفي النهاية صدقتها《آية》وانتهت المكالمة على هذا الحال، بل ويزيد، صديقتها يزيد شكها، وهي يزداد خوفها خاصة حينما ذكرت على مسامعها أبغض أُناس عاشت معهم في ذات البيت، يجمعهما قصص تحمل بين طياتها الحقد والتسلط اللذان كانت وأخيها ضحايا لهم، حيث ابتلع ظلام السجن شقيقها، وظلام أشد منه قسوة وقهرًا كرهت فيه ذاتها، وهو ظلام التجبر والتعدي على الحقوق عنوة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بسرعة متوسطة، كحياته، لا هي بعالية، ولا بمنخفضة، كان يقود سيارته في عدم استعجال يتنافى مع شعور رابض في داخله نحو جهة الحياة المحددة، كان قلبه ينبض بالرغبة في رؤية الحياة كما تمنى، حلمًا فيها رسم وخطط له، وهو يقف برضى في محطة انتظار كالعادة تحيط به كل الاحتمالات، وكان أكثرها المنع!
الإنسان حين يهتف قلبه بالحياة، يتعلق، يُغَر، ينسى حقيقة أنه يحيى بالسلام المتشعب وجوده في الكثير من الكلمات؛ كالإيمان ومدى القرب من الله، رضاه عنه، والرضى بكل ما كُتب، لا بمفقودات الحياة التي لم ينالها، أو لازال في محطات الانتظار ينتظرها، أما خلاف ذلك، فالناس إذن أموات، يسيرون على الأرض كجثث سلبت أرواحهم أماني لم تتحقق، أو منال لم تطوله أيديهم.
وصل إلى نقطة معينة بالقرب من ممشى النيل، واصطف على جانب الطريق سيارته التي استعادها من والده بعد أن عاد من المشفى واطمأن منه على والدة صديقه وأنها الآن في المنزل في صحة جيدة إلى حد ما، وقد كان التعب رابضًا فوق ملامحها ونفسها الساكنة برهبة!
رأه بينما يتجول بعينيه في المكان باحثًا عنه، فاقترب منه حيث المقعد الذي ينتظره جالسًا عليه، وما إن اقترب، فاجأه بقوله لمَّا وقف جواره وأصبح محط بصره:
_ ما قدرتش ما أشوفكش قبل ما أمشي، فمعلش أعذرني لو خليتك تسيب شغلك وتيجي.
التفت له بجُل تركيزه وهو يتحدث ما إن ظهر فجأة، انبلجت ابتسامة حبور وهو يقترب منه بعد وقوفه كي يحتضنه، تبادلا الترحيب، ولم ينطق الأخر برد إلا بعد أن جلسوا معًا على المقعد، حينها قال بصدق مبتسمًا:
_ يا سيدي حتى لو الشغل سيبته، فداك، هو أنا عندي كم "يحيى" في حياتي علشان أسيب شغلي وأجي أودعه، المهم أنتَ عامل أي، بقالك فترة غايب، ومقولتليش على سفرك المفاجيء ده قبل كده، أي حكايته؟!
تلاشت ابتسامته التي رسم وهو يستمع له في البداية، ثم تنهد وبدأ يقص عليه بإيجاز ما جاء به في نهاية جملته من سؤال ذكَّره بحاله المضطرب في هذه الآونة الأخيرة. أحزنه حال صديقه، فدعى لوالدته بالشفاء وصمت الاثنين يتبادلان حديثًا خفيًا بين عقولهما.
_ هي عاملة أي؟!
طرف من الحديث خرج معلنًا عن نفسه لمَّا هتف به《يحيى》بينما يتأمل النيل أمامه وجماله الساحر، ليته ينعم بدفء وراحة لوثبات قلبه بوجودها، كما يفعل النيل وسحره معه كلما تلاقوا، ليت!
_ مش أفضل حاجة، كل تفصيلة اتكلمت عنها الدكتورة "سحر" حصلت، بس ما كنتش أتوقع للدرجة دي.
التفت إليه بسرعة تجلت فيها انفعاله القلق، ثم سأله بلهفة المشتاق الحزين، يرى الحياة أمامه لكنه لم يستطع أن ينالها!:
_ لي، أي إللي حصل يا "وسام"، طمني؟
حرك كتفيه في حيرة وكذلك راسه، ثم وضح له الأمر:
_ رجعت تأهمل حياتها، وتقع في نفس الدوامة، البعد والأمان المزيفين بتوعها، لدرجة إنه أثر على علاجها حتى، وبقيت خايف تبطله هو التاني لمَّا ما تلاقيش فايدة، أو الخطة تدي نتايج عكسية، وده خوفي الأكبر.
_ بس الدكتورة ما قالتش كده!
_ أيوة ومع ذلك خايف، لي! لأني عشت معاها فترة مشابهة، انتهت بنتايج خايف تكون هي نفسها دي.
نظر له في ريب وسأل:
_ تقصد أي يا "وسام"؟!
التفت يرمقه لحظات، ثم هتف متذكرًا تلك الحالة الماضية:
_ ميول انتحارية.
تسألت نظراته في قلق، فأراحت شفتي الأخر عقله لمَّا قص عليه حالة لها سابقة هو يعرف عنها جزءًا من أحداثها، وهي اختفاء الشاب الذي من المفترض أن يكون خطيبها أو زوجها في هذه الفترة.
انعطفت دقات قلبه نحو السرعة سالكة سبيل الخطر، لماذا كلما رغب في شيء بحب صادق، حلت فيه الابتلاءات، فأصبح إما بعيدًا عن المنال، أو ينتظر في خوف وتربص يجاهدهما بالرضى واليقين؟ ربما خير، والعليم وحده يعلم بحكمته.
تخلص من حديث عقله بالدعاء، والاستبشار بالخير، ورغم ذلك لم تتزعزع وثبات قلبه عن محل القلق، وهتف يستجدي ربه أن يطمئه، يحيه بالسلام له ولقلبه بالاطمئنان عليها.
مكثا لحظات أخرى في صمت، قطعه صوت استئذان《وسام》منه للرحيل كي يقضي مهمة وُضعت على عاتقه:
_ طب أنا مضطر أمشي علشان ألحق مشواري.
أومأ برأسه متفهمًا، ثم وقف وهو واحتضنت الكفوف بعضها وتلتها الأجساد، ثم همَ كلًا منهما بالتفرق، لكن توقف أحدهم يسأله بغتة وقد لاحظ شيئًا، وكان ذلك《يحيى》الذي تعجب في سؤاله:
_ غريبة أنتَ مش جاي بعربيتك؟!
نفى برأسه قبل قوله:
_ لأ، بابا استعارها مني النهاردة في شغله لأنه سافر مع عمو "أحمد".
_ خلاص تعالى أخدك في طريقي، هو فين الأول؟!
_ هو في كافيه قريب هنا، المفروض إني هقابل عامل بيشتغل مع عمامي وبابا في تجارتهم، وهاخد منه ورق مهم كان مفروض بابا أو عمو "أحمد" يكونوا مكاني، بس ما حصلش نصيب، وأنا اتدبست!
ابتسم بخفة في نهاية الحديث، فبادله الأخر الحال ولكن غصبًا، لا يعرف كيف يتلذذ بابتسامته وصديقه وحياته في أعثر الهموم، عرف منه المكان، ثم تحركا معًا صوب السيارة بعقول مشغولة، أحدهم بالخطط التي يرسم وشقيقته، فهم أهم ما في حياته، والأخر بحياته التي ينتظر ومؤخرًا شيء جال في عقله ما إن انتهى حديثه مع صديقه وتحركا سويًا صوب السيارة، ترى هل يكمن البِشر في تلك الفكرة المقترحة مؤخرًا؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أتعس ما يُفضي إليه الخوف هو التضحية بأحلامنا وتقديمها قربانًا له كي يحل عن سبيلنا،
ويتركنا والأمان رفاق، نعيش في وهم السعادة، خدعة الراحة، لا يزورنا قلق أو توتر، فننعم نعيمًا زائفًا، ونحن مدركين وبجُل انتباهنا أننا نوهم أنفسنا بكل ذلك كي ننسى، وننشغل عن التفكير في سعادة سرقها خوف مكار!
تلك خيبة ما أثقلها خيبة،
وذلك صراع ما أشقه صراع!
على أعتاب جفنيها وقفت قطرات الدمع مقيدة بألم الصمت بينما تقرأ حديث بينها وبين نفسها في مذكرتها التي تدون فيها، قفظت أمامها تلك الخاطرة العامية اللهجة حينما كانت تهُمُّ بكتابة خاطرة تفضي فيها طاقة سلبية عبر كلمات تخنقها.....
_ مذكرتي العزيزة...
عاوزة أقولك حاجة هتفرحك حصلتلي،
أنا النهاردة اكتشفت حاجة مميزة في نفسي، مش عارفة هنجح فيها ولا لأ،
بس شعور غريب وجميل راودني لمَّا اكتشفت في نفسي حاجة بحبها وحلوة،
يعني مش وحشة زي باقي الصفات،
حاجة كدة أتمنى إنها تبقى بديلة لمرات فشل كتير في عمري، وخزلان،
أنا اكتشفت إني موهوبة من فترة،
كل القصص إللي كنت بألفها والحكايات إللي كنت بألفها لعرايس اللعبة هنا في أوضتي وأنا لوحدي،والجمل والخواطر العامية إللي كنت أفضفض بيها هنا معاكي،
اكتشفت إنها موهبة،
أنا مش عارفة أوصفلك فرحتي،
وعد بقى هستمر في تطوير نفسي، لغاية ما كلماتي تؤثر في الناس بفايدتها،
على موعد يوم أن ننال الحلم.
سلام يا عزيزة!
رشقت سهام الذكريات جنباتها، فنزفت العيون متألمة، يتذوق قلبها من ألم الحسرة مرارة والشوق لنفسها القديمة الحالمة، تركت الأجندة على فراشها بجوارها، واسترسلت في بكاء بطيء وصامت لا تعلم متى منتهاه، متناسية ما جاءت لأجل افتعاله، وعن ماذا تكتب، وكيف؟ فالكلمات هربت وما عادت تريد الإفصاح، كما تهرب الفرص من بين يدي أتعس الناس.
الأمس كانت تبني حلمًا آملة في الوصول إليه بشوق، واليوم أضحت تندب حسرة على ضياعه وهي ترى البناء مهدومًا في كل مرة تمر ذكرى حلمها على عقلها، ولماذا الحلم ضاع، وكيف بشغفها الثائر بين تلك الكلمات سمحت بأن يضيع، أين وعدها الذي وعدت؟!!
توقفت عن البكاء لمَّا أحاطتها الاستفهامات من كل جهة في جنبات عقلها، ومر على عقلها ذكرى أول نشر لها بعد جهاد ودعم من شقيقها أن تفعل، ففعلت والخوف ينهش قلبها، توقعت كل سيء؛ تعليقات سخيفة تسخر من نصها المرتب فيه كلماتها، وصفه بالرداءة، أو ربما لم يفهمه أحد، فيمل ويهرب في ضجر كي لا يضيع وقته في القراءة لكلمات تافهة...
أُصيب بالزعر قلبها لمَّا لم يأتي لها أي إشعار، شعرت وكأنها كلمات غير مرئية، يمر عليها من يمر، فلا يراها، فدب في عقلها قلق بالغ، عنفتها أفكاره باستهزاء؛ أنتِ فاشلة، لم تنجحي في صياغة نصك، أنتِ لم تصلحي لتلك الموهبة واستخدامها، فأنتِ لا تجيدين إظهارها حتى، إذن فهي ليست لكِ، كُفي عن التحليق حالمة!!
عاد سيل الدموع يغزو وجنتيها، تستنشق في كل لحظة حسرة ماضية، فتصيبها بالوخز في قلبها ما إن تحل ذات المشاعر التي ابتلعتها، وخبأتها في أقصى مكان في أعماقها، وفرت من ساحة الحرب، تركن إلى جنب أمانها، لا تريد العودة إلى فزع يتردد في قلبها كلما أقبلت على الخوض في خطوات الحلم، كفاها ألمًا، هي لا تستطيع المواجهة أبدًا.
مسحت دموعها المنتشرة على وجنتيها بكف يديها، وابتلعت غصتها، فلم تطيع أوامرها، ووقفت كالحجر ثقيل في جوفها، وضمت ركبتيها إلى صدرها ودفنت وجهها فيهم في هدوء لف حولها ونفر القرب من ساحة عقلها، فمكثت تسير درب الغرق بشكل أعمق مما قبله...
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تجمعوا منذ قدومهم في شقة《زوزو》التي استقبلت الضيفة بترحاب وحبور، غمرتها بالحنان الذي تجلى في سؤالها باهتمام عن أحوالها وكيف أخبار أقاربها التي عاشت معهم في الخارج، وسرعان ما تحولت مشاعرها من الحنان إلى مشاركة الأسى حين علمت بوفاة أخر ما تبقى لها من نسل العائلة التي أصلها من بلد في الخليج العربي، وهو خالتها والتي تزوجن بناتها وأصبحت هي وحيدة لما ابتعدت كلًا منهما تسكن بيت زوجها، لذا فقررت العودة إلى بلاد والدها وقضاء بقية عمرها فيها، وإلى حين استئجار بيتًا لها، ستقضي بعض أيامها برفقة زوجة أخيها من نفس الأب وليست ذات الأم.
تركهم مذعنًا لرغبة الهروب المنجية كما خيل له، فبوجوده بينهم لم يستطع فرض قانونًا على عينه ألا تتحرك وتقع متشبسة بملامح الأخرى تتأملها، لا يريد أن يوهم نفسه بسرابًا، فهي ليست في الوجود بينهم، هي ميتة!
ليته يقنع عقله ويصدق، لكن نبش الذكريات عنده بمثابة حلولها كحقيقة عادت تفرض نفسها عليه من جديد، تُرى هل أتت لترحم عذابه، أم لتصفعه بماهيتها؟!
طك...طك
نقرتين على باب غرفته الذي تركه مفتوحًا منذ دلوفه ومكوثه على فراشه شاردًا لا يجد لذكرى ماضيت طرفًا لينتهي، فمكث في خضمه شريدًا يسترجع ذكراه معها!
رفع بصره نحو الطارق، وقال في تؤدة:
_ تعالي يا "أمنية".
ولجت الغرفة، واقتربت في لحظات منه، ثم شغلت محلًا بجواره على طرف الفراش، ونطقت بعد ذلك وهي تراقب حاله المكشفوف عبر مرآة ملامحه:
_ الحلو ماله مش على بعضه كده؟!
_ أبدًا راجع من برا ومخنوق حبتين.
سكت هنيهة قبل أن يسبقها مسطردًا حتى لا تسترسل في الحديث وتكشف أمره، فهو بالكاد يحاول نسيان الذكرى الأليمة!:
_ ما شوفتيش "عُمر" النهاردة؟ من امبارح ما شفتهوش، يادوب جيت وكان هو برا ولمَّا رجع كنت نمت من التعب، والصبح كان هو نايم!
لم تمرر تلك الحركة بسهولة على عقلها، تعلم أنه يخبيء عنها شيئًا ما أثار حالة وهن لديه، لذا فاكتفت بوضع الأمر جانبًا الآن وتجيبه كما يريد، فهي تعرف كيف تكشف شأنه:
_ أه من سعة ما صحي الضهر وهو عند "زوزو" تحت، ومن كم ساعة خرج مع صاحبه إللي اسمه "حازم" ده، كنت سامعاه بيكلمه قبل ما يخرج.
نغصت الحيرة قلبه، وانشق عنها ألمًا وحسرة على حياة بكاملها تضيع أمامه، وهو لم يقدر على فعل شيئًا!
_ أنا تعبت والله ما بقاش فيِّ طاقة أتكلم معاه خلاص، النصيحة مش نافعة معاه، هو حر بقى بس إللي ما يرجعش ندمان.
ربتت على كتفه وقالت تزيل عنه هم مسؤلية تعرف أنه يحملها عن شقيقه التوأم منذ الصِغر:
_ معلش أهو بكرة يتعلم ويعرف قيمة وقته وإللي ضاع منه، ما ترهقش نفسك بالطريقة المبالغة دي، احنا ليس علينا سوى الإرشاد وهو بقى وحياته مسؤل عنها، وأنا إللي مسؤلة عنه اتجاهه أديته ومش هبطل أعمله لحد ما تصيب إحدى المرات، سيبها على ربنا بقى وادعيله.
سكت ولم يعقب بكلام بعد حديثها، ومكث في خضم الشرود عليلًا!
انتشلته من براثن الشرود بقولها مسطردة:
_ كنت فين النهاردة مع عمتو و "شروق"، شوفتكم وأنتوا خارجين بالعربية من البلكونة، حتى سألت ماما قالتلي ما تعرفش!
عاد إلى نفس الوضع يتذكر، كان للتو سيشكرها على مجيئها وإقامة حديث بينهم أنساه الذكرى، لكنه رجع أميالًا وغاص في ذات المشاعر الحارقة، تُرى هل يبكي الإنسان على شيء فنى؟ أيظن أن الدمع يعيد لنا عزيزًا؟ لو كان كذلك، لكان أول من عادت إليه لكونه أكثرهم بكاءًا عليها!
_ كنا في المطار، بنجيب عمة "شروق"، رجعت تعيش هنا.
ها قد تذكرت، لا تعلم كيف ومتى نسيت قدوم تلك الغريبة إلى بيتهم، لكن كل ما همها الآن هو مشاعر الأخر التي فهمت سببها للتو، تراه يعيش ألم مضى ورحل وأهله؟!
تركها فجأة واستأذن دون أن يترك لها مجال للحديث بشكل أعمق في الأمر، وتهرب!:
_ هقوم أنا أخد شاور وأفوق، ولو شوفتي الواد "عمر" رجع، قوليله اننا فوق كلنا، و"عدي" معانا.
ابتعد متجهًا صوب أحد أركان الغرفة حيث قبوع خزانته كي يُخرج ملابسه، أما هي فتركته مذعنة لرغبته التي علمت منها أنه لا يود حتى الخوض في حديث عنها، يبدو أنه يخشى لقاء نفسه الراحلة قديمًا معها، فسلك درب الهروب.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لم تضع في حسبانها أن الماضي سيحلق بطائرة وتقوده إلى حاضرهم، ظنت أنه مضى وانطوت صفحاته وجمع رحاله وسافر بعيدًا، أوهمها بسنوات غيابه، والآن يعود ويتربص لها مستدعيًا مشاعر تربطها به قديمًا، لذا فالتزمت الصمت غالب الوقت لم تفتر شفتاها عن كلمة حيال ذلك الأمر سوى أنها اشتاقت إليها، وتصنعت الفرحة وبدأت رغم ذلك الانغماس في تحضير ما يلز ويطيب لها طوال اليوم ومنذ بدايته، صارفة عن عقلها تساؤلات عبقت به، أجلتها إلى حين موعدها، فهي تعرف كيف تحصل على إجابات تريحها وبالها المضطرب قلقًا!
المواجهة كانت بمثابة دوامة لعينة، ابتلعتهما، فأصبحا في خضم ظلامها غريقتين، وكلًا منهما علقت بين أنياب الذكريات.
وقفت قبالتها تنظر في عينيها بإمعان، ما إن ولجت المطبخ ورأتها بمفردها، لم تاتي لاستقبالها، لم تهتم لأمرها وكأنها غير مرئية، هل أنستها السنوات رابطة الدم التي بينهم إلى هذا الحد، أم أنها تتهرب؟! ابتسامة جانبية خبيثة ارتسمت على ثغرها وهي تراقب خلجاتها، تبعها قولها بغموض:
_ من الواضح إنه مقامي عندك قد عمري، صغير، وإلا ما كانش إللي حصل حصل.
ابتلعت غصتها، وتظاهرت بالثبات، كادت أن ترد، لكن سبقها إضافة الأخرى بنبرة تغيرت جذريًا من فحيح الأفاعي إلى إنشاد العصافير المغتبطة:
_ وحشتيني أوي أوي فوق ما تتخيلي!
لم تكاد تنهي حديثها، حتى احتضنتها بغتة، ضمتها بقوة المشتاق وبشدة مما حُرم، حتى وإن كان ما يتوفر لديها صبارًا تؤلمها أشواكه، فستزداد له عناقًا معوضة المفقود لديها بأي طريقة، كما فعلت من قبل!
همست في أذنها معاتبة وهي تضمها بقوة لم تنفك عنها:
_ كده برضه ما تجيش المطار تستقبليني!
لم تجيبها ولازال الصمت يعقد لسانها، ظنت نفسها قوية، ستبقى على العهد ثابتة، لكنها تفاجأت بحالة عجز تامة عن الحديث، وانشغل عقلها بأسئلة أهم من حياتها وحياة تلك التي تحتضنها بحب مزيف كالعادة!
عجز لسانها عن الهتاف بحالها، لكن خلجات وجهها كانت جريئة بتعديها حدود قانون التزم به جميع انفعالاتها الداخلية والخارجية، وهو الصمت، فلاحظت شقيقتها حالة الصمت البهيم كيف رسمت على ملامحها خوف تجلى معظمه في عينيها.
_ هو أنا مش مُرحب بيا يعني، هتفضلي كده ساكتة كتير؟!
هتفت بها وهي تنظر في عمق عينيها بغموض اقتبست منه الأخرى بصيصًا لنار حرب ستندلع بينهم، ولكنها ارتابت، فالأسئلة في عقلها لازالت معلقة دون جواب، كيف ستعرف ماهية تلك النظرة إذن؟!
رويدًا رويدًا، بدأت ابتسامتها في الانبلاج من شفتيها حتى اتسعت وعرفت كيف تواري خلفهما اضطرابها الحقيقي، ثم قالت قبل أن تعود وتحتضنها هي تلك المرة:
_ لأ أبدًا، ده أنتِ وحشاني خالص والله.
كثرة الحلفان بالله عادتها، لذا فكانت دائمًا تصدقها، وشددت على عناقها لها، هي الأكبر والأحن بعد والدتها المتوفاة منذ الصِغر، وتُركت بينهم تعيش حياتها، فعُضت الحنان منها، إلى جانب والدهم الذي توفي بعد فترة وجيزة من وفاة أمها، الزوجة الثانية له.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كلما سارت الطريق موقنة أمانه، صفعتها ذكرى حسرة ماضية، فأضحت تعيش لحظات الندم من جديد، تُرى هل فعلت ما يثير كل تلك الهوائج بداخلها مرة أخرى؟ ولكن ما هو؟!
خرجت من غرفتها بعد ساعات حزن تسترجع كل ما ألمَّ بقلبها من ألم في فترة من فترات حياتها التعيسة، توجهت حيث أخذتها قدميها دون أن تحدد برغبتها جهة الوصول، حالها كحال التائه الذي تقوده أفكار، أما هو ورغباته فكانت عنها بعيدة، بينهما حاجز خوف سميك، لا تقدر على هدمه بضعفها.
_ والله يا "سحر" بخير، ما فيش حاجة، صوتي عادي يا حبيبتي مش متغير ولا حاجة، تلاقيكي بس علشان بقالك فترة مشغولة ومش بنتكلم، فنسيتي طبيعته.
_ .............
_ لا، لا ما تقلقيش، كلنا بخير هنا، طمنيني أنتِ عنك والبنات، عاملين أي وحشوني، مش هتخليهم في يوم يجوا زيارة يقضوا معايا وقت، دي "حياة" هتفرح أوي.
وصلها حديث والدتها بينما تمر على غرفة المعيشة، كانت في مواجهة الباب تجلس على مقعد يجاور الأريكة، توقفت على عتبة الباب المفتوح بجسد مهدل، وسنحة مرهقة من أثر الحزن والبكاء أيضًا. رأتها والدتها في ذات اللحظة التي سألتها خالتها عنها، عن حالها كيف يكون، وخاصة أمور علاجها، فهتفت تدعوها بينما توجه حديثها لشقيقتها:
_ طب لحظة يا "سحر" أهي جت جمبي أهي...."حياة" يا حبيبتي تعالي كلمي خالتو، بتسأل عليكِ لسة وبتطمن.
اقتربت منها دون تبسم أو أي أثر من الحبور واللهفة، أزالت عاصفة عقلها أثر كل ذلك تمامًا، ومنعت انبلاجه، لم تستطع جبر شفتيها على التبسم بخفة حتى، وقد أرهقها فكرة الخوف من أن تسألها عن حالها، فبماذا ستجيب وهي التي أهملت علاجها منذ أيام؟ من المستحيل أن تكذب!
وضعت الهاتف على أذنها ما إن جلست على الأريكة، ورحبت بصوتٍ خفيض:
_ ازي حضرتك يا خالتو؟
_ بخير يا حبيبتي، أنتِ عاملة أي، وأي أخبار المهام بتاعة تاني أسبوع، طمنيني؟!
حسنًا تحقق توقعها، ماذا ستفعل غير الكذب؟ فهي لا تجيده حتى وإن كان سينقذها من مأزقها.
تحركت والدتها من جوارها، ونظرت في أثرها وهي تخرج من الغرفة بقلق، فقد ضاق بها التوتر ذرعًا، وشعرت باختناق دموعها في حلقها قبل جفونها، حاولت بلع أنين دموعها، فأبى، وعلق كالحجر في منتصف حلقها، وتجلى أثر ذلك في صوتها المهتز حين استطردت:
_ أنا بخير يا خالتو، بببس ممكن أسأل حضرتك سؤال؟!
تجلى القلق في صدى صوتها الواصل عبر التزبزبات الصوتية المحولة إلى أذنيها، فعجَّلت بالقبول:
_ طبعًا يا حبيبتي قولي، اسألي براحتك.
استنشقت بعض زرات الأكسجين، وزفرت ببطء، لعل الاختناق يزول، لكن المنال لم تحذو به، فأكملت بصوت مختنق:
_ هو يعني...كنت عاوزة أسأل،...حاجة كده بخصوص حالتي، مدايقاني الفترة دي.
سكتت لحظة واحدة أضافت بعدها على الفور دون أن تقطع الأخرى حديثها وقد تركت لها المجال تتنفس براحة وتهزم اضطرابها:
_ أنا يعني بحس الفترة دي بندم كبير بيخنقني، ما كنتش قبل كده حسيت بيه، والغريبة إني بقيت عايشة في الماضي ودايمًا بتقابلني حاجة ...حاجة كده زي مواقف بتفكرني بكل حاجة حصلت زمان، وبرجع أندم وأحس بذنب كبير على تصرفي تجاه الموقف.
سكتت لحظات تتنفس بعمق، تمنع زخات الدمع من الهطول، سمعت الأخرى زفير مضطرب قبل أن تكمل صاحبته بصوت مهتز:
_ ف..ف..فكنت بسأل ده أي سببه، يمكن يكون أعراض حاجة تانية، أو..أو ...مش عارفة، بس أنا خايفة، ومخنوقة، ومش عاوزة أفتكر حاجة حصلت عدى عليها سنين.
عم الصمت بين الجهتين لهنيهة من الوقت، قطعه صوت الطبيبة تسألها في هدوء:
_ بالراحة يا "حياة" واهدي كده الأول، وقوليلي بالظبط امتى بدأ الموضوع ده معاكي.
أخذت تريح ضربات قلبها بشهيق وزفير عميقين، تلتمس في تلك العملية انفكاك الضيق عنها، ورفرفة تلك المشاعر الخانقة بعيدًا، ثم أجابت بهدوء بدأ يستوطن جنباتها:
_ من كم يوم، يعني بعد أخر جلسة علاج .
فكرت مليًا لهنيهة، ثم سألتها مجددًا:
_ طيب يا "حياة" افتكري كده أخر كم يوم هل في أحداث مثيرة حصلت أثارت مشاعرك دي؟ ممكن تكون شبيهة لموقف حصل في الماضي، فأنتِ عقلك بدون وعي بدأ يخليكي تعيشي نفس مشاعر الندم دي باختلاف الأسباب.
هي في ركنٍ أمن أوت إليه منذ أيام، فما الذي يصيبها في داخله؟ هي ابتعدت بإرادتها، ومنذ أيام لم يحدث مثيرًا ينشب في صدرها نار الحسرة، هي فرت لأنها تخشى القتال فحسب، أين الضرر في هذا؟ أهناك خسارة حظت بها، كرغبة من رغباتها، أو حلم من أحلامها، أو..أو عزيز غالي ألفه قلبها؛ فتألمت متحسرة؟!
لا تعلم_أو تخشى التأكد!_ من أي جهة من الثلاثة السابق ذكرهم جاءتها سهام الندم التي رشقت صدرها، فوثبت دقاته بسرعة، كشعب معترض، يهتف متحسرًا على قرار أذعن له، وبعد فترة خضوع متمثلًا الصمت، والرضى، ثار جامعًا جُل طاقته، يهتف ألمًا ألم به، ماذا فعلت كي تُثار تلك الدقات بهذا الشكل المروع، هي أرادت الأمان فحسب؟!
ولجت والدتها الغرفة في تلك الأثناء، تعلق بصرها عليها بينما تبتسم لها، عادت إلى المحادثة بعد شرود، وأنهتها باضطراب بينما تجلس والدتها جوارها:
_ ط..ططيب بعد إذنك يا خالتو، ماما معاكِ أهي.
مدت لها يدها تناولها الهاتف وخلجاتها تنطق بأمارات التوتر، يبدو أنها خرجت من صراع تفكير عميق، فتوترت، وأنهت المكالمة، ابتسمت لها والدتها بحنان قبل أن تعود وتكمل حديثها مع شقيقتها، وعيناها وقلبها لم ينشغلا إلا بابنتها التي وبعد لحظات، تركت الغرفة ورحلت في اضطراب تجلى على إيماءاتها الغريبة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لماذا نرى في مرآة العيون نسخة قديمة لطالما تغيرنا واقتلعنا عنها بعد حرب ضارية؟ هل نحن لازلنا لم نتغير بعد، أم أن العيب في العيون، لا تعكس إلا العيوب؟!
في الأمس كانت تخوض حروبًا، انهزمت فيها مرات، وعادت تجاهد بعد ضربات ضارية، لا تستسلم، لا تكل، ولم يمنعها عن جهاد نفسها سوى الموت؛ واليوم أضحت هانئة برؤية انتصارات تحفل دربها.
هتفت عمتها بغتة وهي ترمق هيئتها كاملة من مقدمة رأسها إلى أخمص قدميها متفاجئة بما أصبح عليه حالها، بينما هي تجلس أمامها على أريكة في غرفة الصالون تقبع وحولها البقية《نورا》،《روان》،《سعاد》،《منى》. تجلى تعجبها في حديثها:
_ بس اتغيرتي أوي يا "شروق"، أول ما شوفتك جاية معاهم في المطار بخمارك وجلبابك كنت فاكرة حد تاني خالص، ما كنتش عارفة إنك تبعهم غير لمَّا قربتي معاهم، فكرتك واحدة جت تستقبل ابنها والله!
بالطبع تقول ذلك لأنه لايعجبها، فهي اعتادت على صورتها بذات الحجاب الغير كامل والبنطال الضيق، اغتصبت ابتسامة مزيفة، اعتادت على مواجهة أمثالها بها حين يتخذونها مادة للسخرية أو لاستخراج العيوب من هيئة جاهدت بشق نفسها كي تصبح عليها، لكن لا يهمها، لطالما يرضى الله عنها، فما شأنها إن سُرت عيون عباد مثلها أم لا؟!
_ لا دي مالها بقى، عايشة في دنيا غير الدنيا، من سعة ما سافرتي يا أختي وهي الحال غير الحال، ربنا يهديها.
آمين يارب آمين، هذا ما هتفت به في نفسها، هي حقًا تريد الهداية، وهم أيضًا، كلنا نحتاجها مهما بلغ الصلاح في أنفسنا مبلغًا.
ردت عمتها على حديث《منى》الغاضب ولا تعرف《شروق》من ماذا، أهل ارتكبت ذنبًا كبيرًا كي تغضب منها والدتها بهذا الحد؟!:
_ سبحان الله! مش دي إللي كانت بالعافية تقوم تركعها، لا، لا يا "شروق" مش مصدقة كل التغير الكبير ده، في حاجة أكيد.
إن كانت قد خاضت حروب ضارية كي تنقلع عن تلك النسخة منها، والتي ذُكر جزء من معاصيها أمامها، فهي مستعدة لخوض حرب أعتى من الأولى كي لا تجعل سهام حديثهم المنكِّس رشقها.
ابتسمت مجاملة، ثم أنهت الحديث في ذلك الحوار بلطف:
_ الحمد لله يا عمتو، ربك يغير ولا يتغير، ربنا يغيرنا كلنا للأحسن، عن إذنك.
تحركت من موضعها، وعليها زوج من العيون يرشقها بنظراته الحانقة! اختفى أثرها، وانتهى معه تجاذب أطراف حديث عن ذلك الموضوع، حل الصمت ضيفًا بينهم، فلم يجدوا ما يلوكونه من أحاديث، أبعدتهم المسافات، والأزمان، وأنستهم طبائع بعضهم.
لاحظت《فوزية》شرود الأخرى التي كانت في وادٍ غير وادهم، بدت كأنها حزينة، تذكرت أنها منذ قريب تمت خِطبتها، وسرعان ما جرت ابتسامة خفية على ثغرها ما إن جال بعقلها ذلك الذكر!
_ فاجئتيني يا "نورا" أنتِ برضه بخطوبتك، مش كنتِ حتى تفرحيني بمكالمة! ده أنا حتى مربياكي على إيديا، نسيتيني!
اقتضبت ابتسامة عنوة، فهي ليست في حالة تسعفها كي تبرر أو تعتذر عن خطأ لم تقصده، ومن حسن حظها انتهى صراعها في مجاهدة نفسها كي تواري ما ألم بها مؤخرًا من حزن حين تولت والدتها الحديث عنها مفسرة:
_ معلش يا "فوزية" هي جات فجأة، ولو كنت معايا رقم ليكِ أتواصل معاكِ ما كنتش اتأخرت والله، حتى مواقع التواصل دي مش عندي علشان أستخدمها ولا حتى أعرفلها طريقة أستخدمها بيها، يادوب بقول ألو بالتلفون وبس.
_ هعديها المرة دي وأصدق مبرراتكم، المهم هو مين وأي أخباره؟ مش تعرفيني عليه.
وجهت حديثها لابنة أخيها في وقت كانت تقيم صراعًا في عقلها مؤلمًا هو سببه، منذ أن بدأ مفعول ما حقنها به من كلام متلاعبًا، وهي الحال غير الحال، لذا بمجرد ذكر اسمه، اختنقت، وكادت تزرف دمعًا، لكنها أنقظت نفسها حين فرت من أمامهم مستأذنه بحجة أنها متعبة تود الراحة قليلًا، لم يشعر بتغيرها أحد، فما إن اختفى أثرها، حتى بدأت والدتها بالحديث عن خطيبها ذاكرة مميزاته وأدبه وأخلاقه التي تراهم بعينٍ لا تُبصر!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانت تلقي نظرة على الطعام خاطفة، تتأكد خلالها إن كان كل شيء أعدته والدتها منذ الصباح جاهزًا، جميع الأصناف كانت لا ينقصها سوى تنظيمها برتابة في أطباق التقديم.
توجهت صوب إبريق الماء الزجاجي، راقت منه كمية قليلة في كوب كان جواره مستقرًا على رخام المطبخ البني، تناولت الكمية كلها على دفعات، ثلاث مرات، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شرعت في تجهيز الطعام بوضعه في الأطباق كي يُقدم للضيف، لكن أوقف حركتها صوب الموقد حيث وجود الطعام داخله صوت تعرفه بدأ صاحبه في التغلغل إلى الداخل، كما كانت تفعل في حياتهم سابقًا:
_ أبدًا يا "منى" ما يصحش، وأي يعني جاية من سفر، هكون نقصت أيد ولا رجل يعني، وبعدين مش البيت بيتي، يبقى أزاي مش عاوزاني أخد راحتي وأساعدكم؟!
توقفت عن الحركة ما إن وصلت أعماق المطبخ ورأت《شروق》أمامها بالقرب من الموقد، وخلفها كانت《منى》التي لم تجد سبيلًا لتعترض على إصرارها، فتركتها تفعل ما تشاء.
قابلتها《شروق》بابتسامة مرغمة عليها_لم تخرج من قلبها_ثم عقبتها بالترحيب:
_ تشرفي يا عمتو، خدي راحتك.
ذلك الصمود الذي تتقمصه تلك الفتاة غير عادي، تذكرت كيف نعتتها منذ قليل بما لا يحب سماعه أحد عن نفسه، بطريقة غير مباشرة، لكنها لم تتأثر، فأثار ذلك حنقها وتعجبها،《شروق》التي كانت ترتجف من مجرد سماع كلمة معنفة، لائمة، معاتبة، ها هي الآن تواجه كل إيماءاتها الموشية بالسلب عنها، بثبات، ووقار، ألهذا الحد تغيرت بعد سنوات غيابها؟! لنرى إذن، فالأيام كثيرًا ما ستجمعهما!
_ طب أنا هروح أجهز السفرة أنا و "نورا" تكونوا جهزتوا الأكل للتقديم.
ألقت《منى》بجملتها ثم خرجت وتركت الاثنتين في مواجهة بعضهم، الثبات يقابله الخبث، فمن سيحطم الأخر يا تُرى؟
مرت اللحظات والصمت بينهم مقيمًا، كل واحدة ملتهية في وضع الطعام المختلف أصنافه في الأطباق أمامهم، من ثم نقله إلى طاولة صغيرة الحجم في أحد أركان المطبخ، قبل أن يتم نقله إلى حيث طاولة الطعام في الصالون.
_ ما شاء الله الأكل ريحته تخبل، أكيد أنتِ إللي عملتيه يا "شروق"، مش كده؟!
سترى الآن كذبها، فهي لا تجيد صنع الطعام بمفردها، ووالدتها أخبرتها منذ دقائق أنها تعبت و《سعاد》في تحضيره، تكره تلك العادة منذ الصغر، تتذكر كيف كانت تعارض والدتها على مساعدتها حين كانت تجبرها كرهًا حتى وإن لم تأتي طوعًا.
كل تلك الأفكار الخبيثة ذهبت سدى ما إن أجابت《شروق》بابتسامة مؤسفة ما إن وقفت قبالتها وهي في طريقها إلى العودة حيث تقف أمام الموقد:
_ للأسف لأ، أنا يادوب ساعدت في كم حاجة بسيطة، وماما ومرات عمو "أحمد" قاموا بالواجب لغاية ما الأكل طلع لذيذ كده، بصراحة تسلم إيديهم.
انهت جملتها بابتسامة شاكرة على مجهودهم، ثم تحركت أمام عينان ضُرب بصاحبتهما عرض الحائط، فوقفت لحظات تستعيد ثباتها المهدر حيال خيبة ألمت بها بسماعها ما لم تكن تتوقع، هذا كذب، هي تتصنع، كيف من كانت تكذب وتواري أخطاؤها وعيوبها عن الجميع أمامها، وهي أول من شاركها الفعل ودعمه، أصبحت الآن لا تخجل من قول الحقيقة؟!
قبل أن تلتفت لها، وتكمل حديثها المستكشف لشخصيتها التي تغيرت جذريًا، وتكذب ذلك بكل ثقة، أوقفها ظهور زوجة أخيها وهي تهتف بطلب منها أن تأتي فكل شيء تم إعداده، ويكفيها ما فعلت، أيدتها بعد أن خرجت《شروق》التي قالت مبتسمة في وجهها ما إن تناولت أطباق من على رخام المطبخ تم وضع أخر صنف من الطعام فيه:
_ خلاص يا عمتو أخر حاجة معايا أهي، اتفضلي.
بادلتها ابتسامة مغتصبة، ثم خرجت قبلها بعد أن تناولت بقية الأطباق التي كانت تستقر على الطاولة الصغيرة، وعقبتها الأخرى في غبطة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في خضم البحر تُقام معارك، تضطرب بعتوها الأوصال، تُخفى عن الأعين، وينشر هدوءه نسماته السحرية التي تجذب إليه القلوب، ويخيل لقلوب الزائرين أنه، مخلوق جذاب أبدع في خلقه الرحمن، يرون جماله وهدوءه الساحر، ويتناسون أنه يضج في داخله الكثير من طبول المعارك.
هدوء البحر ليلًا يشبهه، ودهامة الليل ووحشته في أعماقه أشد، يجمع بين الحالين في لحظات من المفترض أنها راحة وسكينة للأنفس، ولكن أين الهدوء وأين الاطمئنان، جميعهما اتفقا على الخصام، ورحلا عنه منذ بعيد.
أخرجه من شرودٍ هاديء وعميق صوت طرقات على باب غرفته التي يجلس في شرفتها ليلًا يحتسي بعض القهوة ويشاهد حركة الأمواج الهادئة على سطح بحر مضطربة أعماقه، مثله!
وصل إلى باب الغرفة بعد لحظات، فتحه وهو يتطلع إلى الطارق بتعجب، لم يُترك لعقله التفكير في سبب مجيئه حين ابتدأ حديثه الذي ألقاه في وجهه دفعة واحدة:
_ إزيك يا باشمهندس "أدهم"، قبل ما تسأل أنا لي هنا، فأنا جاي أسأل في حاجة مهمة تخص الشغل، اتصلت بيك كتير، بس مش بترد، قبل بداية تنفيذ المشروع السكني بعد كم يوم، هيتم مناقشة تعديلات إنشائية بسيط على الهياكل البنائية، وطبعًا أنتَ عارف إني معاك في المشروع زي ما جاتلي التعليمات مؤخرًا، لذلك كنت عاوز أعرف امتى بالظبط هنجتمع مع باقي المهندسين؟ علشان أقدر أحدد التعديلات معاكم.
أجابه باختصار دون إطالة في الحديث:
_ بكرة إن شاء الله، تشرف في مكتبي، هنستناك.
أومأ له برأسه من دون تبسم، ثم أطلق فاهه كلمات تودعه رد عليه الأخر بأخرى مودعة ووقف يراقبه بينما يتحرك مستديرًا على أعقابه كي يعود إلى غرفته، لم يتردد في فعل ما جال في عقله، فنفذ أوامر تقوده للأصلاح حين هتف يستوقفه بعد أن تخطى أعتاب غرفته:
_ باشمهندس "بكر" لحظة.
توقف هو والأخر أيضًا ما إن وصله صوته، فالتفت يطالعه بنظرات مستفسرة أبصرها 《أدهم》جيدًا ما إن اقترب منه ووقف قبالته في طرقة تحوي غرفًا مجاورة.
أفصح له عن مكنونه بندم:
_ أنا بعتذر على إللي حصل ما بينا أخر فترة، أنا عارف إنه صعب على أي حد يتحط في موقف زي ده ويتم اتهامه بشيء غبي زي ده، وما يزعلش، وده تسرع مني أنا استحق عقاب عليه، أتمنى ما يكونش في أي زعل ما بينا لسة، ونفتح صفحة جديدة.
رفع كفه في نهاية حديثه ينتظر منه مصافحة تحمل بين طياتها السماح، هو مخطيء، ولا يحب أن يترك بينه وبين الأخرين ثغرة ضغينة بسبب سوء ظنه وارتيابه الذي يبتلعه قبل البقية في ظلامه، ألا يصح له أن يحل الأمر بدلًا من أن يسير دربه يكرر الخطأ؟!
أخفى في جوفه ندمًا متكررًا، وتغاضى عن سؤال أزعجه بينما هو شارد ويمد كفه للأخر كي يصافحه، والذي اتسعت ابتسامته وعانق كفه بحبور وقبول شديد تجلى في صوته المنتشي بتلك الفرصة الذهبية التي أعطاها له، وهو أن يكون صديقًا يؤنس وحشته:
_ ولا يهمك يا باشمهندس "أدهم" ، حصل خير، أكيد ما كنتش تقصد واتلخبطت الأمور عندك، بس أنا نسيت كل حاجة، وحقيقي فرحان إني هكون صديقك من النهاردة كبداية جديدة.
صُعق عقله واختفت ابتسامته، وتبدلت الملامح إلى الوجوم، بماذا يهتف ذلك الفتى، هو لم يلمِّح له بذلك حتى! شعر بانزعاج شديد، كاد أن يخرج من صرحه ويهتف في وجه الأخر صائحًا، ينفي كل ظن خاطيء، هو لم يقصد بحديثه أن يكون له صديقًا، هو لا يريد تلك العلاقة أبدًا؟ ولكن ما أنقذ الأخر عنه هو هاتفه الذي صاح فجأة بنغمته، فودعه《بكر》على عجل وهو يرد على المتصل، وتركه فريسة لوحش متجبر، وهو عقله.
ولج غرفته في حالة مضطربة، استحال هدوءه المزيف الذي كان عليه سابقًا إلى أمواج عاتية خرجت من خضم أفكار ترتطم في جنباته من الضيق والرفض الشديدين؛ غبي كيف لا توضح له قصدك، وتتركه يفهم على هواه؟ أخبرني كيف ستتخلص من ذلك الأبله هو الأخر، سترفضه وتدفعه عنك بالحديث الجارح؟ هل يهون على قلبك كسر خاطره؟!
زفر بقوة هادرة فيها طاقة سلبية تجمعت في لحظات تموج في نفسه كالبحر المضطرب بأعاصير عاتية، أخذ يهدء من حالته وهو يستغفر بينما يمسح على جبهته في توتر بالغ وهو جالس على المقعد في شرفة غرفته، توقفت أنامله عن الحركة فجأة فوق ندبة لازالت تؤلمه كلما تذكرها وليس كلما رأها أو لمسها بأنامله...
أثر عقله الشرود في يوم مشؤوم، تكتفت فيه الأيدي وسُلبت منه قواه فلم يستطيع الدفاع عن نفسه أمام مجرمي السجون، فانتهت الحرب بالوصم أمام نفسه بالعجز لمَّا أُهدرت كرامته ومُثل به أمام الجميع كدرس لهم كي يخافوا ويذعنوا، وليكون عبرة أمام كل من يهمَّ بعدم الخضوع لسلطة مجرمي السجون، وكانت تلك الندبة أخر درس يُعلم لهم! بعد أخريات مثلها وأشد في شتى أنحاء جسده.
انتفض بغتة وبقايا ذكرى حادثة مؤلمة يخجل من نفسه كلما تذكرها عالقة في عقله، كسروه، أهانوه أمام الأعين الخائفة والضعيفة مثله، وهل هو ضعيف؟!
تحرك في اضطرب بالغ أثار نيران الغضب في نفسه، وأسرع حيث المرحاض كي يطفئها بمكوثه تحت شلال من الماء البارد ينهمر فوق جسده كله على نفس الحالة دون أن يخلع ملابسه، ولكن برودتها كانت عاجزة أمام نيران تحرقه، وتزداد كلما تذكر أن سعده الوحيد بين أصدقائه، هو سبب نيرانه التي أحرقت جسور الثقة بينه وبين من حوله، فطال مكوثه إلى أن نسي نفسه تمامًا والبرودة التي بدأت تغزو جسده خِفية!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman