◇◇ما خطبها؟!◇◇

◇◇ما خطبها؟!◇◇

28 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_العشرون.

تعافي_النفوس_الجزء_الأول.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

إن القلوب بيد خالقٍ وهابٍ،

يهبُ العبادُ بما يشاءُ سبحانهُ.

هو العزيز لا شيء يُعيقُ إرادته،

متى قال لأمرٍ كن فيكون.

قد كان حبي لها أمراً مُراداً،

وما كان قلبي إلا عبداً مُطيعاً.

_ مريم عثمان.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

التفت الأخر يمينه بتعجب مُقلق ما إن تفقد بكفه الذي حركه ليحتض كف الأخرى فلم يجده، فتوقف بسرعة وأدار بصره للخلف والأخر كذلك بعد فهمه الأمر، ليُصدم الاثنين بها طريحة الأرض لم تبدي أي حركة، أسرع الاثنين بفزع إليها، فجثى《وسام》على ركبتيه يحاول إفاقتها للحظاتٍ وجيزة فلم تستجب، فحملها مسرعاً بين يديه وسار بها ركضاً نحو سيارته القريبة منهم بتلك اللحظة والتي وصل إليها 《يحيى》قبله يفتح له الباب الخلفي، ثم على عجلٍ دلفها وتولى قيادتها بسرعة صوب مستشفى قريبة بتلك المنطقة، غير ملتفتاً لتلك النغزة بقلبه الذي أنفطر خوفاً لم يكن أقل من شقيقها، وكأنه على مشارف لفقد شيئاً ثميناً. دقائق متوسطة وتوقفت السيارة أمام المستشفى، ونزل هو مسرعاً حاملاً شقيقته بين يديه والتي كانت وخلال الدقائق الأخيرة قد استعادت وعيها جزئياً، استقبلته الممرضة وقد أخبرها بأنها حالة إغماء، فأسرع أحد المساعدين بجلب سرير متحرك نُقلت به صوب غرفة الطوارىء ليتم فحصها وعمل الإجراءات اللازمة لحالتها. كان قد هاتف والدته بعد أن تفاجأ بها تستعلم عن حال الأخرى ولِما تأخروا في مجيئهم، لتتفاجأ به يصدمها بما حدث، فحاول تهدئتها ووعدها بأنه حين خروجهم سيهاتفها ويطمئنها. عقله مشوش، يحاول معرفة سبب حالتها المبهمة، لكنه لم يقدر وارتاب كثيراً وتعددت التساؤلات في عقله؛ أيمكن أن يكون إغماء عادي بسبب ضعف صحتها المعتادة؟ أم سببها مختلف هذه المرة؟ لوهلة وهو يتذكر حالتها قبل الاغماء وكيف كانت مُقبلة على مواجهة إحدى مواقفها المقلقة، راودته احتمالية حدوث تلك النوبة، ولكن الغريب في الأمر أنها لم يسبق لها فقد وعيها بسببها، على أي حال كيف لا يضع بالحسبان أنها ستتعرض لهذه النوبة، كيف لم يكن بجانبها هذه المرة ويساعدها لربما لم يحدث ما حدث، قبض كفه ضاغطاً بقوة إثر عاصفة غضبه وعدم رضاه عن نفسه وكيف وقع في خطأ كهذا، حتى أنه قال يعنفها بصوت خفيض بينما هو يقف بجوار مقاعد جلس على بعضها قليل من أهالي المرضى:

_( غبي، غبي)

لاحظ 《يحيى》سلوكه المتوتر وهو يقترب منه بعد أن أنهى مهمته في ملىء بيانات المريض؛ فقد كان الأخر منشغلاً بحالة أخته ولم يسعفه قلقه عليها في فعل ذلك الأمر، اقترب يقف بجواره واضعاً كفه على كتفه وقال محاولاً طمأنته:

_ اطمن هي هتبقى بخير بإذن الله.

للحقيقة، كانت تلك الكلمات مطمئنة لقلبه قبل الأخر، يحاول بها أن يهدء من جلبةٍ أحدثتها نبضاته الخائفة بتلك اللحظة، دقائق متوسطة وكان الطبيب خرج متوجاً صوبهم ومعه ممرضة تسير بجواره عرفها《وسام》ما إن رمقها وقد استقبلته منذ قليل، قطع تلك المسافة قبلها متوجهاً نحوها والأخر خلفه، فيبدو أنه لم يصبر لبضع ثواني حتى يطمئن على شقيقته، أجابه الطبيب مفسراً بعد سؤاله بلهفة على الأخرى:

_ اطمن هي فاقت وحالتها دلوقتي طبيعية، ومن خلال إجراء عدة فحوصات اتضح إنه مفيش مشكلة مقلقة، وخاصة بعد ما اطمنا على حالة القلب وكذلك مستوى السكر والأكسجين في الدم.

ارتاح قلبه كثيراً وكذلك الأخر الذي عادت نبضاته تطمئن، أكمل الطبيب بعد لحظة سكوت يفسر حالتها:

_ بس واضح حضرتك إنها تعرضت لضغط نفسي زي خوف أو قلق شديد، لأنه من حديث المريضة عن أعراض ظهرت قبل فقدان الوعي، زي دقات قلبها السريعة وضيق التنفس، وإلى كانوا أحد أسباب نقص ثاني أكسيد الكربون في الدم نتيجة فرط التنفس، ففقدت المريضة الوعي، بالإضافة لحالة الإجهاد القصوى إلى مرت بيها ونظراً لضعف حالة المريضة الصحية فمقدرتش تتحمل وفقدت الوعي.

كان الأمر بالنسبة له معلوم، وقد شك في الأمر منذ لحظات، لذا فأبدى فهمه للطبيب وهو يحرك رأسه بذلك، بينما《يحيى》كان متعجباً، يُنصت لحديث الطبيب بعد فهم؛ فما الذي يعرضها لخوف لدرجة فقدان وعيها بسببه؟أضاف الطبيب ينهي حواره بتلك التعليمات:

_ من الأفضل تشوف طبيب نفسي، علشان تعالج مشكلة النوبة المقلقة، وكمان متنساش تخليها تهتم بصحتها أكتر، وتتغذى بشكل أفضل، هي دلوقتي بخير وتقدر تخرج، بس المحلول إلى معلقينه يخلص، ألف سلامة عليها، عن أذن حضراتكم.

استأذن منهم باحترام وابتسامة بسيطة، ثم تحرك من أمامهم ليتولى حالات أخرى من المرضى المتوافدة خلال هذه اللحظات، بينما《وسام》التفت يتنهد براحة قليلاً اختفت ما إن طالع الأخر الذي بدى وكأنه لم يفهم شيء من حديثه، فما خطبها تلك الفتاة؟ وما شأن صحتها النفسية؟ أقلقه الأمر أكثر وشغله، ففهمه《وسام》من تلك النظرات المتعجبة التي تشي بتيه الأخر، لذا فلا بد من كشف الأمر أمامه وإخباره بكل شيء، فهو يعلم أن شقيقته سيمنعها قلقها المعتاد من أن تتحدث معه من الأساس، فلا بد من كشف الأمر، تفوه بكلماته الغامضه يعد الأخر قبل أن يرحل لمبتغاه:

_أنا عارف دلوقتي إنك بتتسائل هو إي علاقة الطب النفسي في الموضوع، لذلك بطمنك وأقولك قريب هكون معرفك كل حاجة تخص حياة وحالتها، بس الأول خليني أطمن عليها.

أومأ له ببطء، وهو يصبر نفسه لوقتٍ وجيز كي تنتهي استفهامات كثيرة بعقله، فهو من البداية كان يعلم أن أمرها ليس بطبيعي ولكن تغاضى عن الأمر لكونه التفت لمحاسنها، توجه《وسام》صوب الغرفة المتواجده بها، كانت هي تستعد للخروج بعد أن أزالت لها الممرضة ما كان معلق بيدها من محلول أمر به الطبيب أن يتم وضعه لها ليمدها بطاقة تدعم ضعف صحتها، والتي كعادتها لم تتذكر أنها لديها صحة فتهتم بها، فيبدو أن الشهية لازالت على حالها مغلقة، خرجت الممرضة تزامناً مع دلوف《وسام》الذي اقترب يضمها إليه بلطف قبل أن يجلس أمامها على الفراش ويقول بخزيٍ من نفسه يعتذر لها عن ما وقع بسببه:

_ حقك عليا أنا، أنا السبب في إلى حصل والغلط كله غلطي.

لم يكن الأمر بالنسبة له سهلاً كي يتقبل سهوة منه خرجت في صورة قرارٍ خاطىء، هو لا يحب ذلك في نفسه أبداً لكنه حدث والآن ستنال نفسه من عبارات اللوم الكثير. حركت الأخرى رأسها نفياً قبل أن توقفه عن لوم نفسه المعتاد حين يخطئ:

_لأ يا"وسام"، كل إلى حصل كان مكتوب إنه يحصل بيك أو من غيرك، يعني مكناش هنقدر نمنعه، فمتلومش نفسك علشان خاطري.

ابتسم باقتضاب وحاول تصنع أنه متقبلاً للأمر، لكن الحساب بينه وبين نفسه في النهاية فلا داع لإقلاق الأخرى معه، تحركوا معاً بعد لحظات حتى وصلوا إليه يقف في نفس مكانه السابق، كانت متوترة من رؤيته لها بعد تلك الحالة المخجلة التي شهدها عليها، فكانت تسير بجانب شقيقها تتمسك بذراعه وهى ترمق الأرض، تحاول محادثة نفسها أنه لم ينتبه أو يتذكر حالتها، أسرع يقترب منهم باذعانٍ لقدميه اللتان أخذتاه إليهم ما إن لمحهم، وقال بلهفة لم يستطع إخفاؤها أو حتى التحكم في اضطراب مشاعره:

_ألف سلامة على حضرتك يا "أنسة" حياة، أنتِ بخير دلوقتي؟

رغم أن الطبيب طمأنه منذ قليل، إلا أنه انجرف نحو قلبٍ ود معرفة ذلك بنفسه، كانت مضطربة قليلاً، حتى أنها أجابته برعشة في صوتها وهى تطمئنه على حالتها والتي تعجبت من سؤاله الملهوف عنها، فزاد ذلك من نبضات قلبها، قالت باختصار:

_ بخير.

_يارب دايماً أشوفك بخير.

اندفع بها دون تحكم لا في لسانه ولا قلبه الذي طغى على العقل لاغياً دور تحكمه، فأخرج ما بجبعته بين طيات كلماته، شعر هو بخطأ ما ارتكبه فعزم على ترك المكان حتى لا يزيد في خطأه، واستأذن متحركاً صوب الخارج قبلهم بحجة استعداد قيادته للسيارة، لاحظ 《وسام》ذلك الموقف المحرج فابتسم ضاحكاً على حال الأخر وكيف تهرب بعد اندفاعه، بينما هى سارت برفقته وعقلها شاردٌ بتلك الدقات المتسارعة، ولا تعلم تلك المرة لما رغم أنها لا تحب تسارع تلك الدقات المزعجة، إلا أنها هذه المرة مختلفة، مريحة ومذاقها حلو.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كان يجلس بينهم بتكلفٍ، متحاملاً على نفسه المشقة وقد غُصب على ذلك، فهو يود كسب محبتهم حتى لو بالزيف كي يتم ما جاء لفعله، لذا فاضطر على الموافقه لدعوة《مصطفى》له في أن يبقى قليلاً معهم يشاركهم جلوسهم المعتاد بتلك الغرفة القابعة بالطابق الأرضي، فبعد أن أنهى هو زيارته للأخرى والتي لم يستطع الانفراد معها في الحديث لثوانٍ حتى، فذلك المدعو ب《عمر》قد هدم كل خططه وجعله طيلة تلك الفترة حانقاً ولم يأخذ راحته، دعاه《مصطفى》لمرافقتهم بعض من الوقت، فأذعن لإصراره عنوة، أربكته تلك العيون الثاقبة له بتلك اللحظات، بل طوال فترة جلوسه معهم وهى لم تُزال من عليه، وكأنها تراقبه، زاد ذلك من توتره وخشيته من أن يسهو في حديثه ويخطىء، فتُكشف بذلك حقيقة أمره المزيف ويشك الأخرون به، وقد كانت تلك العيون عيون《أدهم》الذي عاد من عمله ليجده معهم فحثه ذلك الأمر بداخله على البقاء وعدم التوجه لمكانه المعتاد. كان حديثهم الجاري بتلك اللحظات الأخيرة عن العمل بالخارج، والذي فتح ذلك الموضوع معهم هو《سمير》حين ذكر لهم بتصنع شكواه من سلبياته، حينها قال بيأس لم يُجد تصنعه كثيراً وقد أربكته عيون الأخر:

_ والله العيشه هناك صعبة، وظروف العمل برضه صارمه، حتى الأجازات منعوها عننا، ومش بنقدر ننزل هنا مصر.

لم يلتفت لتلك السهوة البسيطة، فشعر الجميع بغرابة الأمر والمبالغة فيه، طالع الوجوه أمامه فارتبك من تلك النظرات المبهمة، فيبدو أنه لم يستطع قول ما رتبه من كلماتٍ بسبب فرط توتره من أن يخطئ فحدث ذلك، وقبل أن يُصلح الأمر ويكمل بحديث أخر مزيف، سبقه《عمر》الذي كان يجلس بجوار《أدهم》 على أريكة قبالة الأخرى التى جلس عليها هو، وقال بتهكم وقد فشل الأخر في إقناعه:

_ويا ترى الظروف الصارمة وصلت إنها تخليك تنزل مصر مرتين ورا بعض كده، ولا يكونش ده مش أنت وده شيطان تلبس بهيئتك؟ أنا بقول نستعيذ بالله علشان نتأكد...

رمقه في تلك اللحظة والده بغضب حتى يتوقف عن استهزائه، فصمت سريعاً، بينما 《سمير》 أُثير حنقه بحديثه المتطاول، فاقتضب ابتسامة مزيفة وهو يطالع الأخر وكذلك البقية قبل أن يُكمل بشيء من الغيظ جاهد إخفاؤه :

_ يا استاذ "عمر" أنتَ لو صبرت كنت فهمت، أنا لسه مكملتش حديثي، أنا بقول مش بقدر وده في غالب الوقت، لكن دلوقتي ظروف خاصة قدرت بالعافية كمان إنه أخد إذن علشان أنزل هنا.

سكت هنية يطالع الوجوه من حوله والتي لازالت بادياً عليها التعجب، فأضاف هو يغير مجرى الحديث بعد أن جالت بعقله تلك الفكرة:

_ وكمان أنا عارف إنكم أكيد قلقانين على "نورا" ومستقبلها معايا وهل هي هتبعد عنكم وتعيش معايا ولا لأ.

لم يكن ذكر الأخرى أمامه بهين وخاصة بتلك الطريقة الروتينية وكأنها صارت زوجته، فقد اشتعل لهيب قلبه حنقاً من الأخر والذي أكمل بعد برهة قليلة يلقي عليهم خطته القادمة:

_ وعلشان كده بطمنكم إنه ده مش هيحصل، لأني كمان قريب أوي راجع مصر أنا وبابا وماما، وهبدأ أدور على شغل مناسب هنا.

تلاشت تلك النظرات من عليهم، وسُر البعض بالأخبار والذي كان منهم《مصطفى》حين دعى له :

_بإذن الله يا ابني، ربنا ييسر أمرك إن كان خير.

عادت ابتسامته المزيفة تظهر، ثم أُكمل حديثهم بعد ذلك برئاسة《أحمد 》والذي كان يستعلم عن طبيعة ذلك العمل ومنذ متى وهو يعمل به، كان وكأنه يحقق معه، فأربكه ذلك كثيراً، فالذي خشي الوقوع فيه قد حدث، كان يجيب على كل سؤال دون تفكير مسبق كالعادة، فقط ما يهمه أن ينتهي ذلك الوقت الثقيل ويرحل، بينما الجميع كان يستمع باهتمام لحديثهم الجاري، كان هو قد شرد في الأمر وكذلك حديث الاخر، فذلك المدعو ب《سمير》غامض وحديثه كله تكلف حتى إيماءاته، فلم يقتنع بعقله بحرفٍ خرج من فاهه، مرت دقائق بسيطة واستأذن الأخر بحجة الراحة قبل سفره وعودته لعمله بهذه الساعات المُقبلة، ورحل تاركاً الاستفهامات بعقول الأخرين خلفه.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

_برضه كده يا ابني توقع قلبي عليها، مش كنت تطمني بعد خروجكم.

قالتها《سهير》تلوم الأخر الذي جلس على أريكة جاورت التي كانت تجلس عليها هي وابنتها المحتضنة لها في ذلك الوقت، فمنذ أن جاء وهي معه وكان قد طمأن والدته على حالتها، وهي بين أحضانها الحنونة، زفر بعمق ثم أردف معتذراً قبل أن يلقي بأسبابه التي منعته عن فعل ذلك:

_معلش يا ماما مكنش قصدي أقلقك، بس وأنا في المستشفى موبايلي خلص شحنه، فمقدرتش أكلمك تاني.

_ مستشفى! وأنتَ روحتها لي يا "وسام"؟

أقلقه الأمر ما إن سمع حديثهم بعد دلوفه إليهم في نفس اللحظة مما جعله ينطق بها بجمود قليل في نبرته لم يستطع اخفائه، التفت الجميع له ما إن سمعوا صوته الذي دب أوصال الأخرى الفزع ما إن سمعته فانتفضت برجفة وهي بين أحضان والدتها وقد شعرت هي بها فزادت من ضمها إليها بحنو، اقترب منهم يقف أمامهم وأعاد نفس السؤال ولكن تلك المرة بجمود أكثر، فأجابه 《وسام》 لينهي ذلك التوتر :

_ كنت بطمن على "حياة" بعد ما فقدت وعيها يا بابا،........

ثم أكمل باختصارٍ وبفترة وجيزة قاصاً عليه ما حدث، وذلك دون أن يخبره بتفاصيل علاجها ونوبتها، لاحق نبضاته شيء من السرعة وهو يستمع لحديث الأخر، فقد أقلقته حالة ابنته المتدهورة، لذا فأسرع يطمئن بكلماتٍ غلفها الجمود:

_ والدكتور قالك اي عن حالتها وهى كل شوية تقع من طولها كده؟ أكيد إهمال في صحتها نتيجة الدلع.

لم تكن تلك الكلماتِ لتخرج من مكنونٍ بداخله يُخفى، فقد اعتاد على أن يخفي حقيقة شعوره مبدياً بذلك الجمود وكأنه لم يشعر بحال غيره، رغم تضاد ما بجوفه، أجابه《وسام》بكل هدوءٍ يطمئنه على حالتها وذلك بعد أن وقف أمامه، ثم استأذن ليتجه نحو غرفته يبدل ثيابه، حتى هي لحظاتٌ وكانت تبعته صوب غرفتها، فلم تكن لترتاح منذ أحداثٍ مرهقة. جلس بجوارها، وأسند ظهره للخلف مُلصقاً إياه بالأريكة خلفه، ووضع على حافتها رأسه وكأنها في وضعية النوم، يحاول بذلك أن يريحها من همٍ قد شغله، وكله متعلق بنظرةٍ ملفتة لحياته الأسرية، يقنع نفسه تارة بأن يغير ما بنفسه وسلوكه، لكنه ما يلبث ساعات إلا وينسى فيقع في نفس أخطائه الماضية، يقول على لسانه كل كلمة كانت تؤلمه، يبدي نفس سلوكٍ بل وحياة مماثلة كانت توجعه، هو لم يدرك سبب كل هذا، فقط وقع في فخ نظرة سطحية لنفسه فأدرك أنه هكذا، دون حتى أن يغوص في أعماقه ويعرف مكنون ما بها، خرج من شروده المقلق في أمر ابنته والذي زاد من شدة خوفه عليها هو حالتها تلك، ليلتفت لحديث زوجته《سهير》محركاً رأسه يرمقها وهي تؤنبه على جمود سلوكه الدائم:

_ هتفضل لحد أمتى يا "أمجد" تتعامل بنفس طريقتك الصعبة دي، لحد ما تبعد عنك وتتجوز؟

زفر بعمق بعد أن التفت برأسه أمامه، وضاق صدره من حديثها؛ فهو لا يُحب أن يُطلع على عيوبه أو حتى تُذكر أمامه، بينما هي أضافت تلك المرة تلامس بكلماتها المتمنية قلبه لربما يستجيب ويلين طبعه:

_طب حتى خليها تعيش الكم يوم إلى فاضلين ليها في البيت فرحانه، من غير قلق ولا كلام يوجعها.

لم يكن ليجيب وقد تملك الضيق صدره، فهو منشغل الآن بتأنيب نفسه حتى حنق عليها ولم يرضى عنها، حركت هي رأسها بيأس، فيبدو أن الأخر أمره صعب، ولم تتغير تلك الطباع بسهولة، لحظات وكانت قد تحركت تاركة الغرفة له، ولوهلة وهو بمفرده جال بخاطره فكرة أقلقته، ماذا بعد فراق الأخرى؟ شغلته الفكرة حتى غاص بأفكارٍ مؤلمة وهو يتخيل كيف رد فعله بعد أن يخلو البيت منها ومن ابتسامتها الجميلة، دون حتى أن يقضى معها وقته الكافي كأي أب يمارس حياته الأبوية بحنو وحب مع ابنته، هل سيندم يوماً ما على جفاءه؟

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

_اي بس إللي مزعلك يا حَجة؟

تفوه بها《مصطفى》ليطمئن على حالها وقد لاحظ كثرة سكوتها أثناء جلوسهم معاً منذ دقائق قليلة، فبعد أن أدى صلاة العشاء، توجه إليها وقد علم عدم اجتماع الشباب أو الفتايات حولها هذا اليوم، فعزم على أن يؤنس وحدتها، خرجت من صمتها الطويل وقد كانت تستمع لاحاديثه فقط، وقالت بغلبٍ من أمرٍ همّها:

_ وهو في حاجة يا ابني مغلباني غير البيت ومشاكله، ربنا يهدي نفوسهم يا ابني، ربنا يهديهم.

يبدو أن هناك معضلة حدثت وهو لا يعلم عنها شيء، فنبرتها الحزينة تلك ما توحي إلا لضائقة كبيرة بصدرها، ضاقت المسافة بين حاجبيه وهو يسأل بتعجب مثبتاً بصره عليها:

_ مشاكل؟ مشاكل اي إلى مدايقاقي بالشكل ده يا حَجة؟ هو في حاجة حصلت وأنا معرفش؟

ما كان لها إلا أن تشكو وتبوح له عن ذلك الأمر، كعادتها، فهو أكثر أبنائها قرباً لكونه أكثرهم سمعاً لشكواها، مهتماً لهمومها، ورغم ذلك فهي لم تفرق بين أحدٍ منهم ولا أبنائهم، أخرجت زفيراً عميقاً ثم قصت عليه حديثها مع شقيقته 《منى》صباحاً وكيف صدمتها ابنتها بمكنونها، أنهت حديثها وقالت بعدها تدعو لابنتها بغلبٍ:

_ربنا يهديكي يا "منى" يا بنتي، ويهدي قلبك القاسي عليكِ.

لم تكن الصدمة عليه قوية، فهو يعلم الأخرى عنيدة، ولكن ليس لهذا الحد الذي يجعلها تخبىء أمرٌ كهذا عن ابنتها وتحيك الخطط كي تُنفذ ما بعقلها، خرج عن صمته وقد شغلته تساؤلات عدة، وقال:

_ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، منى لما تنفذ إلى في دماغها، تعمل كتير، أختي وعارفها، بس مش للدرجة دي، عارف إنه حقها تطمن على بنتها، بس ده مش مبرر علشان تعمل كده، وإلا لو كان في حكاية تاني، ربنا يهديها.

سكت هنية تنهد خلالها بعمق، ثم أضاف يطمئن الأخرى:

_ متشغليش نفسك أنتِ بس وتزعلي، أنا هبقى أتكلم معاها وأعرف مالها، رغم إنه البراءة كانت قدام عيونا وعرفنا كلنا إنه التاني ملهوش يد في الموضوع، بس نحاول، يمكن تكون حاجة تاني مزعلاها مش أكتر.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

حسنناً وبعد تلك الصدمات والانشغالات المقلقة للعقل، لا بد من أن نُعيد للنفس طاقتها التي أُهدرت، حتى نعود ونقف من جديد. مكث في المسجد بعد أن أدى صلاة العشاء برفقة خليله، يقرأ بعض من آيات الله بعد صلاة العشاء كعادة صار عليها ولم تكن بمثابة شيء إلزامي عليه، ويستطيع قراءته في أي وقت أخر، دقائق متوسطة كان قد أنهى فيها من قرائته واطمأنت النفس، وبقي في مكانه بذلك المسجد بأحد أركانه على مقربة من خليله الذي كان لم يُنهي هو الأخر قرائته للقرآن، لذا فمكث هو منظراً إياه، حتى شرد فيما شغل عقله منذ بضع ساعات قليلة، ما خطبها؟ هذا ما تردد في عقله، وعاد قلبه ينبض بشيء لا يفطنه، ولكن يبدو أن أمرها مهم بالنسبة له، فرغم أن عقله قلق لحدٍ قليل ليعرف ما الذي تمر به الأخرى وحالته، إلا أن القلب بالغ في رد فعله وقد نبض خوفاً، تنهد بعمقٍ، ثم عاد ليشرد بأمرها، بقلبٍ وعقلٍ قد انشغلا كثيراً في التفكير ولأول مرة.

أنهى قراءته لبعض من آياتِ الله عز وجل، ثم أعاد المصحف لمكانه بعد أن وقف وتحرك صوبه بخطواتٍ هادئة، وقف بالقرب منه متحججاً ترتيبه لهيئة المصاحف الغير مرتبة قليلاً بعد أن أعاد الأخر الذي قرأ منه، عقله متخبط، لا يدري كيف يبدأ الحوار معه، ناوبه شىء من التردد والثِقل في فعل ذلك وأخذ تلك الخطوة كبداية جديدة متوكلاً على الخالق أن ييسر له هذه المرة ويستمر، ولكن مهلاً ماذا إن عاق طريقه نفس الأسباب التي كانت منذ فترة لم تكن ببعيدة، تذكر تلك المعضلة التي تعوق طريقه، مما دفعه على التحرك بكهلاً مثقلاً بالخيبات وقد غلبه تردده، فعزف عن أخذ تلك الخطوة، وقبل أن يبتعد قليلاً أوقفه صوت الأخر الذي شعر من إيماءاته وسلوكه المتردد فى الاتجاه صوبه، لذا فناداه بصوته الرخيم بعد أن أغلق المصحف الذي كان يقرأ فيه:

_ تعالى يا "شهاب"، متمشيش عاوزك تقعد شوية معايا.

استدار بجسده ملتفتاً له ثم تحرك اتجاهه وهو يبادله نفس الابتسامة البسيطة، جلس القرفصاء أمامه وقال بتعجب من بين ابتسامته الخفيفة:

_ حضرتك عارف اسمي كمان يا شيخ "بلال"، ده أنا حتى جديد هنا!

حرك رأسه بايمائة بسيطة تبعتها قوله متلطفاً:

_لاحظت إنه فى رفيق جديد ملازمني في نفس المكان وبيقرأ قرآن بعد كل صلاة، فقولت لازم أعرف مين جليس القرأن ذا الوجه الحسن ده، و أديني أهو بناديك بيه.

سُرت عيناه قبل أن تُرسم تعابيره السعيدة على ثغره ما إن لامست كلمات الأخر الطيبة نفسه، وقال بابتسامته مرحباً:

_ده شرف ليا والله يا شيخ "بلال" إنك تعرفني، أنا بصراحة خدتها عادة من حضرتك و بحاول ألتزم عليها، عقبال بقى ما أخد الخطوة وأحفظه.

يبدو أنه لم يُفلح في إخفاء مكنون أفكاره وأمانيه فخرجت دون وعي منه، أردف الأخر يحثه على الأمر:

_ يسر الله دربك يا "شهاب"، خطوة جميلة، خدها مستني اي؟ املأ وقت فراغك وانشغل بحفظه في فترة مراهقتك ، مش كده برضه؟

حرك رأسه مؤكداً وأضاف يخبره عن نفسه بعد أن فطن سؤاله:

_أه فعلا، أنا لسة متخرج من الإعدادية وكمان كم اسبوع وهبدأ في الثانوية.

_ حفظك الله وبارك في عمرك يا "شهاب"، خذ الخطوة ولا تتردد، فهذا والله لأجره كبير أن تكون من أهل القرآن.

دعا له الأخر أن يبارك في عمره، ثم عاد يحثه على حفظ القرآن، فهذا بالنسبة لهما بمثابة أجرٌ كبير، أن تكون سبباً حتى لو بكلمة لتوجيه شخصٌ نحو درب الهدى، حثته تلك الكلمات على أن يبوح ولا يجعل ذلك التردد يغلبه، فقال بترددٍ بعض الشىء:

_ أنا ..أنا كنت جاي أتكلم مع حضرتك في الموضوع ده بصراحة، بس.. بس ترددت شوية.

لا يعلم سبب تكلفه في الحديث ومبالغة تردده، إلا أنه تفهم طبعه، فلربما هو خجول بعض الشيء وغير معتاد على الحديث مع غرباء بروتينية، تفوه《بلال》بهدوءٍ يحثه على القول دون تردد:

_ قولي وأنا سامعك، مش احنا رفاق؟ ولا نسيت الكم يوم إلى قضيتهم جمبي بتقرأ قرآن.

ابتسم بخفة على فكاهة الأخر البسيطة، ثم أردف يخبره بمطلبه الذي تردد فيه:

_أنا بصراحة عرفت صدفة إنه حضرتك بتحَفَّظ قرآن وكمان في نفس العمارة إلى سكنت فيها من قريب، وده اداني دافع كبير إني أكمل طريق بدأته وسيبته بسبب كم ظرف يعني، لذلك كنت جاي أطلب من حضرتك تضمني لأي مجموعة تناسبني وأبدأ الرحلة من جديد.

أجابه مُرحباً وبشدة بعد أن رسم ابتسامة خفيفة:

_ بس كده من عيوني، بس هتكون لوحدك لأني أنا حالياً مش بحَفَّظ غير عدد يسير وكلهم أطفال.

بمفرده! إذن لا بد من أن التكلفة ستكون ثقيلة، سكت لحظات يفكر كيف يقنع والديه بذلك وهم كانوا أحد أسباب امتناعه المرة السابقة بحجة ثِقل المصاريف التي تكفي فقط قوط يومهم، ولكن مهلاً هو سيبحث عن عملٍ كما خطط في الخلاء لفعل ذلك وسيكمل الطريق، أومأ له موافقاً واتفقا على التوقيت والمكان ثم رحل، وبقي هو وخليله الذي كان قد أنهى قراءته للقرآن واتكأ على جدار ذلك المسجد فلا زال شارداً، شغله أمره، فيبدو أن هناك ما يشغل عقله، لذا فتحرك متوجهاً نحوه بخطواتٍ قصيرة كانت تفصل بينهم، ثم جثى على ركبتيه وقرب كفه يضعه على كتف الأخر، ثم سأل بهدوءٍ :

_ ما الأمر الذي يشغل خليلي، كي يشرد كل هذا الوقت وحده؟

كان《يحيى》قد انتبه له ما إن اقترب منه ولامسه بكفه، أخرج زفيراً عميقاً قبل أن يوجه بصره نحوه، ثم أفصح عن مكنون ثناياه دون تردد:

_ خليلك عقله وقلبه بقوا مشغولين وهما إلى طول عمرهم ما كانوا كده، من الواضح كده يا شيخ "بلال" إنه كُتب على قلبي المسكين أن يقع في فخ الهوى فهوى.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع...

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة