بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثامن_عشر.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عليلٌ أحاطَتنِي الجُروح بِعُنفِها،
سَقِمٌ فلا طبٌّ يُدَاوِي عِلَّتِي.
_منقول_
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
صمت مطبق عم بالمكان، وهو شارد الفكر يحاول جمع كلماته معبراً عن مكنون رأيه فى الأمر الذي أكملت هى الأخرى تعبر عنه بعاطفة قد غلبت فى كلماتها:
_ رغم إني مش عارفة أصدق ولا لأ، بس كون إنها من سكان أهل البيت وأدرى بحالتها، فده احتمال كبير، بس حتى لو الموضوع صح فعلاً أنا هكون أول الداعمين للبنت بصراحة، بس "يحيى"...
قالتها بتيه ثم سكتت هنية بعد أن راودها سؤال واحد، ما رد فعل ابنها ورأيه؟ وقبل أن تُكمل كلماتها أسرع هو يطمئنها بثقة :
_إن كنتِ أنتِ أول الداعمين فابنك تانيهم وواثق إنه مش هيبص لحاجة زي دي.
غموض غلف كلماته فأرسلت نظراتها له بتعجب عاقدة ما بين حاجبيها مما حثه ذلك على الإكمال موضحاً فِكره العميق بثبات:
_لو هنبص للعلاقات من الجهة دي يا "أمينة" وهنقعد ننقي، ده ينفع أو مينفعش كون إنه مريض أو لأ، مكنش هيبقى في علاقات من الأساس، لا الصاحب هيقدر يلاقي صديق فى مشواره، ولا الباحث عن شريكة حياة هيلاقيها، لأنه ببساطة كلنا مرضى نفسيين يا "أمينة" بس باختلاف الدرجات.
توقف برهة بسيطة تنهد خلالها بعمق ثم أضاف بوعيٍ جاذباً بحديثه انتباهها فأنصتت باهتمام:
_ مفيش حد كامل فى الدنيا دي يا "أمينة" كلنا بنعاني من نواقص جوانا وبنحاول نعالجها، لذلك أنا مش ضد ولا عمري هعيب البنت على حاجة زي دي، أو أرفض في يوم إنها تكون بنتي، البنت مؤدبة وأخلاقها ممتازة وأنا ارتحت ليها من أول مرة أشوفها وكأن فيها قبول رهيب بصراحة، وبالنسبة ل"يحيى" بقى فالأمر كله راجع ليه بعد إرادة ربنا.
أيدته الرأي وبشده فحركت رأسها بتفهم وقد ارتاح بالها كثيراً، ولكن كلماته الأخيرة أثارت تعجبها فخرجت عن صمتها تسأله باستغراب:
_ تقصد اي يا "إمام"، أنتَ مش بتقول إنه مش هيبص لحاجة زي دي؟
أسرع الأخر يمحي خطأ فهمها حين قال مؤكداً قبل أن يفسر لها مقصده؛ فهو يعلم تفكير إبنه جيداً:
_ أيوة وما زلت بقول كده، القصد من كلامي إني متأكد إنه مش هيفكر إنه ده شىء يعيب الشخص، لأنه شىء طبيعي ممكن أي حد يمر بيه، بس القرار قراره في الأخر، هل هيتقبل حياته معاها بعد ما يعرف المرض ده، ده لو موجود، وازاي ممكن يأثر على حياته معاها، لأنه ده مشروع جواز يعني مش أي كلام، وأنا من رأي كمان منقولش ليه حاجة زي كده، لأنه جايز تكون البنت هتصارحه بحاجة زي دي علشان تعرف هو هيقبل يكمل فى العلاقة ولا لأ.
حركت رأسها بفهم موافقة على طلبه الأخير وذلك بعد تنهيدة ارتياح قليلاً ما إن ناقشت الأمر مع زوجها، ولكن العقل لازال مشغولاً بالفتاة وقد غلبت العاطفة عليها وشردت بقلب طيب فى أمر تلك الفتاة وهل تنال الدعم ممن حولها بهذه الحالة إن صَدُقت أم لا؟ بينما هو شرد في تلك العائلة فمن الواضح وبعد حديث زوجته عن الأخرى وكيف تحدثت بهذه السلبية عن أحد أفرادهم، يبدو أن هناك مشاكل عائلية بينهم لذا فقرر الانتباه لخطيبة ابنه وضمها بسلام لأسرته الصغيرة دون النظر لما يقال عنها إن أراد الله ذلك، وصرف فِكره عن الأمر محاولاً نسيانه حتى تطيب النفوس وتسكن بسلام.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_بس يا "منى" أنتِ ما تعرفيش حاجة ونايمة على ودانك يا أختي ومش دريانه بالي حصل.
قالتها《سعاد》ساخرة بصوتٍ خفيض يسمعه فقط من يقرب منها وقد كانت 《منى》التي رمتها بنظراتٍ مستفهمة من الأمر الذي بدأت الحديث عنه، فكيف علمت تلك المرأة هذه الأخبار عنهم والتي من المحتمل لم تعلمه العائلة أيضاً، أكملت الأخرى تروي لها بإيجاز ما رأته وسمعته ذلك اليوم:
_ بصي هقولك علشان تصدقي، كنت من كم يوم كده طالعة أشوف "أدهم" رجع ولا لأ، لأنه من عادته بيقضي يومه فوق السطح وبيرجع من الشغل عليه، فاتفاجئت بيه وهو بيتكلم على الفون .....
♤منذ بضعة أيام♤
كان يجلس على الأريكة فوق سطح البيت، وهو يتحدث هاتفياً بتلك الكلمات والتي قدمت هى حين قالها مستفسراً :
_ طب وهل يا خالتو ينفع يكون العلاج في البيت؟ أصل بصراحة شايف إنه ده هيساعدها شوية إنها تاخد الخطوة بدون تراجع، لأنها حاسة بخجل أوي كل ما تفتكر إنها هتدخل عيادة نفسية قدام الناس كده عادي، ودي عادتها بتخاف من نظراتهم وأنتِ عارفة.
أخبرته الأخرى عن إجازة الأمر رغم أنها لا تود تعويد الأخرى على عدم مواجهة أفكارها ومخاوفها، لكنها فضلت في البداية فعل ذلك الأمر بمهلٍ دون عجلة فى الأمر، ومن ثم دار حديث بينهم عن حالتها كعادته يعزم على معرفة كل أمرٍ يخصها كي يعرف كيف يتعامل معها وخاصة منذ أن أقبلت على ذلك الزواج. أدارت وجهها نحو سلم البيت والبسمة الخبيثة لم تفارق وجهها منذ أن علمت بذلك الخبر.
♤عودة♤
ابتسامة جانبية ساخرة على ثغرها رُسمت بعد تلقيها تلك الأخبار، وقالت باستهزاء وهى ترمق الأرض أمامها:
_ يعني بنت "أمجد" إلى عاملة فيها أحسن بنات العيلة ومنعزلة عننا وكأننا أعداءها، تطلع في الأخر مريضة وبتتعالج، لا عال يا "سعاد"، أنتِ متعرفيش الأخبار دي فرحتني ازاي وشفت غليلي.
إن كان للقلب الحاقد ترياق، فكانت تلك الأخبار هي الترياق الذي أنعشه، وشق منها سعادته. صمت للحظات عم المكان، وهي شاردة في فكرة راودتها ما إن تذكرت شقيقها، فخرجت تلك الفكرة تعبر بكلماتٍ شامتة:
_كله من عمايل أبوها أهو بيترد فيها برضه.
يبدو أن الأخرى لم تنسى شيئاً قط، ولازالت ذكريات الماضي قابعة بعقلها، ابتسمت 《سعاد》بخبث وقالت بتصنع تستشف صدق نوايا الأخرى:
_ اي ده يا منى أنتِ لسة فاكرة؟
لم ينسى القلبُ يوماً ظلماً قد حرقه، فقلبها لم ينبض إلا بكل معاني الكره والبغض منه كلما أتى شيأ يذكرها بظلمٍ قد وقع عليها، قالت بغلٍ قد نبض به قلبها وهي تتذكر ما مضى:
_ وأنا من امتى نسيت، قلبي إلى اتحرق طول السنين دي والشقى إلى شوفته بسبب خداعه ونصبه على خالد الله يرحمه عمره ما يتنسي، وإلى سمعته النهاردة أقل حاجة ممكن علشان يشفيه من ظلم السنين دي كلها، ولسه ياما هيشوف.
ساد صمت مطبق حولهم بالمكان الذي خلا إلا منهما؛ فمنذ دقائق قليلة تركن الفتايات المكان وبقي الاثنين معاً يتجاذبون أحاديث عِدة، حتى فُتح ذلك الحديث عن《حياة》مؤخراً.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ظل شارداً طوال الوقت يتابع بعينيه الطريق وعقله مزدحم بخيوطٍ متشابكة، يحاول فك عقدة كلا منهما، تارة يرتاب بشكه بهم ونواياهم المندسة خلف كلماتهم ونظراتهم وأفكارهم، وتارة يعود يُذكر نفسه بأنهم ليسوا كالبقية، يحاول أن يقنع نفسه بأن البشر خِلاف كما نصحه والده بذلك، وليست كل النماذج التي سيقابلها في حياته متشابهة، فلا بد من أن يستسلم للأمر ويكسر حاجز أمنه المزيف ويخوض فى علاقات جديدة، لكنه لم يقدر؛ فكلما عزم على قبول ذلك ازدحم عقله بخيوط أفكار معقدة حتى يؤول في النهاية للبقاء وحيداً. كان الأخر بجواره يقود السيارة وهو يراقب الطريق وأحياناً يلقي نظراتٍ خاطفة عليه فيجده على نفس حاله، حتى أنه في لحظة يأس من أمره حاول فتح حديث معه فلم يسمعه، فكرر السؤال وهو ينادي باسمه بعد نظرة خاطفة ثم عاد يطالع الطريق والسيارات أمامه:
_ "أدهم" هاي يا ابني بكلمك من الصبح، أنتَ فين ياعم؟
التفت أخيراً ينتبه إليه بعد أن صاح《عمرو》 قليلاً بعلو صوته حتى خرج الأخر من شروده، وقال معتذراً وقد أدرك خطأ ما ارتكبه بسبب فرط تفكيره ذلك:
_ آسف يا"عمرو" ما أنتبهتش ليك خالص والله، كنت بتقول اي؟
خطف نظرة يطالعه بابتسامة يأس قبل أن يعود وهو يزفر بغلب من أمر الأخر، وقال بعد ذلك وهو يطالع الطريق أمامه عازماً على فعل ما بعقله دون تردد:
_ لا يا عم "أدهم" احنا نعمل قعدة بقى ونشوف معاليك بتسرح لي كتير بقى.
وقبل أن يجيبه الأخر لاحظ السيارة كيف تتجه فرمقه بمللٍ من إصراره، وقال بترجٍ محاولاً إقناعه بعدما فعل ذلك بينما الأخر يحاول أن يصطف السيارة على جانب الطريق بالقرب من النيل:
_ ارجع بالله عليك يا "عمرو" أنا تعبان ومش فاضيلك، خليني أرتاح حبة علشان أرجع للشغل فايق.
لم يجبه الأخر وفعل ما بعقله واصطف السيارة ونزل منها ثم اتجه صوبه يفتح الباب، وأخرجه بعد ذلك عنوه، فانصاغ له الأخر بينما هو يرمقه بدهشة وتعجب مما يفعله ذلك الفتى بجُرأة معه، وقف الاثنين أمام السيارة ومرت برهة صغيرة عليهم والصمت يحيط بهم، حتى كسر ذلك الصمت《أدهم》حين قال بنفاد صبر بعد أن ضم ذراعيه الاثنين أمام صدره:
_ها يا سيدي أهو قول ما عندك، مش عملت إلى في دماغك.
ماذا يقول ذلك الأحمق وأنا أفعل كل ذلك كي يبوح بما يدسه بجبعته حتى يرتاح، أسرع《عمرو》يقول بجدية وكأنه يأمره:
_أنا جايبك هنا علشان تقول أنتَ مش أنا، وآسف ياعم على الأسلوب ده بس أنت سكوتك كده يا "أدهم" شاغلني ومش هعرف أرتاح غير لما تطمني.
أصر الأخر على كتمانه وألقى عليه كلماته المتصنعة يطمئنه لكنه لم يلتفت تلك المرة لها، فقرر البدء هو وأخبره عن إن كان الأمر الخاص ب《نورا》لازال يشغله فيتألم قلبه لكنه نفى ذلك وقال بصدق حقيقي:
_لأ يا"عمرو" ريح بالك أنتَ علشان أنا نسيت و بحاول أتجاوز الأمر وأرضى بالنصيب، فمترجعش بسؤالك تفكرني، ياريت !
شعر بصدق نبرته وكلماته فارتاح قليلاً رغم شكه بأن الأخر سينسى بتلك السهولة خاصة بعد ربط ذلك الحدث بحادثة ماضيه الأسود، وعلى ذكر ذلك تذكر مشكلته في العلاقات وكيف يأبى قرب البقية منه؛ فمنذ ما حدث له حكم على نفسه الوحدة، رماه بنظرات ثاقبة وقال يسأله بريب محاولاً نبش ما بعقله فيتأكد من الأمر:
_طيب يا سيدي مصدقك، وفكنا من الموضوع، بس أنتَ لي عملت كده؟ لي سيبت القعدة معاهم وطلبت تمشي بالسرعة دي!
شعر بالتوتر قليلاً من كشف أمره وقد ظهر ذلك في زفرة قوية خرجت منه قبل أن يقول بصبر قد نفد:
_لأنه يا سيدي مكنتش مرتاح وتعبان، ها حاجة تاني يا أستاذ؟ وسع بقى خليني أمشي.
ثم حرك يسراه ليزيحه عن طريقه بعصبية بدأت حدتها تزيد ما إن فتح ذلك الموضوع معه، توجه أمامه نحو السيارة ومن ثم دلفها، قد صدق شكه في الأمر، فلا زال 《أدهم》المتحذر من تلك العلاقات بالتحديد كما هو ولم يتغير وقد اعتقد هو ذلك، بعد لحظات تحرك وجلس بجواره ذلك الذي بدأ في قيادة السيارة بعد أن تنهد بقوة محاولاً إخراج طاقةً سلبية كمنت بداخله، لاحظ هو مراقبة الأخر له ونظراته المتعجبة فتنهد بعمق وقال معبراً عن مكنون مشاعره تجاه ذلك الموقف وقال بقهرٍ وبغض وهو شاردٌ بعمقٍ أمامه فى الطريق:
_ تلاتة عمري ما هرجع ءآمن ليهم في يوم يا "عمرو"، الصحاب ثم الصحاب ثم الصحاب، مفيش حد سالك ونوياه بريئة كلهم شياطين فى صورة ملاك برىء.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وخليلاً صادق النية، طيب السجية، نسطيع معه البوح عن مكنون كان يؤلمنا دون حذر ولا خوف.
كان القلق يتملكه والخوف يأكل عقله من أمور عِدة شغلت باله طوال اليوم، والتي منها أمر خِطبته؛ فقد خشي أن يأتي عائق أخر فتؤجل الخِطبة مرة أخرى أو ربما يُلغى أمر زواجه مثل أول مرة والتي كان سببها هو ذلك المهر البهيظ، فلم يستطع توفير الأموال له في تلك الفترة الوجيزة فطلب منهم بعض الوقت بحجة فقط شفاء أمه دون أن يبين لهم عجزه عن تلبية أوامر العروس، هو يحبها أو لنقل يعتقد ذلك حب، فجمالها جذبه وأخلاقها التي فقط تُظهرها أمام الجميع ارتضاها، مشاعره نحوها كانت قوية لدرجة أنه وقف أمام الصعاب وتحجج بمرض أمه حتى يستطيع جمع ماله وتلبية ما تريد الأخرى من ذهبٍ والذي عاق أمره أكثر هو ارتفاع سعره في تلك الفترة ورغم ذلك يجازف ويفعل ما بوسعه كي يتزوج ويستقر.
كان يخشى حياته الزوجية في المستقبل، فهو بسيط وراتبه كذلك، لا يعلم هل سيقدر على تحمل حياة جديدة وسط أسرته الصغيرة المستقبلية وتلبية طلباتهم أم لا بهذا العمل البسيط، بقي الاثنين يستمعون لمخاوفه البادية في حديثه، وكيف ينظر للمستقبل نظرة تشاؤم هكذا، كان يروي لهم كل مكنون تسبب فى انشغاله وضيق صدره، وهم يستمعون بتفهم، حتى أن《يحيى》 اقترح عليه فكرة البحث عن عمل براتبٍ أكبر من الأخر، فأيده《صفون》بقوله مؤكداً بعزم:
_وده إلى هيحصل يا"يحيى" أنا لو فضلت كده مش هفتح حتى عِشة فراخ في الأيام الصعبة دي، بس الفكرة إني مديون بمبلغ يشغلني شهر تاني قدام.
قالها بحيرة ثم زفر بيأس مُخرجاً بذلك ثِقلَ همٍ طاله، ولكن لازال الأمر عالقاً في عقله حتى أهلكه من فرط تفكيره، حتى أنه أكمل بنفس اليأس والضيق قبل أن يسبقه《 يحيى》بفكرة قد راودته ستساعده:
_دي عيشة بقت تقهر والله، أنا أول مرة أحس بعجز كده، وأنا معايا مبلغ يسير، مبالك بقى بالي مش قادر.
يبدو أن الهم أدركه فأعمى قلبه عن ما يقول لسانه بكلمات يأست من روح الله، لذا فأسرع 《بلال》الذي كان يجلس على الأريكة بجواره، محاولاً محو ضائقته بكلماتٍ كالدرع الذي يحمينا من أن يهدم جدار يقيننا بالمولى:
_ هون عليك نفسك يا "صفوان" ما هي إلا دنيا فلا نعيم بها دائم ولا سعادة بها تبقى، أنا عارف إنها داقت من كل الاتجاهات لحد ما خلاص ممكن نكون مصدقين إنه كده النهاية ومقفولة ومفيش حل، بس والله الفرج آت لامحالة والخير كذلك، أحسن الظن به ولا تيأس فهو كريم.
رمقه وهو بجانبه بعينين اجتمعتا فيها معاني الأسى والقهر، وقد لمعتا ببريق الحزن النابع عن شقاء قلبه فى الدنيا، هو لا يود أن يستسلم ليأسه، ولكن الأمر أكبر من أن ييأس بسبب تلك المصاعب؛ فهناك ما جاء على قلبه وزاد من ثِقل همه فظهر ذلك في عينين مقهورتين ما إن لاحظهما《بلال》إلا ونطق باهتمام بالغ وقد قلق قلبه:
_ مالك يا "صفوان" أنتَ في حاجة مخبيها تاني عننا؟
لفت سؤاله ونبرته القلقة انتباه《يحيى》الذي عقد حاجبيه وهو يطالع الأخر أمامه وقد كان يجلس على مقعدٍ جاور تلك الأريكة التي جلس الأخرين عليها، وأنصت لحديث الأخر الخارج من قلب مقهورٍ على حاله والذي قاله بعد أن شرد في زُرقة سجاد الغرفة المنقوش أمامه:
_ تعبت تعبت والله يا "بلال" ، يمكن مشاكل زي دي ما هي إلا شىء يذكر في بحر همي إلى بغرق فيه كل يوم.
سكت برهة تنهد خلالها بأسى ثم أخفض رأسه ينظر بين فخذيه وهو يحاوطها بكلا كفيه، يحاول بذلك جمع كلماته لأخبارهم بتلك المشكلة التي حلت عليه فجأة من حيث لا يعلم، بينما الأخرون زاد قلقهم على خليلهم المقهور، فكان أول من نطق بلين بعض الشيء وقد خالط نبرته القلق أيضاً، هو 《يحيى》حين قال:
_ يا ابن الحلال بتحرق قلبي معاك بسكوتك ده، قولنا بالراحة كده اي شاغلك وهنحل كل حاجة سوا.
رفع رأسه مشخصاً ببصره أمامه فى فراغ بسيط، وألقى عليهم بأسى حديثه الغامض وهو يتذكر كل ماضيهم والذي لم يستطيعوا نسج خيوطه ليفسروه:
_ بعد ما مشيوا وسابوا الهم ليا وارتكبوا كل حاجة تقهر وظلموها معاهم، رجعوا يا "يحيى" ، رجعوا بس مش بأجسادهم لأ، بأعمالهم السودة إلى جت فوق راسي أنا، أصلها كانت ناقصة.
أنهى جملته بكلماتٍ يائسة ثم صمت يعيد شريط تلك الذكريات المريرة معهم، بينما البقية لازالوا يحاولون فهم الأمر حتى توصل《يحيى》لمقصده وقال بريب:
_أنت تقصد "سعد" و " ممدوح"، أخواتك؟!
من غيرهم غائب وتسببوا فى عدة معضلت بحياة شقيقهم ووالدته، لذا فأحب أن يتأكد من مقصده ليؤكد الأخر حديثه بغضب بعد أن حرك وجهه يطالعه ما إن ألقى باسمهم على مسامعه:
_بس دول عمرهم ما كانوا أخواتي يا "يحيى"، ولا هي عمرها ما هتكون أمهم، بعد إلى عملوه فيها.
أسرع《بلال》في تلك اللحظة يهدء من غضبه، محركاً كفه يلامس كتفه وهو يقول برفقٍ:
_ هدي نفسك بس يا "صفوان" وقولنا بهداوة كده مالهم، وحصل اي تاني منهم؟
تنهيدة عميقة خرجت منه، يحاول نسيان أمرهم لكنه لم يقدر فما فعلوه في ماضيهم لم يكن لُينسى، لحظات جمع خلالهما كلماته وقال بغيظ متحاملاً على نفسه غضبه منهم:
_ بعد ما هربوا وهاجروا مع شلة فاسدة زيهم، ورموا أمهم في أقرب دار مسنين بعد ما سفحوا إلى وراها وإلى قدامها على الزفت إلى كانوا بيتاجروا فيه، ظهروا تاني في صورة ديون جت على دماغي أنا.
تفوه في تلك المرة《يحيى》سابقاً《 بلال》الذي عقد حاجبيه مستفهماً، وقال متسائلاً بعدم فهم:
_ديون! ديون اي يا "صفوان" كمل!
ماذا يكمل وهو لا يعرف حتى من صاحب المال؟ لذا فأجابه بتشتتٍ وحيرة من الأمر:
_المشكلة إني مش عارف، اتفاجئت بيه من صوته واضح إنه شاب كبير، بيرن عليا النهاردة، لأ وكمان عارف اسمي بالكامل، وبيقولي أخوك متداين بمبلغ ولسة مردهوش.
أردف《يحيى》بعد تفكير سريع وقال ببساطة يشك في الأمر محاولاً نفيه فالأمر يبدو أنه لا يصدق وربما يكون هناك سوء فهم لا أكثر:
_ وأنتَ كده تصدق بسهولة، مهو ممكن يكون واحد كداب مش أكتر، أو ده تشابه أسماء.
أيده《بلال》الرأي والذي لم يقتنع به الأخر كثيراً وظل حائراً وبدى ذلك في قوله بتردد وشك:
_مش عارف يا "يحيى" فكرت كده زيك بس يا ترى فعلاً ممكن يكون كده؟ ولو فعلاً هو هيبقى ازاي عرف اسمي واسم أخويا؟
وبعد تفكيرٍ عميق فى الأمر للحظات شرد فيهما الجميع يحاولون سبر أغوار الأمر لمعرفة الحقيقة، نطق《يحيى》يسأله باهتمام:
_"صفوان" هو قالك اي بالظبط؟
أخرج الآخر زفيراً عميق ثم أردف راوياً بإيجاز ما أخبره به ذلك المجهول:
_ قالي إنه أخوك "سعد" شكله نسي ديونه فقولنا نفكره، ملقناهوش، نفكر أخوه، وقالي المبلغ بس ما قالش هو استخدمهم في اي أو لي أو حتى امتى، وبعدها قالي إنه ده تذكير مش أكتر وإلى جاي أخوك عارف اى عواقبه وقفل، حتى ما ادانيش تفاصيل ولا حتى وقت أسلمه فيه ولا مكان، قفل على طول.
حديثٌ كله غموض، لم تدركه العقول أكان يُقصد به الأخر أم غيره، كانوا جميعهم يفكرون بتيه في الأمر الذي شغلهم بغموضه، لحظات بسيطة حاول فيها《بلال》إدراك الأمر حتى خرجت كلماته تعبر بعجزٍ عن فهمه:
_هو واضح إنه كلامه غامض أوي، وبعدين لو كان ليه ديون فعلاً كان بقى مُصر على الأمر وقالك تفاصيل أكتر.
لا يزال القلق ينهش صدره وهو شاردٌ يفكر بالأمر؛ فهو يعلم مَن شقيقه وماذا كان يرتكب في الأرض من فساد، فلربما يكون هذا أحد معارفه، لذا فقال بقلقٍ:
_ مش عارف، بس قلقان أوي يا أخي ده حتى مش عارف أفرح بخطوبتي إلى كمان كم يوم.
قالها بيأس ثم شرد أمامهم مما زاد من قلقهم عليه، فهم فهموا أين راح الأخر يفكر بعقله لكونه أكثر علماً بشر أخيه ومعارفه فهم لديهم علم مسبق بذلك، لذا حاول《يحيى》طمأنته بقوله بعد أن اقترب ووضع كفه على كتف الأخر:
_ متخفش إحنا معاك بعد ربنا .
حاول الأخر فعل ذلك ولكن لم يقدر، وعاد يفكر في الأمر، بينما وخلال ذلك أضاف《بلال》يدعمه بكلماته حين قال بقلبٍ واثق:
_ اترك الأمر لله هيحلها بإذنه، وافتكر إنه إن اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
يحاول طمأنته لكنه هو الأخر مثله يخشى حدوث مكروه لصديقه، أو أي ضرر، وكذلك《يحيى》الذي شرد هو الأخر بقلبٍ قلق وقد شغله الأمر كثيراً وشرد يفك تلك الخيوط المعقدة لربما يعرف أين الحقيقة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أُزيل ستار الليل الأسود وكشفت الشمس عن نفسها ناشرة خطوطها الذهبية بكل مكان بعد ليلة أُصيب البعض فيها بالقلق وعقولهم لم تهدأ، حاولوا غلق جفونهم وترك الأمر لله، لكن الأرق قد زارهم وباتوا ليلتهم بعقل أصابه فرط تفكير، حتى استطاعوا نيل غفوة بسيطة بعد ركعتي قيام ليل أراحت قلوبهم قبل عقولهم، فهكذا كان《يحيى》و《بلال》 دائمين على قضاء تلك النافلة، فتريح أنفسهم بعد يوم شاق قد أرهقهما. كانت تحاول تهدئة نفسها وإقناعها أن الأمر سهل، وكله سيمر بيسر الله بعد أن دعت في صلاتها وترجته بذلك، أن يأمن قلبها الخائف من مستقبلٍ لا تعلم ما يحمل معه بين طياته، ويحفظ نفسها المتعبة من عقل لازمته أفكارٍ سوداوية دائمة، وعلى ذكر نفسها المتعبة تذكرت ما ستواجهه اليوم فأصيبت بقشعريرة خوفٍ سرت في جسدها حتى ألمت بطنها وكأنها قشعريرة برد قارس؛ فتلك البدايات الجديدة والتي لم تمر بها من قبل تثير القلق الشديد لديها، حتى أنها تكاد تصاب بنوبة فزع، أفكار تتضارب في عقلها؛ ما الذي ستفعله في تلك المغامرة الجديدة؟ وبماذا سيتم تشخيصها؟هل ستكون مريضة بمرضٍ ذهاني تنقل على إثره للمستشفي فتلاحقها نظراتٌ منبوذة لكونها مجنونة، أم ماذا؟ تنهيدة عميقة أخرجتها، تحاول بها تهدئة نبضاتها المتسارعة فلم تفلح، لذا فحركت قدميها تلامس الأرض بعد أن كانت تضم ركبتيها إلى صدرها وهي تجلس على الأريكة بغرفتها وذلك بعد أن أدت صلاتها في الصباح الباكر، وصلت إلى باب الغرفة كي تخرج بعد أن قررت تشغل عقلها بأي شىء ينسهيا مخاوفها، لحظات وكانت تقف فى المطبخ ترتشف بعض من الماء، فرغم أن الماء كان بغرفتها إلا أن حالتها لم تسعفها لتذكر ذلك، أعادت الكوب على الرخام الأبيض أمامها، ووقفت تتنهد براحة وقد تلاشت مخاوفها جزئياً، فلا زال هناك أثر لكنها تتهرب منها كالعادة، ولكن أين المفر فإن لم تواجهها ستخرج في صورة صدمات بسيطة، وفعلاً حدث ذلك؛ فأثناء هدوئها اخترق صوته صمت المكان حولها وهو يلقي عليها تحية الصباح بصوتها الجامد الذي ما حمل بطياته أبداً أية لين أو حتى حنو، فانتفضت على إثره بفزع، كشخصٍ خرج من هدوئه واستمتاعه بهطول المطر على صوت الرعدِ فأفزعه، غضن حاجبيه مستغرباً من ردة فعلها، فنطق يسألها بتعجب وهو يتحرك مقترباً منها ببطء:
_ في أي يا "حياة"، مالك اتخضيتي كده لي؟!
كانت تنظر للأرض تحتها، وهى تحاول ملاحقة أنفاسها التي هدأت قليلاً، وما إن لاحظته يقترب صوبها تحركت هي تبتعد برجفة أجفلت جسدها، توقف هو عن الحركة صوبها ورماها بنظراتٍ متعجبة، لما تخشاه بهذا الحد المبالغ؟ لدرجة أن صوته أفزعها، أعاد سؤاله عليها بجمود تلك المرة يحاول الطمأنه عليها بشكلٍ مهتم لكنه لم يفلح، فدب الخوف أوصالها من جديد بعد أن هدأت، وحركت رأسها بنفي دون أن تنطق بكلمة، وكأن لسانها عُقد بسبب حالتها تلك، في تلك اللحظة دلفت هي بصوتها المنجي، الذي ما إن سمعته إلا وشعرت براحة قليلاً وكأنه طوق نجاتها من ذلك الموقف المتوتر بالنسبة لها، لاحظت هي الموقف بتعجب، فلم ذلك الصمت وما الذي حدث؟ لذا فسألت بعقل قد شغله الأمر بعد أن اقتربت تقف بالقرب منهم:
_في حاجة يا "أمجد" ؟
أشاح الأخر ببصره عنها ملتفتاً لصوت الأخرى التي طمأنها أن ليس هناك شيء مهم، فتفهمت هى الأمر ثم تحركت في مطبخها لتبدأ إعداد فطورٍ لهم قبل الذهاب للعمل، ورغم تغاضيها عن الأمر إلا أن قلبها لاحقه بعض القلق، فيبدو أن هناك موقف تصادم بين الاثنين قبل مجيئها، فقلق ابنتها ذلك لم يكن دون سبب قط، لحظات وكانت الأخرى استأذنت منهم بعد أن أبت تناول الفطور معهم كالعادة، ورحلت الأخرى تتهرب داخل صندوقها الآمن وهو غرفتها. كان يتناول طعامه في شرود، مما لاحظت الأخرى بطىء حركته؛ فتارة كان يمضغ طعامه ويتوقف شارداً للحظات، وتارة كان يعجل فى تناوله الطعام بسرعة ويعود مرة أخرة للشرود مُكرراً فِعله السابق، شغلها أمره فقالت تستعلم عن سبب شروده بسؤالها باستغراب:
_ "أمجد" أنتَ في حاجة شغلاك؟ مش عادتك كده تسرح كتير وأنت وبتاكل.
ابتلع الطعام الذي كان يمضغه ببطء حين لفتت انتباهه وخرج من شروده، ثم تناول كوب الماء أمامه يشرب القليل قبل أن يجيبها بحيرة وعقل شغله أمر ابنته:
_ "حياة"، مش عارف البنت مالها كده متغيره، أنا أول مره ألاحظ خوفها بالطريقة دي، البنت بتخاف بطريقة مش طبيعية يا "سهير"!
بعد كل هذه السنين من إهماله الأمر، بل وادعائه أنه مجرد فترة مراهقة وستمر، أتى اليوم يسأل عن حالها المتدهور، ياله من عَجبٍ لأمر ذلك الرجل الجامد مشاعره، قالت بحديثٍ غامض ذا مغزى :
_هي دي حالتها وإلى وصلتله يا "أمجد"، يعني مش دلع ولا حاجة، وأنتَ عارف سبب ده كويس.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_سلام يا ماما، سلام يا "زوزو".
قالتها ثم مالت على جدتها تقبلها، وعادت بعد ذلك تستقيم في وقفتها تستعد للرحيل، بينما《زوزو》ودعتها بابتسامة بشوشة بعد أن ألقت الأخرى عليها السلام واستعدت للرحيل:
_ في رعاية الله يا بنتِ.
بادلتها《شروق》الابتسامة ثم رحلت بعَجْلةٍ لموعدها حيث المكان الذي تقوم بتحفيظ القرآن به حتى لا تتأخر أكثر، بينما《منى》وبعد أن خلت الشقة إلا منهما، تحركت تقف مستعدة للرحيل وكانت قد أنهت زيارتها لوادتها ككل صباح، وقبل أن تستأذن سبقتها والدتها توقف من أمر رحيلها بقولها:
_ استني يا منى أنا عاوزاكِ.
عادت للجلوس بجوارها من جديد، تنتظر ما تود الأخرى أن تلقي عليها من مطالب كما اعتقدت، لكنها تفاجأت بذلك الحديث الذي أرادت الأخرى أن تحدد مصداقية شكها والبقية في الأمر حين قالت:
_ "منى" يا بنتِ أنا عارفه إنك خايفة على بنتك ومن حقك تختاري ليها إلى يحميها ويريحها، زي أي أم، وأنا مجربه ده قبلك.
كانت تنصت باستغراب بدى جلياً على ملامحها المتعجبة، فما فائدة هذا الحديث الآن؟ وماذا تود الأخرى أن تقول؟ لم تفهم شيئاً من تلك المقدمة إلى أن صُدمت بقولها تطلب بفضولٍ:
_قوليلي عيب واحد يخليكي ترفضي "أدهم"، عيب واحد يا "منى".
لا تعلم كيف علمت قرارٍ كهذا اتخذته حتى دون علم ابنتها، التفتت تنظر أمامها محاولة التهرب من نظرات الأخرى وقالت بعدم مبالاة لما فعلته كي تُغلق ذلك الحديث:
_ ده قرار كان ليه أسبابه، والموضوع خلص و"نورا" اتخطبت، فملوش لازمة نفتح مواضيع قديمة يا ماما.
لاحظت الأخرى تهربها، فيبدو أن شكها كان صواب، لذا أصرت على معرفة ذلك منها هي نفسها لربما تقدر على إصلاح الأمر، فتفوهت بريب:
_ أسبابه! معنى كده إنه كان في سبب وكمان كبير من سكوتك ده يا "منى".
زفرت بقوة، فيبدو أن الأخرى لم تتركها إلا لتخرجها عن صمتها وتخبرها حقيقة الأمر، بينما《زوزو》أكملت بلين قليلاً تلومها تلك المرة بعد أن توقفت برهة تراقب سلوك الأخرى المتهرب:
_لي يا "منى" تعملي كده، أنتِ عارفة قبلنا كلنا إنه متعلق بيها من وهو صغير، وفضل طول السنين صابر، تيجي أنتِ تبوظي كل حاجة.
شعرت الأخرى بضيق من ذلك اللوم الغير مبرر، فهي فعلت ذلك لسببٍ وليس عليها أية حرج فيما فعلته، لذا فأسرعت تنفي رأيها بقولها بثقة بعد أن التفتت تطالعها:
_أنا مبوظتش حاجة، أنا عملت الصح.
غضنت والدتها حاجبيها وهي تراقب رد فعلها، بينما هي أكملت بنفران من الأمر ما إن تذكرته:
_ وأنتِ شايفة إنه ده طبيعي إنه أجوز بنتي لواحد كان محبوس بتهمة تجارة المخدرات.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman