بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_السادس_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
أحيانًا في ساعات زماننا المقضية خلاءً، تُلهم عقولنا بإجابات ما إن نغوص في أعماق دواخلنا لنفهما، فخلوتنا المقضية في سجدات التضرع، والتسبيح وترديد اسم الله في أنفسنا، قادرة على زوال غيمة سوداء أحالت بيننا وبين بصيرتنا في إدراك الأمور، وربما نحصل على إجابات عجزت عقولنا عن رجم شياطين أسئلتنا المجلجلة جنباته، فتسكت جلبته وتمنحه هدوءًا مريحًا.
أيام بلياليها انقضت وهي لازالت شاغرة الزهن من أي قرار نهائي حيال ذلك الطلب، طلب فتح في نفسها أبواب شتى، اختلفت بين المخيف الغامض والمريح الكاذب، ترددت أيهما تختار أن تعيش بداخل أركان حياة يواريها، فكلاهما بباطنهما عواصف عاتية!
في أعماقها يندس بركان قديم تشكل منذ القدم، وانفجر في وقت من الأوقات الغادية، مخلفًا وراءه تغيراته التي تجلت في شخصيتها، حروق لم يطل الأزى منها سوى نفسها، انكماشات وتصدعات وكسور لم تحدث سوى لقشرة شخصيتها، فهي الوحيدة المتضررة من بركان مُضرم في جوفها، يمتلىء بالكثير والكثير على مر الزمن، ثم يعود وينثر ما بجوفه عليها؛ تزبزبات سلوكها، تشوه أفكارها إثر شظايا حارقة، حتى صار حالها وحيدة منكمشة في زاوية مظلمة أحال ضباب بركانها نورها عتمة.
ولما عجزت عن جواب سؤالها، طرقت باب المجيب تضرعًا، في سحر الليل اتخذت من صفائه ملاذً تستريح فيه عقلًا وروحًا كادا أن يفتك بهما إرهاق تفكيرها المعهود، وفي لحظة صفاء زهنٍ، وبعد بكاءات وتوسلات من الله أن يحل عقدتها، قُذف في عقلها سؤلًا لم تعلم من أين مصدره، أكان قلبها أم زوابيع أفكارها...
《هل تظنين أن كل ما يطرق العقل صوابًا؟》كان سؤلًا بمثابة ريح هادئة، نُفخ بها فترعرعت في جنباتها، سكنت هوائج نفسها وأُخمد القلق، واستحال عقلها هدوءًا غير معهود، واسترسلت مستسلمة لتيار تأملها تبحث مفكرة بهدوء عن جواب في أعماقها....
في ظن المرأ_بعضهم إن لم يكن معظمهم_ أن كل ما يُصور في عقله من خيالات وقرارات وأفكار تقوده نحو مصير ما في شتى مناحي الحياة، هي بنسبة مائة بالمائة صحيحة، فينجرف في سبيلها، تأخذ به إلى المجهول الذي ربما قد يكون ليس جبهتهم الصواب، فيحل الندم في أنفسهم محلًا بالغًا، كل ذلك دون أن يمحصها ويفلتر ماهيتها، فيستطيع التفرقة بإقناع بين كل ما هو صواب وعدمه، ولم يحدث ذلك سوى بالفرار لمن عنده العلم وحده متوكلًا عليه، فلما لا تفعل هي كذلك، وتترك الأمر لمن له العلم وحده، لا تنجرف وراء فكرة لم تتأكد من صحة خطأها أوصوابها؟!
ثم توالت المشاعر متدفقة، تارة تقلق من الانجراف وراء تيار مجهول، ولكن لما القلق والذي عنده العلم وحده هو من يسيِّر جهاتنا، لذا فهي تثق أنها لم تضل أبدًا، وتارة أخرى تعود وتضطرب نفسها من خطر توقعات هجمت عليها فأخنقتها، وسارعت تلتمس ذكر العزيز لتنفك قيودها، هدأت قليلًا بعد تلك العاصفة المتزبزبة، واستقرت أخيرًا على قرار بقلب متكلًا على العليم الحكيم، ولأن لكل عاصفة أثر، كان أثر عاصفتها متمثلًا في سؤال هدم حصون بنت عليها قرارها في نفسها، 《هل أنتِ مقتنعة في عمق قلبك بذلك القرار؟!》.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
استفاقت من ذلك الحلم في يقظتها بينما كانت تتذكر ليلتها التي انتهت بسؤال لم تجد له جواب في نفسها على عدة طرقات خفيفة تقرع بابا غرفتها، أو ربما هناك جواب وهي تنكره وتخشى التفكير فيه لما يحمل معه من عواصف!
توجهت صوب محل الصوت لتفتح للطارق مستعلمة هويته، والذي كان شقيقها أتى يستعجلها حتى لا تتأخر على موعدها مع الطبيبة وهو كذلك على العودة حيث مقر عمله لأداء بعض الأعمال الإضافية وقد تولاها هو بنفسه نظرًا لأنه متقن ويهمه علو اسم الشركة البسيطة سابحة في سماء الأفاضل من حيث الابداع والابتكار، نطق يحثها على سباق الوقت قبل أن يسبقهما:
_ يلا يا"حياة" كملي لبس، مش عاوز ءأخرك ولا أتأخر أنا كمان، هسبقك على تحت تكوني لفيتي الحجاب.
ثم تركها ورحل حيث وجهته المحددة في انتظارها، أما هي فعادت لحالها، تتطرف فراشها غارقة في شرودٍ مقلق، دبت الرعشة في أحشائها بخفة، لكنها مزعجة، شتت صفو ذهنها وراحتها بالتعكير المتسرب إثر عاصفة أفكارها، تلك التي أعجزتها عن فهم كتلة مشاعر في جوفها تضخمت واستحالت إلى جبل ثَقل على صدرها...
ما أجل وأنعم على المرأ أن يفهم طبيعة جُبل عليها، ويدرك ماهيتها ووظيفتها وكيف وأين يكرسها في حياته، فإن لم يحدث ذلك فهو غارق في بحر الجهل بها، ولم ينجو إلا بوقوفه على شط بحرها يراها ويدركها كاملة، وليس غارقًا في أعماقه تائهًا! أما هي ولبؤسها، كانت غارقة بعمق شديد جاهلة ماهية تلك المشاعر الخانقة التي تهب زوابيع رياحها فجاة من دون أن تنذرها.
اتجهت متحاملة على نفسها جلبة أُحدثت بداخلها، وتجاهلت زوابيع أفكارها التي بدأت رياحها في الهبوب، وشيدت الحصون أمامها بشدة تجاهلها كي لا تقع صريعة في نهاية الحرب الغير عادلة بين قوتين إحداهما ضعيفة وهي نفسها والأخرى أضعاف قوتها وهي نفسها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
سمحت لنفسها بعض الدقائق تغذي شعورها المندفع وراء رغبات تسللت إلى نفسها موسوسة، كانت تتصفح صفحته على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي《انستجرام》، تنتقل بإبهامها من صورة إلى أخرى أمام عيناها اللتان تشربتا معظم تفاصيل سنحته حتى فُتنت، وما يصيبها جراء اندفاعها المعهود سوى الفتنة المندسة خلسة بين طيات مبرراتها النافذة عبر باب نفسها الموارب.
النفس الضعيفة، لم تُحكم أبوابها بالغلق جيدًا، فتظل مواربة، حتى إن عبرت نسمة رذيلة تسربت بين جنباتها استوطنت حتى الاعتياد، وكانت هي هشة ضعيفة النفس، لا تملك أقفال إيمانها وتقواها وحفظها لله العزيز في قلبها، فتنغلق أبواب نفسها ولا تُسنح لرياح فتنة عابرة أن تخترقها.
مرت الدقائق التي وعدت نفسها بأنها لن تزيد عن عشرة، ولم تستفيق من غفوتها، حتى انقضى ما يقرب الساعة إلا بضع دقائق، أخرجها من غفلتها بعدها صوت رنين الهاتف برقمه، وكأنه علم أنها تفكر فيه وتغرق بين تفاصيل حياته الزائفة التي يريها لجمهوره على منصات التواصل الاجتماعي.
هي لم تفتح أمامه سبل ليحادثها في أمور غير التعارف، وأيضًا إلقاء حديثه المحرك لمشاعرها لما احتواه من كلمات بين طياتها اعترافات خفية وغزل غير مباشر، فهي تثق أنهه لم يحدث ذلك، لذا فلا داعي للمبالغة في الصرامة، وما المانع أن تسمع صوته ويتبادلا بضع أحاديث في الخلوة ما دامت هي تعرف حدودها؟!...وهل هي حقًا تعرف حدودها؟!
ابتلعت سؤالها في جوفها، تغاضت عنه، لم تكترث لجوابه أو تعطيه اهتمامها البتة، فتلك العملية تصحب معها شعور الضيق الخانق والقلق المزعج، لذا فتحاشتها وأحاطت بنفسها سورًا هشًا من الإنكار. توجهت صوب أريكة في غرفتها مغيرة موضع جلوسها من الفراش إلى الأريكة، وسمحت لنفسها الخوض في الرحلة دون أن تعد العدة لها جيدًا مما زاد احتمال ضياعها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ما أخرجها من غفلتها، ليس صوت بداخلها لم تلتفت له حتى بدا كأنه في أقصى بقاع الأرض في أعماقها مما استحال للخفوت والتلاشي تدريجيًا ما إن غاصت في غياهب الرزيلة، بل كان صوت شقيقتها التي عادت من عملها، ودلفت بعد عدة طرقات على باب غرفتها لم تسمعها هي لالتهائها بعالم زينه لها الشيطن وسولت إليه نفسها.
لامتها برجفة في صوتها ما إن أغلقت هاتفها بعد دلوفها الغرفة:
_ أي يا "شروق" مش تخبطي! قلبي حرام عليكِ!
اقتربت منها بقامتها القصيرة وعلى ملامحها أمارات الشك والتفكير العميق، وقالت بغموض ما إن اتخذت بجوارها حيزًا على الأريكة:
_ ما هو لو القلب كان صاحي، ما كنش غفل عن صوت الحقيقة.
بحاجبين معقودين بشدة، أطالت النظر إليها وفي نفسها شيء من الرجفة طالتها، أما الأخرى تحولت جذريًا من الغرابة إلى طبيعتها المعتادة :
_ سيبك أنتِ، بنادي عليكِ من بدري علشان تفتحي، لاحظت غيابك عنهم تحت فقولت أجي وأشوفك، وتيتا كمان سألت عليكِ! بتعملي اي؟
بدأت تستعيد ثباتها شيئًا فشيء، وقالت بعد لحظات بصوت مضطرب:
_ مش بعمل حاجة، كنت..كنت، أه، كنت بحضر المسلسل إللي متابعاه، فانغمست في الحلقات واحدة ورا التانية والوقت سرقني يعني.
_ طيب يا ستي، خلي بالك بعد كده، وأوعي يكون المسلسل بيروح عليكِ معاد الصلاة..ها، أنا هغير هدومي وأنزل أكمل حكايات "زوزو"، وعد هتسبقيني مش كده؟!
حركت رأسها بإيماءة بسيطة بينما تغلق جفنيها وتفتحهما بتروٍ انبلج بعدها ابتسامة مؤكدة وعدها، ثم تحركت الأخرى وفي قلبها نغزة قلق على ما خشيت أن تكون الأخرى وطأت دربه بضعف سجيتها، أما《نورا》سكن ظاهرها ولم يلتمس داخلها للسكن معنى، صراعات ضاق حيالها صدرها، وتألم رأسها بسؤال تفتَّق فيه، كيف وثب قلبها فزعًا، وتحركت جوارحها خشية من صوت ضعيف مثلها خُلق من طين، ولم تنبس ببنة اضطراب يزعزع كيانها من اطلاع الخالق الجبار على حالها؟!
اغتمت وضاق التفكير بها زرعًا، ولأنها ضعيفة، لا تأبه مواجة الحقيقة العظيمة، أنكرت، وألبسها عقلها رداء النسيان، وهتف يأمرها بالفرار!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الهروب ليس في سجيته، لطالما اعتاد المواجهة حتى وإن كان سيُزجى به في غياهب السجن، وشهد على ذلك ندبة مميزة فوق حاجبه، ولأنه اختار التضحية في سبيل راحتها وعدم المساس لها بسوء، كسر قواعد سار دربها سنوات، وسلك طريق الهروب متوجعًا!
لم تكن موافقته على العيش وسط قلوب لم تألفه، لا تعرفه ولا يطمئن هو لنواياهم، مجرد قرار نبع من قلب شق عليه ذلك، بل كان مخططًا رسمه له عقله بأنامل عقائده الصارمة الغريب كنهها!
عاد من الشركة إلى منزله، بعد أن اتفق والمدير على إشرافه لتنفيذ خطة مشروع سكني بإحدى المحافظات الشمالية، لم يتفاجأ أنه المختار بين بقية المهندسين بالشركة كما أخبره 《بكر》الذي التمس في عينيه شغف ليكون محله، فيبدو أن المشروع مهم وهناك من يريد إثبات جدارته وتنفيذه بإبداع! لذا فحتى إن كان سيرفض كما كان يفكر سابقًا، لم ينل مراده وسيتعين عليه تنفيذ الأوامر.
دلف بخطوات متريثة البناية التي يسكن فيها، أخذ لحظات يشاور عقله في تنفيذ ما جال بخاطره قبل أن يتخذ قرارًا ويتجه في سبيله، صعد درجات السلم القليلة حتى وصل إلى الطابق الأول حيث شقة جدته التي تعيش، اهتدى له أن يقضي ساعاته الباقية في ذلك البيت معها، يتجرع حنان وأُنس كافيان طوال رحلته القادمة تلك، توقف ما إن تفاجأ بها تخرج من المصعد في ذات اللحظة التي وقف فيها على بُعد خطوات من باب الشقة، تلاقت نظراتهما، ندم واعتذار تتحدث بهما عيناه، أما هي ما لبثت ثوانٍ حتى نقلت بصرها في اتجاه سيرها بصمت، وتحركت متغاضية وجوده!
_ "نورا"!
توقفت قدماها عن الحركة أمام أعتاب الشقة، ثم استدارت تطالعه بصمت منتظرة حديثه المراد إفضاؤه لها، أما هو فنطق معتذرًا بصدق في نبرته:
_ أنا آسف، ما كانش مفروض إللي بدر مني امبارح ده يحصل، وبدون مبرر أنا بعترف إني غلطان، وبعتذرلك مرة تاني.
تراخت قسمات وجهها ولبست رداء الرضى، وببساطة أزالت ثقل اللوم عن صدره:
_ حصل خير، ما تشغلش بالك أنتَ خلاص إللي حصل حصل.
لم تُظهر بين كلماتها حقيقة بداخلها تضرمه قبلها، يستطيع ولو كذبت ألف مرة، أن يميز صدقها من عدمه، فهي تنهي الحديث بسرعة، وتغلق موضوع النقاش، كرد فعل يتجلى من خلاله حزنها الدفين، وهذه عادة هو يحفظها فيها عن ظهر قلب.
فور انتهاء جملتها، خرجت من خضمه مشاعر تغلف كلماته النادمة:
_ بس ما اتصلحش ولا اتداوى، عارف إنك مش ناسية، ورغم علمي إنه الاعتذار مش كافي، بس على الأقل حاولت بكل الحلول إللي بين إيدي أصلح كسر كنت أنا السبب فيه، وأنا عمري ما كنت في يوم أسمح إنه ده يحصل، بعتذر منك مرة تالتة.
بدأ طيفه من أمامها يختفي، لكن كلماته لازال يتردد صداها على مسامعها، وكأن جسده الذي غادر فقط، أما روحه لبثت لحظات تُسمعها كلماته مجددًا تلك التي شردت فيها متعجبة، مندهشة، متفاجئة، عديد من المشاعر اختلطت لتعطي رد فعل واحد، وهي الراحة العارمة التي حلت على شظايا حزنها الداخلي، فتبدد أثره!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
توقفت سيارته أمام بناية مرتفعة والتي تقنط فيها خالتها، وقبل خروجه منها التفت بجواره إليها تلك التي كسى القلق ملامح وجهها منذ أن أخبرها بأنه مضطر لتركها وحدها وذلك لأنشغاله البالغ بعدة أمور في عمله توجب عليه قضاؤها وإلا سيخسر الكثير، وهذا في دهاليز عقله جال، فهو لا يحب التقصير أبدًا في أي واجب من واجباته في حياته، صارم في شتى أموره، ملتزم بشدة بمعتقداته المتبنيها بعقله.
حاول طمأنتها بكلماته ما إن توقف عن القيادة:
_ متقلقيش، أنتِ هتفضلي عند خالتو لحد ما أنا أرجع وأروحك، وأكيد مش هسيبك تروحي لوحدك يعني!
ببطء أعرب عن خوفها وعدم قبولها الفكرة حركت رأسها موافقة، فحتى إن كانت فكرة البقاء وحدها تنتظره في بيت الأخرى، تقلقها، إلا أنه ليس من الصحيح أن تُعطِّل أمور حياته الخاصة، أوهمت نفسها أن ليس هناك ما يتوجب القلق لشأنه، وهدأت من وتيرة نفسها المضطربة، ثم تحركت بعده تخرج من السيارة، واتجها معًا بكفين يعانقا بعضهم صوب البناية، وقد عزم هو على عدم تركها تلك المسافة وحدها، ويبث القليل من الدعم لها بأنه معها يرافقها رحلتها.
بعد دقائق كان الاثنين في شقة خالتهم التي بادلتهم الترحاب بوجهها البسَّام، وكذلك الصغيرتين اللتان فرحتا بوجودهم كثيرًا، لكن تضائلت تلك الفرحة ما إن هَمَّ《وسام》بتوديعهم والبقية، ووعدهم بأن يزورهم مرة أخرى، ثم رحل بعد أن أخبر خالته بانشغاله، وليس لديه متسع من الوقت للأنتظار، وتفرق البقية بعد رحيله، حيث عادت الطفلتين لغرفتهما يمارسان أحد أنشطتهما اليومية، أما والدتهما فتوجهت والأخرى《حياة》صوب غرفة المكتب لتبدأ جلسة العلاج.
_ ها يا "حياة" طمنيني، أي أخبار الروتين والأنشطة الحياتية إللي بدأنا نتابعها خلال يومنا، أي إللي لاحظتيه على مدار الأسبوع؟
قالتها بعد أن جلست على المقعد الخفيض المجاور لسرير تتسطح عليه الأخرى جزئيًا، وكانت قد أحضرت أجندة متوسطة تسجل فيها خلال الجلسة ملاحظتها والمشكلات التي تظهر كل جلسة وتفصح بها الأخرى.
أُثيرت وتيرة قلقها لسبب دُفن بداخلها تخجل البوح به، وقالت بعد تنهيدة مطولة تبدي ملاحظتها التي أصابتها بالملل وعدم الرضى خلال تلك الفترة:
_ كان اسبوع ممل، لاحظت إني بكرر نفس الأفعال والأنشطة كل يوم، ومفيش جديد.
_ ومعظمها طبعًا غير مُرضيه بالنسبة ليكِ؟
أومأت مؤكدة بنعم، فأضافت الطبيبة سؤالها:
_ طب ويا ترى كان في أنشطة سارة حتى لو نشاط واحد، أو مسيطرة قدرتي أنك تنجزيها؟
حركت رأسها نفيًا في بطء أمام عينا الطبيبة التي أكملت تُفسر لها وتطمئنها وقد لاحظت عدم الرضى البادي على إيماءاتها اليائسة:
_ ده الطبيعي يا "حياة" ، وإللي قصدت إنك تلاحظيه بمراقبتك ليه، أي مريض اضطراب شخصية بيعاني من تكرارات في روتين حياته المتعنت، وإللي دايمًا عائق في أداء مهام كتير في حياتنا، لذلك من الضروري نغيره ونضيف أنشطة مختلفة؛ سارة، مسيطرة، ودي بدايتنا وإللي هنستمر عليها خلال جلسات العلاج بإذن الله.
سكتت هنيهة ثم طلبت منها برفق أن تُريها أداء واجبها اليومي، فاضطربت بذكره أمامها، ما كانت تتوقع حدوثه وتخشاه حدث، هي لم تتم المهمة على أكمل وجه، تعثرت في نهاية الأسبوع ولم تمارس ذلك النشاط، لذا فخجلت من رد فعل الأخرى إن علمت بتلك الصفة المعيبة لشخصيتها وهي الفشل!
فتشت حقيبتها بكفٍ ثقلت حركته، لا يود هو الأخر إطلاع الأخرى على عيوبها، تمنت ألا تجده، ولكن كعادتها لم تنال أماني عابرة، لامس أناملها وأخرجته لتقدمه للأخرى بتوتر بدى في رعشة خفيفة بكفها أخجلتها، وقالت بتوتر بعد أن التقطت الأخرى الورقة وبدأت تطالعها:
_ هو يعني مش كامل، وقفت في الأخر ومكملتش متابعة.
وبلطف أزالت بكلماتها بعض القلق البادي في اهتزاز صوتها الخائف، وذلك بعد أن رفعت عينها عن الورقة وطالعت هيئتها بابتسامة بسيطة بثت بعض الراحة للأخرى:
_ مش مهم، المهم إننا حاولنا وبدأنا في الإنجاز، أما التعثر والسقطات وارد حدوثها في حياة أي إنسان، واحنا لسة في بداية المشوار، يعني البيرفكت مش مطالبين بيه دلوقتي، يكفي محاولاتنا ورضانا عنها.
طالعتها بابتسامة بسيطة لازال فيها طيف التوتر وهي تعود ببصرها على الورقة وتقول بإعجاب تمدحها على مجهودها:
_ وبعدين أهو بدأنا حلو أوي ماشاء الله، وواضح إنك فهمتي شرحي المرة إللي عدت للجدول والتقيمات، أي إللي حصل وخلاكي توقفي، نسيتي مثلًا أو انشغلتي؟
كانت كلماتها كشعلة نار صغيرة لم يكن بمقدورها إذابة جليد ضخم البنية بداخلها تمثل في اعتقادها المغلوط عن نفسها، فلم تصدق أنها حقًا نجحت وفهمت كما لقنت الأخرى منذ لحظات.
نفت برأسها تخمين الأخرى، وأفصحت عن تلك الفكرة الخانقة المتسببة في إتمام واجبها:
_ لأ مش ناسية، هو يعني حسيت فجأة كده، إني..إني.
توقفت، فتلك الحقيقة مُخزية بالنسبة لها، وهي ترى نفسها كل يوم فريسة ضعيفة لها، حثتها الطبيبة بلطف:
_ إنك إي؟ كملي!
وأخيرًا هدمت جدار خجلها من عيب تراه في نفسها، وقالت مفصحة بخزي:
_ إني مش هقدر أنجح ولا حتى أتعافى، وإنه..إنه ما فيش فايدة للمحاولة، فأحبطت ووقفت، حتى إني ترددت أجي الجلسة النهاردة.
وعلى الفور سجلت الطبيبة تلك المشكلة التي ظهرت أمامها، ثم ما إن توقفت يدها عن الحركه فوق بين دفتي الأجندة، التفتت ترمقها وهي تسألها في نبرة عملية:
_ طيب حاسة بإنه ممكن يكون في عائق تاني بيمنعك تنجزي مهامك غير ده؟
_ لأ، أو..مش عارفة.
لاحظت ترددها، فاكتفت بذلك القدر من المناقشة حول ذلك الأمر، فهي تعلم كيف تجعلها تدير مشاعرها وتفهمها جيدًا في الجلسات القادمة، لذا فيكفي معالجة المشاكل الأن وملاحظة مدى تعمقها في نفسها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ألقى بهاتفه مغتاظًا، فارتطم بقوة لم تؤثر عليه وقد خفف سطحٌ اسفنجيٌ من شدتها، وقف يتوسط خصريه بكلا كفيه بالقرب من أريكة استقر عليها هاتفه الذي صار ضحية ليأسه الشديد! منذ أن أنهى تلك المكالمة وهو متلبسًا هيئة حانقة، لم يكن عليها وهو في حالة ذليلة تحت بطش رجلٍ متعالٍ توجب عليه العمل بالقرب منه، ويا لها من مهمة صعبة! فما يحمله ذلك الرقم بالنسبة له في مهام عمله، صفات جُلها تثير حنقه، كاد يُقدم على الفتك به لولا تمالكه لثوائر نفسه حتى النهاية التي لم تبدأ بعد على يديه!
وقف لحظات على نفس الهيئة السابقة، متحيرًا في أوامر غامضة تمنعه عن إتمام عمله، ذلك الأبله سيخرب خط رسمه ليسير عليه برتابة، ويقوده بحنكة كي يصل إلى هدفه، كيف يقطع عليه دابر استرساله في السير قدمًا؟! قطع لحظات شروده الصامتة، صوت كبار العمال بذلك المقهى مناديًا بأعلى صوته عليه، ليصله وهو في غرفة صغيرة احتوت على مقعدين وعدة أثاث بسيطة، يلجأ بين أركانها العمال للراحة، فعاد مسرعًا إلى عمله ليكمل أداء مهام لم يكن ليؤديها في يوم مضى من أيام حياته، لكنه اضطر!
_ في نقص عندنا في العمالة، بعض زمايلك اضطروا يروحوا لظروف طارئة، فكمل أنتَ مكانهم، وسيب المهمة إللى كلفتك بيها امبارح، وروح شوف الزباين، يلا.
أنهى جملتها آمرًا بطريقته الخاصة، تبدَّى له أنه يُهان، ما تلك المهنة المذلة، أيتعين على كل من يمارسها تحمل كلمات غير مرحب بها في النفوس كل يوم! سار متحاملًا على نفسه الوضع الذي أُزج فيه، واتجه حيث الساحة التي تجمع الزوار لذلك المكان، تاركين أشغالهم، ومهامهم ليلهوا وأنفسهم غائصين في تشجيعات وهتافات ومشاعر وأعصاب تصعد وتيرتها تارة، وتهبط للحد الأدنى تارة أخرى، وكل هذا لأجل لعبة لا أكثر، عجيب هؤلاء، فهل يملكون عقولًا ناضجة؟! والله لو كان، ما أضاعوا دقائق في مشاهدة أجساد تغدو وتعود ما يصيبهم من ورائها إلا الخسارة لوقتهم ونفسهم المستنفدة طاقتها جراء مشاعر مضادة في ذات الوقت!
مضت دقائق مارس فيها عمله بتركيز شديد، متناسيًا أمر المهمة، التهى بطلب هذا، وذاك، وهؤلاء، إلى أن انشغل تمامًا عن يأسٍ طاله أو ثائرة أثارته منذ قليل، انتهى من خدمة الكثير، ولما توقفت الطلبات عن التدفق نحوه، وقف على ناصية المقهى من الخارج يتابع من وراء الحشود بعدم اهتمام تلك الهجمة التى دبت في نفوس مشجعي الفريق الزعر، فصاحوا متخوفين كلما اقترب صاحبها من مرمى الخصم، يبدو أنهم مشجعى ذلك الفريق المترقب لتلقي صفعة هدف تصيبهم بالجنون!
ضحكة ساخرة التوت على شفتيه قبل أن يولي ظهره راحلًا عن المكان الممتلىء بالصخب الآن وبينما هو كذلك، إذ طيف يعلمه جيدًا استرعى جُل انتباهه ما إن مر عليه غفلة، كان يتلفت يمينًا ويسارًا وهو يبتعد عن تلك الحشود الصائحة التي كان يندس وسطهم، فأسرع يتتبع خطواته بحذر إلى أن وصلت قدماه داخل زقاق سادت العتمة فيه إلا من نور خافت، وقف على مقربة منه يراقب حركاته، إذ به يتفاجأ بتأكده من شيء يحمله خلسة فلم تلاحظه الأعين وقد أخفاها تحت ردائه ملصقًا إيها بحرص على بطنه، شعر بتأهب حركته لصعود دراجة نارية بالقرب منه بينما كان يقف بجوارها يجري مكالمة سرية، فأسرع مهرولًا وقد لمعت بعقله فكرة، وانجرف وراء خاطرة اقتناس الفرصة، فامتطى دراجته النارية التي كانت على مقربة من ذلك الزقاق لحسن حظه، ولحق به متتبعًا أثره الذي بدأ يتجلى ما إن خرج من أزقة وهو خلفه على بُعد أمتار فارقة، مزودًا سرعة سيره كلما لاحظ أثره يختفي بين سيارات زاحمت حركة المرور، وبداخله يردد بحزم، لا يجب أن يضيع فرصة ذهبية لمعت فى دربه، متغاضيًا عن نداءات عقله المحذرة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ قولتيلي المرة إللي عدت إنك عندك مشكلة في العلاقات الاجتماعية، يعني بتخافي تقربي وتكوّني صداقات مثلًا، مع إنه بيبقى نفسك ماتبقيش وحيدة، بس الخوف منعك، وده على حد علمي أكبر مشاكلك إللي بتواجهك في أي علاقة عمومًا؟
أكدت برأسها تحركها ببطء وهي تنظر أمامها شاردة في ذلك الحديث الدائر بينهم عن مخاوفها، أما الطبيبة فأكملت بسؤال مُقترح قصدت به تسليط عقلها على أغوار المشكلة والنقب عن مسبباتها:
_ طب وتفتكري المشكلة فين، اي السبب إللي يخلي القلق ده يظهر فجأة، في حين إنه مافيش أي عوامل خطر ظهرت من الشخص ده قدامك، بمعنى، اي بيدور في عقلك لحظتها قبل ما مشاعر القلق دي ما تبدأ تتفاقم وتتجنبي المواجهة؟
كانت تستمع لكل كلمة بفطنة لم تدركها في نفسها، وشردت بعد سؤال الأخرى لها تجتر موقف لم تنساه يومًا، لما آل بها في النهاية إلى الندم الشديد، تذكرت يومها حين كانت بجامعتها في أحد أيام اختبارتها، كيف كانت تقف وحيدة بعيدة عن مرأى جميع الطلاب، وهي ترمق كل مجموعة على حدة متفرقة، وعينها ودت لو احتضنها ذلك الدفء المتسلل بين كل مجموعة من الأصدقاء، اقتربت حينها زميلة لها تعيد عليها طلبها بالإنضمام إليهم لكنها صدتها بالرفض ورحلت بضربات قلبٍ أفزعها القلق، بعدها ما عاشت لياليها إلا نادمة، فهذا كان مُرادها أن تصير واحدة من هؤلاء الرفاق الصالحين، لكن عقلها قادها بعيدًا عن ألم لا يود في تجربته مرة أخرى.
أجابتها بعد لحظات شرود عميق:
_ مش عارفة، يمكن..يمكن يعني علشان خوفت تتكرر نفس التجربة، وإنهم بعد ما يعرفوني كويس فاطلع مش مناسبة ليهم ويحكموا عليا بكلامهم عن شخصي، فارجع اترفض من تاني..أو..ممكن...
حثتها الطبيبة بنظراتها لتكمل، فتنهدت بعمق شديد تخرج ثقلًا ضاق به صدرها، وأكملت بتدني عن نفسها:
_ أو..أو إنه العيب فيَّ مش هما.
أردفت الطبيبة تكمل تسلسل أفكارها لتصل لهدف معين:
_ قصدك اي بالظبط؟ يعني أنتِ إللي رافضة من البداية؟ مش هما!
نفت برأسها ثم فسَّرت بتوتر بدى كاهتزاز خفيف في نبرتها:
_ إنه يعني...حاسة إنه في عيوب في شخصيتي كتير، أعجزتني عن إني أتعامل معاهم، أو..أو مفيش حد هيقدر يتعايش معاها فبيبعدوا.
هنا قد وصلت لمرادها بنجاح، ها قد أفصحت بنفسها عن أفكارها التلقائية، وما بقي أمامها إلا أن تعلم ماهيتها وصحتها، تنهدت الطبيبة ببطء وتفوهت بهدوء:
_ كويس إنك قدرتي تعرفي سبب مخاوفك يا "حياة"، وده أكيد مع كل علاقاتك بتهاجمك أفكار مشابهة؟
نفت حديثها بقولها:
_ لأ، مش كله، "ماما" و "وسام" وحضرتك يا "خالتو"، أنتوا أكتر ناس بطمن ليهم.
اتسعت ابتسامتها البشوشة لحظة ثم تلاشت تدريجيًا وهي تقول:
_ طب والبقية، قرايبك يعني و"يحيى"
ابتلعت غصتها ما إن استمعت لأسمه، مخافة من أن تسمع الأخرى تلك الدقات الواثبة بتلك اللحظة، جاهدت في إخراج كلماتها دون أن يبدو عليها التوتر:
_ يعني زيهم زي باقي الناس في درجة الخوف من تعاملي معاهم، بس باختلاف، يعني "أمنية" مثلًا رغم إني بخجل شوية من تعاملي معاها، بس ساعات بطمن ليها.
لاحظت حركتها في إخفاء صراحة جوابها عن الاخر، صمتت متظاهرة بالثبات، أنكرت كل هتاف أجج صدرها، لا تريد التفكير في عاصفة تخشاها!
استكملت الطبيبة حديثها تسألتها تلك المرة باستغراب عن ذلك الغائب:
_ بس أنتِ نسيتي حد يا "حياة"، نسيتي بباكي؟!
إن كانت دقاتها رغم وثباتها المتتالية لاحقًا تريحها، فالآن عادت تضج عازفة على أوتار الألم قلقًا، لم تجيبها، واكتفت بدموعها المترقرقة أن تكون جوابًا، يبدو أن الجواب ثقيلًا!
فضلت الطبيبة عدم الدخول لأعماقها أكثر وفتح باب لمشكلة أكبر، ويكفي في البداية بفك تعقيدات بسيطة، فاستطردت مغيرة مجرى الحديثة بعودتها لما ذكرته سابقًا من أفكار تلقائية لتوضح للأخرى ماهيتها:
_ طب نرجع لنقاشنا السابق، ذكرتِ من شوية سبب الخوف والقلق إللي بيعيقوا بعض مواقف حياتك، ودي عبارة عن أفكار آلية أو تلقائية، زي خوفك من فكرة الناس هتحكم عليكِ وإنه في عيب ما أو خطأ ما في شخصيتك، دي أفكار أنتجت عندك شعور الخوف والقلق، فدفعتك لسلوك التجنب.
أخذت شهيقًا ثم أخرجته بهدوء وأكملت تفسر لها :
_ دايمًا يا "حياة" خوفنا ومشاعر القلق إللي بتتسلط علينا وتدفعنا في النهاية لسلوك سلبي، بيكون وراها من البداية أفكار تلقائية أو آلية، ومن اسمها بتيجي بشكل تلقائي من دون إنذار، ومعظم الوقت مش بتكوني واعية بيها، بتكوني بس واعية للقلق والحزن إللي بتسببه، وحتى لو كنتي واعية بيها أنتِ ما بتفكريش تراجعيها إن كانت صح ولا لأ، فبتتقبليها كأنها صح.
تابعت بعد توقف مريح:
_ وهنا دورنا خلال الجلسات إننا نتعلم ازاي نصتاد الأفكار دي ونتعامل معاها قبل ما تتسلط وتفرض نفسها علينا، دي بس كانت بداية في إننا نتعرف على جزء بسيط منها، وبداية من الجلسة إللي جاية هيكون تركيزنا عليها وازاي نتعرف عليها ونتعامل معاها بإذن الله.
ألقت عليها بعد ذلك عدة تعليمات إضافية بجانب جدول أنشطتها اليومية، وهي أن تضيف ملاحظات معينة عن كل موقف تمر به أسفل الجدول أو في ورقة منفصلة، ثم انتهت الجلسة وبقيت هي برفقة خالتها تنتظر مهاتفة أخيها لها يخبرها بقدومه الذي تنتظره بلهفة، داعية بقلق ألا يحدث شىء مما تتوقعه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعد دقائق بسيطة من انتهاء الجلسة العلاجية، ومكوثها برفقة خالتها والصغيرتين في جو دافئ هي تحبه، هاتفها شقيقها وأخبرها عن اقترابه من موقع البناية فحثها على التحرك وتوديع خالته لحين وصوله في غصون دقائق معدودة، ففعلت، واتجهت بدورها حيث المصعد ينقلها إلى أسفل محل انتظار أخيها لها كما تعتقدت!
ضغطت بسبابتها على الزر المتواجد على أحد جانبي جدران تحيط بالمصعد، وانتظرت حتى وصوله بقلب تتواثب دقاته في سباق بدأ للتو، هي وحدها، ليس هناك من يرشق نظراتها تحديقًا بها ملازمًا لها دلوف المصعد، فلما ذلك الخوف، ألا تستطيع تجريب شيء بمفردها دون قلق يمزق أنياطها؟!...
ولأن كلما زادت مخاوفنا من حدوث الشيء، زادت نسبة حدوثه بدرجة تقارب المائة بالمائة، فها هي تقف أمام متوقع طرأ عقلها متذكرة على إثره صورته ولقاءهما، تواجهه برعشة خفيفة سرت في أطرافها ووثبات هنا وهناك تدق جنبات قلبها برشاقة، وكأنه عيد والقلب متسع لتلك الدقات الصغار كي تتواثب محتفلة بإشراقه!
لم تفكر ولو ثانية في دلوفها المصعد وهو فيه، فحتى إن كانت هناك رابطة بينهم، فهي مجرد عهد لم يتحقق بالرسمية بعد، همت بالتحرك من أمامه وفضلت النزول على الدرج، دون حتى إيماءة منها ترحب به وتبادله تحية السلام، ها هي عادت تخطىء من جديد، يالها من حمقاء، ألا تستطيع التفكير ولو قليلًا قبل فعل الشيء...
خرج هو من المصعد قبل أن يختفي أثرها من أمامه، وبنفس الدهشة والتعجب الذين طالاه ما إن وقع بصره عليها حين انفتح باب المصعد، أوقفها بترحيبه اللبق:
_ أنسة "حياة" ، ازيك.
تسمرت في مكانها، لا تقدر على الحراك هاربة من مصدر توترها، ولا تقوى على هزيمة جيش قلقها المخجل، فتنفك عقدة لسانها وتصبح طليقة، تفصح بما يجول بخلدها، بشكلٍ منمق ومرتب، كم تمنت ذلك كثيرًا!
لحظات كالدهر مرت عليها، فدفعها ذلك الشعور الرهيب بمرور حقبة من الزمن، أن تستدير وتبادله ولو بضع الكلمات، فهو ليس وحشًا سيلتهمها بضحكة ساخرة أو التفاتة بحديث ناقد إن تحدثت، فلم يسبق ورأت منه ذلك، بل كان هادئًا متقبلًا مستمعًا بصدرٍ رحب لعبث حديثها السابق خلال تلك الرؤية الثانية معه!
_ بخير الحمد لله.
اقتضبت حديثها دون النظر لسنحته، وكالعادة التهمت بقية حديثها ليصير ثِقلًا على صدرها، كان من المفترض تبادله السؤال عن حاله، لكنها لم تفعل، شعرت وكأن الخجل ابتلع لسانها، فلم تجيد النطق بحرف وبقيت في حالة بكماء كاذبة.
ارتسم طيف ابتسامة على ثغره عن صورة تلوح في خلده تتجلى منها حُسن فعلتها التي زادته اعجابًا ورضا عن اختياره لها شريكة، التمسها في حركتها المضطربة ما إن أبصرته في المصعد بمفرده. لم يفتح معها حوار طويل، اكتفي فقط بسؤاله عن أحوال الأسرى وشقيقها أيضًا الذي تفاجأ بأنه ينتظرها في الأسفل بإفصاحها هي بذلك في نهاية حديثها المتوتر عنه.
قال بعد أن أفسح الطريق لها:
_ تقدري تستعملي الأسانسير، أنا هنزل على السلم، أو ممكن استنى لما تنزلي وأنزل بعدك مش مشكلة.
لا يريد أن يتسبب في مضايقتها، وفضَّل أن تستعمل هي المصعد، أما هو سيعود مواصلًا سيره صوب جهته حيث المسجد الذي يتواجد فيه خليله بعد أن علم من والدته للتو أنه لازال قابعًا فيه منذ صلاة المغرب.
أسرعت ما إن سُنحت لها الفرصة للهروب تفاديًا لأي خطأ قد يحدثه ذلك القلق القارع لطبول قلبها، ولكن مهلًا، أهل هذا قلق؟!..وإن كان فلماذا لا يزعجها ويثير وجع أحشائها، واختناق صدرها، ورجفة أطرافها؟!
استحال جسدها رعشة باردة، تعجبت، فالجو معتدل وحرارة صيفه لم يخالطها أي نسمات باردة من نسمات الشتاء! أيمكن أن يكون المصعد مُكيف؟! قطعت استرسالها في مشاعر طارئة، وضغطت على زر الهبوط فتحرك المصعد بها هاربًا، ليحميها من بوادر عاصفة باردة بدأت تتسلل إلى جنباتها معلنة بداية فصل جديد من فصول حياتها! غير واعية، أن العاصفة تلحق بها في الوقت نفسه الذي تعد العدة للهروب منها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بأعلى درجة صوت صدح مشغل الأغاني في سيارته بينما يقودها بالبقية من رفاقه المرافقين له في رحلة التنزه خاصته محتفلًا بخلاصه من مسؤلية خانقة تحرر منها وانفكت قيودها سانحًا لنفسه التحليق ببراح في سماء المرح والراحة المغلفين بثوب الهناء المزيف!
كانوا أربعة، ثلاثة في المقعد الخلفي وهم أصدقائه الجدد، والقدامى بالنسبة لرفيقه الجالس بجواره على المقعد الأمامي، تعرَّف عليهم من خلاله، كان رفيقه يضيع معظم أوقاته معهم، يهرب من عمله البسيط هو الأخر، ويقضي الوقت معهم، لا يعرف في ماذا ينغمسوا، وأين، لكنه وجد فيهم الرفقة الملائمة لعقله الطائش، فاقترب منهم سامحًا لنفسه الانغماس في الغموض!
_ ما تسرع يا عم "عُمر" أنتَ!
لم يسمعه، فكلمات الأغنية العالي صدوحها ازدحمت في عقله بينما يرددها ذاهبًا في عالم أخر غير هذا المحيط به خارج سيارته، أما الأخر فنكزه بكفه في كتفه حينما أدرك الأمر، فالتفت له لحظة قبل أن يعود يراقب الطريق، ولما لاحظ فاهه يتحرك، راح بيده يخفض الصوت، ثم بعد ذلك وصله حديث الأخر حين أعاده عليه، فأجاب:
_ ما هو كده سريع، عاوز أي أكتر من كده!..متقلقش هنوصل برضه.
ضحك ساخرًا ورد بتهكم:
_ دي سرعة، والله يا "عُمر" أنتَ طيب، طب أقولك أقف على جنب وبدل مكانك وأنا هوريك أي السرعة إللي أقصدها.
لم يسنح لأحد في حياته أن يسخر منه، ويعلق بما لا يحب على نفسه، لذا فحتى لا تُنسب تلك السخرية لنفسه، رمقه بطرف عينيه من فوق كتفه في تحدٍ، وعاد ليريهم كيف يملك من قدرات بارعة في القيادة بسرعة.
مرت دقائق وهو يقود بأقصى سرعة لديه، يطيح بسيارته هنا وهناك، تارة يتفادى سيارة أمامه بكل براعة وتركيز، وتارة دراجة نارية، والجميع حوله سكنتهم البهجة وهم يراقبونه وإصراره في إبداء قدراته لهم، أحبوا شخصيته، يحب التحدي، وينجرف وراء مواقف كهذه طائشة يرونها بعينهم تميز!
انتشرت الكلمات حوله تمدحه على فعلته، هذا يسفق، وذاك يصفر، وأخر يمدح بكلماته، فالتفت الأخير يلقي عليه بسمة فخر دون الاكتراث للطريق أمامه بتلك اللحظة التي ظهرت أمامه دراجة نارية ما إن عاد يراقب الطريق، شهق شهقة شقت صدره وجعلت العيون تجحظ أمامها تترقب الحدث، وبتلقائية سريعة ضغط على فرامل السيارة ليخفف سرعتها مجاهدًا قصر المسافة بينه وبين الدراجة النارية حتى لا ينتصر الواقع على أحلامه، فتصتدم كلتاهما ببعض، ولكن المنطق وقع، وظنونونه وأمانيه تبددت ما إن أوقف سيارته والدراجة النارية اندفعت أميال للأمام وصاحبها طاح على الرصيف ومكث يلهث أنفاسه والدماء حوله تسيل!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يدير عجلة القيادة بجُل تركيزه صوب وجهة وصوله المحددة، بالضبط كما يفعل في حياتها، كسيارة هو قائدها يديرها بتنسيق وترتيب لخطوات وضعها تدفعه نحو الوصول للهدف، لذا فلم يتخلى عن هدف في عقله نمى وتعاظم، وبدا محطة نجاح جديدة يريد الوصول إليها بعد ما مضى من محطات نجاحاته المتتالية في فترة قصيرة بتلك الشركة، هذه هي حياته، التنقل بين محطات النجاح العازم إليها، دون مراعات سيارته أكانت تحتاج لدعم بنزين حتى!
في عقله يتردد ألف هدف، فيتنبه الجسد بإشارات متتابعة منه تحثه على عد العدة متجهزًا بطاقة جمة تكفيه ليسير طرقاته الغير منتهية في الظهور، كلما انتهى من نسج خيوط النجاح صانعًا ثياب الفخر بنفسه، تعطش أكثر لنيل المزيد منها، غير سانحًا لنفسه أن يهنأ بثوب الفخر الجديد، ينتابه نقص ما، وأن ما ناله قليل، فيصب جُل طاقته في بناء المزيد من الأهداف والسعي صوب تحقيقها.
اقترب من جهة وصوله، مقتربًا معها وقت هنائه وجِده بالعكوف ساهرًا على عمله الذي سيكمله في المنزل بعد أن يعود وشقيقته إليه، ولكن في بعض الأحيان قد تكون جبهتنا المحددة بعقولنا الصغيرة في إدراكها وإدارتها للأمور، ليست هي المتوافق معها قدر كتبه الجليل جل وعلى قبل خلقنا، فمهما رسمنا من خرائط خطط متتابعة، لم يحدث إلا ما شاء له القدير أن يكون.
على عجل فتح مكبر الصوت ما إن باغته الأخر باتصاله، واستمع لطلبه بينما يقود سيارته في تريث تشتت وحل القلق محله محلًا بليغًا ما إن سمع الأخر يصيح ذاعرًا:
_ الحقني يا "وسام" أنا في ورطة.
وهكذا تبدلت الأحوال، وتغيرت وجهات الوصول، وتمت إرادة المولى مُسيِّر الكون، وتحرك مسرعًا صوب جهة أملاها عليه الأخر الذي كان سببًا في تلك التدابير كي تتغير جهتها.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman