بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الواحد_والأربعون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عدلت من وضع حجابها وسارت خطواتها برتابة وثقل نحو مصدر الصوت الذي تعتقد أنه أتى من داخل المصعد، قدماها تصطكان من شدة الخوف وهي تتقدم نحو المصعد الذي جذب انتباهها هيئته؛ حيث بقاء بابه مفتوح على مصراعيه بهذا الشكل لا يعني سوى أن هناك من استخدمه، ولكن فراغه من أي بشريًا وصوت الاصطدام الذي أفزعها من ثباتها بينما كانت بمفردها في شقتهم، أثارا رعبًا في حفيظتها وأُرسلت إشارات إليها توحي برعب ما هو قادم.
تقدمت حتى وصلت أمام المصعد، وقفت وهتفت برعشة في صوتها:
_ مين هنا؟ في حد جوا؟
شل الخوف قدماها، فلم تستطع التعمق حيث الداخل وتفتيش كل ركن بالمصعد، تخشى أن يُغلق فجأة بينما هي في الداخل بمفردها، فيقتلها الرعب في مكانها ما إن تواتيها نوبة فزعها المعتادة كلما حُبست في مكان مغلق، خاصة إن كان ضيقًا.
استغربت من عدم وصولها إجابة على نداءاتها، وظلت على حالتها تفكر في تعجب يمتزج بخوف جلي، إن لم يكن هناك أحد في الداخل، من أين جاء ذلك الصوت القوي إذن؟ وبينما هي هكذا، اكتال صوت أحدهم ينادي باسمها خوفًا فوق خوفها ففزعت مما أعرب سلوكها عن خروج صرخة قوية تراجعت على إثرها إلى الوراء حتى كادت أن تقع لولا ذراعه الذي أسند ظهرها من الخلف. التفت خلفها تلتقط أنفاسها بصعوبة كمن كان في عداء للتو بينما توبخ ذلك المساند لها بذراعه:
_ الله يسامحك يا "عَمرو" كنت هتموتني، مش تقول إنك هنا.
اعتدلت في وقفتها مبتعدة عنه شبرًا، ووقف تعيد ثبات أنفاسها المهدرة في عداء خوفها السابق، رمقها بملامح جامدة لم تتغير، حتى تعجبه كان طفيفًا وقد ظهر فقط في صورة انعقاد خفيف في حاجبيه وهو يسألها مستفسرًا:
_ وأنتِ كنتِ واقفة هنا بتعملي أي؟ أنا كنت هنزل بس الأسانسير ما طلعش فكرت حد طالع، بس أنتِ مش طالعة!
هزت برأسها نافية ثم أضافت توضح له وقد عادت إليها حالة الاطمئنان من جديد:
_ لأ ما كنتش طالعة، كنت بشوف في أي، سمعت صوت جامد واضح إنه جاي من الأسانسير، فكرته وقع أو حصل عطل وحد جواه، بس ما لقتش حد، وأنتَ لما اتكلمت فجأة اتخضيت.
لم يكثر التعمق في الأسئلة أكثر، فهم الأمر، واستعد للمضي حيث جبهته التي كان في طريقه إليها قبل ملاقاة الأخرى. هتف مودعًا:
_ طيب تمام ادخلي أنتِ وأنا لما أرجع هبقى أشوف ماله، علشان أنا متأخر على معادي دلوقتي.
أومأت برأسها أمام عيناه التي لم يفوتهما ملاحظة أثر الدموع العالقة بين جفنيها، وكذلك احمرار عينيها بشكل خفيف، لذا فقال في عجالة مضيفًا:
_ واستنيني هرجعلك، عاوز اتكلم معاكي في موضوع.
ربت كتفها بخفة وهو يوجه لها نظراته التي أخافتها، ثم رحل من أمامها حيث المصعد يقوم بتجريبه إن كان العطل حقًا منه أم هناك شيء أخر، بعد لحظات خرج أمام عينيها واتضح لكلاهما أن هناك عطل فيه، لذا فاتجه هو نحو مبتغاه مستخدمًا السلم، أما هي فوقفت تنظر في أثره بخوف، وتوتر أصابها بفعل حديث عينيه الغامض، تُرى هل عرف بما حدث بينها وبين خطيبها؟
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مضت السنوات في هدوء مزيف توارى خلفه حقيقة مخزية؛ عاشوا في وهم تبادل الحب والثقة لبعضهم، ظنوا أن ما تخفيه القلوب هو بالفعل ما يتجلى في سلوكهم لبعض، حتى أتت عاصفة غيرت موازين أفكارهم زوابيعها، واقتلعت جذور الأمان والثقة كانت رخوة منذ البداية، لكن الوهم أغشى الحقيقة عن أعينهم.
تأتي الصراعات لتصفعنا بألم حتى نتعلم، أما بالنسبة لهم جاءت لتوقظهم من ثباتهم على حقيقة زائفة؛ فقد اهتزت الثقة في بعضهم بمجرد مرور طيف حديث خرج عن عقل غير واعي، وبدأ الشك يأكل عقولهم جميعًا حتى وإن كان مختلفًا في درجته، فكان مؤلمًا!
في غرفة قبعت بالأسفل حيث الدور الأرضي والقريبة من بوابة البناية القانطين فيها كعائلة لم يسود بين جنباتها الدفء إلا قليلًا، اتخذوها ملجأ لمناقشة أفكارهم، صحيح أنهم لم يشاركوا حقيقة ما تكنه نفوسهم لبعض، لكنهم تشاركوا ذلك في الخفاء دون وعي، فقد كان الشرود المطبق والنظرات المتهمة تتبادل بينهم، حتى إن كانت عن دون قصد من أحدهم، فهي في النهاية فكرة نشبت وألحت حتى تجلت في المقلتين.
منذ أن تفرقوا، وظلت النساء برفقة والدتهم في شقتها، مكثوا بين أركان الغرفة يقلبون موازين الأمر في عقولهم، في الحقيقة لم يكن أكثر ما يشغلهم البحث عن هوية السارق، بل كان سؤلًا ملحًا، هل ساد الطمع بينهم إلى هذا الحد الذي يجعلهم يسرقون والدتهم؟
《أحمد》الذي كان أكثرهم تعمقًا في التفكير، شغل عقله أمر أبلغ في الأهمية من غيره، وهو ريبه وخشيته الملحين على عقله؛ يخشى أن يكون الأمر قد حدث، فكل الأدلة نحوه لا تثير سوى التصديق، خاصة أنه يعلم عن شقيقه صفة الطمع بعد أخر تعامل حدث بينه وبين زوج أخته《خالد》والنزاع الذي حدث على إثره. قطع صمته بغتة، ووجه حديثه لشقيقه المقابل له على أريكة أمامه، بدى كأنه يحقق معه حين وجه أصابع الاتهام نحوه بشكل غير مباشر:
_ وأنتَ يا "أمجد" كنت بتهبب أي الصبح عند أمك؟ أختك ما يتصدق تلاقي غلطة منك علشان ترجع تلومك على إللي حصل زمان، فاكره؟! ولا نسيت!
رد بغضب وهو يرى التصديق في عينيه لكنه لم يستطيع تأكيد ذلك بفاهه:
_ بعمل أي أو ما بعملش أي، دي حريتي، وبعدين أمي لما أزورها الصبح قبل ما أمشي حرام!
زاده الريب سيرًا نحو درب التصديق لحقيقة هو وحده من يظن منطقيتها، فشقيقه سبق ووقع في ذات الجرم من قبل! لم يستطيع توجيه أصابع الاتهام نحوه أكثر من ذلك، اكتفى لجس نبض خلجاته وردود أفعاله كي يحقق جيدًا في الأمر.
عاد الصمت بينهم للحظات، قطعها صوت أكبرهم وأكثرهم مواراة لردود أفعاله ومكنون نفسه وأفكاره:
_ إن شاء الله يكونوا ضاعوا هنا ولا هنا، أنا متأكد إنها هتلاقيهم، ربنا يجيب العواقب سليمة.
اكتفى《مصطفى》بهذا القدر من الحديث، فهو حينما يكون في أوج أفكاره السلبية خاصة أن الشك بدأ يدب بين جنباته في الجميع يلوذ بالصمت كي يحفظ لسانه، ونظراته، يجاهد الهروب في كل فرصة كي لا تنكشف سوءته أمامهم، فهو أكبرهم، والقدوة لهم! لذا بعد دقيقة من رمي جملة تصبرهم على هذا البلاء، ترك الغرفة المشحونة بصراعات صامتة بينهم، وسار كيف تشاء قدماه واعتادت منذ أمد طويل!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<في خضم اليأس أحزان، تأبى أن تفارق العقول، كلما أُثيرت بفعل حدث ما، هبت زوابيعها على المرء دافعة إياه في غياهب يأساته الماضية.>>
ومن بين ألم وألم، كانت هناك نار تحرقه، توقدها مشاعر نبتت في فؤاده، ظلت تُروى بسقيا الحب الصادق، والآن أصبحت تكوي فؤاده، فمكث في يأسه يتساءل...
لماذا لا يهنأ له بال، وتزور الغبطة ثنايا قلبه؟
هل ستسود حياته الابتلاءات، ويمكث في غمار البأس ينعي رغباته الغير مُنالة؟
تراه سيعيش دومًا قليل الحظ في حياته لم يزوره معنى الهناء قط؟
متى سينال يومًا ما يريد؟
وظيفة كان يحلم بها، لكن الخسارة لها كانت مصيره، كان سيعيش بفضلها هانئًا، وربما كان سينقذ والدته قبل تفاقم الأعراض بذلك الشكل الخطير، والدته وعِللها التي لم تنفك عن جسدها ونفسها، بل تتوالى واحدة تلو الأخرى وهو وحده يصارع الظروف محاولًا دفع كل سوء عنها، جده وما ابتلاه به من فقد فيه هز كيانه، وانفطر قلبه على شوقه له، فلم يراه حينها قبل موته، والذي يكيل فوق عاتقه حزنًا يخالطه البغض، هو أن الجميع تركه في مهب الريح يواجه كل هذا وحده؛ والده منذ الصِغر، وأخويه اللذان كان يحبهم، يعتبرهم السند له، وهو الصغير الذي لم يجد سواهم متكًأ بعد ترك والده لهم في أعتى الظروف....
كم اشتاق لهم، كم عاش الليالي ينتظر مجيئهم، فيأتي أكبرهم ويربت على كتفه وقلبه بكلمات حانية " ها قد جئنا يا صفوان، لا تشغل بالك بأمر الغد وكيف ستقضي حوائجه، من اليوم نحن سنعينك على الحياة ومشاكلها، سيشدد الله عضدك بنا، ولا هموم ولا أرق سيلازمك بعد الآن، استرح واهنأ فها نحن معك، عدنا".
ولأن الحلم لم ياتي، ولأنهم دائمًا يخذلوه، فهو لم ينسى، ولم يتذكرهم بعد تلك الآهات سوى بالكره، لم يعد يحبهم، هم سبب كل آلامه، فلو أنهم...
قطع دابر تفكيره اليائس صوت رنين هاتفه المستقر على مقعد بجوار الأخر الذي يجلس عليه، فمد ذراعه بكسل نحوه والتقطه، ثم بدأ الحوار يتبادل:
_ وعليكم السلام، بخير.
_.........
_ أيوة يا "بلال" أنا في البيت مستنيك.
على الجهة الأخرى جرى حديث قصير بينه، ثم أغلق المكالمة وعاد لشروده الثقيل حتى يصل صديقه ويبدأوا مكالمتهم الجامعة لهم ثلاثتهم، 《صفوان》، 《بلال》،《يحيى》.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<هل يذنب المرء كونه صادق؟ أو يُوصم بالقبح والنبذ لكونه حقيقي؟! أين المعضلة يا تُرى، في أفعال كنا مقبلين عليها بصدق وقرار أخذناه عن حسن نية وطيب خاطر_كما تربينا_ أم في ذوات لم تعي قيمة ما يقدم لها؟ هناك إجابة حتمًا، وإلا سيصاب المرء بالجنون!>>
مع كل شهقة تُكتم كان صدرها يتصدع عن شرخ أليم، كحجر اكتالت فوقه القوى الهائلة حتى تصدع سطحه وانتشرت فوقه الشروخ، وما بعد الشروخ إلا انكسار يحوله إلى أشلاء متناثرة! في غرفتها وعلى فراشها اتخذت حيزًا فوق أحد أطرافه تضع فوق ركبتيها المضمومتين إلى صدرها وسادة بين الفنية والأخرى تستخدمها لكتم شهقاتها حتى لا يسمعها أولادها، وخاصة زوجها الذي سيصيبها بالوهن أكثر مما هي عليه لطالما لا يفهم معنى كون المرأة منكسرة، فما يملك أن يفعله هو الصياح والغضب على حالها المرسى عليه وكأنه يزيد من مأساتها أضعافًا بسلوكه الغير واعي!
في كل مرة تكتم شهقة تعود حاملة أثقال ألم نتج عن شرخ لمَّا عجزت عن جواب سؤالها، سيل من الأسئلة أصابتها بالجنون تعقبها شهقات العجز عن جوابها فتتألم، حالة من الوهن البالغ أصابتها سرى دبيبها في جسدها فانتشرت فيه الآلام، كلما تذكرت حديثها الأخير مع أخت زوجها، عادت تتساءل بجنون، ما ذنبها إن لم تفعل من السوء فتيلة أو اتجاهها أو تكن شرارة كره وبغض لها؟ وما الجرم الذي اقترفته في كونها إنسان ابتلي في حياته السابقة؟ وهل كان على المرء أن يختار حياته وأهله قبل أن يُولد؟! هي لم تكن تريد سوى بيت هاديء وزوج رحيم ينتشلها من أنياب حياة قاسية عاشتها، هل أذنبت في شيء بهذا الحلم البسيط؟ ولكن حتى هذا الحلم أضحى كابوسًا في نهايته بعد أن عاشت سنواتها تظن الجميع أبرياء، ولم يكن أحد بريء سوى أحلامها!
هاجت في عقلها عاصفة عنيفة أثارت صور ذكريات قديمة عاشتها، كلما وقعت عيناها على إحداهم تألمت وكأنها ارتكبت من الجرم شيئًا فتلوم نفسها عليه! العديد من الصور بين طياتها حياة سابقة لا تفرق في قسوتها مما هي تعيشه وسط نفوس ما تكن في جوفها سوى الضغائن المهلكة لمن حولها بنيرانها، بلغ كانت أبلغ! فالنفس التي أنتُشلت من بين براثن حياة قاسية تجول بين الطرقات الوعرة باحثة عن سبل تقتات بها لتعيش كانت رغم ذاك مكرمة تعمل لتعيش وتؤدي واجباتها في الحياة، أما الآن فهي لا تعد ما تعيشه في ظلام ذلك البيت بحياة، بل غم يقتات من طمأنينة نفسها وسلامها منحدرًا بها صوب غياهب الهلاك!
وبينما تتوجع وهي تقلب في دفتر عقلها بين الصور القديمة من بداية معاناتها في العمل بمصحة وتجولها في الشوارع كبائعة بالجملة حتى انتهى بها السبيل إلى هنا، صدح صوت هاتفها بينما تلاحق على انهمار دموعها في صمت، كلما جففت مقلتيها زدادت في تحرير ما حُبس بين جفنتيهما بغزارة كغيمة مر عليها من الزمن عقود دون أن تزخر قطرة ماء قط! مرة، ثم الثانية والمتصل لازال يصر على طلبها، وفي الثالثة كانت راية الاستسلام رُفعت من قِبلها، فأجابت بعد أن جففت دموعها وحاولت تغير نبرة صوتها حتى لا يفتضح أمرها لكنها فشلت حين سمعت الجواب من شقيقتها تسأل بلهفة وقلق بدوا في نبرتها حين قالت بتعجب:
_ مال صوتك يا "سهير" أنتِ تعبانة؟
ما إن أغدقت عليها بسؤالها المهتم حتى انفلتت منها شهقة قوية تبعتها أخرى حاولت كتمهما من بين دموعها، إن كانت أمام الجميع حصنًا لم ينهدم، فلم يغير هذا حقيقة أنها ضعيفة للغاية وخاصة أمام نبرة تلوذها بالاهتمام من أقرب الناس إليها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كان يقود سيارته في هدوء مطبق، يتابع الطريق بصمت متحاملًا على نفسه شقاء صراع نشب منذ أن انقطع عن عمله لمَّا جاءه اتصال فجأة من قِبل ذاك الغريب الجديد يستغيثه كي يأتي وينتشله من مأزق وُضع فيه بسبب حالته، فجرحه لم يطب بعد وهذا شكل عائقًا كبيرًا في تحرياته التي يقيمها في الخفاء. كسر الصمت صوت ابن عمه《عَمرو》الذي اصطحبه معه في تلك المهمة كونه أقربهم إلى ذلك الغريب الغامض《عدي》. سأله في انشغال وحيرة لأمره:
_ وهو بيعمل أي في السيدة زينب؟ أنا بايدي من ساعة موصله عند عمارته القديمة لما قالي إنه هيقابل هناك حد معارفه، وقالي تعالى بعد ساعتين، ده حتى ما لحقش!
بذات الحال رد《وسام》متأففًا:
_ معرفش، زيي زيك، وضيف كمان إني أجلت إللي ورايا لما قلقني صوته، يعني الموضوع يقلق، ربنا يستر.
حل الصمت بينهم مجددًا بعد مشاركتهم الحال لبعض، زاد《وسام》من سرعة سيارته لمَّا تيسر الحال وخلا الطريق أمامه، وكان قلقه الناجم عن تفكيره في صوت الأخر المضطرب طاقة دافعة لأن يسرع في اللحاق بما يحدث هناك خاصة عندما هتف《عدي》في نهاية مكالمته بخوف جلي في صوته الخفيض وكأنه يخشى من سماعه أحد:
_ على أول الطريق في حارة ****هتلاقيني، حاول تسرع ما تتأخرش عليّ يا "وسام"!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<يقف الإنسان في منتصف الدرب حائرًا، يود السير وتكملة ما بدأه، وف ذات الوقت لا تملك قدماه الطاقة لتكمل، هل هو نفاد طاقة؟ هل هو استسلام؟ الأسئلة تضج والعقل خاويًا من أي إجابة.>>
هل كان في الرحيل علة، أم أن ما عاشته سابقًا وانتظارها بلا جدوى للأمل كي ينير عتمتها هو العلة الحقيقية التي تعيق تنفسها بأمل من جديد، وتهاب الظلام أن يشتد عليها مرة أخرى؟
حسننًا، لا تهم الإجابة، فكلا السؤالين يحملان ذات الأسباب والنتائج، فإن كان رحيله أصابها بالوهن، فهي من بادرت بالاستسلام دون فرصة واحدة، وإن كان ما تخشى عيشه من جديد هو علتها الحقيقة، فهي من آمنت بفكرة مقلقة، وسارت دربها حتى ضاعت وقد ظنت أنها تلجأ للأمان فحسب.
على الفراش تتسطح، والغطاء يدثرها من كل جهة عدا رأسها التي دفنتها في وسادة بجوارها بينما تنكمش في تلك المساحة الصغيرة حتى أصبح وضعها كالجنين في بطن أمه. في عالمها حيث التيه والضياع، وقفت عند نقطة صراع محددة بعد إدراك واحد تسلل إلى وعيها لتصبح له أسيرة فزاد ضياعها، كان مفداه "السبب هي، كما المعتاد!" ثقيل عليها تحمل لوم نفسها الزائف هذا، هي علمت أن صراعاتها نحو الأمان كانت مجرد لعبة عقلية ألقت في نهاية مطافها بها حيث خسران كل أمان حولها! لكن ما لم تعلمه، هو حقيقة الأمر وسبل الخروج من هذا المأزق، لذا فكان أول باب فُتح لها، هو باب اللوم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في نهاية أحد زقاق ذلك الحي، وعلى جدار بيت رث، شديد القدم كما يتضح من عتق لونه وتآكل معظم جدرانه، استند بظهره للخلف تدعمه في وقفته ساق واحدة، أما عصاه التي تنوب عن قدمه الأخرى استقرت جواره بعد أن وصل إلى نهاية الزقاق متواريًا خلف ذلك الجدار محاولًا التقاط أنفاسه. نظر إلى حالته المرثى عليها وابتسم ساخرًا وهو يرى عائقه الوحيد في حياته، تذكر على إثر تلك السخرية كيف توصل إلى طرف الخيط منذ قليل، فقد عرف مسكن الرجلين اللذان هم بداية المعضلة أو أحد أطرافها، لا يهم ما موضعهم في مهمته، المهم أنه وجدهم، عرف مكانهم، ولكن لسوء حظه لم يكمل مهمته في التعمق أكثر داخل ذلك الحي ليكتشف الكثير من الأسرار المواراه في خضمه، فقد رأه أحد أعداءه من رجال ذلك البغيض المدعو بكبير منطقتهم، مما اضطره الأمر لأن يفر هاربًا بتلك الحالة التي وصمته بالضعف الذي يكره!
كانت قد هدأت أنفاسه وتوارى القلق في جنب من جنباته، بدأ في التفكير في هذين الرجلين والأسئلة المثارة حيال قصتهما الماضية كما عرف عنهم وقص عليه《مصطفى》، وبينما هو كذلك يغوص مفكرًا في خطوات قادمة يحيكها في دربه الغامض حتى تشرق شمس الحقيقة أخرجه من شروده صوت حركة دبت القلق في صدره وهو يترقب هجومًا ما يباغته في ذلك الظلام المحاط به، حرك كفه للاستعداد نحو عصاه المسندة بجواره على الجدار، لكن حركة مضطربة خاطفة اختفت بعدها عصاه فالتفت مسرعًا يمينه ليجد جدارًا بشريًا يفوقه في الطول والعرض قد ظهر بغتة أمامه. ثبت نظراته فوقه في شجاعة رغم حالته الغير مسعفة لمواجهة هذا الشبل الذي وقف يكشر عن أسنانه بابتسامة صفراء سبقت سؤاله الساخر:
_ بتدور على حاجة يا أخينا؟ قولي يمكن أكون لقيتها هنا ولا هنا.
على عكس حالته الداخلية، تابع بصمت ونظرات لازالت مثبتة فوق ذلك الثمل وهو يكمل بسخرية بينما يتكيء بساعده على العصا التي سبق واخطتفها بغتة منه:
_ مش برضه كنت تقول إنك جاي، الواجب برضه علينا عيبة لو ما أدناهوش في حق ضيوفنا يا..يا "جمال" باشا!
استطاع إخفاء صدمته من حقيقة تجلت في حديث الأخر، لا يعلم كيف ومتى عرفوا بأمره، لكن ما يعرفه أنه أمام مأزق كبير وُضع فيه عن دون قصد، ولا سابق تخطيط للخروج منه، كيف سيهرب من بين يدي هؤلاء المجرمون بعد علمهم بهويته الحقيقية؟
_ أي الصدمة بلعت لسانك يا نجم!
ضحك باصفرار ثم تابع بعد أن ألقى العصا نحو الأخر:
_ لأ يا سعادة الباشا فوق كده، أنتَ مش أذكى واحد على الكوكب، فاكر يعني نفسك لما تغير اسمك المعلم مش هيعرفك؟ تبقى عبيط يا عبيط!
لا زال محافظًا على ثباته أمام ذلك الثمل، وعلى حين غرة اقترب من أذنه وتابع هامسًا بتهكم:
_ عارفين إنك راجع تاخد بتارك وتستغل بدلتك يا حضرة الظابط "جمال صالح محمود الزيات".
يستطيع الثبات أمام كل شيء يؤلمه في الدنيا، إلا سماعه اسم ذلك الملقب بوالده، صاح منفجرًا فيه بلكمة في وجهه ليعود متقهقرًا للوراء إثر قوة الضربة:
_ ده مش حقيقي أنا اسمي "عدي" ..."عدي" وبس، خليك حافظه علشان شكلك نسيت.
حدجه بنظرات تشع غضبًا وقال بهدوء ما قبل العاصفة بينما يمسح قطرات من الدماء على شفتيه من أثر الضربة التي تلقاها:
_ وماله، حلو "عدي"..
ثم تبع حديثه بلكمة قوية في بطنه فاقت قوتها الأخرى التي تلقاها منه، فسقط أرضًا يتأوه في صمت محاوطًا بذراعه السليم بطنه. هتف الأخر بابتسامة ماكرة:
_ دي تحية لرجوعك من تاني.
قطع جملته ليقوم بركله ثانية، وثالثة، ورابعة، لكمات متتالية في شتى أنحاء جسده، وفيما هو كذلك مستمرًا في ضربه أطاحت به لكمة قوية من خلفه لم يرى صاحبها فسقط يتأوه من ألم أصاب رأسه نتاج تلك الضربة القوية. أسرع《وسام》نحو《عدي》يساعده في النهوض ويطمئن على حاله بينما تابع 《عَمرو》عمله وقام بركل ذلك الثمل بقدمه في أحد جانبيه، ثم انحنى لمستواه وهتف متوعدًا:
_ ده بس درس صغير للشاطرين إللى زيك وبيتقاوا على الضعفاء، ويا ويلك لو هوبت ناحيته تاني!
لم يستطيع المقاومة من فرط الألم في رأسه، مكث فقط يستمع بوجوم وغضب تطايرا من مقلتيه، التفت 《عَمرو》بعد حديثه يسأل الأخر الذي استند على ذراع《وسام》وأخذ يسير نحوهم ببطء وألم تجلى على وجهه:
_ سرق منك حاجة؟
نفى برأسه، ثم أسرع في حثه على الابتعاد:
_ خلاص كده كفاية عليه، روحوني بس علشان الظاهر إنه اتعطبت جامد.
تحجج باصابته حتى لا يضطر الأمر للتطور فيخوضا في نزاع ينتج عنه ما لا يُحمد عقباه! لاحظا الاثنين تدهور حالته، فتحرك《عَمرو》تجاههم يساند الأخر في السير، ورحلوا أمام أعين تتوعد لهم بما لم يتوقعه أحد من بينهم!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يعرف كونه مخطيء، بل يزعجه الأمر أكثر حين يلج باب اليأس مجددًا، يأس من كل شيء، حياة تملاؤها الصراعات، وأقدار كلها ابتلاءات، وكان أكبر معضلة يلج منها باب اليأس، هو ابتلاءه بالفقد.
صمت ثقيل بينهم حل ضيفًا لم يرحل بعد، منذ أن أخبر صديقه المشارك في الصمت الآن بأنه لا يود الحديث عن أي شيء، والصمت يشاركهم بدلًا من أسمار الليل. سكوت《بلال》لم يكن إلا طريقة يجاري بها صديقه المحطم داخله كما يبدو على هيئة زابلة تدعي القوة بالصمت والضحك في بعض الأحايين. مضت دقائق متوسطة من الصمت بينهم، استجمع خلالهما《بلال》رابطة قوته حتى تيسر له قول ما يستطع به طمأنة الأخر وكذلك نفسه حتى لا يطول قلبه توترًا:
_ لعل في الأمر خير، الله الذي يهب ويمنع لا يفعل ذلك إلا بحكمة. مش أنتَ واثق في كده برضه؟
لم ينكر ذلك، أجاب رغم اليأس البالغ المهيمن على تفكيره ونفسه وكل شيء:
_ بدون شك، دي الحقيقة يا "بلال".
تعمق في شروده أمامه بينما يجلس على أريكة وثيرة في غرفة معيشة بيته وبجانبه صديقه الذي لاحظ انخراط الأخر مرة أخرى في دائرة تفكير لم تنتهي مهما طال الزمن، أعاق طريقه نحو الضياع في خضم اليأس وهتف يشغله عن التعمق أكثر في فعله:
_ طب أنا هتصل ب "يحيى" نطمن عليه...
ما كاد أن ينهي جملته حتى باغته اتصال باسمه قطع اعتراض من《صفوان》قبل خروجه، فكظمه في نفسه وانخرط معهم في ترحيب شعر بالثقل في بدايته لكنه انفك عنه بعض اليأس، وبدأ يشعر بينهم بالألفة من جديد بعد أن كاد ينجرف وراء شعور مرهق سببه فكرة مزعجة تدفعه نحو طريق الابتعاد، لطالما الجميع يبتعد من تلقاء نفسه، ويخشى هو معاودة تكرار المواقف ويخسر الجميع بسبب الفراق اللعين، فلماذا لا يقتصر هو الطريق من تلقاء نفسه ويبتعد، على الأقل لم يتألم ثانية!
اكتالت فوقه التساؤلات من هذا القبيل<ما أخبار أحوالك، ووالدتك كيف صحتها؟ وكيف حالك منذ أن انحلت خطبته وافترقت عنه الأخرى التي كانت أحب الأماني إليه> تساؤلات بين طياتها دفء الاهتمام الذي لم يلوذ به من قبل سوى وسط عائلته الصغيرة التي جمعه الله بها. تبعها أثار طيبة لما لاقاه من دعم من كليهما، وكذلك《يحيى》الذي أضاف لمساته الطيبة في حديث واعي:
_ حاسس بيك، عارف إنك زعلان على حاجة مهمة راحت كان نفسك فيها بس مش من نصيبك، ولكن قدر الله ما شاء فعل، أنتَ مش بأيدك حاجة تعملها، لله الأمر كله. أيوة ما حدش عارف الخير فين، والحكمة أي، بس بنصبر والله وده إللي نقدر نستعين بيه. ربنا يؤجرنا على صبرنا ويجبرنا جميعًا.
ضباب اليأس تبدد للتو، وزال عن عاتقه ثقل كاد يُفضي به في ضياع كبير، وذلك بعد أن ترك لأثر حديثهما المدعم بالوعظ الطيب، والاهتمام المتجلي في دعمهم له في حالته السيئة تلك، وبعد أن كاد يود الابتعاد أذعن لشعور يربطه نحوهم عرف من خلاله الحنين، ومعنى أن يكون مؤنسًا بالأهل والأحبة حوله، والآن لا يود سوى الأنس بهم، وليرحل من يرحل!
هتف بمزاح على حاله وهو يتذكر ذلك اللقب الذي أطلقه على《بلال》:
_ الحمد لله على كل حاحة، أهو بدل الخير خرين، والعناس بقو اتنين.
وجه《بلال》نظراته بريب نحوه، هو يعلم تمامًا ماذا يقصد، لكنه أراد مشاركته المزاح كي يخرج من حالة أحزانه تلك:
_ أراك تعني بين طيات حديثك شيئًا خبيثًا يا سيد "صفوان" أخبرني بها صراحة إن كنت تقدر!
قلده《صفوان》في الصوت والشكل متقمصًا شخصيته وهو يتحدث الفصحى برزانة:
_ أجل أيها البائس العانس!
كان《يحيى》يتابع مزاحهم بسعادة، ثم أضاف بعد《صفوان》بمرح:
_ حسنًا فلتكفوا عن إبداء الحماقة يا سادة العُناس، واتركوني وشأني الآن فأنا لدي ما هو أهم من سماع شكوى بائسين مثلكم.
تبع حديثه قهقهة《صفوان》عقبه《بلال》يشاركه الضحك وكذلك الأخير، تشاركوا الضحك والنكات، فانزاح من على صدر وعاتق كل منهما هم يعانيه سرًا، تلك الأسمار المعتادة بينهم، كانت بمثابة منفس جعله الله سببًا لترتاح النفوس قليلًا، ومحطات سكن نلجأ إليها بالمشاركة، والحديث المرح والطيب مع الأحبة في أوج حروبنا كي ننال قسطًا من الراحة، ونعود أقوى بعد أن يُشد عضدنا بهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أضعف الإيمان الوقاية، وهي بالمناسبة أخير من العلاج، والوقاية في عرفه التخلي عن كل شيء يوقعه في الخطأ. ضعيف من ترك زمام الأمور في حياته لمعضلة تشكوها نفسه ويبتعد، قد يفعل البعض ذلك عن خوف، وأخرون عن قلة وعي، لكنه لم يكن بغير واعي أو بخائف، بل كان مكبلًا بمشكلة أعمق لم يعرفها وعيه إلى الآن، أو ربما يرفضها!
إن لم يكن تراجعه عن حياة الجميع، حتى أحبهم إلى قلبه ليس بدافع الخوف أو الضعف، فلماذا كان يا ترى؟ هل بدافع حبه لهم فحسب؟ وهل الحب طاقة تدفعنا لنقترب أم لنبتعد، ونعذب أنفسنا به؟ حسننًا وبدون مزيد من الجدال، فهو يعترف في نفسه بصدق أنه لم يسعد أبدًا بتلك الخطوة، والابتعاد لم يكن حلًا، بل كان نقمة فوق نقمته!
نفض عن عقله حديثًا كان لائمًا، ومكث شاردًا في أمواج البحر الساكنة ظاهريًا فحسب كحاله، استطاع إيقاف سلسلة أفكاره التي بدأ الغوص فيها منذ نهاية حديثه معها، لكن الأثر قابعًا وتعاظم في جوفه! يبغى المشاركة، يتوسل صوته للخروج مفصحًا مع نفس توافقه في الطبع والأمال، والأهم يثق بها، وهل استطاع أن يثق في أحد عبر في محطته مهما كان دوره؟
الإجابة كانت كفيلة لتغير مجرى تفكيره في شعور راوده، حنت إليه أشواقه، كفطرة جبل الإنسان عليها، دومًا ما يحتاج إلى روح قريبة تدعوه، تسمع شكواه، والأضعف في الأمر يشاركها الأحوال، فيتنفس براحة وقد عرف الهناء مرقده بعد البوح والمشاركة. لم يكن بكل هذا الحد يسجن نفسه في قفص الوحدة، فقد كان عادة ما يلجأ إلى مشاركة أبناء أعمامه في جزء صغير مما يخنقه، فيعود بشوشًا بعد نكات وضحكات تسبق دعم وحلول يقدمونها له، لذا وفي تلك اللحظة جال بعقله أن يسلي وقته مع ابن عمه الصغير، حتى ينسى لومًا ملحًا لا يود الاعتراف به وأنه مخطيء!
مرة، اثنين، لم يأتيه الرد، تعجب فهو منذ نصف ساعة وأكثر أخبره بمهمة يقوم بها نيابة عنه، وأجاب، أين هو الآن! احتار في الأمر الذي لم يلبث لحظات إلا وانقطع التفكير فيه بمجرد وصول صوت جرس الباب إلى أذنيه.
ثارت عاصفة أفكاره المرتابة، من الطارق، ولماذا أتى وهو لم يطلب، وماذا يريد؟ أهل هناك مكيدة...وما إن وصل إلى هذا الحد من المبالغة في التفكير المريب، كان قد وصل إلى باب الغرفة وفتحه. وجده يقف بابتسامة حفظها كونه شخصية كثيرة التبسم، بادر الطارق بالحديث بكل ثقة قبل أن يسأله《أدهم》عن سبب وجوده:
_ من غير لي وعلشان أي، تعالى ضروري عاوزينك في حاجة مهمة تخص الشغل، "يحيى" كمان معايا في أوضتي، مستنيك، وقبل ما تعترض هتيجي بإرادتك، الموضوع خطير!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تميد الدنيا بها، وتعصف بذهنها رياح حلولها كحلول نسمات الربيع على زهرات لازلن في طور التفتح، يطولها نسمات ندم، أو حسرة خفيفة، لاتلبث كثيرًا حتى تقلعها عن عقلها، وتعود رياحها إلى السكون، فتنعم بزوال كل مثير يعكر صفو حياتها الزاهية التي تسعى أن تعيش، بعيدة عن أي زوبعة قلق.
_ يلا يا "منة" هنتأخر، كان مفروض نطلع من بدري.
اقتربت منه فور انتهاء جملته التي صاح بها، متجهة صوبه حيث باب الشقة الذي خرجت منه تجر خلفها حقيبة سفر امتلأت بأغراضها الخاصة التي ستحتاجها في رحلتها، طمأنته بقولها وهي تتخطى أعتاب الباب :
_ أيوة يا بابا جهزت أهو، هاخد شنطتك وأسبقك على تحت.
توقفت يداها عن الحركة لما هتف:
_ لا يا بنتي تقال عليكِ، أنا هنزل بيهم أحطهم في العربية، تكوني أنتِ قفلتي الباب كويس.
_ حاضر يا بابا.
وقفت ببنطالها الفضفاض، وقميص سماوي اللون مخطط بصفوف من الخطوط البيضاء المتوازية، وحجاب بني، تغلق الباب جيدًا بإحكام، لحظات وكانت تحركت، وانضمت إلى والدها تساعده في غلق الباب الخلفي لسيارته بعد أن رص الحقائب بداخلها بشكل مرتب لا يعيق إغلاقه، دقيقتين وكانت وهو في السيارة التي شرع في قيادتها خارجًا من شارع واسع، هاديء، لا صخب سكاني فيه، وفي لحظة توديع عينيها لجنبات الشارع وما يحويه من منازل، توقفت عيناها على بناية في نهاية الشارع، بالتحديد على شقة في أحد أدواره الأولية، لاحت في عقلها ذكراه، فشعرت ببعض الندم الذي سرعان ما كبحته بقناعة في نفسها، أنها لم تفعل سوى الصواب المريح لها، فلماذا الندم؟!
خرجت السيارة من الشارع، وكان أخر شيء مرت عليه هو بناية تقبع فيها شقة خطيبها السابق《صفوان》، وانحنت إلى شارع عمومي، عقب خروجها تنهيدة راحة عميقة منها، ثم وجهت بصرها للأمام ترمق طريقها ورحلتها القادمة، فهي لا تحب الالتفات لماضٍ، ترسم خططًا، تفكر في مستقبل وتعد له العدة، ثم تمضي ولا تلتفت، المهم أنها مقتنعة، هكذا تعلمت خلال تجارب حياتها، لا يهمها سوى راحتها، لا شيء أخر!
لاحظ والدها شرودها، فبادر بالحديث معها حتى لا تمل من البداية، فالطريق أمامهم طويل :
_ تعرفي يا "منة" إنه عمتك هتفرح أوي بيكِ وأنتِ جاية تزوريها بعد سنين.
رسمت على ثغرها ابتسامة متهكمة، ثم قالت :
_ قال يعني قبل كده كانت بتفرح بيَّ أوي.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا في حيرة بعد أن التفت إلى الطريق أمامه، تلك الفتاة مهما حاول معها كي تقتنع بالحقيقة، لم يفلح، وها قد مدت قناعاتها جذورها في عقلها، ويبدو أنه لم يستطع إقتلاعها مهما فعل، ولم يتبقى أمامه سوى الدعاء، لا يملك غيره، هدأت زوبعة عاصفة بينهم كانت ستعصف بهم، وراح هو يراقب الطريق في شرود أمامه، وعقله يحلق حالمًا بأجازة ممتعة تجمعه في بيت المزرعة الكبير الذي سيلم شملهم فيه والده الرجل الحكيم، دعى الله أن تكون أيام خفيفه ممتعة تجمع بين أحفاد العائلة المتبعثرة أفرادها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الخوف من المجهول شيء أصعب من خوف نعلم مصدره، وساوس عقلها لا تكف عن قذف تحذيراتها منذ أن انطلقت برفقة صديقتها نحو المجهول المخيف! تحاول سلب أغوار مشاعرها الهائجة تلك، لكنها لم تستطع إدراك مما تخاف حتى. تناولت ورقة مناديل من حقيبتها الصغيرة المستقرة معلقة على ذراعها، وأخذت تمحو أثر توترها البادي فوق جبينها. تابعت الطريق من نافذة السيارة في محاولة كي تهرب من نظرات الأخرى حتى لا تنكشف حالتها التي لا تزورها سوى في كابوس يذكرها بكل شيء ظنت أنها نسيته!
لم تكن تعلم أين هي، وإلى أين ذاهبة، فكما قالت لها الأخرى أنها ستفاجئها، لكنها شعرت والشعور يخلفه اضطراب سبب تلك الحالة التي في بداية طورها الآن، جزء ما من ذاكرتها المدفونة تحت أنقاض النسيان بدأ في العودة لحظة بلحظة، يمر سوق على ناصية الشارع فتشعر وكأنها زارته من قبل، يليه أزقة تلوح من بعيد بينما تسرع السيارة في طريق عمومي فيسري دبيب من الحنين الممزوج بدقات قلب تعلن حربها فيتصبب جبينها عرقًا مرة تلو مرة...
هكذا بدت حالتها ل《حور》حيث الولوج بطور البداية التي بعدها سينكشف كل شيء أمامها، توقفت السيارة كما طلبت بغتة لمَّا تبين لها بداية تفاقم حالة الأخرى التي التفت يمينها تشيع نظرات في أعماقهما الاضطراب تجلى، وكذلك في نبرتها حين سألتها بريب خالطه القلق:
_ حو.."حور" احنا وقفنا هنا لي؟
ترقبت الإجابة بقلب يعزف سيموفينية الرعب على نار هادئة، نظراتها الوجلة، رعشة كفها الموشية بزلزال يُقام في خضمها من فرط القلق، كل هذا كانت تتابعه《حور》دون إجابة، طال الصمت للحظات مما أثار ذلك تعجب السائق الذي هتف يسألهما إن كانت هناك معضلة، أو أن العنوان كان خطأ. أجابته《حور》بينما تستعد للخروج:
_ لأ لأ ما تقلقش، بس ممكن تستنى هنا كمان خمس دقايق وهنرجع.
أومأ بالإيجاب وهو يتابع خروجها، خرجت هي أما الأخرى فظلت في حالة تيبس في مكانها، كانت تراقب المكان حولها، هادئًا يخلو من المارة على جانبه، تابعت تفتيش المكان وبغتة وقفت عيناها على شيء تعجبت لرؤيته، لم يكن باديًا بشكل تام لذا فاضطرت لأن تخرج من السيارة لترى إن كان ما هو ما تظنه أم أنها مجرد هلاوس كما تراودها في كوابيسها، خرجت من السيارة ببطء وتوقفت في مكانها تنظر نحو جهة أحد الأزقة من بعيد بينما السيارة تابعت سيرها لتصطف على جانب الطريق في الداخل بعيدًا عن ممر السيارات.
في حالة من الشرود العميق سحبها نحو ظلامه، فضاعت عن واقعها وما عادت تشعر بحالها ومكان وجودها ولا من حولها، تسمرت في مكانها وعيناها محدقتان في وجه واحد خرج منذ لحظات وتوقف أمام بداية ذلك الشارع الضيق الذي تعلمه جيدًا، وتحفظه في مكان بعيد حيث ذاكرتها التي استعادت نشاطها وبدأت بشن حرب على عقلها بتوارد صورة تلو الأخرى بسرعة هائلة كمثل عاصفة تعيث في عقلها فتهيج أوراق الذاكرة من جديد وأصوات صفيرها يجلجل جنبات عقلها...
صورة تبعها صوت أحياها مما استحال المشهد لحقيقة وكأنها تشاهده أمامها الآن؛ تقاوم يداه المكبلتان لذراعيها وتصرخ بقهر شق صدرها:
_ سيبني يا حيوان...سيبني.
تبعها صورة استحالت لمشهد أخر تأوهت عبره ما إن صُفعت بقوة دفعتها للسقوط أرضًا تابعت بعدها الزحف بألم نحو أركان ذلك المكان المظلم، تحاول الاندثار ومواراة نفسها في الظلام حتى لا يصيبها مكروه، ظنت حينها أنها النجاة لكنها كانت بداية الهلاك ما إن سُحبت من خصلات شعرها وشق المكان صرخة مجلجلة تستغيث عبرها بمن ينجدها، وصرخة تدافع بها عن حقها المسلوب، وصرخة تحمي بها أعز ما تملك، ترفض وتقاوم بصرخاتها المقهورة لكن لا أحد يسعفها...
شق صوت صراخها الصمت بغتة، فأسرعت《حور》نحوها تمسك بكفيها اللذان وضعتهما على أذنها بينما تصرخ في هلع:
_ لأ ما حصلش..لا..لا..لا..
سارت خطواتها للوراء مترنحة بزعر وهي تنفي برأسها وقولها بأنه لم يحدث، تحاول الأخرى تهداتها وتشعرها أنها هنا في الحاضر، لكن لم تجدي محاولاتها واستمرت الأخرى في حالة كمن مسه الشيطان تمنع حدوث شيء حدث بالفعل، تصرخ وتنفي، تحرك ذراعيها لتبعد كف الأخرى وكأنها تقاوم في الماضي وتعيش ذات اللحظات القاهرة، وفجأة وبينما هي تصرخ وكانت《حور》قد تركتها وابتعدت خطوات بسيطة كي تكف عن أفعالها الغير واعية، اندفعت《آية》نحو الطريق في ظنها أنها تهرب كما فعلت في ذكرى ماضية تعيشها في ذات اللحظة، هرولت نحو الطريق دون وعي فأعاقت الطريق على سيارة مارة في لحظة اندفاعها ليصبح هروبها واقعيًا ما إن رقدت طريحة تحت سيارة صرخ قائدها ما إن توقف وتوقفت هي عن الحياة بغتة!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman