بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثاني_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
تفضح العين ما يُخفى وراء الضلوع، وتنشد الدموع بزخاتها ألمًا حيال رجفة أجفلت أواصله.
بين جفني عيونه قُيدت الدموع، وفي جوف حلقه تزاحمت الأهات يطبق عليها باب الصمت القاتل حتى تكونت كتلة ثقيلة تدوس بقوة على صدره فتؤلمه بشدة، أما عقله فاستحال هدوءه إلى عاصفة رعدية تحملها غيوم سوداء أظلمت عقله عن العمل، ومكث أسيرًا لتوقع مفجع أثارته صدمة مشهد سابق وهو معها يسمع ويرى حقيقة بأم عينيه كانت عنه مخفية.
الصمت البهيم يلف حوله بينما هو شارد في مساحة فارغة بعينين تطل منهما أثر دموع مكتومة وهو جالس على مقعد الانتظار في طرقة المشفى قريبة من غرفة الطوارىء التي تخفي عنه حياته المتمثلة في أمه، ينتظر كلمة إما أن تحييه أو تميته!
ربت على كتفه برفق فجأة كف الأخر الذي شاركه الصمت منذ أن اقترب يواسيه وترك البقية 《بلال》و والده ينهون بعض إجراءات الاستقبال. حاول انتشاله من ضباب مظلم يتوه فيه بشروده حين قال :
_ خير، خير إن شاء الله يا "صفوان".
بعض اللمسات والهمسات تأتي بمثابة أوامر خفية تستدعي غيمات الألم أن تطلق عنان زخاتها المقيدة، وفي تلك اللحظة نرى الضعف يتجلى على هيئة استسلام تلوح رايته بانتصار.
ما إن وصلته همساته ولمسته المواسية، تحطم ثباته وتبدد غلاف القوة وشق صمته القاتل شهقة قوية بمثابة دوي رعد تبعه زخات المطر تهطل ببطء من بين جفونه بعد تحريرها يستقبلها كفيه المحاط بسطحهما صفحة وجهه.
طوقه بذراعه ما إن رأى القهر يتجلى والضعف يهزمه، لا يبكي الرجل إلا في حالات الكبد، قهر قرصه سببه ظروف الحياة، وقريب عزيز على قلبه أصابته العلل، وهو كان جبلًا يحمل على عاتقه السببين، خلَّ ثباته إثر عصفهم العاتي، ونتج الأثر في صورة زخات من الماء لا تعرف على أي سبب تهطل!
ظل يمسد على كتفه ولازال يحاوطه بذراعه ومن بين محاولاته في التخفيف عنه كان يردد:
_ والله هي بخير يا "صفوان" ربنا هيطمن قلبك والله، ما تخافش.
لم يستطع هو الأخر أن يزيد فوق كلماته حرفًا، ضاق حلقه بتأثر مكتوم، يريد مشاركته، لكنه فضل أن يكون الطرف الثابت كي يدعمه في حالة تزبزبه إثر مصيبته. هدأت العاصفة قليلًا، وتوقفت الأمطار عن الهطول حين رفع وجهه ينظر أمامه ويقول في لوعة بينما يُعاد مشهد والدته الصادم في عقله:
_ مش قادر أنسى شكلها يا "يحيى" كانت تعبانة أوي، أوي...قلبي مش مصدق إنها بخير ولا قادر بعد إللي شفته، وكل ده وهي مخبية عني، طب لي لي تحرقي قلبي عليكِ وأنتِ عارفة إني ماليش غيرك، أنا من بعدك أموت والله!
أنهى جملته وعادت الأمطار تجرى زخاتها على وجنتيه في هدوء بقلة، واختلط الحاضر بالماضي في عقله حين علقت بقايا مشهد سابق يثير رجفة قلبه كلما عاد يتكرر، تلك الدماء الخارجة من أحشائها بفعل القيء بعد ألم سمع صدى صوته والجميع كانت تكتمه كما فعلت مع بقية الأعراض، أخبرته ذلك فور خروجه وهي من المرحاض بعد أن أصر عليها لتخبره إن كان حدث ذلك معها من قبل، أجابت في تعب شديد بنعم قبل أن تعود إليها الآلام ويتبعها قيء الدماء، ومن دون طول تفكير أسرع والبقية معه إلى أقرب مشفى وصنفت حالتها بأنها طارئة.
لحظات صمت حلت بينهم، جفت فيها دموعه بسرعة وكأنه استنفد ما لديه من دموع، اقترب في تلك اللحظة البقية، لاحظوا أثر الدموع في عينين حمراوين بشكل خفيف ومتفرق، فأسرع《بلال》يشغل حيزًا بجواره ويواسيه كيف استطاع وقد ضمه بذراعه إليه يحاوط كتفه بعد أن تركه《يحيى》الذي اقترب والده من الجهة الأخرى ليجلس بجواره، ينتظر معهم في محطة الانتظار المقلقة، إلى أن يطأها قطار الخبر، إما أن يحملهم سائرًا سبيل الطمأنينة، أو الأسى!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وكأن اللص الخفي يتتبع نقاط ضعفهم في الحياة، فيأتي ويسلب رحيقها من دون رحمة كي يفسد عليهم في كل مرة لحظات سعادتهم، ويتركهم في ظلمات الأسى مجددًا!
ألا يعرف ذلك اللص أن لكل منهم قلب يتكيء على سند قوي، يثبت قلوبهم في المصائب، وينفخ على أنفسهم الهالعة الرحمات؟ هو ضعيف وأقل ما لديه من قوة، أنه يوسوس ذلك اللص السارق لسكينتهم وثباتهم في نفوسهم ليوقع بهم في دوامة اليأس، والتي من بعدها لن تجد لك سندًا إلا رب العباد الذي يئست من روحه.
جميعهم سكنت مخاوفهم ولجأت قلوبهم إلى الله داعية، تطلب الشفاء والنجاة من مصائب الزمن، وفي ركن قصي على مقعد في أحد أركان الغرفة قبع، ظلت هي تسبح ربها في شرود أنساها ماذا تردد، ذلك اللص داهمتها ذكراه الراحلة، سرق السلام والاطمئنان من جنباتها، وترك محله فارغًا لم يعوضه عنها أحد، هي تعرف معنى الأسر لفكرة تعيشها كل يوم هالعًا، تسلب منك النوم، وكيف ينام المرأ وسلامهم على حافة السقوط في عداد الموتى؟!
منذ أن كانت صغيرة لم يتعدى عمرها العشر سنوات، طار طائر الوداع فوق بيتها يحلق بعيدًا بعد أن ترك في قلبها رجفة هلع، كانت طفلة لا تعرف معنى الموت سوى أنها لم ترى المفقود مرة أخرى وستحلق روحه في السماء، يومها استيقظت من كابوس مرعب على صوت بكاء والدتها ونحيبها في غرفة تجاور غرفتها التي تركها لها شقيقها《بلال》وكان هو يقضي ساعات نومه في صالون البيت القديم، سُلب الأمان، ومات في نفسها السلام لمَّا اقتربت من مصدر البكاء وعرفت أن هناك روح ستحلق في السماء وتتركها، ومنذ ذلك اليوم تكره المرض، تخشى على الجميع حولها أن يسلبهم من جوارها.
أخرجها صوت الأخرى من براثن الشرود لمَّا اقتربت منها تسألها:
_ "آية" ما فيش حد اتصل عندك، تلفون ماما خلص شحنه ومش عارفين نتواصل معاهم، حتى على تلفون طنط "رقية" مش بيردوا؟
اكتفت بردها باقتضاب:
_ لأ، ما فيش حد كلمني.
كانت تنتظر في هلع خفي اتصال من شقيقها يطمئنها، لكنها شردت ونسيت أمر الاتصال به، لذا أسرعت تبحث في هاتفها عن رقمه ما إن تذكرت ذلك الأمر، طلبت الاتصال به وانتظرت بضع دقائق قلائل والنتيجة كما جاءت إلى الجميع، لم يتم الرد.
تحيرت《حور》في أمرهم وبدأ عقلها يسلب أغواره عن سبب لذلك الأمر، إلى أن نطقت فجأة بريب:
_ يا خوفي يكونوا لسة سايبينه في وضع صامت زي ما بيعملوا كل مرة وهما متجمعين مع بعض،..لأ ده أكيد مش ظن كمان.
تركتها ورحلت من أمامها بعد أن أكدت ظنها في نهاية جملتها، واقتربت منهم تخبرهم بذلك، تنهدت هي بعمق تخرج طاقة سلبية في جوفها كمنت بعد أحداث متتالية سببتها، لم تكن تلك حادثة إعياء والدة《صفوان》هي السبب الرئيسي في تجمع تلك المشاعر المدفونة بداخلها فحسب، بل ذكرى سوداء في حياتها تسعى وبكل جهدها طمسها من عقلها، اثتثارها حديث صديقتها السابق، ونبش في عقلها الباطن عن مشاعر قديمة، أصابتها بسهام توتر خفي وبغض وسخط تكتمهما، كلما عادت تتذكر بقايا أفعال ماضية، تسبب فيها لص دنيء، كرهت العيش، بل كرهت نفسها من بعدها، زفرت بقوة وفي عقلها همس يردد في ندم، ليتها ما استمعت للأخرى وبحثها !
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانا يسيران على رصيف ممشى النيل ليلًا، تشحنهما طاقة مختلفة تنافرت إحداهما من الأخرى، بالضبط كما تتعارض أفعالهما في أخر فترة من حياة صداقتهم؛ الحنق يعبئ عقله أفكارًا مزعجة لو سار دربها لخسر صديقه، لكنه اكتفى بطرح الأسئلة بديلًا عنها في صورة تجلت فيها عدم قدرته على تفهم مشاعر وحالة الأخر...
_ يعني لا عايز تقعد مع حد فينا ومنزلينك بالعافية يا مفجوع نوم وأخرتنا على حجات كتير كنا هنتسلى بيها في الخروجة لأ وكمان فوق ده كله تسيبنا وتمشي، ياض أنتَ واقع، لا شكلك كده عملتها من ورايا يا خبيث؟
نغزه في كتفه يخرجه من قوقعة شروده التي شُحن في داخلها بطاقة تنافرت مع الأخر، قابله بالصمت واللا مبالاة الغير معهودين في زمانه، مما أصاب الأخر بالانزعاج أكثر، يبدو أنه سيذوق ما كان يذيقه لأخيه في حياته ببرود أعصابه!
توقف عن السير ولم يتوقف الأخر فهتف متهكمًا:
_ تعالى يا معتوه أنا هنا وقفت، تعالى!
استمع لنهاية جملته بينما يقترب منه عائدًا حيث نقطة وقوف الأخر، وما إن توقف قبالته سأله في فتور:
_ وقفت أهو، عاوز اي؟!
قالت له جدته ذات مرة برفقة توأمه حينما كانا يتناقران حيال معضلة سببها حياته المبعثرة، أن الانسان لا بد من أن يمر عليه طور في حياته يخلع فيه رداء ويرتدي أخر ولمَّا سألها عن التفسير أجابت بأن الرداء تقصد به أحوال شخصيتك، يأتي عليها زمن وتتغير من طور إلى أخر أفضل منه وهنا يكمن معنى التغير إلى الأفضل.
إذن الإنسان يتغير إلى الأفضل لا الأتعس، كما أثبتت《زوزو》حكيمة الأقاويل، فلماذا يرى عكس حديثها أمامه؟ هو لم يكن بذاك الشخص الصامت، التائه، الغير أبه بحياة تسير حوله، بل كان ثرثارًا، يعرف سبيل هدفه جيدًا، يعيش الحياة حوله بكل تفصيلة حزينة أو سعيدة كانت.
هو لم يلتفت إلى حكمة بين الحديث قِلت إلا في ذلك الموقف، كان بعيدًا من أن يفهمه في نفسه،وكأن رؤيته لأحوال غيره تفهمه حاله الغير ملتفت له وإلى أي نقطة من الضلال وصل!
_ "حازم" أنتَ حالك متغير، وده مش أنتَ، أنا عارفك كويس.
في عينيه احمرار لم يصدق عقله أبدًا ما أقنعه حيالهم حين أخبره أن ذلك أثر النوم فحسب، قطع استرساله في النظر إليه حين قال بذات النبرة هاربًا من حوار طويل:
_ مفيش، ضغط شغل وسهر زي ما قولتلك، وأنا بقول كفاية النهاردة خليني أروح علشان أرتاح.
_ وأنا بقول نعمل قعدة أخرها اتنين شاورما تظبط دماغك الخربانة دي ونفتح حورات شغلك ده، ألا قولي مش ده وقت أجازة برضه، المدرسين بيدرسوا أي، حصص ألعاب؟!
شقت ملامحه ابتسامة جانبية تشاركه التهكم لم يعلم كيف خرجت في حالته المكتئبة تلك، أجابه بينما هو يشير له كي يعودان للسير ففعلا:
_ ثانوية عامة بتبدأ دراسة بدري خلال الفترة دي، وعلشان كده تلاقي الشغل بدأ ضغطه.
_ طب وقبل كده.
_ كان ثانوية عامة برضه بتنهي عامها الدراسي ومراجعات بقى وهيصة.
راوده حزن خفي حينما قال معارضًا شعوره باستهزاء:
_ أدوار نفخ بتتبادل على مر السنسن يعني!
تبسم ثانية، لاحظ هو ذلك فاستشعر ارتياحًا في جنباته، يبدو أن الأخر خرج من حالة غريبة تلبسته فجأة. باغته بدعوة إلى بيته بينما كانوا يسيران في لحظات صمت بينهم :
_ هتيجي عندي تقضي ليلة فوق السطح ها، هستناك ومحضرلك سهرة إنما إي ولا أحسنها ماتش أوروبي يعملها.
لم يستطع الرفض وابتلع حديثًا كثيرًا في جوفه يواريه، ووافق، وبعد لحظات من السير في مكان اختاره الأخر وجبره على السير معه بدلًا من العودة إلى المنزل بعد توديعه المفاجيء لبقية الصحبة وكانت في نيته أن يقضي معه وقت يفك قيود ضيقه الغريب حتى وإن كان رغمًا عنه إتباع أوامره، ودع الاثنين بعضهم ورحل كلًا منهم إلى منزله، أحدهم ارتجل سيارة أجرة وهو《عُمر》والأخر قطع طريق المرور سيرًا حتى وصل إلى بيته القابع في بناية تطل على النيل.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تُزرع في أنفسنا من البداية أفكارًا، نتنفسها كما تتغلغل ذرات الأكسجين إلى صدورنا، ولمَّا يحيد بنا المسار صوب ظلام معتم لا نهاية له، نشكوا أكيالًا من الحسرة على عاتقنا، أوليس من البداية كان علينا التأني في اختيار قرارنا؟!
بعد أن أخذت جولة في عالم الندم على ما اقترفته يداها في الماضي، وقذفت بنفسها في غياهب الحسرة بالفرار عوضًا عن المواجهة وعدم الاستسلام لأفكار زُرعت في عقلها من دون إذن، خرجت من غرفتها تهرب من صراع بدأ يناشد بالحرب من جديد، أوليس كان ذلك ماضي، وهي ندمت على أمان مزيف تجلى لها بعد الرحيل إليه؟ فلِما يعلن عقلها عليها الحرب من جديد؟! كفاه حروب، هي ليست قوية بالقدر الذي يدفعها للموجهة، بالكاد تكتم دمعًا على فرار هي لا تعرف عِظم ما اقترفته به في حق نفسها هذه المرة!
مضت دقائق من السير في الشقة بين جدران طرقة متوسطة المساحة وصولًا إلى غرفة المعيشة التي وجدت فيها مصدر أمانها بين جنبات ذراعيين، اقتربت منها تشغل حيزًا بجوارها على أريكة متوسطة الحجم وتأخذ من خِدرها حنانًا تنسل بين ذراعيها فيطوقها السلام.
لاحظت والدتها فعلتها المفاجأة بقربها تأخذ من حضنها ملاذًا، فسألتها بلطف وهي تمسد على مقدمة شعرها من الأمام:
_ مالك، فيكِ أي يا حبيبتي ما أنتِ كنتِ زي الفل الصبح؟!
وبعينين ثبتت على الفراغ أمامها، خرجت كلماتها في فتور وبطىء:
_ مش عارفة .
هي لا تعرف لكن الصوت والنبرة والإيماءات تعرف، فأخبروا جميعهم الأم بحالها مما تجلى عليها أمارات القلق، أوليست تلك المسكينة كانت تنطق إيماءاتها بالسلام في صباح اليوم، ماذا تغير وطرأ على حالها؟!
ظنت أنها ضاق صدرها بسبب وحدتها الملازمة لها طوال عهدها، فتفتَّق عقلها عن فكرة طرحتها على الفور:
_ بقولك يا "حياة" تعالي غيري جو واخرجي من الشقة شوية، يمكن وحدتك يا حبيبتي هي سبب خنقتك دي.
أخرجت زفيرًا عميقًا قبل أن تتحرك وتخرج من بين ذراعي الأخرى. صمتت لحظات ثم قالت بهدوء قاتل بينما هي تطالعها بملامح بدأ الحزن في التهامها:
_ هروح فين يعني، خليني هنا هبقى كويسة إن شاء الله.
فكرت قليلًا ثم نطقت على الفور ما إن أنارت عقلها فكرة:
_ عند "زوزو" ، لسة كانت سألاني عنك لمَّا كنت عندها من شوية، اي رأيك؟!
ترددت، انتابها الخوف تجلى في فكرة مازالت بسببها تتجنب تلك الزيارة، تعاظم في عقلها مقدار الخطأ الذي ترتكب، لامت نفسها على قطعها لصلة الرحم، نظرت بخزي إلى نفسها، وهمست في فتور لأمها بنبرة مهتزة:
_ طب..طب يعني، هي لوحدها تحت؟!
علمت الأخرى سبب سؤالها، فتبسمت وقالت تطمئنها بينما تربت على كتفها:
_ ما تقلقيش يا حبيبتي، ما فيش حد غير "نورا" و "شروق" سيبتهم من شوية معاها قبل ما أطلع.
اغتصبت ابتسامة على ملامحها بينما ترمقها بعينين تنطقان بالقلق مما يجعلها على جرف السقوط في التخاذل عن قرارها، وظلت كما هي لحظات، لا تنطق ولا تجيب بما يعلم الأخرى عن ماهية قرارها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ لسة ما فيش أي تأكيد على تشخيص حالتها، قدرنا نحدد مصدر النزيف وأخدنا عينة على بكرة كده تكون النتايج ظهرت ونتأكد، هي هتفضل تحت الرعاية هنا في المستشفى وده يفضل في حالتها دي، ربنا يطمنكم عليها.
ما إن أنهى الطبيب الشاب حديثه، اختفى من أمامهم تاركًا خلفه وجوه تنطق بالقلق، وكان أبلغهم في الشدة ابنها الذي لم يستطع البقاء بعيدًا عن مكان هي فيه، فسارت به قدماه نحوها حيث غرفة الرعاية المتواجدة فيها.
راقبوه ثلاثتهم تائهًا يسير بلا تركيز، متهدل الكتفين لشدة ما يحملانه من ثقل الهموم والمصائب، كان أحدهم وهو《يحيى》سيتحرك صوبه كي يرافقه، وربما يحتضنه ويزيل من على عاتقه الأثقال، لكن والده أوقفه بكفه الذي قبض على ساعده فتوقف عن الحركة.
_ سيبني طيب أشوفه هيروح فين، 《صفوان》تعبان أوي يا بابا، سيبني معاه.
قالها باختناق من فكرة حزن الأخر نفسها، ففك أسره بتحريك كفه الذي تشبث به، وقال وهو ينقل بصره بينه وبين الأخر الذي توجه صوب غرفة والدته:
_ سيبه يا "يحيى" دلوقتي، خليه يروحلها، سيبه معاها لوحده شوية، وركز أنتَ و"بلال".
استرع انتباههم نهاية حديثة، مما دفع العيون تبصر باهتمام والأذان تصغي بتركيز:
_ الدكتور قالي من شوية قبل ما يجي هنا إنه الحالة متقدمة، يعني التشخيص تم التأكد منه لمجرد فحوصات سريرية نظرًا لأن الحالة طارئة، هما أه منتظرين نتايج التحليل بس التشخيص بيأكد إنه للأسف سرطان معدة ومنتشر بطريقة كبيرة، فحاولوا تمنعوه من إنه يتكلم مع الدكتور، أنتوا شايفين حالته مصدوم ازاي، وأنا من رأي نستنى وقت مناسب بعد ما ترجع حالته طبيعية شوية ونقوله، أو حتى بعد ظهور النتايج بكرة.
سقطت القلوب في البطون، واجفلت على إثر الحديث أوصالها، منهم من كتم ووقف رافعًا راية الثبات وردد بأن لا حول ولا قوة إلا بالله، ومنهم من لم يملك قيود صلبة تمنعه من أن يحرر أدمعه ففرت من عينيه دمعة أخفاها عن الوجوه بتلويحه برأسه نحو جهة بعيدة.
اقترب منه والده وطلب منه بعد أن مسد على كتفه هو والأخر:
_ خليك متماسك يا "يحيى"، "صفوان" مهدود ومحتاج إللي يثبته، وأنتَ يا "بلال" أنتَ عارف هتعمل أي.
أغمض عينيه في تروٍ وفتحها كإماءة تُرسل في طياتها الاطمئنان، وكأنه يقول له، أنا هنا بجواره لن أتركه. تنهد بقوة ثم ودعهم بقوله:
_ أنا هروح دلوقتي أوصل الجماعة البيت، وهرجع ليكم الصبح، خليكم جمبه الليلة دي ولو في أي حاجة احتجتوها اتصلوا بيَّ.
تركهم ورحل بعد أن أملاى عليهم توجيهاته المعهودة والتي تربى الاثنين عليها على يده، أما هم ربط كلًا منهم على قلبه كي يتماسك ويقف كل واحد بدوره بجوار صديقهم في محنته، متخذين الدعاء سببًا والله ملجًأ يفرون إليه كي يجيرهم في مصيبتهم ويربط على قلب صديقهم بالصبر على ما أصابه في والدته.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لماذا يراودها شعور الذنب الخانق وكأنها اقترفت أكبر الخطايا، وهل هي ارتكبت هذه المرة ذنب في حق نفسها يلقي بها في غياهب الندم؟!
جال بعقلها سؤالها بينما هي تقف أمام الموقد تتابع طهي الطعام السريع لنفسها بعد أن اتخذته حجة كي لا تذهب إلى الأسفل، سالكة درب الفكرة التلقائية بدون تردد، ولتلتهي أيضًا عن صراعات مؤلمة كلما التقت بصورة على جدران ملجأ أمانها المزيف تظهر، فيذكرها رؤيتها بأسى عاصرته ما إن اقترفت ما لا يرضيها !
الذنب في حق نفسك هو أن تهملها، تتركها فريسة لبراثن ألم جائع يصدره صراع عقلك، فتحيد بها بسلطة سلوكك عن سبيل الراحة الكامن في انتظام وثبات قلبك حيال شعور الأمان.
هل شعرتِ يومًا بالأمان؟ سؤال تفتَّق به عقلها تباعًا لجملة سطرتها أنامل بداخل عقلها وحفظتها في صندوق صغير حُشر فيه معتقدات راسخة، ربما ذلك المعتقد الوحيد الإيجابي فيه، وتجلى ذلك لما أجابت الأصوات في عقلها كلًا منه يمثل لسان معتقد متسلط.
_ لم أشعر يومًا بالأمان، وكيف أشعر به وأنا التي لم تخالط بشريًا لساعة واحدة إلا واكتشفت في نفسها عيبًا فخشيت الانكشاف عنه، فرحلت.
_ لا لم يزورني معنى عنه عبَّر، فجميع من دخلوا حياتي فقط جاءوا ليسلبوه مني لا ليوفروه! لذلك فمها عبرت على محطات أقابل فيها أشخاصًا، أفر خشية من أن تسرق زوابيع عاصفته ما بقي من معنى أمان في قلبي، فجميعهم لا يقبلوها فيدفعانها بأقبح الطرق عنهم !
_ ربما لم أشعر به إلا بطريقة مختلفة بين أحضان اثنين، أمي الحنون، وأخي المهتم بكل تفصيلة في حياتي وكأنه أبي وليس الأخر! لذا فالأمان برفقة الأقرباء فقط.
_ الأمان لا وجود له سوى في الابتعاد، فكلما اقتربت من البشر حولك اتضحت حقيقة هيئتهم المتحولة إلى وحش مفترس يلتهم من حوله بفاهه ببراعة حروف رصها كونت جملة تنطلق كسهم حاد تصيب به الروح وتُزهق الأنفس بحدته.
عند ذلك الإفصاح تذكرت سهم أصاب قلبها ذات يوم يفرح فيه الناس جميعًا، إلا هي يصيبها رشق السهام فابتعدت ....
يتلجلج في عقلها صوت زوجة عمها وهي تنعتها لأول مرة في وجهها أمام الجميع:
_ أخيرًا خرجتي من قوقعتك، ده أنتِ عديتي الرقم القياسي، بس غصب عنك برضه ما هو التوحد مش حاجة صغيرة والسلام، ربنا يشفيكي يا حبيبتي.
وهنا صدر صوت قرع طبول في عقلها، ميزته أنه كان صوت ضحكات خفيفة من بنات العائلة كتمنَّ معظمها، حينما أصاب سهم من فاهها عمق قلبها فتوجعت بحرقة ورحلت عنهم، في ذلك اليوم الذي من المفترض كان عيد الفطر يشارك فيه الجميع الفرحة للأخر، هي نالت سهام الألم المدفوعة بقوة النبذ، وصلت لغرفتها حينها وسمحت لدموع عينيها أن تتحرر، وقتها تفاجأت بشخص واحد شعر بألمها وربما كان يجادل لأجلها الجميع وقد سمعت صوتها توقفهم عن الضحك بينما هي ترحل.
كانت《شروق》التي لحقتها خِلسة عن أعين الجميع وخاصة أمها التي دومًا ما كانت تمنعها عن الاختلاط معها، وكانت تنعتها بما لا تحب أمامها وتضيف في النهاية ناصحة ألا تصاحبها لأنها تخاف عليها !
سمحت لها 《سهير》بما طلبت وتوجهت صوب غرفتها، تحمل في يديها شيئًا تخفيه بداخل علبة بلاستيكية خضراء اللون، ثم طرقت الباب ما إن وصلت، وانتظرت حتى وجدتها بعينين حمراوان ترمقها. قالت ببهجة:
_ ممكن تسمحيلي أشاركك فرحة العيد، كلهم مش عاوزيني تحت وأنا بصراحة، وحبيت أقعد معاكي ممكن.
سمحت لها دون حديث، فولجت وشاركتها الجلوس على الفراش، ثم أخرجت ما بيدها كانت تخفيه خلف ظهرها وقالت :
_ تيتا "زوزو" كانت عاملة لينا كل واحد طبق مهلبية، كانت فاكرة إنك هتقضي اليوم معانا، بس أنتِ دقيقة وطلعتي وكنا هنتشارك مع بعض الأكل، بس أنا استغليت الفرصة واستأذنت من "زوزو" ولحقت نايبك قبل ما المفاجيع إللي برا دول يرجعوا ويخلصوا عليهم.
لم تتغير ملامح وجهها، بقيت شاحبة من أثر البكاء، حزينة من أثر ألم أخلفتها أسهم الحديث السابق، مدت《شروق》لها الطبق وقالت بعد أن أخذته منها:
_ أنا هشاركك أكله، وجبت بتاعي برضه، بس ما متقوليش ل"زوزو" ها!
قالتها بمرح، وأخرجت من علبة بلاستيكية طبق زجاجي شفاف يتجلى منه البياض، لحظات صمت قاتل مر عليها، تنازع أفكارها ومشاعرها، ترى ما الذي غير تلك المخلوقة فجأة، أوليست كانت منذ سنوات بل ومنذ أن أبصرتها عيناها واعية في الدنيا، وهي تتجنب الاختلاط بها، تنبذ الحديث معها بالصمت المجيب على طلبها في كل مرة تلتمس منهم مشاركتها وأختها اللعب في الصغر، من هذه؟ لا، لا بالتأكيد هي أتت لتفتعل جرحًا أخر، أو تعمق جرحًا لازال جديدًا في نفسها!
شعرت بعدم الراحة والضيق، تود راجية وبأي طريقة أن يأتي أحد وينتشلها من هذا الموقف، هي لا تود الرفض فتجرحها، ولكن بنار الصمت تتعذب.
مضت الدقائق وهي تسألها لماذا لا تأكل فلا تجيب، لماذا لم تتحدث، فلا تجيب، صمت يتبعه صمت حتى شعرت الأخرى بالأهانة من وجودها الغير مرحب به، فاستأذنت بصوت فيه انكسار ورحلت.
منذ ذلك اليوم، منذ تلك الساعات اللطيفة التي لم تشعر بها مع أحد برفقة فتايات العائلة، وهي لم تمر بمثل هذه الساعات مجددًا، يبدو أن الأخرى ابتعدت وشعرت بعدم القبول الدائم لها، وهي المشتاقة لجلسة تضمها معها الأحاديث مجددًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
القناعات شيء ساذج إن نسجت بدورها أوهامًا وشيدت سدًا بينك وبين الحقيقة!
لابأس أن المرأ باعتقاد ما يثير خوفه في مستقبل مجهول يسعى بجُل إرادته أن يمنع حدوثه بأخذه بالأسباب والدفع بما يملك من معونات تعينه على تحقيق هدف ما بُني بواسطة اعتقاد في عقله، هذا مستحب، كونه يسعى لتحقيق خير كمن في هدفه وسيريح به قلق باله، لكن أن تسلك سُبلًا خاطئة وتضخم القناعة في عقلك فتحجب عنك إبصار خطواتك وتفكيرك جيدًا، وتنسى القادر وقدرته وعونه الدائم لك، هذا ما يشي بخطورة في نهاية الدرب تنتظرك!
ربما كانت قناعاتها المتبنية لها هي القائد الأساسي لحركة فكرية بين محيط عقلها تدور، لذلك لم تلتفت لهمس يريح جنباتها. نطقت في حيرة بينما هي تجلس في شرفة المنزل على أحد المقاعد قليلة العدد:
_ مش عارفة يا "خلود" يمكن أنا خايفة على مستقبل قدام رسمته بعقلي وبحاول أمنع مشاكل كتير تحصل بقرراتي وأخذي بأسباب زي ما هو مشرع بيه، علشان كده الفترة دي مش مرتاحة.
خرج صوت الأخرى من سماعة هاتف《منة》الذي تضعه على أذنها منذ أن بدأتا تسامر الأحاديث معًا ككل ليلية في نهايتها:
_ طيب ما فيش مشكلة أنتِ حرة، ولي بتقوليها بخوف كده، بس عندي سؤال، طلاما علاقتكم هتسبب ليكِ تفكير بالشكر الكبير ده وإرهاق، لي وافقتي عليه من البداية؟!
لم يكن السؤال صعبًا عليها، وهي الموقنة بمبدأ القبول، لذا بسهولة أجابت مفصحة عن رأيها فيه كما التمست فيه ذلك خلال عدة مواقف جمعتهم في جامعة وكلية واحدة وكذلك حي واحد يسكنون فيه وأهلهم يعرفون بعض منذ سنوات كثيرة :
_ "صفوان" شاب محترم، شخصية كدة مرحة رقيقة وهنا أقصد إنه حساس ودي صفة لا تمت للضعف بشيء بصراحة، هيبقى متفهم مشاعر الطرف التاني وحريص إنه يشعرها بأي إحساس سلبي داقه قبل كده، حد كده نضيف وطيب وأصيل، لذلك ما لقتش سبب أرفض، بس في عيب واحد هو إللي شتت عقلي ومخليني تايهة في التفكير.
لم تستطع قول السبب، شعرت بخجل من أن تذكر للأخرى أن خطيبها يسكن في رتبة المساكين، يعمل باليومية وغير مستقر في عمل، ربما وضعت في حسبانها أنه سيستقر حال عمله، لذا فسنحت لبصيص الأمل أن يغزو ظلام عقلها المتمثل في قناعة معتمة، وعلى حافة الاستسلام لها، مكثت تنتظر دون أن تكترث للسقوط المفاجيء!
باغتتها الأخرى بتهكم تسهل عليها التوضيح، وذلك لمّا طال الصمت بينهم:
_ يعني تفسيرًا وربطًا بما سبق من مخاوفك إللي حكيتي عنها من شوية، عاوزة تقولي الراجل عيبه جيبه، فمترددة!
صمتت ولمَّا وصل إلى الأخرى صوت أنفاسها المضطربة، عنفتها بحدة:
_ غبية ما كنتيش وافقتي طلاما دي مشكلة مش مريحاكِ، وبعدين أنتِ حرة بصراحة وأنا شايفة إنه المشكلة حقيقية يعني تستحق القلق علشانها، أنتِ شايفة حال الدنيا بقى اي، يعني مش بالمعقول كده هيجي واحد يقولي أنا مش حيلتي غير عشة وعاوز أتجوزك وأوافق بغبائي وأبني ليَّ مستقبل مبهر بالمصائب والعلل والوصم بشهادة الأول في المسكنة.
تزايد حجم قناعة في عقلها انبلجت إثرها خائفة تخشاها، فغاصت في خِدر ضباب حجب عن عقلها الإبصار، وتساءلت، هل كانت محقة في قرارها، أم أنها اقترفت خطًأ في بداية تأسيس مبناها المستقبلي، فيزيد ذلك من احتمال سقوطه؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تكمن قوة الحروب التي نخوضها في نوع الحياة والبيئة التي تحيط بنا، إما أن تكون الداعم في حروبنا وبذلك يخفف من على عاتقنا ثقل المواجهة، فتكون سهلة لكي ننتصر، أو تحزو حزو عدوٍ يواجهنا، فتتضاعف القوة أضعافًا في صفوفه، ونصير نحن في وجود حضرته بمثابة نملة لا تقوى على مواجهة قطرة ماء تكيلها فوقها السحب، لكننا نواجه وبأقصى ما لدينا من طاقة، وهذا هو سبيلنا الوحيد فلا مجال للهروب.
أتعلمون حين تكون الصفحة سوداء إلا من نقطة واحدة بيضاء، تلك النقطة تفتعل ثائرة في نفوس الناظرين، فيسعى جاهدًا وبجُل ما امتلأ به من بغض كي يطمسها حتى تصير الصفحة كلها سوداء، لحظتها ستهدأ ثوائره، فالجميع أصبحوا سواء!
كانت هي النقطة البيضاء الوحيد بين حشود من السواد تملاء صدورهم ونفوسهم، لا بأس أن المرأ كان في يوم ما مضى مثلهم، لكنه انتصر لمَّا أدرك أن هناك شيء ما خطأ وأن الرؤية انعدمت من حوله، يريد الإبصار ومعرفة ما هو صواب مما هو خطأ، المحلل والمحرم، لذا فكانت تلك نقطة البداية وهي نور الهداية التي نسعى إليها.
اليوم تزرع بذور الفضائل والعلم بنفسها رغم انعدامها من حولها، وغدًا تحصدها وتنال ثمرة شخصية يرضاها الله ورسوله.
في غرفتها خضراء الجدران يختلط معها الأبيض ودرجات اللون الأخضر الفاتحة، وأمام مكتبها المواجه لباب غرفتها، ما إن تدلف إليها تجدها جالسة تقيم جلسة مذاكرة مختلفة المجالات الحياتية وتستطيع رؤية ظهرها بينما تجلس على مقعدها الأخضر البلاستيكي، كانت تقيَّم ذاتها!
بعض من التسرع والاندفاع، النتيجة أسفرت عن ندوب في صدور الأطراف الأخرى الذين وقع عليهم الخطأ الذي اقترفته بدورها، إذن لا بد من بطر الأسباب المفضية إلى ذلك، وتدريب النفس على صفة الصبر والتفكير في كل كلمة قبل أن تخرج من فاهها.
هذه كانت نتيجة الجلسة، لخصتها في ورقة تقيم ذاتية تأتي على فترات متقاربة تلقي فيها عيب اكتشفته في نفسها، ثم في لحظات هدوء وراحة بال، تبحث بتأني عن حل في خزان عقلها المليء بالمعلومات التي تقرأها، هكذا تكون ثمرة القراءة.
تنفست بعمق بعد أن سحبت شهيق عبق صدرها بنسمات الرضى عن حالها، ووعدت نفسها بتحدي أن تنتصر في حربها، مهما طال الزمن ومهما تعثرت الدروب. وصلها صوت طرقات ثقيلة على باب غرفتها في نفس اللحظة التي تحركت فيها كي تقوم إلى فراشها وترقد في سلام إلى أن يأذن المولى بما يريد حيال روحها الراقدة في سلام.
دلفت《منى》بسنحة جامدة خالية من روح الابتسامة كسابق عهدها، أطلقت نظراتها الحادة صوبها وهي تقف بالقرب من مكتبها وبدأت حديثها المنعت بسلبية بينما هي تقترب منها :
_ الهانم إللي عايشة حياة غير عيشتنا ومكبرة دماغها ما نامتش لي، مش في شغل برضه يا بتاعة شغل وتحقيق ذات!
يبدو أن الحديث لم تسفر نهايته عن خير! ابتلعت حديثها واحتسبته عند الله برًا ترضيه به فتجاوزت أشواكه وقالت بعد أن جلست الأخرى على فراشها تثقبها بنظرات أوجعت بطنها لكنها تظاهرت بالثبات حين قالت:
_ أبدًا يا ماما، وهو أي إللي هيمنع معاد الشغل بكرة، كنت بس بخلص حاجة مهمة و لسة كنت هنام لما جيتي.
تلك الفتاة العنيدة ستصيبها بارتفاع حاد في معدل الضغط لديها، دراسة ماذا التي تنهيها وهي انتهت من حياتها الدراسية منذ شهور مضت بتخرجها؟ وعن ماذا تتعلم تلك الفليسوفة الصغيرة؟
نظرت إلى مكتبها حيث الكتب التي تراصت فوقه بشكل رتيب، مختلفة المجالات كانت، فزادها ذلك نفورًا حين همس صوت بحنق في نفسها: تلك الفتاة ستضيع عمرها على العلم وماذا سننال منها سوى التطاول بلسانها والثرثرة بما تعلمت بحجة تعليم غيرها، الفتاة ليس لها أن تتعلم سوى أشغال البيت حتى تخدم زوجها، وهذا ما تعلمته هي وضيعت سنوات عمرها عليه في بيت والدها وزوجها، ولم تنال شهادة علم تُذكر، لذا كان الصدام بينها وبين تلك الفتاة شديدًا بتعارض مباديء كلاهما معًا
نطقت فجأة بنبرة آمرة تجلى فيها غلظتها :
_ بكرة تاخدي أجازة من شغلك علشان هتيجي معايا أنا ومرات عمك "أحمد" هنروح نستقبل عمتك من المطار وهنرجع بيها هنا علشان هتقضي كم يوم معايا في الشقة هنا، أختك مش هتبقى فاضية بكرة ولأنه من الواجب واحدة منكم تروح تستقبلها، فهتيجي أنتِ معانا.
كان ينقصها في حياتها ذلك الهم، هي بالكاد تتعافي من أثر العيش معها طوال سنوات مضت بعد وفاة والدها في بيت واحد كبرت فيه حتى بلغت ثم انتقلت في النهاية بسبب عدة ظروف إلى بيت العائلة هنا، وهذا كان بداية نجاتها من مستنقع الجهل، والذي بالمناسبة يوجد منه الكثير هنا ولكن بشكل مختلف، هناك كانت البيئة جاهلة في شتى مناحي الحياة، أما هنا كانت المصيبة الأكبر جهلهم في الدين!
_ بس يا ماما عادي أروح الشغل وأرجع بدري وأروح معاكم أستقبلها، ملهوش لزوم الغياب!
بنظراتها الحادة وغلظة سلوكها قالت:
_ لي ما عداش عليكِ الواجب والأصول يا متعلمة يا بتاعة الكتب والقراءة؟ ولا ما متعرفيش إنه في تحضيرات وتجهيزات من أكل وتنضيف لازملاها صحيان بدري، ده غير إنه من الأصول تقعدي معاها دي عمتك إللي ربتك معايا يا هانم.
ويا ليتها ما فعلت وتدخلت في شأن لا يخصها وهو تربيتها، كان يكفي عليها قناعات أمها وسلوكها الذي مارسته وبجهالة عليها، وهي أكملت من بعده تربي نفسها بعد إبصارها طريق الهدى.
لم تستطع الاعتراض، ثقل كبير منعها من فعل ذلك، والدتها لم تتركها وشأنها إلا وتسلطت وبكل الطرق الممنهجة لديها، ولأنها ذاقت هذه الطرق من قبل، هتف لسانها عنوة بالموافقة وفي عقلها رسالة تُنار بالرفض لكنها أجلت الالتفات لها إلى حين إشعار أخر، على الأقل ليس في ذلك الوقت تستجيب لها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في زمن ما، كان القلب ضائعًا، والنفس في أقصى ظلمات الضلال، وُسوس في العقل أفعال قاده لارتكابها عمق الضلال، فؤسرت النفس بين براثن الخطيئة، وغرقت في بحر السوءات.
ضياع القلب يعني نسيانه لحبيبه الخالق العزيز، وما يتبع ذلك سوى الضلال من بعده، لذا فكانت نفسها أشد غرقًا في الظلمات مِن مَن حولها.
لم يذكرها افتعال خطيئة سوى شخص عابر بدلًا من أن يثور قلبها حزنًا على غضب المولى تعالى منه حيال خطيئة ارتكبها، ولم يحرك ساكنًا فيها إلا تذكرها شخص رأها وأحاط بجريمتها علمًا، وهذا الذي أرعبها، تخشى ظهوره فجأة وفضح أمر نسيته وأغلقت بابه بألف قفل حتى لا يفتح عليها باب الحديث السيء عنها وتنال العقاب منهم، يا الله، ألهذه الدرجة نسيت ربها وأنه المطلع والمتصرف في حكمه؟!
_ يا "روان" أنتِ معايا طيب؟!
هزتها في كتفها بينما تنطق بجملتها، أغرقها الشرود فنسيت أنها كانت تقيم حديثًا مع الأخرى منذ أن جاورتها المكان على أريكة في شقة جدتهم قبعت.
التفتت لها بحركة رأسها نحوها ترسل لها إشارة خفية أنها تسمعها، فأكملت الأخرى وهي تتابع التنقل بسبابتها على شاشة هاتفها الذي قربته من الأخرى وهي تقول:
_ اختاريلي واحد من دول، عندي خروجة بكرة وكده يعني.
قالتها وصمتت من دون تفسير، فرمقتها الأخرى بشك للحظات قبل أن تغمز لها وتقول في خبث:
_ طلاما خروجة بقى يبقى نختار ونختار بكيف كمان.
ابتسمت في خجل وضربتها بخفة في ذراعها بينما توقف تلك الجرأة المتقمصة إياها الأخرى عن حدها :
_ طب كملي مش وقته الكلام ده، ده غير إنه عيب.
دعت ببغض وهي تلتقط من كفها الهاتف:
_صبرني يارب على شخصية "شروق" إللي بتظهرلي فجأة دي، حاضر يا أختي وريني.
ثم بدأت تفاضل بين فستانين ترتديهم الأخرى في صور لكل واحدة منهما ذكرى، وتابعت الأخرى المتقمصة شخصية شقيقتها كما لقبت《روان》تعليقاتها بتشتت قليلًا، إن لم يكن هناك شيء يغلف بالخير افتعلته《روان》في حياتها مع الأخرى ابنة عمتها، فهذا الوحيد الذي فعلته!
بعض الكلمات تمر عابرة لكنها تترك أثر في داخلنا نفكر فيه طوال وقتنا، ربما تغير شيئًا أو تساعد في التغيير، ما دامت عالقة في دهاليز عقولنا تفتعل ما جاءت لأجله!
شردت في كلماتها لدقائق غير ملتفتة بشكل كامل إلى حديث الأخرى عن مناسبة جمعتهم في صورة ما وهي تقلب في هاتفها قفظت أمامها، يراودها سؤال واحد اختلف التعبير عنه في عدة صيغ، لماذا وفي تلك المرة وبعض المرات الأخرى تلقبها بذلك اللقب؟ ما الذي يتغير فيها فيثير حنق الأخرى مما يدفعها أن تدعوها بشبيهة شقيقتها؟ أليست《نورا》هي《نورا》 التي تتعامل معها بها، أم أنها تتبدل في أوقات مختلفة مما يختلف ردود أفعال الأخرين؟ وهي من فيهم؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعض القلوب تملك نافذة أسميها وبفهمي لها بأنها نافذة الشعور الخفي، لا يفهمه صاحبه لكنه يقوده وعقله إلى توقع مؤلم، وهنا تكمن رهافة القلوب التي مر عليها الكثير المضاهي لبعضه من ألم الشعور المرهق.
يرى بأم عينيه حالتها المتدهورة، وفي قلبه تتسرب نسمات شعور خفي مقلق من نافذة يجهل وجودها، فيصمت ويبتلع حصى التوقع الموشي به شعوره.
محلول أحمر يمر عبر خرطوم صغير نهايته المتصلة بإبرة يُحقن بسنها وريد في يد الأخرى المتسطحة على فراش المرض كي يصب ما بداخله من دماء دات زمرة ملائمة معوضة الخلايا التي فُقدت حيال قيء مستمر لعدة أيام وأيضًا بعد وصولها إلى غرفة الطواريء وكشف أكذوبتها الذابحة لصدره!
لماذا؟ هذا ما استطاع عقله أن يعود للعمل به بعد توقف لحظات في تيه مصدومًا من حالتها، ثم توالت النداءات الموجوعة....
لماذا تخبيء عنه الألم وتبتلعه وحدها؟ ألم يكن جوفه متسع لابتلاع المزيد معها كي يخفف عنها؟!
لماذا لم تهتم بنفسها من أجله على الأقل حتى لو فقدت الرغبة في العيش بعد أسواط الوجع التي ضربت شتى أنحاء جسدها ونفسها، ألم يستحق هو حياتها لأجله؟!
لماذا تصب الحياة مصائبها فوق فراشة مثلها لم تنال في الحياة جناحين كي تحلق بهم، فعاشت على أنها مجرد يرقة داخل كيسها الرقيق يخنقها من كل الجهات حتى كادت أن تكون للموت قريبة! لماذا أمه يصيبها كل شيء مفجع في الدنيا وهي مجرد يرقة لم تكتمل بعد؟!
هنا وعند ذلك الهتاف الثائر في عقله، شاركته العين الهتاف بزخات من المطر الخفيف، من دون أي تعبير على وجهه، وكأنه تمثال يزرف دمعًا!
الأمس كانت تحيطها الأمراض من كل منحى، والأن تحملها كلها في جوفها، وكأنهم برحيلهم تركوا المرض ذكرى لها بعد أن أسهموا في إصابتها به، وجودهم من عدمه سواء! لا يسببان سوى المرض!
تحركت رموش عينيها ومن تحت ستار جفنيها تجلت حركة عينيها في محاولة منها كي تتفتحهما ببطيء، لاحظ هو ذلك بينما كان مثبتًا نظره عليها، فتهيء لأستقبالها بوجه أزال منه أثر الدموع وابتسامة خالية المعنى!
عاد الألم يراودها، يبدو أن المسكنات لم تفلح في عملها، وهذا طبيعي في حالتها تلك، الألم لا يزول سوى بالبتر وموت كل خلية تسببت فيه بداخلها. التقط كفها يحتضنه بين كفيه وهو يطالع أمارات وجهها مجهادة لألم خفي وقال بينما هو جالس على مقعد خفيض يجاور فراشها :
_ ما تقلقيش يا غالية هترتاحي وتتعالجي وعد، وهتبقي في أحسن صحة.
ثم قبل يدها بشفتين يذوقا الحياة بقبلة، هي تتنفس، هي تعيش وستبقى بجواره إلى أخر بقية عمره، حتى ولو أصابها مرض يموت ضحاياه في غفلة من شدة الألم وخبثه كما علم ببحثه عن أعراض تتشابه مع قرحة المعدة وعرف أنه سرطان المعدة لا تظهر أعراضه في بداية الطور، تتشابه بدايته مع مرض أخر وهو قرحة المعدة، ولأنه عاش على وهم ظن منذ الألم الأول والتشخيص أكد له ذلك أنها مصابة به فلجأ إلى علاجه البسيط، ولم يكن يعلم أنه ترك خلايا خبيثة تقرصها كلما تقدمت في طورها النموي، وهل هو الذي كتم تلك الحقيقة؟!
منذ أن بحث وعلم بعد أخر مرة توجعت بشدة فيها، وهو يراوده الشك ولكن قليلًا، لذا فقرر حينها إخبار الطبيب عن شأنها ليقتصر الأمر ويعيد التشخيص بدقة وهو سيسعى وبكل ما لديه من مال أن يعالجها إن تأكد من الأمر، وفي ذات اليوم انفضح ألمها الذي خبأته عنه لأيام لا يعلم عددها، وتجلت الحقيقة التي صرعت عقله والجميع لا يعلم بأنه يعلم بما يصيبها!
لم تكن في كامل قواها كي تجيبه، حالة الإغماء الذي سببها فقر الدم عندها، امتصت منها الحياة في كل شيء حتى الصوت لم تقدر على إخراجه، لذا فكانت ترمقه بإعياء شديد زبل على إثره عينيها، فظل يرمقها بوجع بينما لازال كفها بين خاصتيه إلى لحظات صمت مؤلم لم يقطعه سوى اهتزاز هاتفه في جيب سرواله الملتصق في فخذه، فشعر باهتزازه وقد تذكر لحظتها أنه لم يغير وضعه الصامت، أخرجه ولمح المتصل بحاجبين معقودين، رمق الساعة أعلى شاشة هاتفه فوجدها الحادية عشر، تعجب، ماذا يريد منه هذا في ذلك الوقت.
تركه على الفراش غير أبهًا للمتصل، هو ليس لديه قوة كافية لسماع شريط كلمات جمعت بين اللوم والتحذير من ذلك البغيض صاحب المكان الذي يعمل فيه، لذا فتركه يصيح في صمت والتفت لها، انتهت المكالمة الأولى تبعتها الثانية على الفور، تجاهلها، وتجاهل غيرها إلى أن وصل إلى الرابعة، فزفر بقوة وأمسك هاتفه وابتعد عنها تلك التي كانت في عالم أخر لا تشعر بمن حولها!
_ ألو، تفضل حضرتك عاوز اي؟
نطق بها في احترام محاولًا الثبات وعدم إظهار انزعاجه بينما يقف خارج الغرفة أمام بابها مبتعدًا عنها بشكل بسيط، فصده الأخر بجملة واحدة لا غير هدمت كل آمال في عقله بناها:
_ أنا مش عاوز حاجة منك خالص، ولا عاوزك، من النهاردة ما فيش شغل عندي، والفلوس إللي استلفتها، بالسلامة أنت وهي.
ثم أغلق وأُغلقت الأبواب في وجههة كلها، وساد الظلام في عقله لم يستطيع الإبصار أمامه من شدة العتمة، حتى الشعور والحركة لم تعودان تدبان في جسده، هكذا الشعور حينما تتبدد أنوار الأمل من حولك، يسحققك الظلام!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman