بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثاني_والأربعون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كل شيء توقف فجأة؛ صيحاتها الناجمة عن حالة صرع مباغتة تبددت وسكن معها كل شيء حتى الهواء حولهم إلا قلوبهم وقد بدأت في الصياح لما أصابهم الفزع جميعًا _ سائق السيارة ومن معه وصديقتها_ تعزف دقاتهم سيموفينية الهلع بينما عيونهم جاحظة على جسد ملفوف بالسواد قريبًا للغاية من سيارة شلت الصدمة قائدها فلم يستطع الخروج نحو الضحية يتأكد من كونها حية أم فارقت الحياة بعد صدامه العنيف لها، ومكث يتابع بخدر أصاب جسده توجه الجميع نحوها، حتى من كانوا برفقته في السيارة.
كانت《حور》أول من هرولت نحوها بعد أن تغلبت على تسمر قدميها بفعل الصدمة، وصلت في وجل إلى موضع جثومها وجثت على ركبتيها وبدأت في تفحص نبضها بكف سرت فيه رعشة أعربت عن جفلان قلبها وبقوة خاصة في تلك اللحظة الثقيلة، اقترب منها في تلك اللحظة شاب انهال عليها بالتساؤلات القلقة رغم جدية نبرته وثباتها، فهي شعرت بقلقه الموارى في قوله:
_ هي بخير، طمنيني! في أي إصابة!
لم تكن واعية بدقة لوجوده رغم قدرتها على تميز نبرته وكيف سرى فيها القلق، شردت في شعور مربك عاد يشلها فلم تستطع التصرف، وتاهت في ندم فائق الشدة تلوم نفسها على تهورها، وكل هذا شردت فيه بعد تأكدها من أن صديقتها على قيد الحياة ولم يصيبها شيء.
لمح الأخر وجهها ما إن رفعته وهي شاردة أمامها، فعلم هويته مما دفعه ذلك أن يقول بدهشة:
_ هو أنتِ!
في تلك اللحظة أسرع نحوهما القائد الذي دبت في جسده الحياة من جديد وانحل عنه شلل الصدمة، وهرول نحوهما يسأل في قلق جلي على نبرة مهتزة:
_ ححصلها حاجة؟ هي أكيد بخير مش كده؟
يخشى، بل ويفزع قلبه من أن يتكرر ذات المشهد مجددًا أمامه، وهو السبب أيضًا فيه!
انتظر الاثنين إجابة، وكذلك الثالث الذي كان يعرج على قدمه بسبب إصابة إحداهما وكان قد وصل مع أول شخص خرج يطمئن على تلك الفاقدة لوعيها، لكن《حور》تغلبت في لحظتها على شلل الصدمة المؤقت وبدأت بعملية محاولة إفاقة صديقتها، وفي أوج توترها رفعت بصرها نحو الأقرب منها من بينهم ثلاثتهم، وهتفت باسمه دون وعي:
_ مياه يا "وسام" بسرعة!
لم يلتفت لثائرة تعجب دبت في نفسه إثر الموقف العجيب، وأسرع نحو السيارة لياتي بطلبها الذي في غصوتن دقيقة أسرع يعطيه له، التقطته، وبدأ في نثر الماء فوقها_حيث عينيها الجزء الظاهر من وجهها_ بعد أن افترشت على الأرض ووضعت رأس صديقتها على فخذها بطريقة مائلة محاولة إيصال الدم إليه بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من الأكسجين المحمول عبره إلى المخ بفعل حالة الصرع التي أصابتها، ومن الطبيعي قلبها وسرعة دقاته لم يسعفه لضخ هذا الكم الهائل من الدم إلى مخها، ففقدت الوعي.
بعد لحظات من محاولات مدروسة، فاقت صديقتها فتمتمت عبارات الحمد تشكر ربها أنها بخير. مشت《آية》بعينيها في المكان تحاول استيعاب أين هي، وماذا حدث، وكان البقية يراقبونها بوجوه عرفت الراحة فور عودتها لوعيها، وكان من بينهم《عَمرو》الذي أسرع يتأسف في ندم شديد:
_ الحمد لله إنك بخير، أنا ...أنا مش عارف أقول أي، بس أنا آسف!
اكتفى بالاعتذار الذي يظن وبشده أنه غير كافي، لا يعرف من أين جاء هذا الفرط في الذنب الذي أصابه، وظل يتأجج بناره وكأنه من تسبب في حادثها، بل وأدهى بحياتها! أما الأخرى بمجرد رؤية وجهه، تذكرت كل شيء، وحالتها الصرعة منذ قليل وكيف كان هو أخر وجه تراه قبل دخولها في حالة فقدان الوعي، وما إن تذكرت عادت بوادر حالتها من جديد إليها في حركات مضطربة؛ تهز رأسها يمينًا ويسارًا، وتحاول إبعاد كف صديقتها عنها في محاولة مرة أخرى للهروب، فوقفت بغتة وظلت تهتف في جنون:
_ لأ..لأ.سيبني...لأ..
انعقدت المسافة بين حاجبي الناظرين وهم يشاهدون حالة هاربة من مستشفى الصحة العقلية. تابعت بحالة بدأت تتفاقم في شدتها:
_ لأ...لأ..مش هسمحلك...لا...سيبني.
في تلك المرة افلتت من بين يدي صديقتها التي وقفت تحاوطها من كل جهة مترقبة حركاتها، وتابعت الركض من جديد، لكن《حور》لم تتركها، وركضت خلفها والبقية وقفوا يتابعون في زهول ذلك الموقف الغريب! اقتربت منها، ومن ذراعها مسكتها، فتوقفت عن الركض لما التقت عيناها بعين صديقتها التي تابعت في هدوء وهي تمسد على ذراعها بكفها الأخر تحاول إعادتها للواقع:
_ أنا هنا..أنا "حور" يا "آية".
توقفت عن الصياح بهلع، كانت تأخذ أنفاسها ملاحقة عليها من فرط حركتها وصرعها، وفي لحظة احتضنتها صديقتها بقوة لتكون بذلك قد أكملت محاولاتها في إعادتها لوعيها، وبالفعل حدث هذا لمجرد ضم الأخرى لها بذراعيها، وبدأ حينها نحيبها في الخروج تشهق من بين قهرها عاجزة عن التحرر من تلك الوصمة الملازمة لها، وستظل ملازمة طوال حياتها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<المسؤلية يعني أن هناك جزء من التضحيات سيكون>>
منذ أن ولدته أمه، وهو راعي لا مرعي؛ يدعم نقص كان في احتياجات أخوته، يعين على قضاء الرغبات، يصلح بينهم في كل النزاعات، يصرف عنهم الفتن التي يضيعون في غياهبها، يفعل قدر المستطاع أن يجمع في قلوبهم الحب والأخوي الذي هو دعامة الأسرة حتى لا بتفرق نسلها، مسؤلية كبيرة اعتاد تأدية واجبه تجاهها حتى عندما كان والده على قيد الحياة، ضحى كثيرًا في أن ينال حق الاهتمام ومراعاة نفسه واحتياجاتها، وكل هذا في سبيل فطرة جبل قلبه عليها، أن يحافظ على عائلته في ترابط قوي لا يضعف، وفي النهاية كل هذا راح سدى بموقف انكشف ما تواريه الصدور!
بعد دقائق من السير على قدماه في طريق خافتة أضوائه، ساكنًا، وصل إلى المسجد وبدأ يزيل عن عاتقه حمل ثقيل أصاب قلبه بالوهن أيضًا؛ قاده قلبه نحو ملجأ ترويح تلك الهموم ببث شكواه للعزيز، يُهدى إليه نور السكينة برفع دعواته للقدير، تكف ثورات الصراع في عقله بلفظه"حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" يوكل حاميه العزيز قضية ضاق بها زرعه، وانتفض صدره عن ألم رابض عتيق، يشكو ويتضرع إليه في ليل بهيم يحمل بين طياته المخاوف، فيسري دبيب القلق في جنبه يؤرقه فيستبد الخوف قلبه، يخشى نزاع قوي يفرق بينهم بعد سنوات جمعه لهم، يخشى الضغائن أن تدفعهم لارتكاب أذى، يخشى ويخشى، وكل ما يخشاه هو نفوسهم وما تكنها لبعض، يحارب مخاوفه بذكر المؤمن آملًا ألا تُبتلى النفوس ببعضها!
مضت نصف ساعة يشكو إلى الله ويدعو في سجداته، مكث بعد صلاته في المسجد يقرأ ما تيسر من قرآن كريم في خشوع يتدبر معنى كل آية، يفطنها، يؤمن بها في قلبها، ثم يعزم النية على العمل بها، منذ فترة لم يقرأ بهذا الحد من صفحلت، عمله وانشغالات حياته الأخرى كانوا الجزء الأكبر المستحوذ على ساعات يومه، سرى طفيف ندم في نفسه أنه لم يطيل من مدة تلك اللذة خلال ساعات يومه، تبع ندمه عزم على أن يطيل الورد اليومي للقرآن.
انقضى الوقت وكان قد انتهى من قراءة القرآن، أغلق المصحف الكريم، ووضعه بجانبه ثم رفع يده وردد دعائه بخشوع:
_ اللهم اهدي نفوسنا الصراط المستقيم، واصرف عنها كل غضينة تصيبها فتؤذي بها وتؤُذى، واجعلنا يا رحيم رحماء على بعضنا، واشدد عضددنا ببعضنا، واصرف عنا مكائد الشيطان ولا تفرق بيننا.
انتهى《مصطفى》من الدعاء، ومكث يذكر الله لدقائق معدودة قبل أن يرحل المكان ويعود إلى منزله آملًا أن ترحل عنه غمامة سوداء استوطنت فوقه منذ سنوات!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في صالون بيته الكبير القابع بالدور الأرضي من بيت عتيق ذا طراز قديم جذاب وقف منحني الرأس يواجه بخزي كبيره الذي يعمل لديه، منذ أن أخبره بما حدث وكيف تعرض للضرب على أيديهم وهرب الأخر معهم والصمت يلف المكان حتى أنه خشي ما ينتظره ويدور في رأس ذلك الرجل الصامت الذي انشغل في نفث أرجيلته وكأنه غير أبه لما حدث بالمرة.
ولمّا استشعر الخطر، نطق يشتت الأخر عن شروده الذي ظنه مكيدة تُدبر لعقابه!:
_ عدم المؤاخذة يا معلم لو تسمح.....
إشارة من كف الأخر تراءت أمام عينيه ألجمته عن تكملة جملته. تابع بعدها بلحظات بكلمات مقتضبة تفاقم القلق لدى العامل بعدها:
_ روح دلوقتي.
إرادته القوية في الاعتراض وقول كل ما لديه قبل أن يرحل كي يطمئن كُبح جماحها، وأومأ بإذعان ثم رحل عن وجه الأخر كما طلب. أما هو وما إن فرغ المكان إلا منه، أخرج هاتفه من جيب منامته البيتية ذات الطراز القديم أيضًا كبيته، وبدأ في إحاكة الأمور بهدوء وعلى نار هادئة. أنهى حديثه بتحذير جلي:
_ إياك حرف واحد من إللي قولته يتنسي، بكرة بالكتير أسمع خبره!
أغلق هاتفه دون أن ينتظر ردًا، ثم أعاد هاتفه حيث كان، وتابع بهدوء نفث أرجيلته، من بعد الآن لا شيء سيزعجه كهذه الجرثومة التي تحوم حوله منذ قريب وتتبع كل ما هب ودب من طرق خفية كي تصيبه وتقضي عليه، ولكنه جبار، هو القاضي وليس المقضي عليه، حتى وإن كان من يهدد حياته بالخطر قريبه، وابن أخته التي لم يعترف بها يومًا بأنها تقربه!
قطع تفكيره في صلة قرابة ماضية صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيبه بعد أن نفث أخر مرة من أرجيلته وكانت المكالمة الأولى قد انتهت، كاد أن يعيده إلى جيبه من جديد، لكن المتصل أوقفه باتصاله من جديد، نظر في هوية المتصل، لم يجد تعريفًا له يُذكر، ظن أن أحد العاملين لديه قد ابتاع رقمًا جديدًا حتى يتواصل معه في أمان مجتنبًا مخاطر قد شعر بأنها ستصيبه، لذا فأجاب بصمت كعادته لا يبادر في ترحيب من يطلبه. ولمّا لم يجد المتصل ردًا، بادر بترحيبه:
_ ده احنا نقول مساء الخير جدًا، خالي إللي باقيلي على الدنيا أخيرًا رد عليّ!
ابتسامة ساخرة التوت على ثغره وهو يتابع في صمت تكلف الأخر، مثله مثل أمه، لا تحتاجه إلا في مصالحها الشخصية!
_ حبيت أفرحك بخبر رجوعي المنطقة، كنت فاكرك عارف وهتزورني بعد إللي حصل في حياتي وكل حاجة خربت، بس أنا أعرف برضه في الأصول والواجب، وهبدأ أنا بالواجب.
في ذات البرود والابتسامة الساخرة التي اختفت حين هتف ببغض عتيق دون أي معرة من إحراج الأخر:
_ أهل البيت مش فاضين الساعة دي لضيوف، عاوز تيجي تشرف بكرة يا ابن "مختار"!
ذكره اسم والده بنبرة شعر فيها الأخر بالاستهزاء، ورغم معرفته ما يعنيه نتيجة علاقة غير مرحب بها كانت بينه وبين والده، وكذلك والدته التي هي أخته، تخلى عن كرامته ورد بسماجة:
_ تصدق بيسلم عليك هو كمان، والمرحومة أمي سابتلك ذكرى قبل ما تموت وصتني أجيبهالك، مش عارف أي هي، بس هاجي وهي معايا، نتقابل بكرة يا...يا خالو!
قال كلمته في سخرية تبعها غلقه للهاتف، صُدم《جبار》بتلك الحركة التي من المفترض تكون هو من فعلها، ذلك الأحمق ورثها، وها هو الآن يمارسها عليه بحماقة ولكن تختلف عنه. أطاح عن عقله تلك الأمور التافهة في حضرة أمر واحد سيُصاب بالجنون إن لم يعرف ما هو، ذكرى! تُرى ما الذي تركته تلك الحمقاء قبل وفاتها؟ لأول مرة يهتز ويضطرب، تلك الحمقاء في أخر مرة نشب بينهم نزاع كانت هي الطرف المهدد له، ولأنه لا يهاب أحد استطاع إلجامها عند حدها، فماذا قد تكون تركت وعرفه ابنها مما جعله يصر على مقابلته كي يأخذه؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
استسلام، فقدان رغبة في الحياة...
كلمات توصف الحال بشكل ما بسيط لكل من تطلع بعينه على حالها، وكان هذا وصفًا ظاهريًا لما رأته أمها حين ولجت غرفتها ووجدتها على ذات الحال، الجو الكئيب يظلم المكان، الغرفة خالية من أي حياة! تشق الطريق نحوها حيث الفراش الذي أصبح مرقدها طوال الوقت، وتربط على قلبها المكلوم مجاهدة وجعه كي لا يتجلى في دموع كانت قد نفدت من فرط بكاءها وهي تحدث شقيقتها من قليل وقبل ولوجها غرفة ابنتها.
اقتربت ببطء من الفراش وعيناها فوق جثة راقدة على الفراش، أحاط السواد عينيها، وأُسدلت جفنتيها بشكل كبير فأصبحت في نظر الرأي ناعستين، هزيلتين، غير أنهم غائرتين من فرط ضعفها وسوء صحتها غاصا داخل تجويفهما بشكل ملحوظ. أخذت تمسد على خصلات شعرها بتروٍ بينما تجاورها على الفراش حيث أحد أطرافه، انغمست في تلاوة خافتة بصوت رقيق لبعض أيات القرآن الكريم، مع كل ذكر اسم الله ينفطر قلبها متضرعًا أن يشفى ابنتها ويزيل عنها ما أصابها، فتشق دمعة طريقها نحو الفرار من بين أغلال قُيدت بها بين جفنتيها.
ظل الحال هكذا لعشر دقائق تقريبًا، هي تتلو ما تيسر من قرآن وجفنتيها تجاهد في حبس دموع غزيرة تأبى المكوث بينهما، أما ابنتها فكانت على حالها، ما تغير هو موضع جلوسها فحسب؛ فبعد أن كانت تتسطع على الفراش، تحركت لتأخذ من احضان والدتها مأوى، ربما فرت دمعة أو اثنين من بين جفنتيها، لكن الباقي عجزت عن صرفه، فمكثت مستسلمة لصمت موجع، تاركة لأفكارها المهيمنة في تلك الحالة وأوجاعها زمام الأمر يزيدانها تعمقًا في الظلام!
وأثناء ذلك، انفتح الباب بغتة فتفأجات هي بالتفاتها نحوه، أما ابنتها فظلت متشبثة بأحضانها، رمقت الواقف أمامها بتعجب من فعلته التي يبدو أنها افتعلها عن غضب تجلى في خلجاته وكذلك نبرته الحادة التي هتف بها:
_ سيبي النونة بتاعتك دي يا هانم وتعالي عاوزك!
رمقهما بجمود وازدراء وكأنها لم تكن ابنته التي يسخر منها، وكأن التي يدعوها ب"هانم" بجفاء لم تكن رفيقة دربه وزوجته، أهل يفعل به الغضب والاستياء بأن يحتقر أهل بيته هكذا؟ حسنًا هذا ليس بجديد عليها، فهي أصيبت بأعتى سهام الأحاديث الجارحة كثيرًا!
خرج من أمامهما بغنج، وبعد لحظات تبعته هي في صمت ينهش صدرها ألمه!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ولجت بعده بدقائق غرفة المعيشة التي انتظر قدومها فيها، لم ترفع عيناها عنه وهي تقترب منه وتسلب أغوار حالته الصامتة المخيفة تلك، جلست بجواره على الأريكة وبادرت تستعلم عن طلبه:
_ في أي يا "أمجد" عاوز أي؟ شكلك مش كويس وفي حاجة شغلاك! أديني جيت أهو وسيبت كل حاجة، اتفضل.
أضفى حديثها المنمق شيء من الانزعاج تضاعف على إثره غضبه، فهتف يزجرها:
_ كل حاجة! وهو النوم كان حاجة متعبة تشغلك.
حركت شفتيها تجيب في اعتراض، لكنه أوقفها مشيرًا بكفه إعرابًا عن غضبه المتأجج بداخله:
_ مش عاوز كلمة تاني، أنا مش ناقص كلام فارغ من بتاعك، واسمعيني كويس.
سكت هنيهة أمام عينين تحتضنان هيئته بخزي جارف نتاج حديث مؤلم نالته، ثم تابع في سكون يتناقض مع حالته المضطربة:
_ هتكلمي أم "يحيى" وتقوليلها إنه العروسة وافقت يقدروا يشرفوا علشان نتفق على معاد كتب الكتاب.
_ أي!
نطقت بصدمة وعيناها تجحظان من هول حديثه المباغت، كيف يكلفها بعمل شيء غير جائز كهذا؟ هتفت من بين صدمتها مجددًا:
_ أنتَ بتقول أي؟! ما فيش حاجة جاهزة، العروسة نفسها مش جاهزة!
كل شيء أمامه يتكرر، ذات الجملة، ذات الحال، كله لعبة كي تهرب لا أكثر. تجمعت أفكاره القهرية في عقله فأثقلته بطاقة تحررت في غضب تجلى أثناء صياحه بجمود:
_ يعني أي مش جاهزة؟
في ثبات مزيف وبقلب يعزف سيموفينية القلق قالت:
_ "أمجد" احنا عارفين إنه الموضوع أجلناه بسبب ظروف عمل العريس، وأهو بالمرة تكون حالتها اتحسنت شوية، أي رجعك تفتح الموضوع تاني؟
كيف يصرح عن مخاوفه التي تأكل عقله يومًا بعد يوم؟ كيف يصفها حتى؟ لم يجد سبيلًا لتصريف كل ما يخنقه إلا في صورة غضب عتيق تابع به حديثه بصياح:
_ ما يهمنيش الكلام الفارغ ده، أنا قولت كلمتي وتتنفذ.
_ وإن ما اتنفذتش هتعمل أي؟
تجرأت على ردع تهديداتها والوقوف أمامها بثبات، تفاجأ من فعلتها، فرفع حاجبيه دهشة وهو يضيف بغضب:
_ أنتِ بتتحديني يا "سهير"!
نبرته الحادة سرت عبر أذنها فأجفل قلبها، ورغم ذلك تابعت في ثبات ضعيف وقد تجلى في صوتها استسلام أعرب عنه حديث مهزوز:
_ أنا مش بتحدى حد، ولا عاوزة حاجة من حد أنا في حالي وطول عمري كده، أنا بس مش عاوزة غير إللي لي كويسين، عاوزة حياة هادية من غير مشاكل أنا تعبت!
ما إن أطلقت العنان لكلماتها المكتومة، تحررت دموعها وغمر وجنتيها اليابستين دموع وافرة أخمدت غضبه! فتوقف عن النزاع معها كعادته، لا يبدأ حديث إلا وكان هناك نزاع يجرحها، ويزيد من حالة غضبه أضعافًا! تابع بكائها المتفاقم في صمت، لسانه معقود لم يستطيع تهدأتها بكلمة طيبة، يداه تسمرتا في مكانهما، فلم يقوى على الربت فوق أوجاعها بلطف، لربما يساعد ذلك في طمأنتها، لم يقدر على مدها بما يدعم ضعفها من رحمة تطمئن روعاتها، وكيف يفعل مع غيره وهو لم يقدم لنفسه يد العون ويرحمها يومًا؟! مكث أمامها متحجرًا وكأنه جماد لا تدب فيه حياة!
تابعت من بين دموعها بوجع يتمزق له نياط القلوب إلا قلبه كما تعتقد! :
_ أنا تعبت، وكله تعب، وأنتَ مش حاسس بينا، بنتك بتموت جوه وأنتَ ولا داري، وأنا مستحملة زعيقك ومشاكلك وبواجه كل ده بسكوت بقول يا بت خليكِ جدعة واصبري، ده بيتك وعيالك ما فيش أغلى منهم عليكِ، وقبلت أعيش وجع كل يوم منك ومن قرايبك وأنا راضية، قبلت بالوجع وأنا ساكتة بس تعبت تعبت والله وجبت أخري، حس بينا مرة..مرة بس!
بدت وكأنها تتوسله من بين دموع تفاقمت غزارتها بعد أن باحت بجزء ثقل في جوفها ولم تعد تتحمل آلامه أكثر من هذا الحد، انغمست في أوجاعها وبكاؤها، أما هو فلم يعد يتحمل جلوسه عاجزًا هكذا، لذا فنهض متجهًا خارج الغرفة بأكملها دون أن يعيرها أي اهتمام، لكن حديثها لم يمر بسهولة على قلبه، ولا عقله الذي وضع نصبه التفكير فيه فحسب، وخاصة بوحها الأخير وبالتحديد ابنته التي تموت وهو لا يدري، تذكر حالتها حين دلف الغرفة عليهم منذ قليل، كانت غريبة، لم يلتفت لها في ظنه أنها طبيعية ومجرد <<دلع بنات>> فحسب كما يلقب. أثارت الأسئلة في عقله شعورًا مضطربًا قاده نحو غرفتها ليتفحص حالتها ويثبت أنه كان على حق، لا يدري لماذا يريد أن يثبت أنها لا تعاني من شيء، لكنه يتوسل أن يكون كما يظن وبقوة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يعاديه عقله المتعنت، ضعيف لا يملك سلطة على توجيه سلوكه بحكمة ترضى، لذا فكان الخاسر دائمًا وقلبه الهاتف بكل ما لديه من قوة كي يسمعه، لم يلتفت له ولو لمرة، ويترك جمود عقله وفكره الراسخ المتعنت، إلا في تلك المرة، ارتجف قلبه حيال زلزال أجفل أوصاله حينما رأى دموع القهر تُنثر على وجنتي زوجته وهي تروي له حال ابنتهما وما أصابها من موت يسحبها ببطء_كما خيل لها وتعاظم القلق في عقلها_ وانتزع ثوب الجفاء بقوة نبعت من قلب أب لا يتحمل رؤية ابنته تحيطها العلل، فالقلب مجبول على حب مضغة خُلقت منه، ومهما أحاطه من غشاء القسوة المميت، سيحيا نابضًا بشوق لها ورؤيتها في حال يحاوطها فيه الخير والهناء، فذهب لها واهنًا!
على مقعد أمام فراشها بجوار حافته اليمنى، جلس يراقب حالتها والدمع يخنقه وهو له كاتمًا، والشوق الكبير كي يسمعُها كلمات عطف تحييها ربط على لسانه فعجز عن الحراك، الكلمات تزاحمت في صدره، والدمع ضغط بقوة على صدره فاختنق، ورغم ذلك لم يقدر على البوح بكلمة تعيدها إلى الحياة، فكيف يعيدها وهو السبب في إبعادها بسوء تربيته الغير سوية؟
ظل مكانه دقائق يراقبها بينما هي في ثبات عميق، لم تراه وتشعر بأنفاسه، وهذا ما دفعه للدخول إليها والاطمئنان على حالها، يخشى من أن تراه ابنته هين معها، وكأنه يرى في ذلك عيب سيعتريه! لفت انتباهه بينما هو على ذات الحال في صمت شيء على فراشها يوري جزء كبير منه وسادتها على الطرف القريب منه، فانحنى بجزعه العلوي نحوه وسحبه من تحت الوسادة رامقًا إياه بتعجب، كان دفتر أسود اللون، قلبه في الهواء متفحصًا هيئته باستغراب يغلفه فضول طفيف لتفحص ما بداخله، لذا فلم يدفعه ذاك الفضول الضئيل في فتحه ولا استكشاف ما بداخله، فهو لا يأبه لمثل تلك الأشياء التافهة، لكن ذلك لم يمنعه من أخذه معه لمّا عزم الرحيل والخروج من تلك الغرفة الكئيبة المثيرة لغضبه واستيائه! فهو بقدر ما كان لا يأبه بأشياء تحبها ابنته، كالقراءة والكتابة، لم يتخلى عن جزء صغير منه يسعى للأصلاح قد لا يُظهره أو ينظر إليه في نفسه، لذا فأخذه وقد ظن أنه دفترها المخصص لكتابة رغباتها وأحلامها كما كانت تفعل وتشارك شقيقها من قبل والذي كان أحد مشجعيها وداعميها على فعل مثل ذلك نشاط لاحظه ذات مرة في حديثهم معًا ولم يأبه لهم كعادته، ثم رحل من الغرفة على الفور تاركًا خلفه جثتها الغارقة في ظلام عميق، وأخذ معه أثر منها سيظل ذكرى تطارده طوال حياته!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
منذ أن عاد من عمله وهو بعيدًا عنها على غير المعتاد، يحاول تجنب المواجهة كما يبدو لها من تغير في عاداته معها؛ فلم يشاركها مشاهدة التلفاز وبعض من أوقات التسلية الماضية في مزاح تغمرها خلاله الأنس به أو نقاش في قضية ما تشغل عقلها المشغول كعادته بالمعارضات، وكأنها تناضل بأفكارها واعتقاداتها.
في المساء صادف وقت تناول العشاء انشغال زوجة خالها بأبيها الذي مرض وتدهورت حالته فجأة منذ ذلك اليوم الذي عاد فيه خالها من العمل متأخرًا وعلى وجهه أمارات العجز والضيق، حينها لم يفصح عن شيء سوى بجملة واحدة <<قدر الله وما شاء فعل، ربنا يكون في عونها>> اكتفى برمي أثقال همومه على وكيله القوي، ولم يفصح بعجزه ولا ما أصابه جراء ذلك الوقت الذي غابه عنهم منذ ذلك اليوم. استغلت هي وجوده معها بمفرده، وكانت والدته العجوز قد غاصت في ثبات عميق في الثلث الأول من الليل، أما هما فظلا يتناولان الطعام في صمت لم يكون عادة بينهم خاصة أنها تحب الحديث كثيرًا معه رغم قلة حديثها المتسمة بها. راقبت شروده الثقيل وبطء حركته في تناول الطعام، شغلها الأمر كثيرًا، لا بد أن الأمر الذي يخبئه عنها كبيرًا ويستحوز كل تفكيره ويضيق عليه راحته. أرادت كسر الصمت، فتناولت كوب الماء ترتشف بضع منه بعد مضغها الطعام وابتلاعه، ثم أعادته وما لبثت لحظات في تردد حتى كسرت الصمت بسؤالها المباغت:
_ جدو "خليل" عامل أي؟
لم تجد موضوعًا تبتدء به الحديث لتكسر ذلك الصمت الجاثم على أنفاسهم سوى حال والد زوجته، توترت من ردود أفعاله الغريبة، بدى كمن سحبت روحه منه، باهتًا حين أجاب بفتور بالغ!:
_ كويس!
وضع ما كان في يديه من طعام، وقرر إنهاء الطعام لمَّا تبين له أنه على مشارف تبادل حديث مع ابنة أخته التي يعلم جيدًا أنها عنيدة لم تتركه إلا بمعرفتها ما حدث، وهل حدث شيء جديد في قضية أخت زوجته. تحرك أمام عينيها اليائستين نحو غرفته، وتركها تضرم قلقًا مما يكون قد حدث، ماذا تبدل يا ترى؟ وهل حاول من الأساس فك حصار أحاط بالأخرى كان فاعله الوحش؟ من المؤكد رفض، ليتها ما تزوجته، ذلك اللعين لا يليق له أن يكون زوجًا من الأساس، هو حيوان مثله كمثل هؤلاء الذين لا ينفع لهم مكان سوى غابة، حتى هذا المكان قد يكون معرضًا للخطر لما فيه من كائنات بريئة.
زفرت في يأس، ومكثت متوقفة عن الطعام تفكر في حل وحسب، تريد حل المعضلة وكأن المتألم أمها! تريد الانتقام وكأن المجرم والدها! تحارب وكأن الحرب حربها، عقلها لم يهدأ، قلبها لم يثلج وتهدأ فرائصه، ونفسها لم يكف أنينها إلا بشيء واحد، رؤية المظلوم منتصر والظالم في أعتى غياهب السجن يجني ثمار ما اقترفته يداه.
في تلك اللحظة التي شردت فيها في غمار من المشاعر المفعمة بروح الانتقام، وصلتها رسالة على هاتفها قطع رنينه حينها شرودها فالتفتت له بخلجات سرعان ما تبدلت لتعلوها أمارات التعجب ما إن ظهر بداية النص أمامها، همت مسرعة تلتقطه من على سطح الطاولة أمامها، وفتحت بذات اللهفة الرسالة، ثم انغمست في قراءتها للحظات عادت بعدها متأهبة كل خلية في جسدها كي تتم مهمتها، وتقضي على ظلم أحاط بهم لسنوات، الآن حان موعد نهاية كل ضباب وانقشاع ضوء الحرية!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بين جدران عقله صور يرسمها ايحاءات أفكاره المفرطة في التدفق كلما خاض تجربة ما في حياته، بالأخص حين يلج باب التعرف على أناس غريبة لا يعرف عنهم سوى اسمهم وشكلهم، وبتلك المعلومات الضئيلة فحسب رسم صورة عنهم في مخيلته وظل ينظر لهم من خلالها، لذا كان دائمًا ما يعتزل العلاقات.
ركز تفكيره عليهم بينما هو جالس برفقتهم يتابع نقاشًا صغيرًا نشأ بين مختلين في عقولهم أمامه على مقعدين في شرفة غرفة الأوتيل الواسعة، كان بالأحرى صاحب الغرفة المدعو ب《بكر》هو أكثرهم خللًا في عقله؛ فمن يدعو شخص إلى غرفته متوسلًا بأن هناك خطر ما داهمه فيفزع قلب الضحية مثله ويسير درب الأكذوبة بوجل وعقله رسم كل السيناريوهات السيئة عما يكون قد أصاب الزائر وفي النهاية يتضح أنها خطة ليدعوه على حفل صغير بمناسبة عيد ميلاده كي يشاركه لحظة سعيد، لهو أكثر البشر معاناة من خللًا في العقل!
زفر بضيق فهو لا يحب التصنع، وللحقيقة هو غير متقبلًا لما حدث، وهذا زعجه كثيرًا وظل أسيرًا لأفكار نتجت عن ذلك الحدث وهو يتابع تقطيع قالب الجاتوه أمامه بفعل صاحب المناسبة، انتهى《بكر》من تقطيعها لأجزاء وبدأ بتوزيع قطع الجاتوه عليهم وكان هو أول من اتجه نحوه وقال بابتسامة واسعة تراءت أمام عيناه كابتسامة الحمقى!:
_ وأدي أول واحدة من نصيبك يا برو، أنا مبسوط جدًا إنك وافقت تشاركني مناسبة زي دي دايمًا ما ببقى لوحدي فيها.
ابتسم له في تملق، لم ينكر أنه فعل ذلك برضاه كي يطيب خاطر الأخر فحسب، لكنه لم يكن يومًا يرى في الماثل أمامه شيء من القبول، يختنق كلما كان قريبًا حوله، لذا كانت ابتسامته المتملقة كافية لأن تصل له الرسالة التي لم يتعمد إيصالها كي لا تصيبه بالحرج، أضاف بعد حديثه باقتضاب:
_ كل سنة وأنتَ طيب.
تراجعت نفسه في خزي عن محاولة أخرى في حياته كي يألفه الأخر صديقًا له بعد ما سرى في جنباته من شعور مخزي بالغ أصابه بالاستسلام. لاحظ《يحيى》الموقف، فهم ما يدور بينهم، يشعر به فهو على دراية بما يحدث وقد عاشه في فترة ما في حياته من قبل، ولكن بصورة مختلفة. تنهد في عمق بعد أن تناول من صديقه العفوي طبق يحوي قطعة الجاتوه خاصته وبدأ تناول قطعة صغيرة منه، ثم أعاده على الطاولة ونظراته الصامتة تابعت مشهدهم باهتمام لكل تفصيلة تحدث.
لم ينشأ بينهم أي حديث، أو حتى ممارسة أي نوع من التسلية خلال جلستهم، كان الجو مملًا، تناول《أدهم》ما تيسر من حلوى سريعًا مجاملة للأخر فحسب، وقبل أن يهم بالرحيل بدأ الجو بانشقاع الملل عنه حين بدأت ثرثرة《بكر》المعتادة يروي مواقف له مضحكة قضاها بمفرده وكيف كان يعد الجاتوه بطريقة عبثية تؤلم بطنه ما إن يتناوله، شاركوه الضحك والإنصات لفضفضة في نفسه يرويها عن قلب عاش سنواته في وحدة ولم يذق معنى المشاركة يومًا، لذا فيبدو جائعًا يتخذ كل من عبر صديقًا كي يزيل وحشته!
شعر《أدهم》 بأنه طال وقت جلوسه معهم، يتضاحكون وهو صامت، يشاركانه الأحاديث وهو يبتسم مجالمة لهم، سرى في جسده دبيب لم يكن غريب عليه، أهل هو شعور الألفة، أم شعور القبول؟ أم ذاك دفء الأنس بأنفس الطيبين؟
إن استطاع وصف ذلك الشعور، سيقول بلسان قلقه أنه نعيم الجهل، أو بدرجة أعمق، هو حالة من اللاوعي سقط في بؤرة ظلامها، عاد من خلالها لمشاعر آمنة يفقدها، وإن وصفها بصدق ما يضرم قلبه في تلك اللحظة سيقسم أنها كاذبة؛ فالجميع مهما أعطوا من حب ولطف فهم ماكرون. انتفض بغتة في وسط ضحكاتهم، وعلى حين غرة هتف بحدة:
_ أنا مضطر أمشي دلوقتي.
اعترض《بكر》ما إن وقف واقترب منه:
_ لي بس يا برو، ما القعدة كانت حلوة!
بضيق كمن يختنق نتاج حشر أنف الأخرين في حياته دون حياء، هتف يردعه:
_ قولتك مضطر يا "بكر" يعني مش عاوز أفضل هنا!
في تلك اللحظة اقترب《يحيى》يهدأ من حدة النقاش بقوله:
_ على راحتك يا باشمهندس "أدهم" اتفضل، ما حدش هيقف قصاد راحتك طلاما أنتَ مضطر وأكيد في حاجات هتشغلك، احنا سعداء بوجودك، اتفضل.
ثم مد يده ليصافحه بابتسامة بسيطة، تردد الأخر لثوانٍ ثم صافحه، وكذلك الأخر ورحل مستأذنًا في خزي عظيم من نفسه، هو لم يفلح، ولن يفلح في الوقوع في مثل تلك أخطاء ناجمة عن كونه شخص لا يرتاح في وجود الجواسيس حوله!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
دومًا ما يكون هناك دافع لسلوك المرء، ذلك الشيء الغامض، المدفون تحت أنقاض نفسها المحطمة رفاتًا كان هو المحرك الرئيسي لردود أفعالها المضطربة المهيمنة عليها في تلك اللحظات حينما أصبحت الشقة خالية إلا منها ووالدتها، نشب في تلك اللحظات حديث كان أشبه بنزاع بعد أن حولته《منى》بنبرتها الجامدة وهي تطغى أكثر باعتراضاتها حيال ما حدث. زفرت بقوة في جلستها على الأريكة تبعد بمسافة كبيرة عن والدتها التي قالت بنبرة أشبه للتوسل تضيف على نصائحها السابقة منذ أن بقيتا بمفردهما:
_ يا بنتي اخزي الشيطان، ده مهما كان أخوكي، إللي بتقوليه ده عيب في حقه حتى لو أصغر منك، استعيذي بالله من الشيطان بس واهدي.
لم يكن قلبها بالذي يلين مجرد نبرة مستعطفه، صوت حنين، توسلًا صادقًا، كان أقصى مما كان من قبل، مغلف بالحقد العتيق الذي يخفي خلفه فطرة جُبل عليها. حديثها كان وطأته عكسية، بدلًا من الاعتذار عما بدر منها من أفكار سيئة عن أخيها موجهة بها أصابع الاتهام نحوه، زاد من انفعالها الخارج باستياء فظيع تراكم غضبه على مر السنون. انفعلت في وجهها بصوت عالٍ حاقد:
_ أخويا! أخويا! أخويا! ..أنا اتخنقت منها، كل حاجة بتحصل لازم تبقى حجتها أخويا، وأنا أغور في داهية مش كده!
بعينين أطفأ الحزن بريقهما تفوهت في خفوت:
_ يا بنتي!
توقفت عند هذا الحد، ماذا ستعيده بقولها؟ كم قالت الكثير والكثير لسنوات ظنت أنها تنصح وتصلح ما أُفسد في قلبها وفي النهاية أصبح كل هذا لا شيء؟ كانت ابنتها تراكم بينما حديثها كان مجرد مُخدر فحسب. اكتفت بأن تسمع، تسمع فحسب حديثًا وإن كان ممزقًا لنياط القلب؛ فهي رغبتها الأهم أن تعلم ما في قلب ابنتها جعلها بهذه القسوة كما لم تكن من قبل.
جثم الصوت فوق أنفاسهم كهم ثقيل أزداد وطأة على كلايهما حين تحدثت《منى》بعد تنهيدة حارة منعت بها دمعة تود الفرار. قالت مفرغة جزء ما في جبعتها بقسوة نبرتها:
_ مش مهم عندي مين اتنيل سرق أد ما مهم تصدقوا، تصدقوا حقيقة واحدة قولتها، لكن لأ! أنا الغلط، وهو الصح...أنا ما يصحش أقول وهو عادي براحته يفعل ما بدا له.
صمتت. هل يُسمع صوت تصدع القلوب؟ بالطبع لا، لكنه يُسمع بملامسة كلمات خرجت عن جرح عميق تصدع ومكث سنواته دون عودة لطبيعته، حيث اللاتهشيم. تابعت بعد هنيهة سكتت تجمع ما تستطيع به وصف ما تعانيه:
_ عارفة لي ده كله بيحصل، طب عارفة لي دايمًا أنا بكون في نظركم الغلط؟
كانت توجه حديثها بينما تنظر لها، وحين توقفت لحظة أدارت وجهها تنظر أمامها ثم تابعت بكره لكل لحظة ظُلمت فيها بحياتها:
_ علشان أنا عمري ما كنت حاجة بالنسبة ليكم، رأيي، رغباتي، كل حاجة لها علاقة بيا ولا حاجة، أنا أصلًا ما كنتش في دايرة اهتمامكم، البنت إللي جات وحيدة على وش الدنيا بتحارب بكل الطرق علشان تنال حقها، اهتمام، حتى نظرة منكم وسط أشبال ذكور بتتفاخروا بيهم في العيلة هي في الأصل نكرة بالنسبة ليكم، وأنتِ أكتر حد أثبتلي كده طول حياتي.
هل جروح القلوب معدية؟ حسنًا واقعيًا فلا، لأنها ليست بمرض. لكن لماذا كلماتها جاءت بمثابة فيروس معدي أصبح بفعله قلبها منشطرًا؟ ليس هناك ما هو معدي، لكن سكين الألم تذبح دون تفرقة بين الضحايا. أطرقت《زوزو》في خزي؛ تعلم جيدًا لماذا تفوهت ابنتها بمثل تلك الأتهامات؛ ربما زواجها الذي خزلتها فيه، أو اهتمامها الأكثر توجهًا لأولادها، أو وقوفها عاجزة عن حمايتها من بطش والدها متصلب الطباع كإبنه الصغير، لا تدري على ماذا تعيل نفسها الذنب، لكنها كانت صادقة في شيء واحد، أنها تحبها، وكيف يكره قلب الأم قطعة منها خُلقت؟!
ساد صمت قاتل بين الاثنتين يتجرعا كؤوس الألم في صمت خلاله، هي تصمت لأن لا مواساة تنفع مع قلب غلفه القسوة، وابنتها صامتة تجتر خزي وراء خزي تجرعت علقمه في بيت كان لها سجنًا ظالمًا حراسه. كرهت كل شيء يتعلق بحياتها السابقة، سئمت من حياة كلها صمت تلوذ له مبدية مدى ضعفها، كرهت كل ظلم تلقته في حياتها تسبب في خرابها كانت يداهم ملطخة به. تفاقمت مشاعرها أكثر وهي صامتة تتجرع علقمها، أصبح قلبها أشد قسوة وهي تهتف قاطعة دابر هذا الأمر:
_ إن كنتِ أنتِ هتسكتي، فأنا لأ، هرجع أفتش وأدور لغاية ما أكشف كل حاجة مستخبية علشان أسبتلك حاجة واحدة، إني كنت صح، ومش هسمح لظلم حد فيكم بعد كده يخرب أكتر ما هو عمل. زمن السكوت والضعف إللي كنت عايشة فيه ده خلص.
ألقت بقسوة قلبها في وجه والدتها، ثم اندفعت واقفة، ظلت لحظات ترمقها بعينين متحجرتين لا تزرفا الدموع، ثم انطلقت بطاقة غضب عارمة نحو شقتها، تابعت أثرها وعيناها اسودت وكأن الحياة انطفأ ضيها بعد هذه اللحظة، قلبها يخفق بقلق بالغ سائرًا درب التوجس مما سيحدث، يقتله رشقات الخزي من نفسها وما صنعته في الجميع بسكوتها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
<<الوهم أنك تظن أن الأحلام تُنال مجرد الحلم بها ورسمها في خيالك>>
يسير دربه دومًا ما ينتظر الفرص، لذا فكان التأخر حليفه. لم يخلق الفرص بيدي إرادته بل عاش يحلم ويضخ طاقة هائلة في رسم الحلم، أما الفعل فكان خاملًا ينتظر فرصة تحييه. في لامبالاة وكسل اتصف بهم تناقضًا مع فرط حركته، كان يستمع لحديث أخته الواعظ بينما كان منغمسًا في نهم يتناول قطعة الكيك التي أعدتها شقيقته من ساعات، كان بتابع ثرثرتها وهو يلوك الطعام في فمه، مركزًا في حركات وجهها غير أبهًا لعبارات النصح والإرشاد التي تلقيها عليه، كان قد انتهى من مضغ ما بفمه، وما إن ابتلعه، هتف قاطعًا حديثها:
_ قطعة تاني الله يسترك، طعمها خرافي المرة دي مش عارف لي، حاسس إني عاوز أخلص عليها لولا بس كوم الغم ده مش هنا وشافك وأنتِ بتحضريها.
_ "عُمر"!
هتفت بها في غضب بعد أن نفد صبرها، فأردف هو مبتسمًا وكأن شيئًا لم يحدث:
_ عيون "عُمر".
نفخت بقوة مغتاظة من حماقته، تبعت فعلتها بضربة قوية بكفيها على الطاولة قبل أن تهتف بغضب جلي:
_ اسمع! أنا خلقي ضاق بيه خلاص، تسمع الكلام من سكات وإلا!
رفع حابيه وطرف شفته العليا وهو يزدريها:
_ هو أنا عيل صغير معاكي، أي اسمع دي وكلام أي يا أختي ما تفوقي، أنا أخوكي يا بابا!
رفعت حاجبيها وهي تقول باقتضاب:
_ والمعنى؟
_ إنك تحترميني، أي ما فيش ذوق خالص، مش معنى إنك كبيرة يبقى تمارسي سلطتك عليّ.
عقدت حاجبيها بعد ما باح به من غموض، وهتفت متعجبة بضجر:
_ سلطة أي ونيلة أي؟ يا ابني أنتَ مجنون! نصيحتي ليك بكل أدب بتسميها سلطة، أنتَ عقلك في حاجة شكله كده أو اتجنيت!
ضرب بتفكيرها عرض الحائط ما إن أضاف فوق حديثه الغامض وهو يشير نحو قالب الكيك:
_ أيوة يا أختي بتمارسي سلطتك وتقسمي بدون أدنى تساوي وعدالة واديتي نص الصنية للبيه التاني، وأنا أكل قطعة في حجم كف أيدي، عصفور أنا قصادك!
وضعت رأسها على كفها، فلامست جبهتها إياه بينما تسند رسغها على حافة الطاولة، غلبها بلاهته وحماقته واستخفافه بالأمور، لاحظ صمتها على تلك الحالة، فهتف ممازحًا:
_ وده من اي إن شاء الله، العدل تقيل للدرجة دي؟!
رفعت وجهها تنظر له وعلامات الاستسلام تلوح على خلجاتها، رمقته بغلب أم يعاندها طفل شديد العناد وفي النهاية هي المهزومة. نطقت على حالتها المغلوبة عليها الأسى البالغ تحاول مرة أخرى معه:
_ "عُمر" أنا لمّا بنصحك بعمل كده من خوفي عليك، أنتَ أكتر من أخ يا "عُمر"، أنتَ لمَا تكون متورط في مصيبة ولا محتار وتايه بكون أنا الضايعة مش أنتَ بس، ضايعة في هموم أسئلة كتيرة، يا ترى هو أخباره أي، عايش ازاي مع مشاكله، قدر يتغلب عليها، طب هو عاوز مساعدة، أكيد عاوزني جمبه، وبفكر في مشاغلك طول الليل وكأني أم مش بس أخت نفسها تشوف أخوها إللي عاشت طفولته تربيه على إيديها في أحسن حال وباله رايق ومحقق كل إللي نفسه فيه.
عند تلك النبرة الضعيفة كان غائصًا في تفاصيل كلماتها، لم ينكر أنه شعر بلوم في نفسه على جعلها تشكو من بلاهته لهذا الحد، لكنه أصاب سهم من سهام حديثها نفسه فشق شعور بين جنباته كمن إلى صدره، أشواقه المصاحبة لألم الخيبة امتزجا معًا فخرجا في صورة ضحكة ساخرة وهو يهتف في يأس:
_ أحلام! ياااه هو في حد بيأمن بحاجة ذي دي؟
لم ترد عليه، تركته يكمل بعد لحظات صمت جثيم بينهم:
_ يا ما حلمت، ويا ما عافرت، وفي النهاية أي كله صفر، ما تصدقيش الكلام الحمصي ده، أحلام أي وبتاع! الكلام ده تقوليه لعيال توتو عايشة على وهم، مفكرة إنه الحلم ممكن يوم يبقى حقيقة، أما أنا بقى خلاص كبرت من سعة ما أخدت ضربة من الوهم فوقتني!
صدى صوته يتردد في عقلها، نبرته اللامبالية المستهزئة تزيدها دهشة، فيجتمعا الاثنين في صورة همس غرقت تفكر فيه بعجب؛ ألم يكن ذاك المهمل من قبل مؤسس نادي الأحلام بل ورئيسهم، ألم يرسم من قبل خططًا شاركها معها منذ صباه ينع على زرع بزور الحلم؟ إذن فلماذا ينكر الآن كل هذا؟ هل ينسلخ المرء بغتة ليكون عقلًا أخر غير الذي كان من قبل؟ وأي ضربة موجعة وقعت عليه بقوتها فأفاقته مما كان عليه من وهم، هل كان المرء حالمًا طموحًا يعني أنه في حالة وهم؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في شقة《منى》استقرت هي في غرفة المعيشة برفقة زوجة أخيها《أحمد》التي أخذت على محمل نفسها وفوق طاقتها تتكلف بتهدأتها بعد ثورة نزاع حاد نشب بينها وأخواتها الذكور، وفي النهاية كان مع والدتها، وكان أخر جدال أشد وطأة على قلبها من الأخر؛ فوالدتها دومًا ما تخذلها وتقف في صفوف الذكور_كما تعتقد_ خاصة الفتى المدلل الأصغر بينهم. لم يجدي نصحها المتملق بشيء، فزفرت في نهاية المطاف بنفاد صبر:
_ أنا خلاص ضاق خلقي، براحتك يا "منى" أنتِ حرة ما ترجعيش ندمانة بعد كده، اعملي إللي تعمليه أنا بره الموضوع نهائي، سمعتي!
كانت تحدق أمامها بشر بينما تستمع لوعظ واعتراض الأخرى على ما تنوي فعله لتكشف خبيئة الخبيث بينهم للجميع، وتكون هي..هي فحسب على صواب. زاد اعتراض الأخرى الأخير وتخليها عن الأمر من استيائها، فالتفتت ترشقها بغير تصديق وهي تقول باقتضاب:
_ يعني هي بقت كده؟
انتظرت إشارة تنفي بها ما تظن، لكنها خذلتها حين أكدت متخلية عن الأمر تمامًا عازمة على عدم التفتيش في الماضي ولو للحظة:
_ أيوة بقت كده، ما تفكريش يا "منى" إني هرجع لحركات لعب العيال دي تاني، اعتبريني تُبت وبصلح من أخطائي لو مش عاجبك كلامي.
ماذا جرى؟ قائد حركة الانتقام بذاته يقف في منتصف الطريق متراجعًا في استسلام! توبة! ولكن ماذا عما حدث في الماضي جراء ما قادتها لارتكابه بكل شيطانية؟ الآن توبة، وهي ماذا في الحال؟ لم يسعها تفكيرها المصدوم بما حدث للتو أن تتفوه بكلمة، مكثت تقلب موازين الحدث في عقلها بمزيج من المشاعر الغريبة، لم يسبق لها الشعور بها من قبل.
لاحظت الأخرى شرودها، فابتسمت خلسة بانتصار وقد أصاب حديثها الكاذب الهدف وأبعد الأخرى عن مرماها، فهي إن توغلت في البحث أكثر ربما يطولها أذى ما لم تتوقعه، هي تؤمن بشدة بفكرة مفداها<<ما مضى لا يجب أن تُفتح سجلاته اطلاقًا>> وإلا هذا سيلقي بهم في جحيم الدنيا قبل الأخرة!
تركتها في شرودها لمّا تحركت من مجلسها واقفة وقالت قبل رحيلها:
_ أنا هطل على "فوزية" قبل ما أمشي، سلام، ما تنسيش تراجعي حساباتك.
تعظها بمراجعة حساباتها، وهي تسير الطرقات تطوي كل صفحة من سجل حياتها بعد أن تقترف فيه كل ما جال في عقلها من ألواح الخبث والرذيلة، وكأنها لم تفعل شيئًا، إنها لمرأة جبارة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لا تصدق أنها نجت، كادت تفقد حياتها لمّا توقف بها المصعد بغتة محدثًا تصادم قوي تكاد تجزم أن الجميع_وخاصة القابع في شقة "منى"_ قد نال من الرجفة حيال ما حدث. أوت إلى غرفتها أخيرًا بعد معاناة في الهروب من تلك الحمقاء التي كانت أول من أعطى اهتمامًا لأمر الصوت، ربما اطمأنت أن الجميع يشغله نقاش حاد حول أمر السرقة الذي تفشت الفتنة على إثره، لكنها لم تحسب أن الأخرى التي كانت أقرب لها في ذلك الوقت بأنها فضولية لهذه الدرجة، فتاة حمقاء كادت أن تكشف أمرها لولا تدخل شقيقها في اللحظة المناسبة، حينها استطاعت الفرار إلى سطح المنزل.
طُرق باب غرفتها الموصد بإحكام من الداخل بفعلها، فانتفضت على إثر الرجفة لحظتها، تبع الصوت نبرة أحدهم يهتف باسمها عرفته فور سماعه وهو ينادي من خلف الباب:
_ "فوزية"، أنتِ صاحية، لو صاحية افتحي عاوزاكي في موضوع.
انتفضت من مكانها، وأسرعت تدس لفافة من القماش تحوي أوزانًا ثقيلة كانت تمتع عيناها بالنظر إليهم بقلب مفتون بعد أن جربت منهم ما أعجبها على يديها مزينة رسغها بالقليل ولمّا طُرق الباب انتفضت وأسرعت تعيدهم حيث كانوا منذ تواجدهم في غرفتها. أغلقت خزانتها، وتوجهت صوب الباب، وقفت لحظات تعدل من هيئتها وخلجاتها حتى لا ينكشف أمرها، تنهدت بعمق ثم فتحت للطارق.
قابلتها بابتسامة عريضة كشفت الأخرى بين طياتها غموضًا، ارتابت من نظراتها الضبابية لا يتضح منها أي علامة تثير تأكيد ظنونها بأن الأخرى تخبيء عنها شيء، ولجت الغرفة وهي تمشي بعينيها في كل أركانها بينما تقول:
_ أي يا "فوزية" كل ده علشان تفتحي؟
ابتلعت الأخرى لعبها توصد الطريق على نبضاتها التي كادت تكشفها في نبرتها التي تراجعت عن قول شيء لمّا شعرت بأنها ستخرج مرتبكة. تقدمت شقيقتها《سعاد》حتى وقفت على مسافة قليلة منها، نظرت في عينيها وقالت بشكٍ:
_ مش واضح إنك كنتِ نايمة يعني!
للمرة التي لم تعدها لكثرتهم منذ دلوف الأخرى بهيئة المحقق هذه ابتلعت غصتها، لاذت بالصمت للحظات مروا كدهر وهي تنظر في عين الأخرى بثبات مزيف كاد ينكشف قبل أن تتحرك نحو فراشها وتجلس بينما تقول بنبرة جاهدت على ألا تخرج مهزوزة:
_ ءءأبدًا، كنت بس برتب دولابي وفجأة خبطتي، فأخدت وقت عبال ما سيبت إللي في إيدي وفتحت لكِ.
حسنًا هي تلعب معها لعبة الغميضة، إذن فلتجاريها وتشاركها اللعبة. رسمت على وجهها ابتسامة واسعة وهي تقترب منها كي تجلس أمامها على طرف فراشها. تفوهت ممازحة:
_ شكلك ما تغيرتيش يا "زوزة" و لسة على عادتك بتطبقي هدومك عشروميت مرة في الشهر!
نكزت بكفها كتفها بخفة وهي تقول ضاحكة:
_ يخيبك، هو أنتِ لسة فاكرة.
ضحكاتها الخفيفة لم يقطعا الطريق على أذنها لتسمع صوت غريب دخيلًا مع صوت ضحكاتها، تستطيع تميز الأصوات جيدًا هي ليست بلهاء، وهي يقينًا سمعت صوت خشخشة أساور ناتج عن احتكاكهما ببعضهم حول رسغ كف صاحبتهم، تجمدت خلجاتها باختفاء ابتسامتها وعلت محلها تكشيرة مريبة أعادت الاضطراب إلى جنبات الأخرى وهي تراقب نظراتها نحو رسغها الأيمن الذي سرعان ما التقطته يد الأخرى ورفعته في الهواء ليصبح في المنتصف أمام أعينهما، وقالت بخبث:
_ ده أنا فاكرة، فاكرة حجات كتير أوي يا "فوزية".
أجفل قلبها في مأزقها التي وضعت فيه بفعل غباؤها، كيف تنسى خلع أساور الذهب قبل أن تخفي البقية؟ حسنًا هي أخطأت، والآن عليها التبرير. ساد الصمت بينهم على ذات الحال، هي تردد نظرها في توتر بين رسغها المكشوف في الهواء وحوله أحاطت عدة أساور ذهبية ونظرات الأخرى التي تلتهمها بكل وحشية وكأنها هي صاحبتهم! محاولة التفكير للخروج من حصارها دون أي ضير يمسها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
هل ينبغي عليه العودة لمأسي ماضيه كي يثبت أنه على صواب؟ لطالما الأمر حتميًا والمحاولات لا جدوى منها، لماذا يهفو للتصديق بتلك الأفكار المتسللة؟ حسنًا إن توقف عن التفكير فيهم وأمر صواب وخطأ ما يفعل في حياته المعزولة عن الرفقة الونيسة، لربما لم يُفتح باب الماضي مرة أخرى ويتعين عليه تحمل صراع عقلي لا مفر من مخاطره المحتملة عليه.
بعد أن تركهم مودعًا حياة الأنس بالرفقة الطيبة عاد لموضعه السابق في شرفة غرفته على مقعد بها يطل على البحر الساكنة أمواجه، وعاد كل شيء كما السابق حيث عزلته التي فرضها على نفسه بكل وعي. ما أُضيف جديدًا في ذلك المشهد الساكن ظاهريًا فحسب هو انشغاله برفيق اختاره ليقضي معه ليلته الكئيبة تلك؛ في جو هاديء إلا من حفيف النخل الذي تلاطفه نسمات الهواء الرشيقة مد قدميه أمامه لتستقر فوق طاولة خفيضة وعاد بظهره للخلف يريحه مسترخيًا على ظهر الكرسي، وغرق في قراءة كتاب بعمق متخذًا وريقاته وسطوره معزلًا عن حياة الأرق خاصته.
لا يعلم لماذا راحت يداه تنتقي هذا الكتاب_ماجدولين_ بالتحديد، هل تشابه قصته البائسة مع بطل تلك القصة هو محركه الأساسي لكي يأخذه؟ لا يدري، لكنه يكتفي بظنه ميوله لقراءة الأدب الكلاسيكي الرومانسي هو المحرك الرئيسي لاختياره وبعض الكتب غيره القابعة في حقيبته حتى الآن. كان يغوص في سرد بائس على لسان بطل بائس مثله، فرقه الزمن عن حبيبة قلبه الوحيدة، وعاش في البؤس يتجرع كؤوس الألم حتى أخر كلمة في القصة، أوي في سرد كئيب، استشعر كل سطر يصف المأساة حتى توقفت عيناه فجأة عن قراءة اقتباس محدد باللون الرمادي منذ قراءته الأولى له كان مفداه:
< لا صعب في الحياة يا ماجدولين غير الخطوة الأولى، فإذا خطاها المرء هان عليه ما بعدها، فلنهنأ منذ اليوم باللقاء، ولنغتبط بالسعادة التي طالما تمنيناها حتى بلغناها.>
لوهلة نظر بخزي عتيق إلى حياته والتهمته خطوات عدة لم يلتفت لها ولو مرة ليبادر بأخذها فتوقف عن القراءة وشرد مفكرًا فيها...
كم من خطوة أولى عزف عن تخطيها؟
خطوات عدة، كثيرة، عديدة، فلتصفها المفردات حسبما حلت، فالمعنى واحد يتجلى بين طياته حقيقة حتمية، أنه ضعيف!
أغلق الكتاب بغتة لما توتر النزاع داخله ووجه أصابع الاتهام واللوم نحوه، ثم تحرك معتدلًا في جلسته لتصبح قدماه مستقرة على سطح أرضية الشرفة، وألقى بالكتاب فوق الطاولة أمامه بكل إهمال لم يحدوه يومًا. بعمق أطال النظر في موج البحر الساكن أمامه، وبداخله خلخلة لها صدى في أفكاره المؤرقة في تلك اللحظة، لطالما يعرف حقيقة ما حدث، وأنه في كل خطوة كان يتجنب الأذى فحسب، فلماذا يخنقه هذا اللوم، أهل له يد في خسارة كل شيء في حياته وأهمها علاقة عذبة ود يومًا لو تكتمل رسميًا؟
زفر في قوة، الأسئلة تتوالى دون توقف، وقلبه يشوبه مزيجًا من الألم حيال خزي ما مدفون تحت أنقاضه وندم يعصره على ضياع الفرص، لم يتحمل ذلك الهراء الذي لم يدرك عمق مكمنه الحقيقي ومن أي جرح في نفسه خرج، لذا فلم يجد بُدًا من الفرار للنوم وفصل وصلة الأفكار المتدفقة عبره، فتحرك نحو فراشه ليغوص في نوم عميق آملًا أن ينسى كل شيء ويبدأ من جديد بعيدًا عن حياة البؤس الملعونة تلك.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
جلست شاخصة بصرها كمن أصابه الزهول للتو وهي غارقة في دوامة صدمة لم تفق من أثارها بعد، منذ أن عادت وصديقتها من الخارج وهي على ذات الحال؛ تجلس في غرفتها ترمق اللاشيء أمامها، لا تفعل شيء سوى التحديق بعمق غارقة في تفاصيل ما حدث وقلبها يعزف ترنيمة مزعجة تصيبها بنغزات مؤلمة.
ولجت والدتها للمرة الثانية لتتفاجأ بأنها على نفس الحالة منذ أن تركتها في أول مرة أتت فيها لتطئن عليها وما أحوالها في ظنها ستروي لها ما حدث بالخارج وكيف تمتعت قليلًا بالتنزه مع صديقتها الذي نادرًا ما تمارسه، لكنها_وهذا أحد أسباب استغرابها_ لم تحكي بكلمة واحدة معها منذ عودتها، في أول مرة ظنت أنها تريد بعض الراحة وتركتها وراحتها، لكن هذه المرة وأمارات الشرود الغير معهوده به دبا في قلبها دبيب القلق، فاقتربت منها تسأل بعد أن جلست على طرف الفراش جوارها:
_ فيكِ أي يا حبيبتي؟ من سعة ما رجعتي وأنتِ على نفس الحال!
تبعت حديثها بمحاوطة ذراعها لكتفي الأخرى لمّا أضاف صمتها وعيناها المبرقتين في الفراغ أمامها مزيدًا من القلق لقلبها، ثم هتفت بخوف تكاد عيناها تنطق به إن تركت العنان لهما كي يفصحا:
_ في أي يا "آية" خوفتيني عليكِ يا بنتي، مالك طمنيني؟
كانت تعي بكلماتها بوعي غير كمال، ولمّا اقتربت منها أكثر ولمساتها وهمساتها الخائفة انتشلاها من الغرق في تلك الدوامة عادت إليها الكلمات وبدأت ترتيب ما تيسر وجال في عقلها بتلك اللحظة أخرجته بفتور:
_ ماما سيبيني أنام، وبكرة نتكلم، معلش.
قرأت في عينيها غير ذلك، عيونها تستغيث، تطالب بالنجاة من شيء مخيف يطاردها هي لا تعرفه، لكنها قرأته في عيون ابنتها، كادت أن ترغمها على الحديث وقول ما حدث إن كان، لولا علامات الإرهاق البارزة على وجهها جعلتها تتراجع عن الأمر. أومأت لها بنعم، ثم رحلت بعد أن دثرتها بالغطاء ولثمت قبلة حانية فوق جبينها.
في الخارج، وبالتحديد في غرفة المعيشة، جلست في انتظار ابنها من الخارج كي تنام مطمئنة بأن جميع فلذات أكبادها في سلام حولها يحويهم جدران الأمان، وبينما هي كذلك صدح هاتفها المجاور لها على الأريكة برقم عرفت هوية صاحبه مما دفعها تجيب بسرعة ودون سماح للمتصل بالمبادرة بحديثه سألت بغتة:
_ أي إللي حصل يا "حور" في الخروجة، "آية" من سعة ما رجعت وهي ساكتة!
سمعت تنهيدة ثقيلة عبر سماعة هاتفها بدرت عن الأخرى التي وقفت في غرفتها حائرة، يرشقها الندم من كل جهة على ما فعلت وتسرعت فيه، كانت تعض على طرفي شفتها السفلية في حالة من التوتر الكبير أصابها بالخرس فلم تعرف كيف تروي القصة كاملة وبأي طريقة ملائمة في حالتها تلك.
ظنت والدة صديقتها أن الأخرى انعدم الاتصال لديها، فهتفت في تعجب:
_ "حور"!
أعادها الصوت من شرودها، لكنه لم يُحل أمرها بعد، في لحظات التوتر لم تعرف كيف تدير أمورها بشكل صائب، غالبًا ما تتهور، وهذا بالضبط ما حدث وهتفت حينها دون سابق ترتيب لما ستقوله:
_ هي مصدومة وأنا السبب، يا ريتني ما أخدتها هناك، آسفة يا طنط ما كنش قصدي والله المشكلة تكبر بالشكل ده...
انقطع حديثها بغتة لما أدركت خطأ ما ارتكبت، وبعدما كانت عازمة على الخروج من مأزقها، ولجت وبكل بلاهة مأزق أعتى مما سبق وسعت للتحرر منه ببلاهة، ساد الصمت بينهم، والصدمة تدب أوصال كلايهما بدرجات تتفاوت مع مدى قوة الموقف.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتظرته طويلًا في شقة جدتها التي انفك عنها الحظر ما إن انتهى اجتماع كبار أفراد العائلة منذ ساعات لكنه لم يأتي، شغل عقلها بكلام غامض يخبء في جوفه شيء مهم يبغى الحديث معها عنه لطالما عزم على مقابلتها بعد رجوعه والحديث معها، وظلت طوال فترة انتظارها مشغولة في معرفة عما يريد شقيقها الحديث معها وبتلك الضرورة التي جعلته لا ينتظر لغد مثلًا.
أصابها الملل في خضم السكون المطبق الجاثم على ذرات الهواء حولها؛ فالجميع ذهب وتركها برفقة جدتها التي تركتها منذ دقائق بسيطة واتجهت نحو غرفتها تؤدي صلاة العشاء التي تأخرت في تأديتها، سرى توتر في جنباتها وضيق طفيف لمَّا ذكَّرتها جدتها بالصلاة لم تستطع إخماده، وظلت أسيرة لوهن تعاظم في نفسها حتى أصابها الغم!
قررت الهروب من ذلك الشعور، فتحركت متخلية عن فضولها في معرفة ذلك الموضوع الذي يود الأخر الحديث معها فيه، وعزمت على اللجوء إلى النوم، وقبل رحيلها إلى شقتهم توجهت صوب غرفة جدتها تلقي السلام عليها قبل الرحيل وتخبرها بأنها ذاهبة، سارت الخطوات بهدوء حتى وصلت إلى غرفتها، كان ما تخيلته في عقلها من احتمالات هو وجودها في مكان صلاتها تدعو كعادتها بعد كل صلاة، لكن ما تفاجأت به هو وجودها فوق الفراش، والأمر المريب الذي تسابقت وثباتها لمجرد التفكير فيه هو رؤيتها ملقاة بعبث فوق الفراش؛ حيث تسطحت في منتصف عرضه كجثة تلقت رصاصة قاتلة فسقطت صريعة وأطرافها في كل اتجاه بعبث.
وضعت يداها على صدرها تعاين نبضاته، وفي الحقيقة كانت تخفض من ضربها على جدران صدرها، واقتربت في وجل وقدماها ترتعشان، وجسدها بالكامل أيضًا بما فيه كفها الذي قربته من ذراع الأخرى المثني فوق صدرها تهزها بينما تخرج حروفها بتقطع:
_ ت..تتيتا..تتيتا!
لم تجيب وهي التي اتصفت بخفة نومها من أقل صوت تستيقظ مفزوعة، أصابتها الصدمة بهلع سرعان ما تجسد في صورة دموع منهمرة صارخة باسمها في حرقة كمن فقد أعز القلوب في حياته، ورحل تاركًا قلبه وحيدًا ينعي غيابه الأبدي!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman