بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_السابع_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
فصول الحياة أربعة، شتاء، ربيع، صيف، خريف، هكذا في رتابة تعاقبهم، لا فصل يتأخر عن موعده، ولا أخر يسبق غيره، فلماذا تبدل الحال غير الحال، والجو غير الجو، والفصل غير الفصل، أيمكن أن يأتي فصل قبل أخر؟ أم أنها تتوهم!
هكذا كانت تفكر وهي تستشعر بغرابة تلك البرودة السارية في أطراف جسدها وقاربت على أن تطوله كله، هذا ليس توهم أبدًا، هناك فصل اندثر كان لا بد أن يعقب صيف حياتها وهو الخريف، كيف حل الشتاء إذن؟!
زادت البرودة شدتها، وشعرت وكأن جسدها تسمر تجمدًا من شدة الجليد المنهمر نحوها، حين عاد يقترب منها بعد أن كان أمام باب بناية العمارة من الخارج، كان يزرع الممشى ذهابًا وإيابًا محاولًا الاتصال بشقيقها الذي تأخر على موعد مجيئه ليأخذها بعد عمله كما علم ذلك منها حينما سألها في مرة من مرات إيابه ليطمئن بعين قلبه أنها في الداخل تستقر بسلام ولم تحل عليها نوبة تفقدها وعيها.
بعد دلوفه من البوابة الحديدية، وقف قبالتها على بُعد مسافة وفيرة غير مضايقة لها ولا هو، وابتدأ حديثه عن أمر شقيقها محاولًا إزالة غيمة توتر بدأت تتكاثف على ملامح وجهها:
_ أنا اتصلت عليه كتير ومش بيرد، وبما إنه في الشغل زي ما قولتي من شوية، فاحتمال كبير اتشغل وملاحظش تلفونه، فمتقلقيش هو أكيد هيرن يطمن.
لم يعيد عرضه السابق حين عرض عليها أن يوصلها، لكنها أبت بصمت ودون حراك، كعلامة على الرفض بديلة لحديثها المبلوع في جوفها كالعادة، فسَّر ذلك على أنها ربما قلقة أو خجولة، فتركها على راحتها ولكن لم يفارق المكان منذ تلك اللحظة ومكث برفقتها. شق الصمت الهادىء بينهم صوت رنين هاتفه فأسرع مبتعدًا عنها يجيب على المتصل...
_ طب الحمد لله إنك هناك و معاها في الوقت ده، خوفت تقلق وتصاب بنوبتها المعتادة، أستسمحك بس توصلها يا "يحيى" لأني مش هقدر أجي دلوقتي خالص.
كان صوته قلق، رغم مواراة ذلك خلف نبرة جادة تلقائية، التمس هسيس قلقه فأراد الإطمئنان:
_ "وسام" أنتَ بخير! لو في مشكلة معاك قولي.
أسرع ليغلق المكالمة دون تفسير :
_ بعدين هقولك، بس بخير اطمن، وصلها دلوقتي علشان بابا ما يقلقش، واتصل بيَّ بعد كده ممكن أبقى عاوزك!.
أغلق معه، ومكث واقفًا للحظات حائرًا في أمره، ما الذي شغله وأقلقه؟ حتى أنه لشروده لحظات لم يلحظ ذلك الشاب في عمره الذي دلف من بوابة البناية الحديدية!........
اقترب منها ذلك الشاب القانط بتلك العمارة، وعلى وجهه أمارات التعجب، كانت تقف ترزع نظرها أرضًا، تفرك كفيها في توتر وبالها مشغول بتأخر شقيقها، جال بعقلها سيناريوهات خطيرة قد تكون أحلت به وأصابته، ففزع قلبها قلقًا ورددت اسم المولى تدعوه بالستر، لم تلحظ اقتراب ذلك الذي تعلوا وجهه ابتسامة خبث ما إن حل ضعفها في نفسه محلًا بليغًا استحال إلى قوة وتمرد..
_ هو العسل واقف لوحدة لي.
شقت قلبها وثبة فزع ما إن وصلها صوته وشعرت بحرارة وجوده بالقرب منها، اختناق بدأ يراودها، اضطراب أحدث جلبة في نفسها وأعماقها تجلت على قشرة هيئتها المتزبزبة إثر مخاوف لديها تضخمت، ووقفت متعرقة الجبهة لا تقوى على الحراك هاربة!
_ لو محتاجة مساعدة أنا في الخدمة.
_ لأ مش محتاجة أي مساعدة، أنا هنا معاها.
أيمكن لكلمة أن تبثها أمان كان عنها غائبًا، فتنتشلها من بين أنياب قلقها المفترس لمعنى ذلك الشعور؟! تشبثت بأمانها الوحيد في تلك اللحظة الخالية من أي مصدر له سواه، لا تعلم لماذا هرولت روحها نحوه تستنجده ودقاتها تهتف بأن يكون جوارها! في تلك اللحظة اقتربت منه تتوارى خلفه بعد أن وقف يفصل بينها وبين ذلك الشاب الذي كاد أن يقترب منها بحد كبير لولا دلوفه في اللحظة المناسبة.
_ أ..أنا أسف، كنت فاكرها يعني لوحدها ومحتاجة أي مساعدة، أنا أسف.
لم يترك له مجال للرد عليه، فقد هرول دالفًا المصعد واختفى في لحظات من أمامهم.
التفت يلقي نظرة مطمئنًا على حالتها، فتأخر شقيقها، ومضايقة ذلك الوغد لها، من المؤكد قد أثروا الخوف والقلق في جبعتها. كانت تلتقط أنفاسها ببطء ملحوظ، تحاول السيطرة على سرعة دقاتها المتواثبة حتى لا ينفضح أمرها بوقوعها صريعة تلك النوبة المزعجة، بالضبط كما اعتادت منذ صغرها على كتم دموعها، بل وكل مشاعر مختلفة وها هي الآن كبرت على نفس العادة، تشعر وكأن ذلك ازعاج لمن حولها قبلها، فيراودها الخجل!
لاحظ هو اضطراب خلجاتها، وخاصة حين فشلت في مواراة حقيقة حالتها، فتزايدت وتيرتها، مما جعله يتدخل على الفور بقوله:
_ أنتِ بخير!
أومأت بنعم زائفة، بدا وكأنها تحاول إخفاء حالتها المضطربة عنه، ولكن لماذا؟ شعر بمجاهدتها الغير مجدية، فنطق بهدوء يخرجها من تلك الحالة المزرية:
_ حاولي تاخدي نفس بالراحة، خرجي مشاعرك السلبية، ما تكتميهاش، كل ما هتعملي كده هتزيد من سوء حالتك.
استرع انتباهها حديثه النافذ لجدران عقلها دون استئذان، هي حقًا تكتم كل مشاعر لديها، تحاول موارة حالتها السيئة تلك خاصة عن أعين الجميع خشية التعنيف والعيبة التي ستلازمها، فكيف فهم ذلك؟ تراه فهم أيضًا سبب إخفائها؟
اتبعت حديثه بتلقائية من دون تفكير، وكأن كلماته دلفت عقلها وغيرت ما به من إعدادت معقدة، وانصاغ على مهد أخر اتباعًا لأعدادت جديدة، في تلك المرة حاولت تقبل مشاعرها وحالتها التي تنزعج منها وترفضها بشدة، رأت في نفسه قبول فقبلت، وفي نبرته الهادئة رضى فرضيت، تراه يقبلها كما هي بجُل عيوبها ما علم منها وما لم يعلم؟!
لحظة، إثنان، ثلاثة_تعدت البضع ثوان_ وكانت قد وطأت حالتها سبيل الراحة وطبيعتها المفطورة عليها، كفَّت دقاتها عن الوثوب بشدة، وبقي أثر وثوب خفي يبث في جنباتها شعورٌ مذاقه حلو، ما تلك الحالة المبعثرة التي هي عليها!
ولما هدأت واطمأن عليها تنهد براحة ثم أخبرها:
_ "وسام" شكله مشغول ومش هيقدر يجي يوصلك، وده إللي فهمته من كلامه من شوية لما رجع اتصل بيَّ، وطلب مني أوصلك، ممكن تتفضلي.
أشار بكفه يستأذنها للخروج معه، ثم تحرك لمَّا وجد القبول منها على طلبه، ليسبقها يهيء السيارة للتحرك، أما هي فتساءلات والقلب يفتش عن إجابة لها، تُرى ما الذي جعلكِ أيتها المضغة النابضة أن تتحركِ من دون نقاش مع العقل، هو يبث إشاراته المقلقة وأنتِ تسيرين درب رسمه وقلقه لكِ، ءأصبحتِ ساكنة مطمئنة الآن؟! أم ذلك هدوء ما قبل عاصفة تستعد للهجوم؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يزرع البهو ذهابًا وإيابًا، بالقرب من غرفة مختبر في المشفى التي نقلت إليها الضحية التي يود لو يطمئن عليها، ترى هل الإصابة خطرة وعادت لوعيها؟أم أنها على وشك مفارقة الحياة بعد ما رأته عيناه من دماء تسيل حوله على الرصيف كان مصدرها رأسه! فزع لمجرد تخيل ذلك السيناريو، سيسجن حتى يتعفن في الظلام، وكل هذا نتيجة غبائه وتهوره، ما كان له أن يسمع لهمس عقله الأبله ويثبت لهم بطيش أنه بارع في القيادة وبسرعة، ندم، وهل يفيد الندم في شيء بعد حلول الكارثة؟!
توقف عن الحركة بالقرب من الأخر الذي اقترب منه متخطيًا تلك المسافة الفارغة بينهم، فقد كان في بهو الطرقة بالقرب من غرفة المختبر من الخارج يرافقه شرطيان بالقرب منه كما أتتهم الأوامر، فهو تحت المراقبة الآن!
_ متقلقش هتتحل بإذن الله، ويخرج المصاب بالسلامة.
قالها《وسام》بثبات مواريًا قلقه، فهو معتاد على أن يواجه مواقفه بقوة ليحل الأمر من دون أن يجعل من الفزع أنيابًا تفترسه، فيصير ضحية أخرى لمصيبة أخرى! ولهذا السبب كان أول من ذهبت أنامله باحثة عن اسمه بفزع ليكون بجواره طالبًا العون والنجدة، وليس توأمه ذو الطبع الغاضب والمفزع، وربما يؤول لارتكاب سلوك متهور تتضرر نتيجته نفسه!
شرد في ما قص على الأخر في الطريق بينما في ذهابه إليه، اعترف بأنه زاد معدل السرعة أكثر مما هو ملزم بها ونص عليها قانون المرور، وفي اللحظة التي شلت حركته، ووقف مصدومًا يراقب دماء الضحية والناس حولها وأصدقائه أيضًا يطمئنون على نبضه، أسرع صديقه المقرب يطلب منه على عجل أن ينقله معه بسيارته لأقرب مشفى، لكنه لم يستجب، والصدمة جعلته أخرس لا يجيد حتى الهتاف، لم تنشط الحياة في جسده من جديد إلا بوصول سيارة الإسعاف لتنقل المصاب إلى المشفى، وأسرع يخبر《وسام》بينما يستعد لملاقاة الشرطة والتحقيق معه وأخذ إفاداته والشهود في موقع الحادث، والتي أخذت تلك العملية دقائق أقل من ساعة تقريبًا، أحيل بعدها المتهم بأمر من ضابط الشرطة إلى المشفى وبرفقة ضباط في وضع مراقبة له، كي يتم إجراء تحليل الدم للتأكد من وجد أثر لمخدر يتعاطاه من عدمه.
كسر الصمت البهيم بينهم، صوت الممرضة التي اقتربت منه برفقة ضابط الشرطة، والتي طلبت منه:
_ لو سمحت ممكن تتفضل معايا.
تفهم《وسام》سبب طلبها، فتلك إحدى خطوات التحقيق، تحرك أمام مرأه《عُمر》في ثبات كاذب، يواري خلفه خلعة قلب راجفة من أهوال الأحداث المتتابعة عليه، اختفى أثره من أمامه ليُستكمل درب التحقيق في حالته.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانت تعبث متوترة بأناملها في ورقة ملصقة على زجاجة مياه ابتاعها لها الأخر بعد ترجلها السيارة في محاولة منه ليخفف عنها وتيرة حالتها السابقة ببضع قطرات من الماء، تُرى هل يرمقها بعينيه النافذتين عبر مرآة انعكست عليها صفحة وجهها المرهق الخجول!..لا، لا تعتقد، هي لم ترى منه فعلًا كهذا من قبل، دائمًا ما كان ينحي بصره عنها، لم يثبته على صفحة وجهها سوى مرة واحدة وهي تلك المقابلة الأولى بينهم، ثم إنها لا يجب أن تنصاغ وراء فكرة سلبية وتظن فيه سوءًا من دون دليل.
هكذا انشغل عقلها بالتفكير وهي تراقب الطريق من وراء زجاج السيارة المحدقة به، تحاول تشتيت أفكارها وقذف عقلها في بحر التأمل خشية من أن تطوله زوابيع القلق، لكنها لم تشعر حتى ببوادر عاصفة مقلقة كالعادة!
تلك الدقات الناعمة المنعشة لروحه ما إن ترافق روحها ستفضحه، هو يحاربها بالصمت القاتل بينهم حتى أنه لم يخرج ما بجبعته من حديث أراد أن يقتل الصمت بينهم حتى الوصول لوجهتهم، لكنه أبى، وجد في ذلك بابًا سينفتح ويُوقع بنفسه ساهيًا خاطئًا فينكشف على حركاته وإماءاته وحديثه إعجابه بها_ أو بداية حب كما يعتقد_ ....
هذا ليس ضعف منه، لكنه يعلم تمامًا أبواب نفسه وشهواتها متى وكيف تنفتح فيقطع كل طريق مؤدي إلى ذلك، ويمنع أي تيار يُحدثه، فالمرأ منا يجب أن يكون ملمًا بنفسه وجوانب ضعفها وكيف يغلق منافذ الطرق المؤدية إلى جعلها تطأ بوابة الخطأ، كما أنه يحافظ تمام الحفظ على تلك النعمة وبجم إرادته حتى لا يخسرها، كانت رغبته في أن يثب قلبه لروحٍ تشبهه، وتشبه خيال في عقله _إلى حد ما_ رسمه، فينعم بنعمة الحب، فكم هي من أجلِّ النعم كما يلقن.
لربما تلك الفتاة المتسببة في تلك الوثبات المريحة الناعمة في قلبه، هي من أراد بها المولى أن تكون دعوته المستجابة، وهذا ما شعره وأحس به قلبه وبصيرته أكدت ذلك، حتى أنه يرى الأمور تتيسر لهم وجنبات روحه مرتاحة هانئة بفكرة ارتباطهما..
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
البحر في عرف أمواجه عاتية، مهما كان تباين شدتها، إلا أن جميعها يبدي حقيقة واحدة، وهي اضطراب، فالحركة تقدمًا وابتعادًا، ما هي إلا نتاج لمعارك في خضم البحر تُخاض، تظل على حالها تبدي بصيصًا من معاركها الخفية في صورة أمواج قليلة الشدة، حتى يحين موعد الإعلان كاملة عن ما يدور في خضمه، بحلول حدث غير مجرى معاركه، مخرجًا جُل إضراباته على هيئة موجة شديدة العتو، تُغرق كل ما حولها يحيط، حتى البحر نفسه يغوص في أعماقه!
هل حان وقت الغوص في أعماقها؟ لا، لا، يكفي مبالغة في الأمر من الأساس، أجل موجة حزن معتادة بسبب طبيعته التي اعتادتها، ولكن ليس بالقدر الذي يجعلها تشق صدعًا في نفسها فيغير مجرى سريان أمواجها في التقدم بلابمالاة لحزنها، والتأخر ما إن تغوص في أعماقها المظلمة!..فبعد كل هذه السنوات عشرة معه، يأتي هذا الموقف الصغير ليحدث صدعًا خفيًا في نفسها تتسرب منه الأعاصير القاتلة!
قامت من مكانها المعتاد قضاء بعض وقت فراغها فيه وحيدة، كان هو عادة ما يشاركها الوقت تسامرًا بالأحاديث عن معضلاته تارة، وأخرى عن أمور متباينة تخص حياتهم الأسرية، فهو في العادة ذلك الوقت يقضيه إما برفقة أشقائه يتبادلون أراء وأحاديث تباينت مواضيعها، اجتماعية، أسرية، سياسية، أو تخص العمل، أو برفقتها وهذا قليلًا.
انتقلت حيث غرفتها، قررت الهروب بالنوم، لا مفر لغيره، فعقلها على وشك إغراقها في دوامة هموم وزوابيع أحداث ماضية شقت الحزن في صدرها طوال سنين جمة ولا أحد يعلم!..غير مدركة أن النوم فرصة قُدمت على طبق من ذهب لعقلها اللاواعي ليأخذها في جولات شتى بين محطات مشاعرها المتوارية، يعرفها من جديد على كل حدث ترك أثر الحزن قابعًا على قلبها المتظاهر بالسلام أمام الجميع.
صوت طرقات خفيفة أوقفت حركة يداها عن ترتيب الغطاء قبل أن تسدله عليها ليحيل بينها وبين الواقع فتنام بسلام!..يليها صوت حركة مقبض الباب الذي فُتح وطل منه زوجها، رأته وتبدل حالها، تصنعت الحالة الطبيعية المعهودة، وكأن لم يمسسها حزن، وسألته وهي تطالع علامات التوتر والاستفهام تعلو وجهه:
_ في حاجة يا "أمجد"؟!
نفى برأسه وهو يدلف الغرفة ويغلق الباب خلفه، ثم جلس على أقرب مقعد وجده كما المكان المعهود في غرفة نومهم، ونفض رأسه من زوابيع أفكار أقلقته، وأخبرها ببوادر غضب في نبرته بعد تنهيدة قصيرة:
_ مافيش، بس العيال اتأخروا كتير، "وسام" قالي بالظبط امتى بتخلص الجلسة وامتى هيكون هنا هو وهي، عدت ساعتين وما حدش شرف منهم.
فهمت أنه قلق عليهم، كالعادة يعبر عن أي مشاعر مختلفة لديه بطبع واحد وهو الغضب، وكأنه يرفضها جمة وأن تظهر عليه، ثابتًا على ثوب واحد لا يحب_ وربما يخشى_ تغيره، أو ظهوره بشكل جديد في ثياب مختلفة!
_ ما تقلقش أكيد "سحر" وبناتها مسكوا فيهم علشان يقضوا شوية وقت معاها، تلاقيهم خلاص على وصول.
إيماءة برأسه اكتفت أن تبديه في موضع هدوئه، بعد تخفيف لوتيرة قلقه، لأجل ذلك الإنشغال المقلق عليها_ابنته_، لأجل ذلك الانزعاج الذي يكرهه، يفضل دائمًا أن تبقى قريبة منه، في البيت حدودها فقط، وهذا ما اعتاد على جعلها تناسق وراءه طاعة، حتى طالها منه زوابيع قلق مغلف في الغضب والأوامر والسلبية في حديثه، وظلت بين براثن اضطرابها أسيرة.
أراحته كلماتها، أنارت في عقله شيء من الهدوء المُسكت لجلبته، كما تفعل في العادة، دومًا ما كان يأتي إليها بأفكاره وجلبته مشاركًا إياها ذلك في صورة غضب أو انزعاج خفيف هي تفهمه_ أو فهمته بالاعتياد على شخصه_ ثم يخرج من تلك الجلسة الشافية براحة بعد أن وُضع على بداية طريق الفهم لعبث عقله المُغضب، أما هي فتعود بعد مساعدته بحديثها الطيب صفر اليدين من أي كلمة طيبة يبادلها إياها، أو ابتسامة حانية تُطمئن ثناياها، فقط ما كانت سوى الطرف المساعد والمضحي بجم طاقتها في حل المشكلات، أما هو فكان المتلقي فقط من دون عطاء.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
دقائق بسيطة متبقية على انتهاء الحرب بينه وبين نفسه في منع عيونه تنجرف وراء نداءات وثباته الملحة كي يرمقها ويروي ظمأها ببعد صورتها عنه، وينتعش برؤية صفحة وجهها الهاديء مثلها.
عادت من غوصها في بحر تأملها محركة كفها تفتح زجاجة المياه ترتشف القليل وقد شعرت بصعوبة ابتلاع غصتها، إن لم يكن مشاعرها!..وخلال ذلك شق صوت رنين هاتفها الصمت المطبق، ففزعت مبدية بجسدها حركة مضطربة وقعت على إثرها الزجاجة وانسكبت المياه، رأها، لا بد أنه رأى اضطرابها ورجفتها الغير مبررة من مجرد رنة هاتف، تراه يسخر الآن من تلك الغرابة والخطأ المخجل الحادث بسببها!
نفى كل ما يجول بعقلها يجعل توترها تتزايد حدته بقوله بعد أن عاد ببصره على الطريق:
_ محصلش حاجة، بسيطة، شوفي مين بيتصل جايز يكون حد عاوز يطمن من أسرتك.
حركت رأسها بنعم مصدقة على حديثه، ما إن انتابتها فكرة الاطمئنان خاصة أنها تأخرت كثيرًا وذلك ما يثير إلا الجلبة والقلق في بيتها، بالأخص والدها!
_ أيوة يا بابا، قربنا نوصل، ف..في الطريق.
هكذا طمأنته ما إن أجابت، ولحظة وكانت أغلقت بعده، اختلطت مشاعرها، شعرت بحالة من الإبهام وعدم الفهم لتلك العاصفة التي تشعر بقدومها، لما كل هذا الخوف؟ لما هذا الوجع الساري في أحشائها، أهل كان ذلك سببه حديث والدها معها، ما الخطأ في ذلك؟..الغريب أنه اتصل بها مخصوص ليطمئن!..كان من المفترض أن يتصل بشقيقها، ما الذي تغير في الأمر؟!
لحظات تجمعت خيوط أفكارها بعقلها وبدأت تسترسل في إجابات لكل سؤال، هو لم يتصل بشقيقها لأنه ليس معها، فكيف سيعلم أين هم الأن!..مهلًا، أهل لديه علم أنها مع شخص أخر بمفردها غريب عنها، أهل أخبره《وسام》بذلك؟
دقات قلبها زاد معدل سرعتها، ومسحت على جبهتها لتجد العرق تندى عليه، هي الآن تعلم إلى ماذا ينذر ذلك، تحاول أخذ أنفاسها بعمق حتى لا تنتكس بينما هي تردد في عقلها وهي تتخيل نفس المشهد الماضي أمام عينيها....لا، لا تظن بل وتتمنى ألا يعود ويظن فيها بغضب ذلك الظن السيء مجددًا! فتعود على إثره بصفعة ألم!
لاحظ هو تغيرها عبر المرآة التي يردد نظره عليها بين الحين والأخر في اللحظات الأخيرة بعد حدوث اضطرابها، وقد اقترب جدًا من مقر منزلها، وقبل أن يثني اتجاه سيارتها دالفًا الشارع القابع به بناية بيتها، سألها باهتمام عاقدًا حاجبيه بشكل خفيف:
_ أنسة "حياة" أنتِ بخير؟..في أي مشكلة معاكي؟!
لم تجيبه وهي المنغمسة في وادٍ غير واديه، تعيش أحداث سابقة بنفس المشاعر والاضطراب، ولما لم يجد منها ردًا أراد انتشالها من تلك الحالة المتوقع حدوثها، ولا يعلم تلك المرة سببها!، فقال ما إن توقفت السيارة بالقرب من البناية:
_ اطمني، كل الأمور هتكون بخير بإذن الله، واحنا أهو خلاص وصلنا.
ثم تناول زجاجة مياه تخصه ابتاعها لنفسه معها لكنه لم يرتشف منها قطرة، ثم التفت نصف التفاتة بجسده ومد كفه بها لها وقال:
_ اتفضلي اشربي مياه، حاولي تشتتي أي حاجة بتقلقك بأي طريقة.
تناولتها منه، كانت في أمس الحاجة لما يخرجها من براثن الماضي ومشهده الخاشية تكراره وعواقبه، ارتشفت الكثير على فترات متقطعة، غير منتبهة ولا هو تلك العيون التي مرت بجوارهم ولاحظت مشهدهم بعمق.
هدأت إلى حد ما_فالأثر لا يُزال بسهولة_ وبدأت نبضاتها في الانتظام وهي تستمع لحديثه الهادىء بنبرته الرخيمة:
_ كتير جدًا في حياتنا بنقابل مخاوف مقلقة تثير هدوء عقولنا، وبتختلف درجات تأثرنا من شخص للتاني، وسعتها الإنسان مش مطالب منه غير إنه يحاول على قد ما يقدر يحارب جيوش قلقة بذكر المؤمن، هو وحده القادر على أن يؤمن قلوبنا وعقولنا من كل فزع.
سكت ثم أضاف بعد تنهيدة عميقة لم تشعر بها:
_ أنا مش عارف أي سبب خوف حضرتك، وأتمنى زواله في كل مرة يراودك، ورغم إني مش عارف درجة صعوبة مواقفك المقلقة، بس هقول إنه محاولة انشغالك بذكر المؤمن ممكن تكون النجاة الوحيدة، فهو من يملك القلوب وقادرٌ على تقلبها كيف يشاء، أتمنى أشوف حضرتك بخير وأفضل حال، ألف سلامة.
كان لحديثه ومساعدته المغلفة بالنصح وقع الهدوء على نفسها، أنستها تلك النوبة المقلقة من الأساس، شعرت وكأن شلال من الراحة انهمر فوق حمم بركانية مقذوفة من جوفها أحرقتها، فهمد كل شيء، وانطفأ نار احتراقها النفسي نتاج بؤرة قلقها القاذفة لحممه عليها.
استطاع أن يلهيها بحديثه عن أفكار مقلقة لا يعلم ماهيتها، شعرت وكأنه يفهمها، يفهم بعثرة في نفسها تسببت فيها حالتها القلقة، ولكن هناك شيء عجيب، كيف عرف كل هذا عنها بذلك الوقت القصير؟ ثم أنها لم تخبره عن نفسها سوى اسمها! فكيف علم بتلك المعلومات العميقة؟ حتى..حتى أنها لم تخبره عن ما تعانيه نفسها، يا الهول، كيف تنسى في كل مرة شيء مهم كهذا؟!
فزعت نفسها بمجرد تذكرها أمر مرضها، هي الآن تكذب عليه، تخدعه، لا تحب أن يحدث ذلك، يجب أن تخبره على الفور بأمر علاجها النفسي، حتى وإن كان ذلك يجعلها تواجه جيوش قلقها القوية، وقبل أن تتفوه بحرف وهي تتهيء في نفسها لذلك، أبصرته من وراء زجاج السيارة الأمامي يقترب منهم الإثنين وعلامات التعجب والدهشة تعلو ملامحه، فوثب قلبها مجددًا، وكأنه يمسكهم بالجرم المشهود!
خرج《يحيى》من السيارة، واقترب مرحبًا به بابتسامة قبول وهو يصافحه، ووقف معه لحظات يتناول بعض الأحاديث يخبره بموقفه ولماذا أتى هو بها بدلًا من أخيها، لاحظت ذلك بينما تعد على أصابعها بتوتر، تخرج، لا تخرج، تخرج، لا تخرج...وكأن عدم خروجها سيمنع حدوث ما تخشاه، فهي أين ستذهب سوى لبيتها، لذا فلا حل سوى المواجهة، أخذت نفس عميق، دعت الله كثيرًا حتى كادت أن تزرف عيونها دمعًا، وتوسلت له باسمه المؤمن أن يؤمن قلبها، وخرجت لتقترب منهم.
_ بما إنك جيت هنا، يبقى تكمل خطواتك وتشرفنا على العشاء.
وصلتها جملته الأخيرة ما إن توقفت بوجل خلف《يحيى》الذي أكمل متأسفًا:
_ مقدرش والله أنا آسف، عندي كمان كم مشوار مهمين، مرة تاني بإذن الله.
لم يريد أن يضغط عليه ثانية، فحرك رأسه بتفهم بينما يبتسم له بالترحيب مرة أخرى، وأثناء مصافحته وقع بصره عليها تقف خلفه ترمق الأرض كعادتها، تعجب من ذلك!..حتى هي تساءلت ما إن أدركت الأمر، كيف ثبتت قدماها في ذلك المكان خلفه متوارية عن نظرات الأخر؟!...أيمكن أن تكون قدماها تشعر وتفهم بما لا يفهمه عقلها عن تلك الوثبات المختلفة في جواره، فاعتادت عليها واستساغتها قبولًا وعزمت على ألا تتسبب في زوالها نهائي؟!
ولمَّا أدركت الأمر كان هو قد التفت متفاجئًا بها خلفه، فألقى ابتسامته الهادئة بينما هو يبعد بصره عنها ويودعها:
_ سلام يا أنسة "حياة" أتمنى لقاءنا ما ينقطعش!
ماذا يقصد، أهل أراد إثبات صحة أفكارها المبعثرة الغير فاهمة لوثبات تجهل ماهيتها؟ بالتأكيد لا، هذا حديث أي شخص يتبادله مع الآخرون، تحرك بعد أن ألقى السلام عليهم، وقطعت هي استرسالها لأفكار مشتتة في جنبات عقلها بردها السلام بصوتٍ خفيض خجول، ثم لحظات وتحركت خلف والدها الذي ولأول مرة لا تبدو عليه الأمارات الغاضبة، ماذا فعل ذلك المُدعى ب《يحيى》كي يغير ما بوجهه من أمارات غاضبة رأتها منذ أن اقترب منهم وقتها؟ وهل كان حقًا غاضبًا، أم أنها تتوهم من البداية أساسًا تلك الأمارات؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يقود سيارته حائرًا في أمر صديقه، لم يجيبه على مكالمته إلى الآن، سرى طيف قلق في نقسه، لكنه تفاءل وظن حدوث الخير، لم يكاد يبتعد كثيرًا عن مقر بيت الأخرى، حتى وصله صوته مجيبًا على مكالمته بعد محاولة أولى باءت بالفشل:
_ فينك يا "وسام" برن من بدري مشغول!
_ معلش كنت بكلم ابن عمي، ومعلش كمان قلقتك معايا على الفاضي.
تغاضى عن اعتذاراه الغير مبرر، وكرر بصرامه:
_ فينك يا "وسام" واي إللي حصل؟
يفهمه، ويعرف طبيعة في شخصه تجلت أثناء فترة لقاءاتهم وتعرفهم ببعض؛ لا يحب مشاركة غيره مصائبه حتى لا يزعجهم، وخاصة إن كان ذلك الشخص قريبًا لقلبه!
لم يجد《وسام》سبيلًا سوى الاعتراف أمام إصراره، فقص عليه بإيجاز ما حل من كارثة يحاول حلها بمفرده، لكنه باء بالفشل، واضطر الاتصال بالبقية ليساهموا في مساعدة الأخر، أخبره أيضًا بفشله ففي الوصول لمحامي، وكانت تلك أول مرة يعترف فيها بالفشل في شيء أمام أحد بعد شقيقته《حياة》، لا يحب ذلك أبدًا!
انتهى من رواية ما حدث، فأسرع الأخر يقول من دون نقاش:
_ طب أنا جايلك حالًا.
لم يترك له مجال للنقاش، فأغلق المكالمة بعد توديعه بسرعه، ثم اتجه صوب جبهته وبينما هو كذلك إذ بهاتفه يصدح صوت هتافه برقم خليله《بلال》وهنا التمعت في عقله فكرة، فأسرع بالإجابة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الحقد نار تلظى، والغيرة لا شيء سوى شرارة منبعثة من ثوران حمم نارية متوارية في جوف الحاقد.
لا شيء يعنيها، فلماذا تهتم بكل هذا الهراء؟ ذكَّرت نفسها بهتافٍ خفي وهي جالسة تتصفح هاتفها في غرفتها بعد أن عادت من الخارج منذ دقائق كعادتها تلهو مع أصدقائها، لتشغل نفسها الثائرة نتاج مشهد رأته أثار حمم تلظى في جوفها، تناثرت إحدى شراراتها فبدى عليها الغيظ محاوله إخفاؤه.
إن كنتِ لا تهتمين، فلماذا كل هذا الانزعاج، عقلك مزدحم بأثار مشهدهم معًا، هو يناولها زجاجة ماء وهي تستمع لحديثه بهدوء وخلجات لأول مرة تبدو عليها، وهي الخجولة في طبعها، هل قبل بها لدرجة أنهما انسجما وتحابا، أجل هذا مؤكد، فها هم يخرجان ويتنزهان مع بعضهما كحبيبان في بداية عمر إزهارهما....
زفرت بقوة وألقت بهاتفها على الفراش، وبدت شرارات نارها الموقدة تتطاير في قولها:
_ خلاص بقى، وأنا أي يشغلني يعني، هيسيبها زيه زي غيره، بلاش قلق على الفاضي يا "روان"، خلاص!
نطقتها جامدة، تريد إخماد نار صدرها المشتعلة، لكنها ما زادتها إلا إضرامًا، تلك المدعية بالمثالية والطيبة وما تخفي وراء هدوئها سوى الكره والمُكر لغيرها، تلك المصابة بالجنون في عقلها، لا سلوك يجذب، ولا ملامح تعير اهتمام ناظريها، وقعت في الحب وصارت وهو عشيقان ويثبت على ذلك مرافقتهما لبعضهما في جو رومانسي هاديء، وهي التي تملك مما انتقص من الأخرى كل شيء، جمال، لباقة، علم أعلى منها بدرجات، لم تنل حتى ظفر ما نالته، يالها من بلاهة أن يكن الحظ في حلف من لا يستحقه!
أمسكت هاتفها ثانية، وأخذت تقلب بين صورها تفعل أي شيء يسكت جلبة عقلها، تبتسم بين الحين والأخر بينما تتفحص صورها المختلفة الأزمان والأماكن والمناسبات، هي الاجمل، هي الأفضل، هي رونق لم يُخلق في الأرض مثله، هذا ما همست في نفسها به بينما تشاهد صورها!....
واحدة وهي في زيارة لأحد الأماكن الأثرية حين ذهبت إلى رحلة جامعية برفقة الأصدقاء، حجابها الغير كامل، خصلات شعرها الظاهرة في رتابة ولباقة أضفت جمالًا جذابًا إلى جانب بياض بشرتها وعيناها الخضراوان، وأخرى وهي تمسك بشهادة تقديرٍ تخرجها بحصولها على تقدير مرتفع في كلية الطب البيطري، وأخرى برفقة صديقات لها يحيطون بها يحتضنونها بحب، فهي الأفضل بينهم ولذلك يحبونها، وتعددت الصور المختلفة حتى مرت دقائق متوسطة وتوقفت يداها عن الحركة، وأغلقت هاتفها وابتسمت بارتياح، لا شيء يزعجها مثل هذه البلاهة والهراء، فهي الأفضل ولماذا تعير لشخص أقل منها بمراحل في شتى أمور الحياة اهتمامها، وتستنذف جم طاقتها؟!
_ أنتِ قاعدة هنا ولا على بالك باللي حصل.
وصلها الصوت ما إن فُتح باب غرفتها، فتحركت في اضطراب يسوقها الفضول لمعرفة ما شغل والدتها جعلها تلقي عليها غموض حديثها بهذه النبرة الحماسية!
وبلهفة سألت ما إن جلست والدتها بجوارها على الفراش:
_ في اي؟ اي إللي حصل؟!
قصت عليها ببراعة وحماس ما حدث بالتفصيل، وكأنها تروي قصة شيقة تستلذ بأحداثها، وكيف تفرق الجموع فزعين على خبر ارتكاب الأخر لحادث مروع، والآن هو تحت عملية التحقيق المقامة في المشفى، بعد أن كانوا وبعد عملهم يجتمعون في الطابق الأرضي ورافقهم الشباب الذين تلقوا الخبر بينما هم في رفقة《زوزو》مؤخرًا، فانتفض المجلس هالعًا كلًا منهم إلى وسيلة نقل تقلهم حيث مكان تواجده.
لم تعيرها أي اهتمام حيال ما حدث وقصته الأخرى عليها، حتى أنها اكتفت بتنعيته بما لا يحب، وأيدتها والدتها في ذلك، والتي لم ينبث قلبها ببنة قلق، ولا وثبت له واثبة فزع على أحداث صادمة كهذه تخص أهل بيتها، كلتهما قلوب غافلة، تغلفت بغلاف سميك حال بينه وبين شعور فطري!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتهت الشرطة من التحقيق وأخذت بأقوال الشهود والأدلة المجموعة، وبعد أن تأكدوا من عدم تعاطي المتهم لأحد أنواع المخدرات التي يمكن أن تكون سببًا في وقوع الحادث بطريقة غير مباشرة، وباستنادهم إلى الأدلة المتوفرة، أحالت المتهم للأحتجاز على زمة التحقيق، لحين استفاقة الضحية والأخذ بأقوالها، والتأكيد على ما اعترف به ودفعه أمامهم كسبب لوقوع الحادث بالإضافة لتجاوزه السرعة المحددة، فأضحت القضية غامضة، لازالت بها خيوط لم تنفك.
في نفس اللحظة التي انطلقت فيها سيارة الشرطة من أمام المشفى متجهة لمقر الشرطة، توقفت سيارتين أقلت من فيهما من قلوب قلقة إلى حيث المقر الذي توقفت أمامه في نفس اللحظة، خرج الجميع متوجهين صوبه، وهو يقف أما مدخل المشفى من الخارج بعد أن رافق《عُمر》 والبقية من ضباط تحفظوا عليه وتولوا مهمة نقله لمقر الشرطة.
كان《عَمرو》أول من خرج عن حالته المصدومة وسأله بلهفة غلفها القلق:
_ اي إللي حصل بالظبط، وفين "عُمر" طمني يا "وسام"؟ هو أكيد بريء، يا ربي قولتله..قولتله ينتبه على السرعة وهو سايق، أكيد ده السبب.
تيار من الكلمات تدفقت، سؤال، ندم، لوم، يأس، كلها تكونت في جملة واحدة أعربت عن اضطرابه الهالع، وتباعًا لعاصفة كلماته المنطلقة، انبلجت زوابيع أسئلة من الجميع، تريد أن، تطمئن، تعرف ما الأمر وماذا حدث...
دقائق معدودة قص فيها《وسام》باختصار ما حدث، وانتهى باخبارهم بأمر احتجازهم للمتهم، متابعًا بحديثه إشارة يده صوب اتجاه سارت فيه سيارة الشرطى التي اختفى أثرها منذ لحظات. لم ينتظر《عَمرو》 حتى ثوانٍ لينهي حديثه مفسرًا سبب القبض، والشهادة التي دفع بها 《عُمر》يستجدي لنفسه البراءة أو حتى تخفيف العقاب، فقط ما طمس عقله عن التفكير والبقاء متريثًا، أن توأمه وحيدًا بين أربعة جدران يكسوهما الظلام، فما هان عليه البقاء وحده، فلحق به!
أسرع《أدهم》 أمام أعين البقية يرافقه حيث جبهته وهدفه المراد وصولها، فهو وحده من فطن ما جال بعقل الأخر من جنون عزم على فعله إثر غضب وقلق بالغين على توأمه، أما البقية فدلفوا المشفى كما أقنعهم《وسام》لمتابعة حالة الضحية _كما أخذ وعد من ابن عمه!_ في نفس الوقت يقومون بإيجاد الحلول لفك حصار قريبهم، فأذعنوا لمطلبه، وشرعوا في التواصل مع محامي ليعمل على التفاوض، والتعرف على مصير الأخر، أهل سيكتفي بالحبس لأيام والغرامة، أم أن لموقف الضحية وحالتها رأي أخر؟
هذا ما أخبرهم به ضابط الشرطة الذي ترك مقر المشفى ورحل حيث مقر الشرطة، فقبل رحيله، تقدم رجال العائلة ثلاثتهم وشرعوا في الاستفسار عن القضية ومصيرها، فأدلى أمامهم من تحقيقات صارت، وأنهى حديثه بأن الأمر متوقف على استيقاظ الضحية، حتى تصبح الحقيقة كاملة والعقوبة مستحقة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
القلوب لا تفرق بين مخطىء وبريء، غاشية عن حقيقة مؤلمة تهتف بها عقولهم، يظلوا ينكروها بدافع الحب ومدى صلة القرب بين قلوبهم والأخر، فيغفل المرأ عن حقيقة لا بد أن يواجهها مهما كان حزنه على عزيز، وهي العدل.
متفرقين عن بعضهم، لكن العدوى أصابت بعضهم من بعض ورزحوا تحت عاصفة صادمة حلت في قلوبهم فأفزعتها، وتركت لهم الأثر كما المعتاد، وهو البكاء تنفيسًا عن حالتهم المزرية إثر صفعة صادمة.
الجميع كان يترقب أي خبر يطمئنهم عن أحداث القضية، هل سيُزجى بحبيب قلوبهم في غياهب السجن، وماذا حدث له، وما الذي أصابه وحل به إثر حادث مروع شاهده بل واقترفته يداه؟ والدته على فترات كانت تزرف دمعًا بقلبها المتألم لفكرة حدوث ما تخشاه على ابنها فلذة كبدها، ولكن وجود《سهير》تذكرها بالله ورحمته كان هينًا عليها بعض الشي، أما شقيقته《أمنية》 كانت تعاني القلق في صمت، خالطت بين قلق قلبها ويقينها في الله الكريم سيسيِّر الأمور إلى ما هو خير وبرضى قلب مؤمن ستقبل به، اكتفت بالدعاء وتهدئة حالة قلقهم، هي تجيد امتصاص مشاعر سلبية ممن حولها وتقايضهم مشاعرًا إيجابية تحلق بهم في رحب اليقين والإيمان بالله، ولكن لم تجد من يمتص منها ما اقترفته من الأخرين!
كانت《نورا》الوحيدة من بينهم الأكثر تأثرًا، فاض الدمع منها كثيرًا، وبقيت بين أحضان 《زوزو》تهدئها بتعجب طال الجميع مثلها، الحدث كان صادم على الجميع، وبمرور الوقت وانتظارهم البشارة بالخير، هدأت قلوبهم، عدى هي! نعم هي أرقهم إحساسًا دموعها أقرب منهم إلى عينيها، ولكن ليس بذلك الحد الذي لم يجدوا له تفسير فاكتفوا بتهدئتها.
مكثت بين أحضان جدتها، تصارع فكرة تنهش روحها، وهي افتقاد غالي مرة أخرى! حتى وإن اختلفت الطرق، لا تحمل العيش من دون صديق قلبها ومرافق طفولتها اتخذته منذ الصغر_حتى ولو أيام_كان بدرجة كبيرة هو والأخر عوضًا عن أول غالي في حياتها تركها في الدنيا تائهة بعده، وهو والدها....
كلما هجمت فكرة حلول سوء عليه يبعده عنها، اضطربت وغاصت بين ظلمات في نفسها تعيش بين أنيابها وتتجلى أعطابها في صورة دموع تُزرف في صمت!
هكذا كانت أحوالهم مختلفة وهم ينتظرون الخبر المفرح لا محالة، فقلوبهم الهالكة لا تتحمل فتيلة سوء محزن، حتى وإن كان هو المخطىء!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ هو اعترف بإنه تجاوز السرعة المحددة، والأدلة والشهود أكدت ده، وده سبب كافي إنه يُلقى القبض عليه تحفظًا لحين إفاقة الضحية والاستماع لشهادتها وإن كان في تفاصيل ممكن تتوضح خلال حديثها نقدر نستند عليها كأدلة لصالحه، زي مثلًا إثبات ظهور المتسكل وصاحبه فجأة واعتراض طريقه دون سابق إنذار.
استمع الجميع بجُل تركيزهم للمتحدث، وهو المحامي الشاب الذي وفره《يحيى》وفاجأهم جميعًا به ليتوكل أمر الدفاع عن المتهم إن لزم، وخاصة《وسام》الذي شكره على مساهمة في حل المعضلة معهم.
أضاف يطمئنهم بينما هو يقف في البهو أمام قسم الشرطة بعد أن ظل ساعات متابعًا حالة القضية والتحقيق فيها وجمع المعلومات والأدلة الكافية للدفاع عنه:
_ ضيف كمان اعتراف رفاقه وهم شهود على الحادثة، وكذلك أحد سائقي السيارات كانوا بالقرب منه أثناء القيادة وقبل وقوع الحادثة، خلى فيه أمل في تخفيف العقوبة وتواجدها لأنه مشارك في وقوع الحادث بسبب إهماله.
نطق أحدهم متحاملًا جزعه على الأخر، معيرًا بالغ اهتمامه بذلك الذي يقبع فاقدًا وعيه في غرفة الطوارئ في المشفى التي بقي فيها《عَمرو》و《أدهم》يتابعان حالة المريض:
_ خير بإذن الله مهما حصل، المهم الشاب يكون بصحة وعافية وما يكونش تأذى بشكل خطير، دي أهم حاجة دلوقتي.
يعرف《مصطفى》في عمق قلبه، أنه متلهف لرؤية ابنه أمامه بعيدًا عن تلك الجدران المظلمة، لكنه ولصموده على حق تجلى في القصة بعد أن سمعها كاملة، استقر على أن ابنه يستحق العقاب على إهماله، لذا فكان هو الوحيد الجاد بينهم، وكان أكثرهم انشغالًا بتلك الروح التي لا يعلم مصيرها في البقاء، حتى أنه تكلف بمصاريف علاجه محاولًا وبأي الطرق الاعتزار عن ما تسبب فيه ابنه، وهل المال يداوي كسور وأعطاب لا تشفى بمرور الزمن إلا طويلًا، أم أنه يمحوا خطايا الغير؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
غضب تتقافظ شظاياه في عقله حتى كاد أن يفقده صوابه، وخوف على قطعة تكمل بذرة انشطرت لنصفين أحدهما هو والأخر كل شيء بالنسبة له المتمثل في توأمه، فتُهمد رياح الحب الأخوي بينهم نار الغضب، وينتج إثر ذلك دخان يخنقه كلما تبادرت فكرة حدوث مكروه لتوأمه.
منذ أن عاد للمشفى وفارق توأمه بعد أن فشلت خططه في رؤيته والحديث معه ولو بضع ثوان مطمئنًا، وهو لم يبتعد عن غرفة الضحية حيث بقائها إلى الآن فاقدة الوعي على فراشها، فقد رفض الضابط طلبه، ولأنه يدفع بالغضب دومًا في مواقفه الصعيبة كهذه، كاد أن يدخل في عراك مع ضابط الأمن في القسم، لكن بتدخل من 《أدهم》الذي رافقه، وبعد اعتذارات كثيرة وتبريرات منطقية، نجى وهو معه، واختفى أثرهم من المكان على الفور.
اقترب منه وربت على كتفه برفق، فتنبهت خلايا جسده بلمسته وتحرك على إثرها ملتفتًا خلفه ليقع بصره على مرافق الرحلة منذ دقائق والتي كانا سيفقدا حريتهما إثر تهوره الغاضب، لم تتغير ملامح وجهه ما إن رأه ذلك الذي نطق قائلًا:
_ هتفضل واقف كتير!..تعالى ارتاح شوية أو روح، شكله الموضوع مطول وأنتَ ما ارتحتش من سعة ما رجعت من شغلك.
_ بالله عليك يا "أدهم" اسكت، يا إما بلاش الحلول إللي مش مناسب وقتها دي، أنتَ شايف الوضع!
نطق بها يائسًا، صوته المرتجف خلف جوهرية يتقمصها حيال غضبه من شيء، ما ينطق إلا ببالغ خوفه العميق، لذا فأضاف يشاركه ضألة طمأنيته المتعكز عليها:
_ طيب يا سيدي خليك، بس على الأقل ما تفضلش واقف، كل حاجة هتمر وإللي مكتوب هيكون، وبدل ما يعدي الوقت علينا ويقتلنا ببطئة، حاول تشغل نفسك أثناء الانتظار.
راق رأيه له، فعد الثواني وتَرقُب الحدث ما يقتلان إلا فاعلهما، تحرك معه صوب التجمع في الخارج حيث البقية بعد عودتهم من متابعة التحقيق بواسطة المحامي والذي علم بموقف القضية وذلك بواسطة《وسام》 الذي أخبره بكل شيء دار هناك خلال الساعات الماضية، لم يذهب معهم، بعد موقفه السابق مع أحد الضباط هناك، وأيضًا نظرة والده المعاتبة له!
جلس《أدهم》برفقته ثم ناوله زجاجة ماء اصطحبها معه حين عودته، وتركه يرتشف القليل بينما في تلك اللحظة وهو يراقب الجميع حوله، قُفذ في عقله سؤال تعجب حياله، أين أهالي الضحية؟ ألا يوجد حتى قريب واحد عرف بما أصابه فيأتي ويدعمه؟! عجيب هذا الأمر!
وبينما الجميع هادىء يردد الدعوى في قلبه، متلمسًا بصدق الإجابة والستر، أتتهم بوادر العاصفة الغامضة حين اقترب الطبيب ومعه الضابط الذي كان أول من علم بخبر إفاقة الضحية ما إن وصل للمشفى منذ لحظات، تأهبت القلوب لسماع الخبر، واضطربت الحركة في المكان، وقبل أن يتحرك أحد أمر الشرطي:
_ ما حدش هيتحرك ويشوف المريض غيري والمحامي الموكل؟
ثم لحظات واختفى أثرهم ليعطي بذلك دقائق بل وساعات طويلة _كما يخيل لهم ويشعرون_ للانتظار مجددًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ فقدان الوعي المستمر كان سببه ارتجاج المخ نتيجة اصطدام دماغه في الرصيف بشكل قوي، وبستر ربنا ما حصلش أي نزيف داخلي، مجرد بس جرح خارجي في الجمجمة تم غلقة بالتدخل الطبيبي، هو دلوقتي تحت المراقبة الطبية الدقيقة لربما يكون هناك مضاعفات نكتشفها ونلحق نعالجها، لكن حالته دلوقتي مستقرة وما فيش عليها أي خطر.
أنهى الطبيب حديثه وهو يقف أمام باب غرفة المريض برفقتهم كي يطمئنه على حالة المريض، ثم أشار لهم بالدلوف حيث مقر مكوث الشاب في غرفة توسطت سرير واحد، الذي اقترب منه ثلاثتهم ومكثوا بالقرب منه بأوضاع مختلفة؛ جلس الضابط على كرسي خفيض يجاور السرير وبجواره مرافقه الذي يكتب الأقاوليل المدلى بها، أما الاثنين، المحامي والطبيب، ظلوا بجوار بعضهم على الجهة الأخرى من السرير يقفون، يراقبون الحوار بجُل اهتمامهم لأسباب اختلفت كنهها، وبأعين تشاهد بتركيز ذلك الشاب المتفرق في جسده العطب والإصابات؛ رأس ملفوفة بالشاش الأبيض، ويد يسرى يحكم الضغط عليها بجبيرة بيضاء لُفت على ساعده بالكامل لحمايته، وبالمثل قدمه اليسرى.
نطق الضابط بهدوء مراعيًا حالته:
_ بالراحة وبهدوء، احكيلي بالظبط إللي حصل، المتهم اعترف بإنه زاد من السرعة، بس أملى في اعترافه إنك إللي اعترضت طريقه بظهورك أمامه فجأة بدون إنذار وبشكل غير صحيح حدوثه، وده تسبب في الاحتمال الأكبر لحدوث الصدام، هل كلامه ده صحيح؟!
وبكل بساطة وسهولة، من دون أدنى تفكير في القضية التي لا تهمه، ولا حقه المفترض سلبه من المخطيء، أغلق القصة قبل بدئها بقوله متحاملًا على نفسه ألم بدأ يسري ببطء نتيجة اختفاء أثر المخدر خلال هذه اللحظات:
_ أنا بتنازل عن القضية، وبطلب غلق ملف التحقيق الخاص بيها.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman