بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الواحد_والثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
_ مذكراتي العزيزة....
علمت أن الراحة تقبع في أشيائنا الأمنة حولنا،
شخص قريب، مكان ما، أو حتى قرار ما،
فلماذا حين اتبعت شعورًا يكمن بين طيات قرار،
اختفى وكأنني كنت أتبع من البداية سرابا؟!!
انتهت من تفريغ جزء من بعثرة نفسها المتمثلة في مشاعر مختلطة، ثقل كبير خُفف من على عاتقها حينما لجأت لركن هادىء يحجب عنها دوى صراعات في عقلها، لكنها لم تحسب أن ملجأها يعبق بذكريات رُسمت على جدرانه كلما وقع بصرها على أحدهم غاصت في غياهب الحسرة والندم يغلفهما الشوق!
ينتابها شعور غريب، تفوح ذكراه من بعيد، فتعيش على ذراته الحاملة لذكرياته بدلًا من الأكسجين، ذلك الملجأ الأمن بينها وبينه علاقة عتيقة، تكررت مرات فرارها إليه نهاية كل حرب خاضتها بينها وبين نفسها، لا تتذكر عدد مرات الهروب، لكنها أقبلت عليه كثيرًا، وهي التي تظن أن في الفرار نجاة!
قطعت استرسالها في ذلك الشعور الخانق، نعم خانق، فكلما انتابها ذلك الشعور المعروف كنهه، غاصت في غياهب قرارتها السابقة التي خلفت في النهاية شعور الندم والحسرة على الخسارة الحقيقية للسعادة الحقيقية، تراها خسرت هذه المرة أيضًا؟!
تحركت من أمام مكتبها غير قاصدة جهة محددة، تائهة تود فقط الفرار، وبينما تسير في غرفتها وقد قادتها قدماها حيث الباب، تعلقت عيناها بأثار ذكرى راحلة، أو هي من فرت بعد خوض حرب كانت فيها خاسرة، اقتربت من خزانتها التي تركتها منذ قليل مفتوحة بعد أن أخرجت ثيابها منها كي تبدلها بالأخرى التي كانت عليها قبل استحمامها، رمقت صندوقًا صغيرًا مغلف بغلاف خاص بالهداية، أطالت فيه النظر وهي تتذكر ماض عالق بداخله، ثم ما لبثت لحظات تتردد في التقاطه، حتى انتهى قرارها بإذعانها لفضولها في النبش عن الذكريات.
قطعة ديكور تتمثل في عروس صغيرة خضراء ثيابها، شعرها أصفر وعيناها زرقاوان، مثبتة فوق سطح صلب أخضر مستدير كالكرة، يكسوه نجيلة خضراء مزيفة وأمامها ثلة زهور تتناثر عليها حبات تراب الأساطير الذي تنثره هي الجنية تنة ورنة فوقها. تلك أجمل بل وأول هدية قُدمت لها من قِبل صديقة راحلة!
غاصت في شرودها تتخيل نفسها داخل ملجأ أمانها المختار العيش بداخله بعد كل حرب تفر منها مستسلمة، تسير بين أركانه الأربعة في تيه، أوقفها لحظة صورة جذبتها إليها ظهرت فجأة على أحد جدرانه أمامها، كانت لها يوم الرحيل، تقف والأخرى في مكان لا ترى معالمه جيدًا، ما استبصرته جيدًا هي تلك الهدية التي ظلت قابعة بين كفيها قبل أن تتركها الأخرى بعد حديث أخرجته هي في قلق، ومنذ تلك اللحظة وذلك اليوم وهي بداخل قوقعة جدرانها المزيفة، لم تراها، لم تتحدث إليها، رحلت وتركت الذكرى تكيل فوق عاتقها ندمًا وحسرة.
صديقتها لم ترحل، بل هي من اقترفت قرار الفرار بجُل إرادتها، لاجئة حيث ركن أمانها، لا تريد أصدقاء، جميعهم يرفضونها، هي ليست كفء كي تنال صداقة جيدة، لن يحبها أحد إن عرفها عن قرب.
صراع معتاد، يتبعه ريب وخوف مما يضخم شعور القلق في قلبها تحكمه فكرة سلبية في عقلها ناوبتها خِلسة، فابتعدت مخلفة في أعماقها أشواك الندم، ها قد خسرت.
_ بس أنا أعمل أي، أنا مش قادرة ءأمن لحد، أنا بخاف، بخاف!!
قالتها فجأة وقد بلغ اللوم في نفسها مبلغه، والعيون تزاحمت جفونها بالدموع، ثم تركت مابيدها من ذكرى تجلب لها الحسرة، وضمت ركبتيها إلى صدرها وهي تجلس على الفراش، وظلت تعيش شعورًا كتمته سابقًا وعلقت الآن بين غياهبه باكية، يبدو أن الراحلة غالية على قلبها، فكان الخسران مبينًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تلك الدفعة من الطاقة السارية في عروقه، المستدعاه بواسطة شعور ما ينقصه، جعلته طامعًا في نجاح أكبر، لذا فنسى نداءات في أعماقه تتوسله أن يستريح.
أخذ ما يقرب الساعة يراجع مشاريع عمله القديمة في ملف خاص به على جهازه اللوحي المتنقل يحفظهم فيه، الأفكار معظمها متكررة مما خلق ابدعًا خافتًا، كيف لم يلاحظ هذا؟ حتى أخر مشروع كان متكرر في فكرته، لكن لإبداعه فيها بأسلوب مختلف وطرق متنوعة نالت إعجاب شديد من العميل مما جعله يقبلها بغبطة ورضى عارمين.
ساعات مضت وهو يحاول حل مشكلة قد تسدي عليه في غفلة بفشل زريع، وما أدراك وما الفشل بالنسبة له، يخشاه، يبغضه، يراه ضعف في نفسه، لذا فسعى ألا يترك له منفذًا يشق طريقه نحوه من خلاله، فأصيب بهوس النجاح!
مضى الوقت وهو على حاله لم يجد نتيجة، تلك ليست عادته، أن يطول وقت بحثه في دهاليز عقله عن فكرة تحل جُل مشاكله، فتنبلج الإبداعات والابتكارات، تراه يسلك طريق الفشل الخفي؟!
صرع عقله هالعًا، لا، ليس هناك فشل سيحل على حياته، هذه مجرد مخاوف لا أكثر، أقنع نفسه بقناعاته المهدئة لجلبة عقله، وقبل أن يعود بجزعه العلوي يقربه وذراعيه من شاشة اللابتوب خاصته القابع على مكتبه ويحرك كفيه على لوحة المفاتيح ليدخل عنوانًا يبحث عنه، وصله صوت طرقات على باب غرفته، فزفر بقوة وقد انقطع حبل أفكاره، سمح لها بالدلوف في هدوء محاولًا الثبات عليه، فدلفت إليه تحمل في يديها صينية فوقها طبق يحوي قطعة حلوى ويشغل مكانًا بجوارها على الصينية كوب عصير من الفاكهة《مانجا》، اقتربت لتضع ما في يديها على المكتب بينما هي تقول بحنان وانشغال به:
_ من بدري يا ابني جاي وما أكلتش، فقولت أجيبلك حاجة تسند بيها نفسك وأنتَ شكلك مشغول في حاجة مهمة.
رسم على شفتيه ابتسامة شاكرة وهو يراقبها تضع الطعام على سطح مكتبه، وقال ممتنًا:
_ تسلمي يا ماما، خير ما فعلتِ والله، أنا فعلًا مشغول أوي!
بصيص توتر تجلى في نبرته، لم يشعر هو بتسربه منه، لكن قلب والدته شعر به، ولأن قلب أمه يترجم الكلمات إلى قلق يتجلى في شعورها وسؤالها حين قالت وهي تربت على كتفه بحنو:
_ أول مرة تبقى مضغوط بالشكل ده يا "وسام" أنتَ متأكد إنه الشغل موترك كده، ولا في حاجة مخبيها عني يا حبيبي؟!
وقف في مكانه فتحرك المقعد الأسود الاسفنجي مسافة قصيرة إلى الوراء، واقترب هو خطوة وقبل رأسها ثم أكد يزيل عنها رداء القلق الذي ارتدته بفعل سجيتها القلقة:
_ لأ يا ماما ما تقلقيش، كل حاجة تمام.
تعلقت عيناها على سنحته ذات البشرة البيضاء بشكل خفيف، يشبه والده كثيرًا، حتى معالم ملامحه تنطق بذلك، أنف مستقيم وعيون سوداء مستديرة بشكل بديع، ورموش خفيفة، لكنه لم يشبهه في الصفات، فحمدت ربها على ذلك وهي تنال تلك الجرعة من الحنان منه.
أطالت النظر إليه، فارتاب قليلًا مما دفعه ذلك أن يبدل حديثه، فاستطرد:
_ قوليلي "حياة" عاملة أي؟ ما شفتهاش من أخر مرة الصبح لمَّا كانت بتفطر معاكِ.
أجابت بغبطة وهي تتذكر حالها المتغير:
_ بخير، أنتَ عارف كمان إنها رجعت تفطر ونفسها اتفتحت، شكلها بدأت تتحسن، ربنا يهديها ويفك أسرها من كل ضيق وهم.
بادلها الفرحة بابتسامة كانت صغيرة، تحمل في طياتها عكس ما وارته خلف غلافها، هو يعلم أنها ليست بخير، يوقن وبشدة من اعتقاده هذا، فهو الذي نشأ معها بل وبجوارها الروح بالروح منذ طفولته وقد كان أبًا لها، فهل سيسهو عن ذلك الزيف الذي يكمن وراء تصرفات أخته؟!!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في بهو البناية من الداخل، وقفوا ثلاثتهم ينتظرون ثالثهم الذي وقف فجأة يريح وضع العصا تحت ابطه ليستعد للتحرك معهم بأريحية، لفت انتباه《عُمر》شيء غريب، فسأل بعد بابتسامة ساخرة:
_ هي مش البتاعة دي مفروض بتعوض مكان الرجل الشمال؟! أي إللي دخلها في شغل اليمين!
لم يعيره إلتفاتة حتى، وأكمل عمله في تعديل حامل يده اليمنى المعلق حول حنقه ليريح وضح يداه وكذلك منطقة الرقبة المتزايد عليها الوزن. اقترب من شقيقه الذي اهتم بمراقبته حتى يستعد لأي طلب من الأخر يستنجده بالمساعدة، وهمس في أذنه:
_ أنتَ متأكد إنه سليم مش خربان؟! الواد مش سامع شكله، وأنا إللي أعرفه إنه الحادثة أثرت على دماغه مش ودانه.
التمس التهكم في حديثه، فاقترب يحذره بهمسٍ خفي:
_ اتكتم خلي اليوم يعدي، الوضع مش ملائم الهزار فيه يا "عُمر"، ومفروض تحس على نفسك وتبقى ندمان من إللي عملته فيه.
وقبل أن ينطق بحنق مندفعًا بحديثه، وصله والأخرين صوت أنوثي رتيب ينطق بتحية الإسلام، فتعلقت الأعين عليها ما إن ولجت ومشت بعينيها في المكان، عرفت من به، وعلى الفور عادت ترمق الطريق أمامها لتسير صوب مبتغاها حيث شقة جدتها.
انتهى من هندمة هيئته في ذات اللحظة التي دلفت تلك الذكرى السخيفة، ابتسم بخفة وهو يرمقها تدلف من دون أي اهتمام لكلا المتواجدين، وهل هو يعيرها اهتمام من الأساس كي يشغله أمرها، يكفي وضع هدفه نصب عيناه ويركز كي يصيبه. ولكن هل ستعود له الكُرة بين قدميه مجددًا؟!
تحرك وهم معه حتى خرجوا من البناية، وبينما هم كذلك في طريقهم نحو سيارة《عَمرو》التي ستقلهم إلى بيت الشاب القديم كي يجمع أغراضه، كما أخبره والده بمساعدته في ذلك والذهاب معه، باغتهم بسؤاله في نفس اللحظة التي تلوح صورتهما المطابقة لبعضهم في عقله:
_ هو مين فيكم "عُمر" بالظبط؟!
فنطق الذي يسير على يمينه يقدم نفسه بطريقة بلهاء:
_ محسوبك "عُمر" إللي طيرك على الرصيف.
جحظت عينا توأمه وعض على شفتيه وهو يرمقه بغضب على ما خرج بعبث من فمه، ذلك المجنون لم يكف عن جنونه إلا حين يقذف به في عداد الموتى والسبب جلطة دماغية إثر بلاهة غير عادية من توأمه الوغد. أما الأخر فاكتفى بضحكة ساخرة في نفسه وصمت خلال اللحظات التي تلتها ترجلهم السيارة وانطلاقها بهم صوب وجهاتهم المختلفة، حيث هو و《عَمرو》صوب البيت القديم، أما الأخر نحو بيت صديقه ليصحبه في نزهة مع باقي صحبته الذين في انتظارهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ظاهريًا هي تعلم، أما في أقصى أعماق نفسها فهي تائهة، لذلك حربها كانت مختلفة، خفية، حتى هي لم تراها، لأنها مفتقدة البصيرة.
أثار اختناق ظل عالقًا في جوفها منذ تلك الجلبة التي حلت في نفسها أفقدتها جُل طاقتها، وهل تلك الجلبة والضيق المتسرب كانا سببًا لذلك الاختناق فحسب؟ أم أن هناك شيء أعظم يحدث في داخلها وهي لا تبصر له ماهية؟!
منذ متى وهي تبصر، فتتبع شعورًا خانقًا أو سلبيًا كان، حتى تسلب أغواره وتتوصل بصدق نية في السعي وراء هدى نفسها إلى الحقيقة العميقة المحجوبة بظلام قاتم في أعماقها؟ لكن للأسف لم تكن نورًا لنفسها بزيادة إيمانها وحفظها لأوامر الله في قلبها، فظلت عالقة في جوف الظلام، يحيط بها التيه من كل اتجاه.
انتهت مكالمتها معه منذ دقائق متوسطة وقفت فيهما شاردة في منتصف مسافة واسعة في جوف المطبخ الخاص بشقة جدتها، لم تعلم لماذا تلك الفرحة ليس لها مذاق؟ أوليس خروجها معه في نزهة تجمعها به بمفردهم كانت تنتظرها لتنبلج الأحاديث كيف شاءت وبأريحية من دون حرج في وجود قريب؟ لماذا لم تستلذ بذلك الخبر الذي أدلى عليها به بينما هو في عمله الذي انضم إليه منذ قريب حيث تجارة خوالها الخاصة؟
أسرعت تريق الكثير من الماء في كوب زجاجي أمامها على رخام المطبخ الطويل وكبير الحجم يشغل مساحة متوسطة من مساحة المطبخ، ثم تجرعت الكثير دفعة واحدة وكأنها كانت في صحراء جرداء تخلو من قطرة ماء واحدة لمدة أيام، أنزلت الكوب من على شفتيها فتفاجأت بها تقف أمامها ففهمت أنها دلفت للتو.
نطقت الأخيرة تسألها لمَّا تجلى على وجه شقيقتها أمارات القلق:
_ في حاجة معاكِ يا "نورا"؟!
اكتفت بهز رأسها نافية، وصمتت تتابع الأخرى وهي تأخذ غرضها الذي أتت من أجله وهو كوب ماء لجدتها التي كانت معها منذ قليل، لم تعيرها اهتمامها بشكل كبير ظنًا منها أنها تضغط عليها بشكل ما في أسئلتها العميقة، لذا فمضت في طريقها غير أبهة بها بالمرة.
أوقفها اعتذار الأخرى الصادق لمَّا أولت لها ظهرها كي تخرج:
_ "شروق" أنا أسفة ما تزعليش مني، ما كنتش أقصد أجرحك خالص والله ولا خطر على بالي حتى إني أفكر قبل ما أخرج كلامي المندفع، والله ما...
قطعت استرسالها في تأكيدها المتكرر بشكل مبالغ فيه بعد أن التفتت تطالعها وهيئتها المتغيرة:
_ أنا ما زعلتش يا "نورا" منك، بل زعلت من نفسي، وما تقلقيش أنا عارفة إنه مش قصدك أكيد، ريحي نفسك.
قطعت مسافة متوسطة تنتقل حيث تقف شقيقتها يفصل بينهما حاجز وهو امتداد مستطيل مرتفع تتسطح عليه رخام المطبخ، ووقفت قبالتها تعيد سؤالها إن كانت تحمل لها في قلبها حزن منها، فنفت الأخرى ذلك بصدق وقد تسامحت هي الأخرى مع نفسها والأخرى حتى لا يحل في قلبها البغض المتراكم، فاجأتها بحضن قوي عصر عظامها القوية بينه، فتألمت فجأة وقد طال محل العطبة في ظهرها إثر سقوط أمس ضغط خفيف منها فتألما.
تركتها فجأة مبتعدة، ثم سألتها باهتمام بليغ بينما ترمقها بحاجبين انعقدا بشكل خفيف ما إن سمعت أنين ألمها :
_ "شروق" أي بيوجعك؟! أنتِ كويسة؟!
نفت برأسها، مما جعل دبيب القلق يسري في قلب الأخرى، وما زال عنها إلا حين قصت عليها ما حدث البارحة من رؤية القطة وتعرقلها إثر الهلع المصيب لقلبها حتى سقوطها واصطدام ظهرها بحافة الأريكة، لم تذكر لها ذلك الغريب على أرض بيتهم ووجدوه وعرضه عليها المساعدة، وأنهت حديثها بكلمات غلفها الاطمئنان على حالها وأنها تعالج الألم وستتحسن بإذن الله، ثم خرجتا سويًا واتجهوا حيث وجود جدتهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كان متفائلًا محسنًا الظن في ربه، لذلك نجى من عبث مشاعر سلبية في قلبه.
إن أصدق مشاعر في الإنسان هي التي تنبع من قلب سليم حافظ لله وأوامره، ولأنه كذلك، كانت تلك النبضات الناعمة نورًا في درب الانتظار الذي وطأت فيه قدماه منذ قريب.
كان الجميع حوله يتسامرون في أمور شتى، شاركهم صديقه《صفوان》الحديث، تجلى عليه بعض الغبطة الطالة من بؤبؤة عينيه وهو يتمشى بها في المكان حوله بها فيرى بيته الخالي من الجموع عاد يمتليء بها من جديد، رمق والده الجالس بجواره على أريكة جاورت مقعد شغل محله بامتنان، فهو صاحب تلك الفكرة ومؤسسها، ذلك والده وسجيته، لو امتلك يومًا قدرة على زرع الغبطة في قلوب من حوله، لفعل.
ألقى عليهم نظرة خاطفة قبل أن يغوص بعقله حالمًا، فيترك تلك النظرات معلقة عليهم من دون انتباه لهم، ويشرد باحثًا عن الحياة في محطة الانتظار العالق بها...
دائمًا ما كان يعلق بمحطات الانتظار، يرى الجميع حوله يتمنون ويسيرون من دون توقف حتى تتلاقى سبلهم بأخرى فيها أمانيهم، أما هو لم يلقى يومًا مبتغاه في نهاية سبيله، كان فقط يتوقف عن السير في محطات انتظار شتى.
ربما ذلك الاختبار الكامن في التأخير الملاحق له دائمًا قبل أن ينال المراد، كان سببًا في أن يتعلم الصبر، وحسن الظن في الله، فيزيد إيمانه وتحل السكينة أركان قلبه كما يلازمه السلام في جنبات المحطة وهو ينتظر.
خرج من شروده على شعوره بيد الأخر تربت على فخذه، كان خليله《بلال》الذي تابع حديث قصير بين《إمام》و《صفوان》بسمعه، أما عينه فكانت تراقبه وقلبه وهو في حالة شروده الغير معتادة إلا في أمور مهمة تحدث. سأله ببلاغة لسانه:
_ ما شغل الخليل ليبتعد ويتيه في خضم الشرود غريقًا؟
انشقت شفتاه عن ابتسامة جانبية بسيطة، ثم قال باقتضاب بعد أن أعاد رأسه يرمق الأثاث أمامه _مقعد يجاور الأريكة_ وتنهد بعمق:
_ حاجات كتير، كتير أوي.
يعلم أنه مشغول بأمر زواجه، وكذلك《صفوان》وأخرهم ذلك عمله الذي سيقبل على تنفيذ أوامر أصدرت في مقره، وهي انتقاله إلى فرع أخر من الشركة في إحدى المحافظات الشمالية كي يعمل فيها تعويضًا عن نقص المهندسين هناك، وهذه أوامر صاحب الشركة ومديرها، فلا نقاش فيها.
جال بعقله فجأة أنه انشغل بأمر عمله الذي أتى بعد انتظار معتاد في حياته هو شهد على الكثير منه، وقد كان جواره الروح بالروح في كل محطة انتظار في حياته، ربما هو كان سبب السكينة والسلام فيها، لذلك سأله مضيفًا على حديث انقطع منذ قليل كان عن العمل خاصته:
_ هو مدير الشركة ما صرحش عن مدة العمل هناك، هي أد اي، وهل هتفضلوا هناك دايمًا ولا مجرد نقل مؤقت، مش مستدام؟
أجابه وقد انبلج في عقله ذكرى حديثه معه الذي نسي أن يتممه:
_ أيوة أيوة ما تقلقش نقل مؤقت، نسيت أقولك ودخلنا في حديث جديد لمَّا جات أم 《صفوان》.
_ طب الحمد لله، تنقضي على خير وترجع بالسلامة يا "يحيى"، بس أنتَ في حاجة شغلاك أكتر من ده، ما تخبيش هتتفضح وهتخسر أنتَ حر!
أنهى حديثة بطريقة فكاهية تجلى فيها اهتمامه بمعرفة تلك الضائقة الجمة التي تثقل على صدر خليله، فيواري عنه أكثر، من دون أن يعرف أنه بذلك يخسر في حرب التظاهر المزيف خاصته بفضح ملامحه وخاصة عيناه له.
ثبت عيناه على صفحة وجه الأخر السِمحة، واكتفى بقوله بهدوء يحمل بين طياته عظم ما ينتظر هذه المرة :
_ ادعيلي بس أنتَ.
ما إن نطق بها، علم على الفور أنه في اختبار جديد، ولكن يبدو أنه غير الذي مر من قبل، فدائمًا ما كان يأتي إليه حاملًا السؤال فيجيبه ويريح عقله من نسمات عاصفة تهب إليه، أما تلك المرة مختلفة، يواري عنه الكثير الغامض؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يحكى أن في ذات زمان، انتشت القلوب سعادة وهناء، وتغلغل الدفيء بين جنبات النفوس، يلهمها السكينة والسلام، وعبقت البيوت بعطر الأنس، في وجود الأحبة والأمان، وفجأة زارها لص محتال، سرق السرور من أعينهم، والأمان من أنفسهم، احتل أرضهم وسلبها السلام، ورحل تاركًا خلفه الآلام.
لكلٍ منهم لص خفي، زار حياتهم فجأة وسرق رحيقها، قد يختلف مقداره ونوعه، لكن الأثر لا يختلف عن غيره في شيء، يتجلى في النبرات والعيون والإيماءات ما إن تأخذ عقولنا جولة في زمان أصبح مجرد ذكرى.
كانت《حور》تقص عليهم مضمون بحث تقيم عليه وتنسيقه، لمَّا فُتحت سيرة الأمراض النفسية وذلك المجال الذي درسته، وضحت لهم أنها تربط في بحثها بين مرض معين وبين جريمة تعاطي المخدرات والتي تصل إلى نتائج فادحة منها التعدي على الغير كبيرًا كان أم صغيرًا، وقد تحدث جرائم قتل في النهاية.
صمتوا جميعًا تأثرًا بتلك الحوادث المشابهة التي مرت عليهم، أما والدة《صفوان》فنطقت بهمٍ تنعي موت طبيعة البشر في زمانها :
_ والله الناس يا بنتي اتغيرت واتغير حالها، لا أنا شوفت على أيامنا عقول بالشكل ده ولا الجرايم إللي زي دي كانت ليها سيرة إلا القليل يمكن ما نسمعش عنه.
ولجت《أمينة》تحمل في يديها صينية مرتص فوق سطحها أكواب عصير في نفس عددهم في ذات الوقت الذي توقفت فيه والدة《صفوان》عن الحديث، أشرق وجهها بابتسامة بشوشة وهي تطالعهم بسرور يجتمعون حولها في مكان يسوده أُنس نفذ عبر بوابته الغبطة إلى قلب تلك المرأة العجوز وهي في منتصف شبابها!
وضعت ما كانت تحمله على طاولة صغيرة وبدأت في توزيع الكؤوس على الجميع، ثم جلست وفي يديها كأسها بجوار《رقية》تستمع لحديث الأخرى التي شغلت مساحة بكرسيها المتحرك قبالتهم وعلى مقربة من أريكة استقر عليها فتاتين يستمعا إلى حديثها الذي أضافته إلى سابقه :
_ الزمان كان حنين، وعلى قلوب الناس هين، ياريت يرجع الزمن وإللي اتسرق، ومين يرجع الجوهرة المسروقة من البشر وإللي بقوا من بعدها تايهين، البلاء يزيد ومش بينتهي، والضلال مالي قلوب معظمهم، ونفوسهم فاضيه من معنى السلام، وقلوبهم نادرًا ما نلاقي فيها بقايا رحمة، من سعة ما الجوهرة دي اتسرقت وسرقها الزمن، والناس بقت في غابة فيها الضعيف إللي مش بإديه يعمل حاجة غير إنه يسكت ويبقى ضحية لحيوانات مفترسة جبارة تحكمها غريزة الرغبات والشهوات.
صمتت، وتركت لحديثها المجال كي يعبث في عقولهم، جميعهم اتفقوا على رأيها المعتاد، أن الزمن تغير ومعه الأُناس أيضًا، منهم من رأى في حديثه مكمنًا لماضي هي عاصرته فانبلجت على إثر الذكرى كلمات، فسرى في قلوبهم شفقة وحزن على حالها، ومنهم من نفذ عبر بوابة ذكرى ماضية عن لص خفي سلب منها أغلى ما تملك، وهي الكرامة، احتل أرضها عنوة وسلب الأمان للمرة الثانية بعد أن سلبه منها في طفولتها برحيل والدها إلى حياة أخرى الروح فيها خالدة.
نطقت《آية》في شرود من دون وعي منها :
_ علشان هما حيوانات.
التفت الجميع إليها في تعجب، فانتبهت أكثر على حديثها وهي تكمل جملتها بوضوح:
_ لأنهم لو بشر وفيهم غريزة واحدة بتوضح إنهم فعلًا كده، ما كانش سلوكهم ده تجلى في صفاتهم، أنانية، مصلحة، تدفعهم قوة خفية لارتكاب أساليب همجية كالحيوان الثائر في تحقيق رغباته، قوة بتنبع من قلب عقل تتحكم فيه غريزة حيوانية وهي اللاتفكير، الحيوان مش بيفكر لأنه معندوش الغريزة علشان لا يوجد عقل من الأساس، وهما أثبتوا بأفعالهم دي إنهم لا مؤاخذة حيوانات.
البعض أدرك أنها تصف شعورًا ما أخلفه حديث الأخرى، لكنهم لم يدركوا أبدًا أن هناك خفايا بين طيات حديثها مدفونة منذ سنوات طوال، وأثارها الحديث الآن، إلا صديقتها《حور》، تنبه عقلها في سلوكها وإيماءاتها حتى اتضح لها أنها أثيرة صدمة ما راودها الريب تجاهها ما إن خطرت على بالها، تراها لم تنسى تلك الفتاة؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تهب نسمات خفيفة، فتحرك برشاقة سعف النخل مصدرًا هسيسًا هادئًا يعم المكان حوله، تقترب الشمس من أحضان البحر معلنة رحيلها خلال مقطوعة حارة تعزفها أمواج البحر الغادية والراحلة بسرعة متوسطة، تتصاعد نغمتها في العلو تدريجيًا بقرب الأمواج مندفعة بقوة إلى شاطيء البحر فتصتدم بحواجز صخرية منخفضة، وتخف رويدًا بابتعادها فيخيل له أنها تعزف مقطوعتها من مكان بعيد في أعماق البحر.
كان شاردًا في ذلك المشهد الخلاب بينما هو يقف في شرفة غرفته الخاصة بذلك الفندق الذي سيقيم فيه طوال فترة عمله، تطل على شاطيء البحر في مدينة مرسى مطروح، حاله كحال تلك الأمواج، يعزف عقله سيموفينية خاصة اعتادها، وتراقصت أفكارها بغزارة حتى انعقدت ببعضها وتسببت في كتلة ضخمة تشغل عقله الفارغ إلا منها!
رغم أنه يعرف مخاطر ما يؤل إليه سيره وراء عقله، إلا أنه لازال يغرق في بحرها الواسع، خيل له ولوهلة أنه لم يستطيع العيش بدون تلك الأفكار والعقد، فعقله بدونهما فارغ! فارغ من أي ضوء حتى لو كان خافت يرشده السبيل المظلم بمن حوله، يرى أن وجود الجميع حوله كظلام، بالضبط كالذي يقبع في أعماق البحر المليء بالكائنات المفترسة المخادعة الماكرة، تحيك بعقلها الخبيث مؤامرات توقعه في فخ مجهول، المهم أنه فخ ما والجميع يتربص له كي يوقعه فيه، حتى أقاربه أوقعوه فيه، فكيف لا يخشى الغريب إذن؟!
عزف البحر مقطوعة جديدة أشد عتوًا باصتدام موجة شديدة العتو بالحاجز الصخري، فقابله عقله بمقطوعة أشد منه وكأنه يستعرض قواه عليه، فهو الأكثر عتوًا لأمواج شاغلة حيزه، وغاص في أعماقها بعد أن سحبته من على شط أفكاره.......
صدى صوت بعيد تعصف الأمواج من حوله يحاول إثبات صدقه...
_ أنا مش بكذب يا أستاذ "أدهم" وبعدين أي إلى هيخليني أقطع المسافة دي كلها على مجرد نزهة أو فسحة وأسيب شغلي فجأة كده من غير أجازة حتى.
فتحل موجة عاتية تعصف بقوة قاطعة صوته...
_ بس أنا أفتكر إنك قولت من كم يوم إنه المشروع تم اختياري ليه، وأكدت كمان إنك هتنزل غيره في وقت قريب وفي نفس المدينة، إي غير الأحوال فجأة يا أستاذ "بكر"؟!
كانت عاصفة قوية تصحبها أمواج عاتية أغرقته في غياهب البحر وظل عالقًا يلوم نفسه كالعادة، أما الأخر ومنذ ذلك الحديث الحاد بينهم المليء بالريب والشكوك، فلم يراه، وانشغل على إثر ما حدث به، وظل يردد ضاربًا بعقله سوط الندم، ليته ما سمح لأمواجه أن تخرج من خدر البحر في أعماقه هادرة، ولكن ماذا يفعل، هو فقط خشي على نفسه عضة مفترس مخادع لا أكثر؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الخيانة، أن تستغل ثقة المقربون وتنصب بواسطتها جسر الخداع للسير نحو مرادك مستغل غياب أعينهم عنك، والمفجع، ليس متعة تفعلها في غفوة عن عيون الأخرين الواثقين بك، بل حقيقة يحجبها عنك غشاء على قلبك يغلفه، أنه خان الرقيب ونسي أنه من فوق سبع سموات يسمع ويرى.
إلى طاولة تضم أربعة أفراد في مطعم راقي جمع شملهم هم الأربعة بعد غياب طويل جلسوا يتسامرون الأحاديث، هم صُحبة منذ أيام جمعتهم فيها محاضرة تُلقن في مدرج واسع شهد على لعبهم ولهوهم بدلًا من جدهم واجتهادهم، كانت إحداهم وهي فتاة تنسل خصلات شعرها البني على كتفيها بشكل أنيق، تتحدث بفخر عن نجاحاتها التي نالت عبرها أحلامها وهي الآن تعيش في هناء، حيث بلغت أبحاثها أهمية عظيمة فى مجال البايو تيكنولوجي وكيف ربطته بالأمراض التي تصيب الحيوان مما يؤثر ذلك على صحته بل والانسان أيضًا وأخر ما لاقته أنها حصلت على جائزة ثمينة على مجهودها المبذول وانتهت بقولها أنها استقرت في العمل بإحدى شركات الأدوية المصنعة لعلاج الحيوانات واكتفت ببحثها الذي نالت على إثره الجائزة وانشغلت بعملها والاستفادة من ذلك البحث بتطبيقه.
تصفيقة حارة قصيرة تابعها صوت صاحبها، ذلك الشاب المواجه لها يشغل مقعد أمامها:
_ برافو، بجد شابو لكِ يا "ميرنا" دايمًا كنت أقول ما فيش غيرك الجدعة ما بينا بتركز في الحضور والمذاكرة لأنه عندها هدف، وأهو حصل فعلًا وأثبتِ بنجاح.
لم تلحظ تلك النظرات الصامتة الثاقبة لها من أعين تلك الفتاة الشرسة بجوارها، وهي تبادل صديقها النظرات التي شيعت عبر خاصتها بامتنان على مدحه وذلك بعد أن شكرته مبتسمة.
يغزو قلبها شيء من حب الذات بشكل كبير، فتتجلى على سلوكها وإيماءاتها معنى واحد وهو التعالي سواء بمظهر أو شيء ما تمتلكه ثمين وكل ما يُنسب إليها يعزز شعور الفخر والعلو الكبيرين، فتحلق نفسها في سماء التكبر، تبغض على من حولها ينازعها على تلك المكانة، متوهمة بكل ما يمكن من وهم أنه يسعى لأن يطردها من عرش الأفاضل الذي تترأسه، فتبذل ما بوسعها لتكسر خطاه نحوها بأشد ما لديها من سلوك عنيف تدفعه قوة الحقد!
_ بس المجال ده ملوش فايدة، يعني البيطرة والأبحاث المهتمة بيها مش شايفة إنها مهمة يعني في حياة البشر، لذلك ما التفتش لحاجة زي دي خالص إني أشغل وقتي بيها، دي وجهة نظر مش أكتر.
أضافت مبرر غير مجدي حتى لأن يقنع عقولهم أن تلك《روان》 التي أمامهم تثور البراكين في جوفها غيرة وحقدًا على ما حققه غيرها من نجاح، وهي لا شيء سوى جمال تتفاخر به على مواقع التواصل الإجتماعي!
ابتسامة مقتضبة اكتفت بها الأخرى، لم تعلق، ولم تسمح من الأساس أن يشغلها حديث إن اهتمت له سيحطم بناء أحلامها المشيد في عقلها وتصل على فترات بثقة في نفسها إلى دور من أدواره.
اتى النادل بأكواب العصير إليهم، مما غير ذلك الجو المشحون بالطاقة السلبية بينهم، وبدأ الجميع في صمت يتناولونه.
لحظات طال خلالها النظر بينهم، هي تفهم وهو كذلك سبب تعلق النظرات طويلًا، منذ أن باغتها ذلك ال《ياسر》باعترافه وطلبه، وهي لم تجيب، ألم يفهم أن في الصمت إجابة؟
قطعت استرسالها في حرب النظرات المتقطعة بينهم بخجل، والتفتت إلى تلك الفتاة الشرسة المحجبة بحجاب غير مكتمل بجوارها، تظهر منه خصلات شعرها بشكل كبير ورقبتها أيضًا. قالت بحفاوة لم تستطيع إخفاؤها رغم غيرة《روان》منها البادية، فهي تحبها وتحترم سنوات العشرة بينهم:
_ واحشاني يا "روان" ووحشني حضورك ما بينا والله، عارفة لو ما كنتيش جيتي النهاردة كنت زعلت أوي بجد.
انبلجت عن ثغرها ابتسامة أخفت زيفها، تذكرت على إثر حديثها كيف فرت من حديث والدها وبنت على ثقته بها جسر خداع حينما وعدته بكل صدق زائف أنها ستعود مبكرًا بعد مقابلة صديقة لها عادت من سفر طويل، وذلك بعد إنتهائها من تمارين تخوضها في ما يسمى بال《الجيم》وقد لاحظ هو طول غيابها عن البيت، فاتصل بها ليطمئن.....
_ "روان" كفاية أنتِ من بدري في الجيم، ما فيش خروج بعده تعالي أنا مستنيكي في البيت نقضي وقت مع بعض أنا فاضي النهاردة.
_ معلش يا بابا هي أخر حاجة هروحها وأرجع على طول، صحبتي جات من الخارج وأنا لازم أروح أقابلها لأنها مستنياني ما ينفعش أسيبها وأنا وعدتها إني هاجي.
وبرضى تام وهو الذي لا يرفض لها طلب، وافق بشرط:
_ ماشي يا "روان" بس ما فيش تأخير...ها.
_ عيب عليك مش هزعلك!
عادت من شرودها على صوت صاحبة الكف الملوح أمام وجهها بينما تقول:
_ هاي أنتِ روحتي فين؟!
_ معاكي أهو، سرحت بس شوية.
قالتها ثم رمقت ساعة يدها الأنيقة وقالت بعد أن جالت بعينيها بينهم الثلاثة:
_ طب أنا مضطرة أمشي علشان عندي معاد مهم ومش عاوزة أتأخر.
كان الوقت لازال مبكرًا لكنها لا تود البقاء صاغية لنجاحات غيرها التي تضرب جوفها فتحرقه، وقبل أن تودعم وترحل وجهت حديثها إلى "ميرنا" بتصنع:
_ ومبروك عليكِ النجاح يا "ميرنا" ، وبصراحة "ياسر" عنده حق في كلامه من شوية.
بادلتها الابتسامة بأخرى غير متصنعة، ودعتهم في استعجال لاحظه شاب كان يشغل المقعد بجوارها، فالتوت على شفتيه ابتسامة خبيثة وقال يستوقفها:
_ ويا ترى الاستعجال ده علشان خاطر حد معين خايفة يشوفك معايا، أو..معانا؟!
توقفت عن الالتفات والرحيل، وسألت بحاجبين معقودين وقد بدأ غموض حديثه يتلاشى غموضه:
_ قصدك أي يا "حسام"؟!
أراد فقط أن يثير في زهنها حادثة قديمة جمعت بينهم أيام الدراسة معًا، وها هو قد نجح وعلم أنها لم تنسى، فأستكمل يتأكد من فكرة في عقله جالت:
_ أكيد يعني أقصد حد مقرب، بس خلاص سيبك، كنت بس فاكر إنك علشان مرتبطة وكدة فخايفة.
_ لأ مش مرتبطة، وياريت حضرتك تلزم حدودك في الكلام معايا وتعرف أي إللي يخصك وإللي ما يخصكش.
اغتاظت، ذلك البغيض الذي لم تنسى ذكرى جمعتها به، لم يحل عنها إلا ليثير غيظها، أسرع في الاعتذار قبل رحيلها وقد استوقفها مجددًا:
_ أنا آسف، مش قصدي أتدخل، يبدو إنه الفكرة كانت مغلوطة عنك، وأنا كنت فاكر إنه الشاب نفسه إللي دافع عنك سعتها قصادي كان خطيبك أو حد مقرب، وأنتِ عارفة أنا ما شوفتكيش من سعتها بعد ما بيت أنا وهو يومين في السجن.
سرى في نبرته طيف لغيظ دفين سببته ذكرى ماضية، أما هي فرحلت دون جواب وعقلها تكدس بالمخاوف، هذه أول مرة أن تناوبها فزعة قلب رغم ما تفعله من أخطاء، لم ينهش صدرها القلق سوى بتلك الذكرى السوداء، تساءلت بينما هي تقف منتظرة وسيلة النقل لتقلها، أين يمكن أن يكون اختفى هذا المدعي بخطيبها، ماذا إن ظهر؟!....
فزعت لمجرد فكرة محتملة، فوثب قلبها يخبرها أنها بخطر، وستنفضح!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أمام باب البناية الحديدي من الخارج يحيط به نسمات هواء هادئة بينما يقف يراقب حركة السيارات القليل عددها في اتجاهين لطريقين متعاكسين يفصلهما رصيف، أحدهما بقرب البناية والأخر المضاد له في جهة الممشى القريب من نهر النيل الذي تحمل نسمات الهواء رطوبته وتوزعها على كل قريب أو مار.
منذ ما يقرب النصف ساعة وهو ينتظر في صبر لم يعهده في حياته، إلى درجة أنه لم يصدق نفسه بمرور دقائق الصبر عليه! هذا الأحمق إذن سيعلمه الصبر في أجل معانيه، وهي أن تصبر على صديق رحلتك الأحمق وكذبه المكشوف في جملته المعتادة بينما هو يوعدك فيها بوصوله إليك في غصون ثوان معدودة مفسرًا تأخره بحجة إنتعاله حزاءه، وهو من الأساس لم يتحرك من فوق فراشه بعد.
زفر بقوة تجلت فيها حنقه المكتوم، صبر طويلًا، والآن لا يد له على ثائرة بداخله أكثر مما مضى، لذا ما إن رمق الساعة في هاتفه وأعاده في جيب سرواله، انطلق على الفور صوب جبهته كالسهم المندفع بقوة الجذب المتمثلة في حنقه بعد نفاد صبره.
ذلك الأحمق سيعلمه دروسًا كثيرة في حياته وأولهما الصبر على أفعال الأحبة، وعدم التهور في أخذ قرار، هو يحبه، صديقه المقرب، منذ سنوات دراسة في الثانوية وهم معًا، لم تفرقهما سُبل، حتى التخصص الدراسي كان هو نفسه في أيام الجامعة حتى تخرجا وتفرق الرفاق إلا هم، لازالوا في نفس درب الحياة الذي يجمعهم، وهو الصداقة الصادقة.
رفع كفه ليستدعي من في الداخل بضغطه على زر الجرس المجاور لباب شقة صديقه كي يفتح أحدهم له الساحة ويسنح لثور غيظه أن يتغلغل فيها باحثًا عن ذلك الأحمق حتى يصب حنقه عليه، وصل إليه صوتها الصائح وهي تقترب من الباب بينما تعنف أحد أبنائها الصغار وتتوعد له بالعقاب الذي أنقذه منه صوت جرس الباب، فانحرف مسارها عن الوصول إليه وتوجهت صوب الباب كي تستعلم بتعجب من الطارق.
اتسعت ابتسامته المتوارية خلفها خوف كامن تسبب فيه صوتها الغجري بينما هو يقف أمامها كالصنم دون حركة ولا كلام.
رمقته من أخمص قدميه إلى مقدمة رأسه بنظرات متفحصة أرعدت دواخله، ظن لوهلة أنه أخطأ في العنوان، لكن لرؤيته تلك الملامح من قبل في تاريخ صداقته مع الأخر، نفى ذلك الشك، وما زاده ذلك إلا إرتعادًا، نطقت بغضب لازال أثره في نفسها وهي تسأله:
_ عاوز أي يا "عُمر" أفندي؟!
بدلًا من أن تقول له مرحبًا!! يبدو أن تحية الترحيب تغيرت، فيجب عليه أن يعرف بدائل الردود على تلك الجديدة، سرح ببلاهته في ذلك الحديث الخفي في نفسه يفتش عن بديل، ونسي سؤالها، مما جعلها تعيده بقوة عليه في غلظة سلبت منه ثباته، فأجاب باهتزاز من بين ابتسامته البلهاء:
_ "حازم" عاوز "حازم" يا أم "حازم"، هو فين؟
ومن دون إجابة فورية، تركت الباب يأخذ سيره في جهة الفتح بقوة أحدثتها دفع كفها له قبل أن تبتعد وتقول بحنق وهي تسير صوب الداخل :
_ البيه جوه في أوضته نايم ما صحيش من سعة ما رجع الفجر، خش صحيه لو قدرت.
ابتلع غصته، وووقف على أعتاب الباب مترددًا، حائرًا بين اختيارين، البقاء حتى استيقاظه في الخارج وينقذ نفسه من براثن تلك المرأة الغليظة؟ أو يدخل في عرين اللبوؤة و يضحي بنفسه لأجل ذلك الأحمق، ولكن مهلًا هي صرحت بأنه عاد في فجر اليوم منذ قليل، أليس كذلك؟! وكيف وهو تحدث معه البارحة في منتصف الليل وأكد عليه أنه في المنزل وسيتوجه إلى النوم مما دفعه يغلق معه سريعًا، ترى هل يكذب عليه صديقه؟! لا، لا يعتقد، هو لم يفعلها من قبل ولن يفعلها، ولكن ماذا عن حديث أمه؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لوهلة ظن أنها النهاية، لكن في خُلده لم يدرك أن بين طياتها تكمن البداية.
الكرة لم تعود له مجددًا إلا إذا مررها له مساعديه في الفريق، وأين الفريق وأين الكرة؟ يبدو أنه على جرف الهاوية وسيسقط في غياهب خسارة كبيرة لم يتمنى حلولها.
مكث جالسًا على فراش غرفته ينظر إلى حاله المحطم ظاهريًا، فتسلل إليه لوهلة أن حالته تكتب بأناملها نهاية خسارته في مباراة كانت في البداية حاسمة، وخيل له بيأس أنه بعيد كل البعد عن هدفه، ترى من يعيد له الكرة مجددًا؟!
_ كده تمام يا "عدي" ما فيش هدوم تاني في دولابك.
أخرجته تلك الجملة من شروده البائس، فالتفت له ينظر إلى ذلك الواقف بجوار فراشه يتمم على غلق الحقيبة جيدًا. قال بامتنان:
_ تسلم يا "عَمرو"، تعبتك معايا والله.
بنفي أسرع يزيل عن عقله ذلك الاعتقاد:
_ خالص ما فيش تعب ولا حاجة، المهم سلامتك.
علت شفتيه ابتسامة شكر قبل أن يتجلى في حديثه:
_ والله أنتَ أصيل زي أبوك، أنا مش عارف كنت هروح فين بحالتي دي وأدور على شقة تاني وأنقل عزالي تاني وموال بقى، أنا ممتن ليكم جدًا، مش هنسى وقوفكم جمبي في وقت زي ده.
_ ده أقل حاجة ممكن نقف جمبك بيها بعد إللي حصلك بسبب فرد من عيلتنا، والمفروض احنا إللي نكون شاكرين على موقفك في القضية، رغم إنه مبهم بس ساعدنا كتير.
لم يعير اهتمامه كي يفسر له سبب فعله في ذلك اليوم المشؤوم، اكتفى فقط بابتسامة بسيطة أثارت تعجب الأخر الذي انتظر منه تفسير أو مشاركة واضحة بحديثة، لذا فما إن أدرك ذلك بنباهة استطرد معه في حديث أخر مختلف:
_ هو صحيح أنتوا عيلة في نفس البيت ساكنين؟! عرفني عليكم أهو أسلي وقتي مش عاوز أرجع للخنقة والشقة لوحدي دلوقتي.
تنهد بعمق قبل أن يتحرك ويشاركه الجلوس بجواره على حافة السرير، ويقول مرحبًا بكل قبول :
_ أولًا ما تقولش إنك لوحدك تاني، احنا أهو العيلة كلها حواليك، لو حسيت بالخنقة ممكن تطلع فوق السطح هتلاقينا احنا الشباب فوق بنسلي وقت فراغنا، أي نعم شوية أحاديث فارغة بس بنتسلى بوجود بعضنا، فمتترددش في إنك حتى تكلمني وتقولي إنك عاوز تطلع وتقضي وقتك معانا.
وعده بذلك في رضى وابتسامة بسيطة اختفت بينما هو يتذكر تلك الذكرى السخيفة التي لا تريد أن تحل عن عقله، هو يعلم أن حديثه الساخر كان فقط على سبب خوفها، لكنه لم يكن ساخرًا أبدًا من تلك الأحاديث التي تبادلتها مع نفسها، لذلك شروده كان في هذا الوقت أعمق، ذكرته بحاله المشابه لحالها ووحدته، ترى هل هي أيضًا وحيدة مثله؟
انتبه مؤخرًا لحديث الأخر الذي بدأه يعرف خلاله عن نفسه وعائلته، علم أنهم عائلة واحدة تتكون من أربعة أسر، والده وأسرته وهو أكبر حفيد، تبعه عمه《أحمد》يليه عمته《منى》وأخيرًا عمه《أمجد》، ثم استطرد في حديثه عن حالتهم وعملهم، فعرف أنهم يديرون تجارة تصدير واستيراد الحاصلات الزراعية التي هي في بداية ازدهارها، فجذبه ذلك الخيط الغامض من دون سابق تفكير، مما دفعه يسأل فجأة مستفسرًا:
_ في بداية ازدهارها يعني لسة من وقت قريب بدأوا يتاجروا فيها؟
لا يعلم لماذا سأله هذا السؤال، فنفى اعتقاده الذي ظن سببه سوء فهم أحدثه حديثه الغير موضح جيدًا:
_ لأ مش كده، هي بس مشاكل مفاجئة حصلت أدت لخسارة كبيرة، كادت إنها توقف العمل في التجارة من تاني، بس بفضل الله رجعت، وكل حاجة اتصلحت.
وبنبرة محقق جادة، استرسل في أسئلته تقوده هتافات في أعماقه لم يسمع لها جيدًا:
_ ياه خسارة كبيرة، شكلة السبب كان كبير برضه، زي سرقة مثلًا.
أسرع يزيل شكه:
_ لأ خالص مش سرقة، أو هي مشابهة لكده، السبب ببساطة كان من عاملين في التجارة مع أعمامي، خانوا الثقة إللي حطناها فيهم، واتضح بعد فترة إنهم بيسرقوا نوع من المحصول معين واتضح ده لمَّا الميزانية نقصت عن العادة وحصلت مشاكل كبيرة توقفت بسببها التجارة عن العمل.
_ غريبة في حد ذكي يسرق في العلن كده، ما كان أسهل يقول إنه بيتاجر في سوق سودا.
فاجأه باعترافه المتجلي خلال نبرته الناطقة به الأسى:
_ للأسف مش سوق سودة زي ما أنتَ فاكر، حاجة أكبر، كانوا بيخفوا نوع من المخدرات في المحصول بطريقة ذكية علشان يقدروا يهربوها مع المحصول الأصلي إللي بيتم تصديره، بصعوبة قدرنا نثبت إنه أصحاب التجارة نفسهم ما لهمش دخل في الموضوع بعد ما اتكشفوا العاملين دول، وفشلت عملية تهريبهم وكل حاجة خربت!
استفهامات رُفعت راياتها بداخله، فتأهب عقله لمواجهة ذلك الغموض الكامن في تفاصيل حياته الجديدة حوله، يرى في بداية الطريق نهاية، رغم أنه لم يفطن ما علاقة مباراته التي يود العودة لكي يخوضها بحماس، إلا أن شيء خفي يدفعه كي يخوض مباراة أخرى وخصم أخر، وهل هذا خصم جديد؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أن تكون لحظاتنا الأخيرة بين الأحبة، هذا ما ينسينا عضات الألم القارصة!
الجميع حولها ينشر ابتسامته، يتبادل الكلمات المفعمة بالحب، فحمدت الله في قلبها على تلك الصلة التي ربطت بينها وبينهم وصارت من بعد الوحدة فردًا هي وابنها من تلك الأسرة، أسرة اجتمعت من اللاقرابة وأوصلت حبال الود ببعضها حتى توطدت برابط أقوى من القرابة، وهو المحبة والوفاء، ذلك الرابط المتفاعل داخل دائرة نشاطه المشيدة بحصون الأمان.
قد تقتلع العاصفة زهرات البستان معظمه، وتبقى ثلة من الزهور زابلة، دعسها عصف الزمن وأحداثه بخفه السميك، وتُركت وحيدة من دون قريب يعبق بالحب بستانها، لكنها لم تمنع عوض وعطايا تنسل كالغيث على تربة افتقدت جُل ساكنيها، فتنمو زهرات حول ثلة زابلة يستحيل موتها إلى حياة جديدة برفقة الجميع حولها تشملهم نسمات الأنس ببعضهم.
لم تصدق يومًا أنها وابنها سيعود إليهم الأنس والدفء الكامن بين جنبات أسرة طيبة من جديد، بعد أن فقدت ذلك منذ سنوات بداية من هجر زوجها وأولادها الغير معروف أثرهم إلى الآن إلى موت أغلى من استوطن جنبات قلبها بحنانه وأنسه، وهو والدها، ومن بعد ذلك الفقد اشتد العاصفة عتوها، وزبلت حتى جاءتها عطايا الله وعوضه.
قرصة ألم خفيفة وليست بذلك، فهي تقنع نفسها أنها لاشيء بجانب هذه العواصف التي سلبتها الحياة، فتسير على درب الوهم متألمة! تبعتها قرصة أخرى وغيرها متتابعة فى الحلول متدرجة في الشدة، كلما أوهمت عقلها أنه ألم كسابق غيره وسيرحل، جاءها نداءات الاستغاثة من أحشائها تنذرها بوجع شديد راجية أن تكف عن إخفاء الألم، والإسراع لعلاجه وإلا!...
زاد الألم أضعافًا، واضطربت على إثر كتمانها له خلجاتها، تود أن تصرخ بعلو صوتها وتستغيث، لكنها أبت ودعت بأن يزول ولا يحل ما تخشاه من علل أكثر من ما تتظاهر بها خطرًا، فضحتها خلجاتها أمام عيني ابنها الذي لاحظ انعقاد عاجبيها بشدة تشي بألم كبير تكتمه وهي جالسة على كرسيها المتحرك بالقرب منهم تشاركهم الجلوس قبل لحظات وداعهم، ولاحظ إطباق شفتيها على بعضهم بقوة تفرغ خلالها شعور الألم المكتوم، ولما نهش القلق قلبه وهو يطالع هيئتها المتبدلة فجأة، أسرع يجثو أمام كرسي متحرك تقبع عليه، ويسألها في اهتمام مُقلق عن حالها بينما يمسك بكفها بين كفيه:
_ مالك يا ماما، شكلك تعبان! ترتاحي طيب؟!
قصدت أن تجيبه بالكذب، لكن الحروف عصتها وخرجت متجمعة مع باقي حروف جملتها كشعب ثائر يناشد بالاستغاثة، تدرجت صدى صيحاته حينما بدأت بأول حرف تلاها صرخة ألم بدأت تزداد بالتدريج شدتها، فسقط قلبه في بطنه بدفعة قلق بالغة أهلعته والجميع الذين توقفت أفواههم عن الحديث وهرولوا صوب مصدر الألم العالي!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman