◇◇سُبل مجهولة◇◇

◇◇سُبل مجهولة◇◇

32 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_التاسع_والثلاثون.

تعافي_النفوس_الجزء_الأول.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

خبت ضياء السعد عنه يومًا، وسادت الحياة بعده ظلامًا مستبدًا، هجر الأنس بأنفاس من حوله، وترك زمام القيادة لبقعة سوداء عالق بين خيوط ظلامها الدامس.

لازال يهزي بذات الاسم، ظن الاثنين أن أثر الحرارة شديدة على عقله فزارته الأحلام وربما الكوابيس! ففزعه من هذا الاسم أثار ريبة قلوبهم بشدة مما يظنونه عنه، أنه يعاني من صدمة ما!

أزال《يحيى》قطعة القماش المبتلة من فوق جبين المريض الراقد في فراشه وقد زاد إعياؤه، ثم وضعها في مكانها حيث وعاء فيه ماء يستقر فوق كميدو خفيض يجاور طرف السرير، عاد ببصره يراقبه في قلق وحيرة، وفي ذات اللحظة هتف صديقه الجالس على طرف الفراش من الجهة الأخرى يسأله بقلق:

_ أي الحل! الحرارة مانزلتش، نوديه المستشفى، كده أفضل علشان نطمن.

هز برأسه بحركة بسيطة تشي بالموافقة بينما هو يتابع حالة الأخر، وقال:

_ هو ده إللي هيحصل، خافض الحرارة مش جايب نتيجة، ده غير إنه استفرغ كل الأكل من ساعة ونفسه مش قابلة أي أكل، حتى دواه مش هينفع ياخده بالشكل ده.

أكد بحديثه بينما هو ينظر بتركيز على ملامح وجه الأخر الغائص في دوامة مرضه، جذب انتباهه انعقاد حاجبيه، ومقلتين حركتهما مضطربة كما تبدوان من تحت ستار جفنيه، خلجات وجهه كانت مضطربة، وكأنه يرى ما يزعجه فتزداد تأثرًا.

وصل إلى مسامعهما جملة خرجت من لاوعيه الحاكم في مثل تلك ظروف:

_ شافني..هو عارف إني بريء...هو شافني هو...هو عارف هو...عارف.

التفتت عينيهم ترمقان بعضهم لبعض، يرسلان عبر صمتهم إشارات تعجب واندهاش مما وقع على أذانهم، ولأن الاثنين يجهل ما يحدث، ولا أحد يملك للأخر فتيلة تفسير لما يقصد منه حديث ذلك المريض البائس، عادا أدراجهم صفر اليدين من الإدراك لما يحدث وقد جذبهم صوته وهو يردد ذات الجملة بتقطعٍ تلك المرة كثيرًا:

" عارف، بريء، شافني"

ماذا يقصد بهما ذلك الغامض؟!

سؤال جال في عقل أشدهم ريبة مما يجول في عقله من تفسيرات، وهو《بكر》الذي قرر إنهاء ذلك الحال ومحاولة إفاقة صديقه، حينما مسك بكفه وقال بهدوء:

_ احنا هنا يا "أدهم" فوق!

كرر اسمه مناديًا عله يفيق من كابوسه، ظل يربت على كتفه بلطف ويهزه حتى بدأ يفيق من غفوته وينتبه لما حوله من واقع، توقفت يداه عن الحركة، ولازال كف صديقه بين خاصته، وبدأ جفني《أدهم》باتجاههما لأعلى تاركين لبصيص من النور ينفذ إلى عينيه فيرى ما حوله من واقع.

بدأت عيناه تنفتح ببطء، بعد أن أُزيح وأخيرًا من فوق جفنيه ثقل الجبال العائق لحركتهما، وبدأ يعي لمن حوله من أشخاص، انتظروا حتى وصل لكامل وعيه وأتم فتح عيناه بالكامل، ثم بدأ《يحيى》بالحديث وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة:

_ سلامتك يا باشمهندس، تقوم بالسلامة وترجع أحسن بإذن الله.

ألم الصداع يفلق رأسه نصفين، زاد أضعافًا لمَّا نشطت خلايا عقله عن أفكار غزته مرة واحدة وخرجت في مطالبته بكلماته التي خرجت ثقيلة:

_ انتوا...انتوا لسة هنا! ..لسة ما روجعتوش!

_ لا يا برو نرجع أي، ده احنا يادوب لسة بنصحيك وهناخدك نطير بيك على المستشفى علشان نطمن عليك، يلا بس شد حيلك معانا.

اندفع《بكر》بحديثه، ثم تلاه قول《يحيى》مصلحًا ما خلفه اندفاع الأخر دون أن ينهره:

_ حرارتك مش بتنزل، وحالتك لسة زي ما هي، فمفروض هتيجي معانا دلوقتي نطمن على حالتك، أنا كلمت الدكتور من شوية وقالي نفس الكلام.

بثقل رفض:

_ مش هروح، أنا بقيت كويس خلاص.

لم يجدوا مانعًا من المحاولة، فحالته أهم من مخاوفه التي يرفض بسببها كل شيء، حتى هم!

بادر《يحيى》محاولًا بلطف:

_ صحتك أهم يا استاذ "أدهم" وما فيش جدال لسة هيحصل، يهمنا نطمن عليك وتبقى كويس.

أيده《بكر》بقوله:

_ بالظبط، إيدك معانا يلا علشان هنتحرك دلوقتي.

كذب! هذه مكيدة ينسجونها بخيوطهم خططهم، فينتجون ثوب من اللطف والاهتمام يرتدونه أمامه فحسب، أما عن حقيقتهم، فهم من المؤكد أنهم يحيكون ويدبرون له المكائد، من يعلم أنهم حقًا صادقين في قولهم، وأنهم بالفعل سيأخذونه حيث المشفى؟ أليس هناك احتمال بوجود خطة استغلالية، يستغلون ضعفه، فيوقعونه في مكائدهم الغامضة!

خرج من تفكيره الذي زاد ألم عقله أضعافًا، ثم أنهى الأمر بصرامة ليس بعدها جدال حين هتف بثقل:

_ قولت مش رايح، وأنا فاضل هنا هراعي نفسي، ممكن أبقى لوحدي لو سمحتم!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

كانت ترتب الكتب التي اشترتها منذ ساعات بجوار أخوتهم في رف تنظم شكل استقرار الكتب عليه وهي تقف أمام مكتبة خشبية متوسطة الطول تستقر أمام جدار يواجه أحد حواف فراشها، قريبًا من الجدار بدرجة التصاقها به، توقفت يدها عن الحركة فجأة وفي كفها كتاب أخير لم يكمل طريقه نحو اخوته حين أعادت النظر إليه بحاجبين معقودين، فلم تضعه مع البقية.

قلبت الكتاب في كفها، تتذكر باطلاعها على كلا وجهيه أنها عزمت على شرائه منذ ساعات، فلم يحدث وتقتنع حتى بأنها وضعته مع قائمة المشتريات ونسيت، فهي تتذكر جيدًا كم كتاب اختارت، وعناوينهم بالتفصيل، إذن فلمن هذا الكتاب؟!

قطع تفكيرها المسترسل في الأمر صوت طرقات على باب غرفتها تبعها دلوف الطارق ما إن سمحت له، أعادت الكتاب في الصندوق الذي تركته مستقرًا فوق مقعد اسفنجي تقضي فوقه ساعات القراءة خاصتها، ثم التفتت بابتسامة صغيرة إلى والدتها التي جلست على الأريكة قبل أن تقول بنبرة جادة:

_ تعالي يا "أمنية" عاوزاكي في حاجة مهمة.

اقتربت منها وعلامات الترقب والتعجب تسود ملامح وجهها، جلست بجوارها وقالت بهدوء:

_ نعم يا ماما، اتفضلي.

انتظرت في هدوء تترقب لحظات إعلان الطلب الذي جاءت به، أثار صمتها البهيم خيفة بداخلها من أن يكون الأمر لا يشي بالخير، انتهت لحظات صمتها بتنهيدة المتوكل على فعل شيء تردد فيه، وبادرت بالسؤال قبل إلقاء الخبر عليها:

_ فاكرة "محمد مختار" العريس إللي من كم سنة طلب إيديكي، ومحصلش نصيب.

كان لسؤالها وقع الاستغراب في نفسها التي أصابها اضطراب خفي، أثارت تلك الذكرى مواجع في نفسها تسببت فيها سهام بعض الأفواه الخارجة من قوسها، شردت للحظات فيه وكيف كان لا يريح صدرها سجيته بعد جلستين تعارف اتضح فيهما أمور كانت مانع لأن تقبله زوجًا لها، وهذا حقها، كما واجهت الجميع بذلك الاعتراض على كلماتهم اللائمة على ضياعه، والمحذرة من فوات قطار الزواج، والعيش بقية العمر وحيدة.

خرجت من شرودها الذي طال دون حذر منها على صوت والدتها وهي تهتف باسمها، نظرت بتعجب وأجابت قبل أن تسأل:

_ أه يا ماما فكراه، بس إي مناسبة سيرته دلوقتي؟!

_ رجع يطلب إيدك تاني، وأبوكي بيسألك موافقة تحاولي تاني المرة دي.

بلغ التعجب منها مبلغًا، فسألت باستغراب:

_ غريبة بس ده مش اتجوز بعد شهور من رفضي، يعني هو هيتجوز تاني.

رنا الأسى من صوت والدتها ما إن وصلا بالحديث إلى تلك النقطة، أجابتها في حزن على حال الأخر:

_ ربنا يرحمها ويغفر لها، ماتت من كم شهر في حادثة، وسابتله ولد سنة ونص.

حل الحزن في قلبها، وتعاطفت مع حالته ودعت للأخرى بالرحمة والمغفرة، لاحظت تجنب والدتها النظر في عينيها وهي تتحدث معها، وطوال فترة جلوسها أمامها، ففهمت على الفور سبب ذلك. حركت كفها تربت على كتفها، فالتفتت لها، واصطدمت نظراتها الحزينة بأخرى راضية حنونة، تخفي عنها الكثير، حتى لا تحزنها أكثر، ف《أمنية》تعلم ماذا يدور في عقلها في ذلك الوقت، وأثار حزنها.

أزالت من على عاتقها حمل الحديث، وقالت بهدوء:

_ حاضر يا ماما، هفكر في الموضوع الأول، وأنا بنفسي هبلغ بابا بالخبر، ما تقلقيش.

سالت من عينيها دموع خفيفة لكنها حارقة، يغزوها ألمًا على حال ابنتها، هي لم تتمنى أن يكون مصيرها في النهاية زواج كهذا، أرادت أن تتزوج من البداية رجل لم تعرف النساء سبيله قط، مهما اختلفت الطرق، وليس مجرد زواج كما يقول الناس عنه، مصلحة لا أكثر!

_ ماما أنتِ بتعيطي!

قالتها برقة قلب أوجعه دموعها، ثم قربت كفيها تمسح دموعها التي وارتهم عنها حين أشاحت بوجهها الجهة الأخرى ما إن شعرت بحرارتهما، اختنق صوتها وهي تقول بعد أن كفكفت دموعها:

_ طب أنتِ بتعيطي لي دلوقتي؟!

مسدت على شعرها بحنو، واستأذنت منها بثبات تقمصته هيئتها، حتى لا ينفضح مكنونها أمامها، فترشق كلماتها الحزينة قلبها فتؤلمه:

_ ما فيش يا حبيبتي، أنا بس اتأثرت بحاجة كده افتكرتها، المهم فكري كويس براحتك في القرار ما حدش هيضغط عليكِ.

باغتتها بتقبيل رأسها بحنو، ثم رحلت أمام عينيها اللتان بدأ يتجلى فيهما غشاء لامع من الدموع المحبوسة، ومكثت تفكر بقلب واهن في الأمر الذي حل عليها، وغير مجرى حالتها، ولكنها بقوة إيمان، وحسن ظن في الله، ستتوكل، وتأخذ بالأسباب من دعاء، واستخارة، وإعادة تفكير في الأمر، ومن بعدها تنسى كل ما فعلت من أسباب وكأنها لم تكن شيئًا، وتترقب النتيجة بقلب أثلجه حسن ظنه بالوكيل.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"تعيش على شفى حفرة من الانهيار، لكنها صامدة!"

كل شيء حولها يدعو إلى الانهيار، لكنها صمدت، وفي كل مرة تأتي عاصفة تهدم ما بنته من حصون تحميها من سهام الأحوال المحزنة حولها، تكاد أن تسقط، لكنها تعود متناسية تمامًا كل هم زارها وأصاب نفسها بالوهن الثقيل، ففي عرفها ومن مثلها من أمهات، لا مجال للسقوط، فإن سقطت، انهدم البيت فوق رؤوس رعيتها.

في الصباح جلست على أريكة في غرفة المعيشة تسترخي قليلًا بعد زوال أول هم يتمثل في عمل مهم، وهو خروج أحد أفراد رعيتها إلى العمل بعد أن أشبعته مما طاب ولذ قد مَن الله به عليهم، فبخروج زوجها إلى عمله دون إفراغ كل طاقة سلبية لديه على عاتقها، محملًا إياها الذنب في كل شيء عبر نقاشهم الذي لا ينتهي سوى بالغضب، هذه لراحة تُحسد عليها.

وبينما هي شاردة الزهن في صفاء عقل لم تعهده، وصلها صوته يدنو منها شيئًا فشيء بينما يقترب منها:

_ ماما أنتِ هنا! افتكرتك عند "زوزو" بعد ما فطرتي زي عادتك.

اقترب من الأريكة في نهاية حديثه، وجلس جوارها وهو يراقب أمارات غريبة على وجهها لا تشي سوى بوجود ما تعانيه وتخفيه عنهم كعادتها، لاحظت نظراته المتفحصة لهيئتها، فهتفت تشتته عن التمعن في تفكيره بها:

_ أنتَ أي إللي مأخرك على شغلك كده؟ مش عادتك يعني!

_ لأ مش متأخر ولا حاجة، ده يوم راحة إديتو لنفسي، حاجة كده زي أجازة بتعيد خلالها طاقتك المهدرة بعد تعب طويل.

ابتسمت بغتة، راودها حديثه في مرة سابقة قد أخبرها بذلك اليوم الذي يأخذه كي يروح عن نفسه ويغنم ببعض الراحة لكن في موقف مختلف عن هذا، وما جعلها تبتسم هو توقعها من حدوث نفس الشيء الذي يفعله كعادته. قالت بعد أن ابتسمت:

_ وطبعًا أنتَ مش هتقدر تضيع اليوم ده والفراغ إللي فيه، فهتروح تشتغل برضه!

قابل حديثها بابتسامة لم يستطع منع خروجها، فهي تقول الحقيقة، كشفته دون طول تفكير حتى!

_ يعني هعمل أي يا ماما، مش بقدر أسيب حاجة تتراكم عليَّ، أي نعم ترقيت وبقيت مدير فريق، بس برضه الممارسة لو ما استمرتش، ممكن أنسى كل حاجة وبصعوبة أرجع بنفس مستوى الإبداع إللي عندي.

على محياها ارتسمت ابتسامة فخر ورضى، عبرت عنهما داعية:

_ ربنا يكرمك يا ابني وأشوفك ناجح دايمًا.

رمقها بابتسمة غَبطة، ودنا بكفه يضم خاصتها، ثم قربه من فمه ليلثم ظهر كفها بقبلة حانية قال بعدها مودعًا:

_ أنا همشي، عاوزة حاجة مني؟!

_ عاوزاك طيب يا ابني وبخير.

ابتسم لها ثم ألقى السلام عليها ورحل، وقبل أن يخرج مكملًا طريقه، وقف فجأة، ثم عاد على عقبيه وجلس أمام نظرات والدته المتعجبة، وسأل في اهتمام:

_ نسيت أسألك، أي أخبار "حياة" ما قدرتيش تقنعيها تكمل علاج؟!

عادت لحالة الوهن الجاثمة فوق صدرها وتلك كانت أحد أسبابها، ثم ردت بأمارات تبدلت تمامًا إلى الحزن:

_ ياريت يا "وسام" ترجع، كلمتها بس مش بترد، "حياة" اتغيرت خالص يا "وسام" أنا أول مرة أشوفها في حالة زي كده.

استطاع مواراة تأثره، وطبع قبلة فوق رأسها قبل أن يرحل ويطمئنها:

_ ما تقلقيش هي هترجع بإذن الله وأحسن كمان، أدعيلها.

ثم وقف وألقى السلام مجددًا، ورحل تلك المرة وفي قلبه نية كي يصلح كل شيء لم يحسب أنه سيصل إلى هذه الدرجة من التعقيد، أما والدته فراقبته في صمت حائرة واهنة لذلك الأمر المصيب نفسها بالحزن، ومكثت تدعو لها بقلب يتوسل من خالقه أن تحلق الأحزان بعيدًا عنهم، وتتبدل حياتهم إلى هناء طيب.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

بدأت حربه ببضع كلمات لم تكن في نية صاحبهما هدف تجلى أماراته على حياة الأخر بعد أن أصابت سهام الحديث شباكه.

خشيته من أن يثبت صحة حديث صديقه، وضيق لم يعرف من أين مصدره بالتحديد، شنوا على ساحة عقله حربًا لا صوت انفجارات لها، تهلكه في هدوء، وتتجلى صورة اضطرابه ذاك على هيئة أمارات مختلفة، أشدها ساق قدمه الذي كان يهتز من قِبله معربًا عن توتر بالغ غزى عقله بينما هو جالس على أريكة في غرفته في وقت من الصباح الباكر لم يعهد على الاستيقاظ فيه منذ أن توقف عن العمل.

نُقر فوق سطح باب الغرفة مرتين متتابعتين، فالتفت نحوه وهو في حال مبعثر لم يجد له حلًا كي ينظمه، لم يهمه من الطارق ولماذا أتى، واتجه في حال غير حاله المعهود يفتح باب غرفته للطارق.

تجلت نسخة منه متطابقة، لم يستطع أن يفرق بينهما غريب لم يألف وجوههما وأنفسهما فيعرف الفروق المتجلية عنهما. قابلته نسخته باستغراب وتعجب بينما يبدأ حديثه بسؤاله:

_ غريبة! "عُمر" وفي الصبح بدري كده، لا أكيد دي نسختي في المراية!

ابتسم في حنق، لم يجد الطاقة الكافية للحديث معه، فهتف:

_ لأ خفيف يا أخويا، طب أقولك أيوة أنا مراية وده انعكاسك، يلا مع السلامة.

كاد بالفعل أن يغلق في وجهه الباب، وهذا ما أثار تعجب شقيقه بشكل أكبر، لذا فدفع الباب بيده في الاتجاه المعاكس يوقفه عن إتمام الغلق، فتركه الأخر ولم يعاند، وأولى بظهره دالفًا حيث مكان جلوسه في غرفته.

على أعتاب الباب الذي فُتح بالكامل وقف، استثارت فِعلة أخيه شرارة قلق في قلبه وهو يتساءل، تُرى ماذا فعل هذا الشاب الأهوج ليجعله مبديًا سلوكًا غير المعتاد؟ فهدوءه وعدم فرطه في الحركة الناتج عن طاقة لديه كبرى تميز بها، ما يشيان سوى بحدوث شيء وهو لا يريد البوح عنه كما اعتاد في صِغره.

قطع دابر تفكيره ذاك، وولج الغرفة مقتربًا منه، ثم جلس على الأريكة بجواره، وبادر بالحديث عله يجد ما يوارى عنه بسبب رداء صمته الذي عليه:

_ بكلمك بجد على فكرة، صحيانك بدري كده على غير عادتك استغربت منه، فيا ريت تتكلم معايا جد يا "عُمر".

على جانب ثغره التوت ضحكة جانبية صامتة لاحظها، كأنه يسخر من حديثه! ثم قال ولم يعير للأمر اهتمامًا:

_ ما عنديش طاقة أقول كلمة، فشوف كنت جاي تعمل أي هنا وانجز علشان أرجع أنام.

أصرَّ بطيب نية ورغبة في الاطمئنان على شقيق روحه:

_ على الأقل شاركني أحداث حياتك، فرحني بإنجاز ما، أي حاجة بدل سكوتك ده إللي مفهمني إنك عندك مشكلة، ما تقلقنيش يا "عُمر"!

_ لا يا سيدي اطمن، مش هقلقك، ارتاح.

اجاباته القصيرة والغامضة، تزيدان من القلق أكيالًا على صدره، ولكن ما بحوذته أن يفعل، يخشى أن يغضب ويرتكب الخطأ، فيصبح همه إصلاح خطأ فعله الغاضب بدلًا من التقرب من شقيقه ومعرفة أحواله التي غاب عنها طوال الفترة السابقة بشكل كبير.

بعد حديث قصير، خرج صفر اليدين من أي خبر يجعله يطمئن، ومكث في جهله يصارع دوامات قلقه التي تسحبه نحوها بعد أن أخذ حاجته من ملابس عنده في خزانة الأخر، ورحل عاكفًا على بحثه عن طرق أخرى يطمئن بها.

أما《عُمر》فظل مكانه لا تُئنبه ذرة ضمير بسبب تجاهله الذي أبدى أمام شقيقه، في قلبه نغزة سوداء خفية بدأ أثرها يتجلى في سلوكه؛ عزف عن ممارسة فعل كان منذ عهده مع توأمه يفعله معه، فأن يعود ويشاركه عبث حياته هذا أمرًا جبلًا على نفسه لما يلقاه من اعتراضات كثيرة، استهزاء جل، فلطالما لا أحد يؤمن به وما يريد، فلماذا يتعب نفسه ويسعى؟!

قطع تفكيره في غضائن نفسه الخفية، وأمسك بهاتفه الذي كان يستقر على الأريكة بجواره، ثم طلب مهاتفة الرقم المراد في عقله، عازمًا على إنهاء تلك الحرب بأي شكلٍ كان!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

هل يتخلى المرأ عن أحلامه بمحض إرادته، لمجرد فوات الآوان؟ تراه يقدر على خلعها عن عقله، وثناياه بعد أن بات يرجو لقائها ويطير في سماء الأحلام محلقًا؟

من يراها يخيل له أن الحياة بألوانها المبهجة تدب في أركانها، ابتسامة هنا، وأخرى هناك توزعهما على وجه كل من تقابله، في الصباح تقيم حديثًا مرحًا ودافئًا مع أسرتها الصغيرة قبل ذهاب معظمهم إلى العمل، وفي المساء تتنقل بين الأقارب تشاركهم بضع لحظات دافئة، غير مشابهة، تجرحها أحيانًا، لكنها تصبر، وترغم عقلها النسيان، والعملاء الذين يملونها بعد الملاحظات التي تضيفها على العمل الكتابي بعد تدقيقه، كل ساعات يومها من مشاركات في علاقات مختلفة بأحاديث وإيماءات تشي بالهناء، كانت مجرد كذبة تتعلق بها بصبر إلى أن يشأ المولى ويغيثها بألطافه.

جلست في الظهيرة منفردة بنفسها في غرفتها، تشهد على عقلها تفكيرًا عميقُا في شأنٍ أصابها بالتردد والحيرة، من قبل رفضت وبكل ثبات وإصرار، فلماذا الآن تقيم تفكيرًا؟ كفاها تألمًا حيال ذلك الأمر! استغفرت ربها على لحظة يأس أصابتها، فتوقف على إثرها التفكير، وعادت مجددًا تقلب الأمر في عقلها...

العيوب معظمها لا يُقبل، والمميزات كانت في سجيته خافتة، ربما لم يتضح الأمر لها بكامل صورته، لكنها لم تشعر صوبه بشيء؛ كدقات متسارعة، توجع، ولكن تحمل في ثناياها الغبطة، فتثلج جنبات قلبها راحة عارمة، وتهتف زهرات الياسمين النابتة على أرض قلبها، ها قد حل سيد القلوب "الحب" وطرح فيها نبتاته، فاقبلي.

هل يصيب الحب قلوب بعينها؟ هل هو حظ تقترفه النفوس الطيبة، وتحوذ به هدية على سجاياهم السِمحة؟ إذن فلو كان كذلك يارب، فاقذف به في قلبي حتى وإن لم أكن أستحقه بسجيتي المتواضع صفاتها، فأنت الوهاب.

لازالت حائرة بعد أن أدت صلاة الاستخارة البارحة، لم تجد في قلبها زرة قبول وحب له، لم تراودها ولو دقة واحدة من تلك الدقات، والراحة لم تعرف إلى قلبها سبيلًا، بل سرى دبيب من القلق الخافت مجهول المصدر! وتوالت الأسئلة فوق رأسها ضاجة، هل ستتخلين عن حلمك ورغباتك، وتنسين كيف الحب والقبول أشياء أساسية لقبول الشريك؟ هل ستلقين بنفسك في علاقة غير مرضية من البداية، كونها لم تؤسس على دقات حب أو على الأقل إعجاب، حتى وإن كانت مميزاته طاغية؟!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

آلمه جسده من فرط النوم، وكذلك عقله من تعمقه في الانشغال بأمر أوجع دهاليز عقله طوال الليل؛ تلك الأماني الفائقة التخيل، وذلك البنيان الكسول، عبثي الحياة التي يمارسها، لم يجتمعان أبدًا على راحة صاحبهما، بل يعيقان طريقه إليها، ويكيلان فوق عاتقه أضعافًا من فقدان الشغف.

كان حاسوبه المتنقل أول ما راح عقله نحوه ما إن استيقظ ومكث على فراشه يريح تعب عظامه المتسببة فيه راحته المفرطة! فتح الجهاز المستقر أمامه على فخذي قدميه المبسوطتان، وبدأ يجوب في الملفات بداخله باحثًا عن شيء جال في عقله منذ أن استيقظ.

استمرت عملية البحث دقائق قليلة، لم يجد ما يريد بسرعة، ولكن توقف عن البحث ما إن فتح ملف قديم اتضح من طول مكان وجوده البعيد على حاسوبه أنه نأى به بعيدًا وسط الكثير والكثير من الملفات الأخرى، ولعزوفه عنه طويلًا، نسي أنه كان يزوره كل ليلة سهر فيها متخيلًا أنه نال كل ما خُطط إليه فيه. ضغط فوقه ليفتحه، بعد لحظات رمقه فيها طويلًا، وظل تحت تأثير مشاعره المتعلقه به، فيحنُّ إلى أيام صبابته المليئة بالهمم، ياله من أبله، ما كان يحسب أن كل المراد مُنال، بل كله مسلوب!

فتحه ليتجلى أمام عيناه صور له يجتمع فيها مع أصدقاء رحلته منذ أن بلغ، في كل واحدة كانت بين طياتها ذكرى لحلم خسره، في كل مرة يجاهد كي ينال مهنة تتطلب مهارة معينة، يخسر، ويعود على عقبيه متخاذلًا، حتى انطفأت أنوار الأمل في عينيه، ولم يجد كيف الإنسان يحلم بعد.

يقولون أن المجاهدة نهايتها انتصار، وأن لكل مراد يوم يُنال، فلماذا هو لم يُضع تحت جناح تلك المقولة، ويصير مثل ممن تأكدوا من مصداقيتها؟ وهذا إن دل على شيء، لن يدل سوى على مدى كذب تلك الكلمات المتراصة، فلا أحد ينتصر بعد جهاده، وليس هناك من جاء اليوم الذي نال فيه المراد، الجميع يعاني من فقد ما حتى وإن نال بعض الحظ من تلك المقولة المزيفة.

أغلق حاسوبه فجأة بعد تدفق أفكاره التي تؤلمه، ثم تحرك من على فراشه متجهًا صوب خزانته كي ينتقي ملابس تناسب بدايته التي سيطأ فيها اليوم حيث بداية عمله الجديد، فاليوم لا أحد قادر على جعل الأماني تحلق بعيدًا، وكل ما يريد سوف يتحقق، مهما كانت الطرق!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"الطرق المجهولة لا أمان لها، لأنها تغري الفضول."

كان قد تجهز للخروج، مر على أهل بيته مرحبًا بكلمات مقتضبة، ثم رحل حيث بدايته المجهولة التي اختار بإقتناع مزيف!

وصل به المصعد حيث الطابق الأول، فبرغم ضيق وقته، إلا أنه لم يتخلى عن رغبته في لقاء جدته التي يعزها كثيرًا، تلقته بحضن عميق أعرب عن مدى اشتياقها له، فهو تلك الأيام بعيدًا عنها، وقلت زياراته لها، والبقية أيضًا من أحفادها.

خرج من حضنها الدافيء، وقال قبل أن يتحرك من فوق أريكة تقبع في غرفتها:

_ أنا خارج، عندي كده طلعة جديدة لبداية شغل جديد، ادعيلي يا "زوزو"

_ يوفقك يا ابني لكل خير ويبعد عنك ولاد الحرام.

تعجب من دعوتها، فهتف متهكمًا:

_ أي يا حَجة التشاؤم ده! كده في وشي وأنا لسة بقول بسم الله نعرف الشغل ونظامه أي!

_أيوة يا ابني الدنيا ما بقتش أمان دلوقتي، ولازم تبقى حريص على نفسك أكتر، يلا ربنا يوفقك لكل خير.

دبيب من القلق سرى في نفسه، يهتف في نفسه أنه تسرع في ذلك القرار، لكن يعود أميالًا إلى الوراء مقتنعًا أن الرغبات أهم من ذلك العبث التفكيري العميق، وأنه لا بد من اكتناز تلك الفرصة الذهبية ليحقق من خلالها ما كان يريد ويسعى إليه، خرج بعد لحظات من غرفتها بعد أن ودعها، ومضى في سبيله حيث المجهول الذي لا يهمه مدى غموضه وجهله به! وترك جدته تدعو له بالتيسير لكل خير والحماية من الشرور.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"ليس كل ما يظنه العقل صواب، لكن الخوف من صوابه يؤلم، وهذه حرب معقدة!"

أن تكون محاربًا لفكرة يقتنع عقلك أنها مائة بالمائة صواب، هذا لأمر يصيب النفس بالعلل؛ خوف، وقلق، ولوم في نهاية كل موقف يسلك خلاله الشخص سبيلًا خطأ في موقف يُختبر فيه ومدى جهاده في تلك الحرب المهلكة.

ليته ما سمح للأمور أن تتعقد بهذه الطريقة في موقفه هذا، وليته ما كان تركهم ينغمسون في حياته بشكل أقرب مما ينبغي ووضع هو له الحد المناسب مع أمانه المتمثل في البُعد!

لن يفيد اللوم في شيء الآن، يكفيه أن يصلح ما بدر منه من حديث حاد أرغمهم به على الخروج من حياته، هو من سيتولى شأن نفسه وعلاجها، لا حاجة له لمشفى ومساعدة الغرباء التي لا يثق، يكفيه نفسه وبقاءه في وحدته فحسب.

لازال جسده كله يؤلمه، الحمى كانت عليه ثقيلة، أفقدته كامل قدرته، فعزف عن الذهاب لعمله اليوم كي يهتم بنفسه حتى شفاءها، وهل يُشفى جسد المرء إن كانت العلة منبعها النفس؟!

صدح صوت رنين هاتفه المستقر على الفراش جواره، التفت نحوه ليجد اسم الأخر تضيء به الشاشة طالبًا الحديث، هذا الشاب عنيد، لازال رغم محاولة ابتعاده عنه يحاول التقرب منه ولو من بعيد.

نحى بتفكيره جانبًا، وقبل أن تنتهي المكالمة الأولى، التقط هاتفه، وبدأ الحديث:

_ خير يا باشمهندس "بكر" محتاج أي حاجة في الشغل؟!

وصله الرد بروتينية وكأنه لم يحدث شيء بينهم الأمس:

_ كل الخير هيكون لما تقولي أي أخبارك النهاردة، لمَّا رفضت تروح المستشفى امبارح قلقتني حالتك، فقولت اطمن.

_ بخير يا باشمهندس، أحسن من الأول، لو في أي تفاصيل تخص الشغل محتاجني فيها متتأخرش.

بتلك الطريقة أنهى المكالمة مع الأخر الذي فهم تمامًا بعد ذلك الحديث أنه لا يرغب في الحديث معه الآن، أغلق معه، ومكث في بداية غرقه في دوامة لوم شديد تراوده كلما فعل ما لا يرضاه قلبه!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

على وجهها خطت أنامل الزمن، من الألواح الحزينة رسمت، وفي كل جانب خُط فوقه الخطوط عبَّرت، ترى في وحدتها وابتعاد الجميع من حولها إلا البعض لم تشغلهم شئون الدنيا عنها كثيرًا أنها باب لثاوائر الحزن لديها، فلم تكن متهيأة لاستحضار الماضي لنفسه حيال مواقف تراها يوميًا أمام عينيها وعلى مسمع منها، كله مماثل لبعضه، الأحفاد تحذو حذو الأباء، وهذه مأساوية بالنسبة لها كأم أرادت وسعت لتغير أحفادها حتى لا يظلون على حال تربوا عليه، لكنها لم تفلح، وانتصر المثل: من شابه أباه فما ظلم!

على الأريكة في غرفتها لازالت، انغمست في شرودها بعد أن رحل الجميع من حولها، مر عليها من الزمن نصف ساعة، تجوب وحدها في طرقات الماضي متذكرة أبناؤها وكيف كانوا، وما عانوه، كل ذلك لم تكن لتراه إلا برؤيته يتكرر على أحفادها، لو كان بيدها ما تفعل بعد الدعاء والنصح، لفعلت مضحية في سبيل هدايتهم، لكن الله يهدي من يشاء، وما تملك سوى الدعاء.

على مرأى عينيها الشاخصتان فوق خزانتها، لاحظت وقوع منشفة زرقاء تحت سفحها، انعقد حاجبيها متسائلة، ما الذي جاء بها إلى هنا حيث خارج الخزانة، ألم تضعها فوق علبة المصوغات خاصتها؟ لم تجد تفسيرًا، ووضعت في اعتقادها أنها وقعت بالخطأ وهي تخرج من الخزانة ثيابها.

لحظات تحاملت على نفسها السير بمشقة نحو الخزانة، حتى وصلت وفتحت الخزانة لتضع ما في يدها التقطه من على الأرض فيها، اقتربت من الخزانة، فتحتها ثم دبت الرجفة أوصالها لمَّا وقع بصرها على مكان علبة المصوغات في خزانتها لتجد العلبة مفتوحة، وفارغة من أي مصوغات!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"كجناح طير مقيد، عاجزًا عن التحليق في حرية"

الحرية هي أن تحلق بسلام خارج حدود الأمان المتمثلة في بيتك وأسرتك، تعزف دقاتك ألحان هادئة تسري في جسدك مدعمة إياه بترياق الراحة، قد تتمثل الراحة في فعل ما تريد دون خوف ولكن في حدود آمنه، أو التنزه بسلام دون أن يطولك استبداد وتحكم ينغص عليك راحتك، تتمثل الحرية في أشياء كثيرة باختلاف معايرها، ولكن كل هذا لا شيء إن لم تكن كسرت قيود تؤسرك وتحلق بحرية خارج سجن مظلم في نفسك دون خوف وقلق بالغين يكبلانك عن خطوة التحرر.

لم تكن تظن أنها مقيدة بكل هذه الأغلال السميكة، كانت تسير دربها في الحياة بسلام، يطولها معنى من معاني الحرية التي نالته منذ أن تحررت من سجن بيتها القديم، ولكنها لم تحسب أن السجن كان داخلها، تقيدها فيها الذكريات المؤلمة، فتؤسر بداخل سجن الظلام القابع في نفسها.

على أريكة في غرفة المعيشة البسيطة مكثت تتفحص هاتفها، تحاول تشتيت تفكيرها في قيود بدأت تخنقها منذ أيام قريبة، لكنها لم تفلح، كانت تحسب أنها نسيت، لكن الذكريات هجمت بغتة من حيث لا تحسب في صورة زوابيع كوابيسها التي فرقت بينها وبين راحتها، فأصابها الأرق من فرط السهر منتظرة النوم علها تغتنم لحظة هناء!

وصلها صوت جرس الباب، تبعه صوت والدتها وهي تصيح من داخل المطبخ:

_ أنتِ بره يا "آية"!...طب افتحي يا حبيبتي أيدي مش فاضيه.

تحركت في ثقل صوب الباب الذي يقرب صالون بيتهم بخطوات قليلة، وصلت إليه أخيرًا، ثم فتحت تستقبل الزائر.

على وجهها ابتسامة عفوية، ما إن رأتها وحالها الدال على رفض اقترحها الذي اتفقتا عليه عبر مكالمة هاتفية، انمحت، واستُبدلت بوجوم عبرت عنه في دهشة:

_ بتهزري يا "آية"! أوعي تقولي إنك مش خارجة، تزعل دي على فكرة!

أنزلت ذراعها الذي كان تمسك بكفه مقبض الباب، ثم أشارت لها أن تدخل بينما تقول في فتور:

_ ادخلي الأول، ونبقى نتكلم جوه.

امتثلت لطلبها، وتخطت عتبة الباب الذي قامت بإغلاقه فور ولوجها، لم تتحرك شبرًا واحدًا، وبهدوء اقتربت من الأخرى التي بدا عليها علامات الإرهاق الشديد، وقالت:

_ فيكِ أي يا "آية" شاركيني إللي مدايق، بقالك فترة أنتِ مش هي أنتِ إللي أعرفها.

كيف تخبرها بشيء تتوسل إلى الله كي تنساه؟ الأمر أصعب مما تتخيل، وليس في يديها حل سوى وأد تلك الذكريات بأي طريقة، ومنها عدم الحديث عنها أو ما يذكرها بها، لذا فقالت بعد تنهيده عميقة:

_ ما فيش حاجة يا "حور"، فترة إرهاق وتعب نادرًا ما بعاني منهم، ما تقلقيش الدنيا هتبقى تمام بإذن الله.

_ طب يا ستي أنا مصدقة، بس اثبتي ده واخرجي معايا زي ما اتفقنا امبارح، ده أنا ما صدقت يا "آية" إننا نخرج!

تركت لحديثها المجال لكي يُقلب في عقلها مفكرة فيه بهدوء، وفي تلك اللحظات الصامتة بينهم اقتربت والدتها منهم وعلى وجهها أمارات التعجب وهي تهتف:

_ واقفين كده لي يا بنات، ادخلوا جوه يا حبايبي أنا بحضرلكم العصير.

ردت《حور》شاكرة بابتسامة:

_ تسلمي يا طنت، وكيس إنك جيتي علشان تقنعي الأستاذة معايا أنها تخرج وتغير جو بدل ما كله شغل وبيت بيت وشغل!

لوحت بكفيها في الهواء متحيرة وهي تقول بغلب:

_ والله يا بنتي ده حالي معاها من الصبح، مش عارفة أي إللي خلالها تغير رأيها فجأة كده بعد ما كانت موافقة.

في تلك المرة شاركتهم الحديث، وأذعنت بقولها بعد تفكير لحظات حتى اقتنعت بما ستفعل:

_ خلاص يا جماعة بلاش زعل على الفاضي، أنا هخرج وأمري لله، مع إني مش نايمة كويس، بس زي ما قالت "حور" أهو أغير جو، يمكن أرجع مبسوطة ويخف وجع في دماغي.

_ اقسم بالله لو أطول أزغرت لهعملها، بس الخوف من كلام الناس إللي حوالينا، أخيرًا أقنعتك بسهولة على حاجة!

قالتها في غبطة ما إن سمعت بموافقة الأخرى، ابتسمتا الأخرتين ضاحكتين على رد فعلها العفوي، ثم هتفت من بينهم والدتها تطلب منهما بينما تتحرك نحو الطبخ:

_ طب يلا روحي الحقي غيري هدومك، وأنا و "حور" هنستانكي نكون شربنا الساقع مع بعض.

اضطرب المكان بالحركة، وكل واحدة منهمن ذهبت حيث المكان المراد؛ حيث《حور》و والدة صديقتها في اتجاه الصالون، أما《آية》فنحو غرفتها كي تبدل ثيابها بأخرى متناسبة مع نزهتهم التي رأت فيها شيء من سيعينها على النسيان لكل ما هجم على عقلها من ذكريات تخص حياتها سابقًا برفقة ذاك الجبار وابنه الذي يزورها كل يوم في هيئة كابوس مرعب!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"لكل حقيقة موقف بدوره كافي لأن يخرجها من جوف نفوس شتى"

اجتمعت النساء جميعها في بيت الجدة《زوزو》بعد أن استدعتهم لتسألهم عن ضالتها، لعل إحداهما وهي تنظف قد ضيعتها دون قصد.

خلف كل بنيان يجلس حولها على الأرائك يفكرون فيما حدث باهتمام، هناك حقائق أمام الأعين لم تنكشف؛ في خُلد كل واحدة فكرة جذبتها نحو أعماقها، تقتنع بها، وتقسم بأن ذلك هو بالتأكيد ما حدث، وهذا كله نتاج ما اغتنمته أنفسهم من مشاعر ومواقف سابقة رسَّخت في عقولهم ذات التفكير.

خرجت إحداهما عن صمتها معبرة عن ظنها، وهي أول من يلقي بالتهمة على عاتق أحدهم:

_ والله ما حد يعمل العملة دي غير الغريب، احنا كلنا هنا قرايب وما أظنش هنخون بعض كده يا جماعة.

جذب حديثها انتباه الجميع، وخاصة《زوزو》التي كانت أول من تتحدث بعدها بسؤالها في تعجب:

_ غريب! وأي يدخله هنا يا بنتي؟ وبعدين ما فيش غريب ما بينا!

في غموض أكدت والأعين تتابع الحوار بنهم لمعرفة الحقيقة:

_ لأ يا "زوزو" في!

أصابت سهامها الهدف بجدارة لاحظت انتصارها من خلال نظرات الفضول البالغة الموجهة لها، عم الصمت لحظة، ثم ألقت بأفواه فضولهم الجائعة كلماتها في خبث:

_ ما فيش غيره الغريب ما بينا، الولد إللي ساكن جديد، "عدي"!

اختلف تأثير الظن الملقى عليهم حسب تفكير كل واحد، وما تنغمس فيه نفسه من حال، منهم من عبر عن رأيه غير مقتنعًا وهي《سهير》التي تفوهت باقتضاب:

_ ما أعتقدش بحالته دي يا "فوزية".

وأخرى تبعتها مؤيدة الرأي، وهي《حنان》:

_ أيوة بالظبط كده، ده إللي أنا بقوله، ده حتى لسة ما عداش اسبوعين على حادثته علشان يخف ويقدر يتحرك ويعمل زي ما بتقولوا كده!

لم تستطع اتهامه بالكلمة، فعقلها لم يقتنع تمامًا بما رمته به من تهمة تلك المرأة، وتخشى أن تلقبه بما لم يفعله.

أيدتها ابنتها《أمنية》، أما《سعاد》فبقيت هي و《منى》صامتتين، لم يشاركا برأيهما، ومكثت كل واحدة تفسر كيف تأخذ بهم أنفسهم من عمق في الأمور قد جعل في عقلهما مأدبة من أبالسة القلق تجتمع على تفسير الموقف.

هتفت《فوزية》قاطعة لحظات الصمت، مصرة على رأيها:

_ بس ده مش مبرر، يقدر يتصرف بأي طريقة علشان يسرق.

هذا يكفي، قد بلغت تلك المرأة في سوئها مبلغًا عظيمًا، ولا بد من أن توقفها عند هذا الحد، لذا فهتفت في انزعاج لم تستطع مواراته:

_ عمتو! ده مش وقته كلام زي ده وتُهم باطلة، طلاما ما فيش حاجة تثبت كلامك، يبقى السكوت أفضل من إنك تتمادي في ظنك السيء عنه، ده لو كان الدهب مسروق من الأساس.

في خبث رمقتها، وبنصر لما مهدته الأخرى لها من طريق كي توقعها في فخها الذي نصبت بفعل يداها تلك البلهاء ابتسمت ابتسامة خفية لم تلاحظها الأعين، ثم سألتها في غموض:

_ يا سلام! ومالك كده يا ست "شروق" قلبك عليه للدرجة دي كده، يكونش من بقية أهلك؟

رشقت في قلبها سهم غليظ، أوجع فؤادها، وتواثبت بفعله نبضاتها وكأنها تخرج واحدة تلو الأخرى ولم تعود، شعرت بقشعريرة تسري في أطرافها، لا تعرف من أين مصدرها، لكن وقع الحديث على قلبها، دمر شيء ما لا تعلمه، فشعرت بانسحاب روحها بصعوبة أخنقتها.

لاحظت《زوزو》التمادي في الحديث، وشعرت بجريانه في نحو أخر غير الذي اجتمعوا لشأنه، مما جعلها تهتف في جكود لم تعهده:

_ كفاية كده! كل واحدة تكتفي بتفسيرها لنفسها لغاية ما رجالة البيت تتجمع ونشوف هنحل المشكلة دي ازاي.

ألجمتهم عن الحديث تمامًا، ولكن بعد ماذا! بعد أن نالت نفوس معظمهم طعامها كي تتغذى عليه من شكوك وريب حل في قلوب البعض، ومنهم《منى》التي عادت لموقف سابق مشابه لهذا حل في حياتها، وجعلها تعاني الفقر والقهر!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

انحرف بعد دوام عمله عن سبيله المعتاد، وغير وجهة الوصول، اليوم لا راحة لباله بالإسترخاء في منزله إلا وتلك المعضلة باتت منفضة، فهو لم يسمح بأي أذى يطول نساء منزله حتى وإن كان المواجه جبارًا!

وقف أمام بيت كبير المساحة، تكون من طابق واحد، كان شبيه بفيلا، لكنه ذا طراز قديم فحسب، وهذا الذي ميزه، تراءى من على بُعد خطوات قليلة باب البيت مفتوح على مصراعيه كالعادة، ما جذب انتباهه سكون المكان، ففي غالب أوقات زيارته التي يضطر على خوض رحلتها نفس المعضلة، وكأنه تبدلت وظيفته إلى مصلح اجتماعي وخبير بالعلاقات الأسرية!

دنى منه قاطعًا خطوات بسيطة حتى وصل في لحظات عتبة البيت، صاح باسم صاحبه في نبرة جوهرية كي يصل إلى مسامعه ويعرف بالزائر، مرة، اثنان، وفي الثالثة ظهر شاب يعرفه من سحنته، هذا خادم ذاك الجبار، يعرف جيدًا في ماذا يخدمه، لكنه صامت، لا يقدر على التفوه ولا غيره ممن مثله يعرفون، وما بين يديهم حل سوى الصمت أمام سُلطة متوحشة لها سيط عالٍ في لافتات الإجرام!

طلب منه بصوت أقل علوًا من الذي سبق وهو يتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه:

_ روح قول للمعلم بتاعك، "أحمد عبدالمجيد" تحت عاوزك.

اختفى الشاب بعد أن حدجه للحظات بنظرات مرعبة! لم يستطع التفرقة بين سِحنته وأخرى خاصة بالأموات، يبدو أن ما يتجرعه يوميًا مدمنًا إياه، أدهى به في حياة الموتى وهو على قيد الحياة!

مرت دقيقة واحدة، ظهر بعدها الشاب يقول له قبل أن يتركه والبيت مبتعدًا حيث وجهة محدده في عقله:

_ المعلم جوه مستنيك، خش ليه.

ما إن اختفى أثر الشاب من أمامه، تعمق داخل البيت سيرًا بخطوات عادية، لا هي سريعة أو ببطيئة، حتى وصل إلى صالون واسع بشكل كبير، في صعيد مصر يُطلق عليه اسم 《مندرة》، وهو شبيه لها جدًا، مشت عيناه في كل ما حوله بنِّي، حتى ارتطمت عيناه بجسده مسطحًا بشكل جزئي على أريكة ليست كمثل أُخر مستحدثات في عصره هذا، يسند ظهره إلى الخلف حيث وسادة وثيرة بنية، وبجواره على الأرض أرجيلة منخفضة عن مستواه، يمسك بقطعتها الفموية، وينفث منها دخانًا يخرجه بطريقة الخبير في تلك العملية!

لم ينبث ببنة شفة، أو يحيد عينيه صوبه يستقبله بنظرات باغضة حتى، ظل ينظر أمامه وبين الفنية والأخرى يُخرج من فمه دخانًا ببطء وتنطع! اقترب منه في صبر جمعه لتلك المواجهة وخزنه حتى حان استخدامه، وقف قبالته، فتقابلتا نظرات حادة ومتوعدة، مغتاظة وغاضبة، يحمل في صدر كلًا منهما الشعور ونتائجه، قطعها صوت《أحمد》المتهكم:

_ هي دي برضه استقبالات الضيوف عندك يا كبير المنطقة!

في برود مبالغ رد عليه بعد أن أخرج دخانًا عالقًا في صدره:

_ قدامك خمس دقايق، قول إللي في زورك وامشي.

اغتاظ، والغيظ صفة تشي بضعفه أمامه، لذا فقرر أن يتريث حتى يحل المعضلة، وبعدها سينتهي الغم بزواله عن طريقه:

_ اسمع يا اسمك أي!... أه، "جبار" افتكرت، أنا كان ممكن أدخل فيك السجن عادي على اعتداءك امبارح على حرمة بيتي بالشكل الخالي من معنى كلمة راجل حتى.

_ ولي وقفت!

بروده الغير طبيعي انتصر وفجر بداخله قدحًا كان يغلي برؤية وجهه الذي يذكره دومًا بتجبره في كل مواقف جمعهتم. بثبات لازال عليه أجابه منهيًا الحديث في ذلك الشأن:

_ عمومًا أنا مش جاي أجر شكل، كل حاجة ليها وقتها، وأنا بقدس الانتظام في المواعيد، أنا جاي أنهي العلاقة إللي عرفتني عليك للأسف.

نفث دخانًا، ثم ألقى بنبرة غير مكترثة كلامه وهو لازال إلى الآن يثبت نظره أمامه، وكأن هواء بالقرب منه يتحدث:

_ وأنا من أمتى وبتربطني بيك علاقة؟!

إنما للصبر حدود، شخصيته المتلاعبة تلك لن تجدي بفتح حوار روتيني وبشكل ودي معه، لذا فهتف بنفاد كمية كبيرة من صبره مبديًا الحدة في صوته الآمر:

_ طلقها يا "جبار" وإلا!...

وثب فجأة أمامه، فانقطع عن الحديث مصدومًا بحركته المباغته باندفاعه واقفًا أمامه دون سابق إنذار حتى، ثم هدر بغضب يكظمه ببراعة أمام الأخر حتى ظن أنه عديم المشاعر:

_ هنا واستوب، جه دورك بقى تسمع!

سكت لحظة وهو يحدجه بشرر بينما يلتقط كفه الذي لوح به أمام وجهه، ثم أضاف وهو يعد على أصابع كف الأخر:

_ واحد، كلمة تاني منك أو من مراتك عن الموضوع ده، ما أسمعش. اتنين، أسلوب عامة الناس إللي بتهددني بيه ده ما يتكررش، ده لو فكرت تيجي ناحيتي تاني. تلاتة، تهديداتك إللي واثق فيها أوي بروح أمك دي توفر مجهودك فيها لنفسك، وبلاش تضيع وقت معايا علشان أنا مش فاضي لعيال.

ما إن أنهى جملته الأخير خاصة، جمع الأخر جُل غضبه في قبضة يده الأخرى، ثم وجهها بقوة صوب وجهه ولكن قبل وصولها إلى الهدف، قُبض رسغه بقوة ضغط آلامته وهو يرشقه بشرر بينما يستمع لهمسه حين اقترب من أذنه وقال في برود:

_ تؤ تؤ تؤ، التهور مش حلو علشانك يا صغير!

ابتعد عنه بدفعة قوية من《أحمد》لم تؤثر في قوة بنيانه الضخم، طولًا وعرضًا. ابتسامة جانبية ساخرة رسمها وهو يرى ضعفه في دفع الأذى به، اقترب منه مجددًا وربت بكفه على كتفه محقرًا من شأنه، ثم عاد لموضعه حيث الأريكة بالقرب من أرجيلته يقضي لحظات راحته، لاحظ وقوفه وعدم رحيله، فهتف بكلاحة:

_ الخمس دقايق خلصوا وبزيادة، أظن عارف طريق الباب منين.

كاد أن يهدر بغيظ فوق رأسه بسطو الكلمات، لكن كان جبارًا أفطن بما همَّ بفعله، فأوقفه بتهديد صريح أجفل قلب الآخر وهو في مكانه:

_ كلمة تاني هتخرج، هتخسرك روح غالية، وأنتَ عارف كويس أوي أنا أقدر أعمل أي!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

"ما بعد الندم غوص، إما في الإصلاح، أو في غياهب الموت البطيء!"

لو أنها تعلم حجم الألم العائد عليها بعد ما اقترفته في حق نفسها من إهمال، ما كانت تركت لحظة وترددت في العزوف عن القرار الصائب، لكنها كانت دومًا ما تبتعد، حتى خسرت كل ما تحب!

في انعزال تام عن الحياة وما يصير خارج غرفتها، نأت بعقلها في جنب مظلم، كلما أفرطت في تفكيرها اللائم على نفسها، زاد عمق السواد بزحفها نحو أعماقه، استدعت أخر زكرى حزينة لديها جُل أحزانها وحسراتها السابقة، فكان لسيرها نحو أعماق الظلام أكثر سرعة من السابق، ولأنها لا تحمل في نفسها نقطة واحدة مضيئة، علقت بين حقيقة تميتها كل يوم ببطء، أنها لم تحظى بالنور يومًا وكل هذا من فعل يداها.

صوت نقرات أنامل بسيط فوق بابها وقعت، لم يخرجها من تلك الحالة التي تفاقمت غرقًا فيها، حتى حينما ولج شقيقها_الذي عاد من عمله_ الغرفة لم تلتفت نحوه لترمقه، بقيت على حالها ترمق جدار غرفتها المواجه لأريكة تجلس أمامها على أرض الغرفة تسند بظهرها عليها، وتضم ركبتيها إلى صدرها مع تثبيتهما وإحاطتهما بذراعيها، وبرأسها المنحني بزاوية حادة ثبتت نظراتها نحو الفراغ شاردة الظلام!

وقف لحظات يستأسي حالها، كان في البداية قد ارتاح قلبه بعد موافقتها على الشروع في أمر علاجها، أما الآن فلم يكن ليحسب أن الانتكاسة ستكون بتلك السرعة، وبهذا المؤشر الخطير_كما يعتقد_ من السوء الذي حل على حالتها.

اقترب منها، وجلس جوارها على الأرض ثانيًا قدميه، مد كفه يحتضن خاصتها، ثم قبله في حنو يخالطه حزن سببه حالتها التي تزداد في الانهيار، وقال بعدها في هدوء يواري به حزنه عليها:

_ أكلتي النهاردة؟

صوته كان بمثابة طنين ذبابة من بعيد يخترق أذنها، لم يخرجها من قوة تسحبها نحوها منفصلة عن واقع حولها، ولمَّا لم يفلح في جعلها تتحدث وتقلع عن حالة صمتها القاتل، مسد على كفها بحنان، وقال مقترحًا بابتسامة جاهد في رسمها رغمًا عن مشاعر حزنه:

_ أي رأيك نعمل سهرة إنما أي، غير أي واحدة قبل كده، وأنا هحضر كل حاجة، وهعمل مفاجأة هتعجبك.

تلك المرة جاءته ردة فعل أشعرته بأمل أنها حية حينما حركت رأسها ببطء بالغ ترفض مقترحه، ود لو أكمل معها الحديث، وناقشها في أمر تقاعصها عن علاجها، لكنه اكتفى بالصمت ومراقبة حالتها العاجز تلك المرة عن إخراجها منها كما المعهود طيلة حياته معها، ليته لو كان يقدر على جعلها تبتسم كما كان يفعل في كل مرة تأتيها متألمة والدموع تشق قنواتها على وجنتيها ما إن تناوبها مواقف ترشقها بسهامها الحادة في قلبها؛ كنبذ من الصحاب، وتهميش من الأقارب، وإنكسار من الأحبة، ليته يقدر!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

على مقربة من مبنى الشركة ذات البناء الضخم وهيكل خارجي مميز بلونه الأزرق الطاغي على جدرانه وكذلك ألواح الزجاج التي تكسو أجراءًا منه وقفت على رصيف يلتصق بسور الشركة المحيط بها من الخارج وعيناها لم تنزل من على بوابة الشركة الحديدية التي تبعد عنها عدة مترات، تراقب في تركيز بالغ خروج ودخول العاملين والموظفين منذ دقائق متوسطة لم تنال عيناها مبتغاها في رؤيته.

قطعت استرسالها في فعلها بنظرها إلى ساعة هاتفها المستقر في كفها تستعلم الساعة، سرى دبيب من الانزعاج في نفسها يحثها على الاستسلام والتخلي عن مرادها، دفعته بالصبر على ما لا تطيق، والانتظار أكثر كي تحصل على لذة وتلبى أوامر هوى نفسها.

انتصرت بصفة الصبر التي تحلت بها كما لم تفعل من قبل، ورفضت الاستسلام للفكرة والعودة لمنزلها دون أن تقابله. عجيب! تصبر على الذنب ملتمسة أعتى الطرق لتفعله، وما إن تأتي لها فرصة وتبدأ في ولوج طريق الاستقامة، تستشعر بثقل البداية وكأنها جبل لم تقدر على زحزحته من فوق صدرها، فتختنق، وتحيد عن السبيل تمامًا!

مر ما يقرب الربع ساعة بثقل عليها تحملته باستشعارها لذة تنتظرها في النهاية، حتى مر طيفه أمامها وهو يعبر من البوابة منشغلًا بهاتفه الذي استقرت عيناه فوقه وهو يتفحصه في اهتمام وانشغال تامين تجلوا على خلجاته وهي ترمقه من على بعد مترات بسيطة، شعرت ببداية فشل خطتها، انتابها ضيق عارم لعدم حدوث رغبات نفسها الغير محللة، فدفعتها قوة إرادة كامنة بالتقدم نحوه.

سارت خلفه بسرعة تتناسب مع خاصته، كان ذلك جهاد عليها، فهي لا تطيق السير بتلك السرعة الهائلة، حتى توقف أمام سيارته المصطفة على جانب الطريق بالقرب من رصيف كانت تقف على الجهة الأخرى منه، حينها أغلق هاتفه ووضعه في جيب بنطاله الأسود، والتفت نحوها ليجدها تقترب منه مبتسمة وقد تأخرت في سيرها على نفس سرعته، لكنها جاهدت مما أبدى عليها حالة إرهاق لاحظها هو في تنهيداتها المتلاحقة وكأنها كانت في سباق، مما دفعه أن يسألها في اهتمام قبل أن يرحب بها، وذلك لما وقفت أمامه:

_ خير يا "روان"، في حاجة قلقاكي؟ واضح من تعبك إنك كنتي بتجري!

أجابت وفي نفسها غبطة حلقت بها في سماء الحب خاصتها لمَّا تجلى اهتمامه بها بين كلماته المستفسرة باهتمام:

_ لأ ما فيش، يمكن علشان رجعت الشركة تاني بسرعة أدور على تلفوني وإللي أتأكدت إنه الحمد لله في المكتب، فتلاقيني قلقت شكل مبالغ كالعادة.

تفهم الأمر، واقتنع بكذبة ألَّفتها كي تبدأ رحلتها في الحصول على مرادها، حين هتف شاكرًا:

_ طب الحمد لله لقيتيه، واضح إنه ضغوط الشغل وخاصة إنك لسة جديدة مأثرين عليكِ!

تناولت طرف حديثه بداية في نسج خطتها حين تجلى على وجهها علامات التعب وهي تشكو بسلبية:

_ جدًا يا "ياسر" والله، ده غير إنه في بعض الأمور متلخبطة ومحتاجة أسأل كتير عنها علشان ما أتوهش من البداية.

أرسل لها إجابة فورية هي تتوقعها نظرًا لصفة المبادرة التي يتميز بها حين عرض عليها باهتمام:

_ ما تقلقيش الموضوع في بدايته كده، وأنا جمبك أكيد في أي مشكلة قابلتك.

_ ده يا ريت جدًا، ولو ينفع نتكلم دلوقت؟!

من دون اعتراض وافق، وأشار بكفه نحو سيارته وهو يقول مقترحًا:

_ أكيد، أي رأيك نحكي واحنا مروحين، أو نروح مكان هادي وإللي أنتِ عاوزاه أنا تحت أمرك فيه؟!

بتلك السهولة التي لم تتوقعها، قدم لها عرضًا لتصل من خلاله إلى مبتغاها، وهو الوجود برفقته، والحديث معه. وأمام تلك الفرصة التي لم تجد صعوبة في معارضتها لما تحمله رأسها من اللاشيء عن القيم والمباديء، وافقت بسرعة، وسلكت الطريق برضاها.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

اجتمع الرجال حولها، تحل في عقولهم زوابيع القلق والحيرة، سرقة وفي بيتهم تحدث على غير مرأى ومسمع منهم!

_ امتى بالظبط يا حَجة لاحظتي إنه علبة الدهب فاضية؟!

ردت بغلب وقد هلكها التفكير في الأمر:

_ قبل العصر يا ابني، من سعة ما صحيت وأنا في الأوضة، معرفش حتى امتى اختفوا!

ربت على ذراعها بحنو ابنها《أحمد》الذي لطف بها بقوله لما لاحظ الحزن يتجلى على خلجاتها:

_ ما تزعليش نفسك يا غالية، إللي حصل حصل وبكرة نعرف مين، نجيب غيرهم لعيونك، أنتِ تؤمري بس.

لم يفلح بحد كبير في تشتيتها عن ما يحزنها، هو يعرف أن الذي ضاع غاليًا ليس بقيمته المادية، بل المعنوية؛ فتلك أخر هدية يهديها إياها زوجها قبل وفاته، لذا فكانت غالية عليها كثيرًا، ورغم ذلك يكفي أنه حاول، والآن سيفرغ عقله ليفكر في صاحب الحدث الذي لربما يكون متخفيًا بينهم!

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع...

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة