بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الرابع_عشر.
تعافي_النفوس_الجزء_الاول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
لا النفس تدري ما تكنه لها غيرها ماذا يكون ؛ فالنفوس خلاف وخباياها لم تُدركها العيون .
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
مرت الساعات بعد كل هذه الأحداث حتى عقبتها الليالي التي مرت على الجميع بأحوالٍ مختلفة ، ليالي قضاها البعض مسروراً ببدايةٍ معسولةٍ شعورها خاصة بعد أن جملتها كلمات خربشت على جدران قلبها فطغى وسار نحو هواه ولا يدري ماذا سبيله سيكون منتهاه ، وغاص العقل فى رسم أحلامه الوردية عن تلك العلاقة ولكن هل للأيام أن تعطها كل ما بخيالها رُسم ؟أم أن للقدر رأي آخر ؟ وعلى النقيض الأخر كان هناك من ساد الحزن لياليه بعد خسرانه نجمة كانت لقلبه السكن الذى بات يحلم به حتى تطبَّع ذلك الحزن على قلبه واعتاده رغم رضاه بقدرٍ لا يعلم ما الحكمة منه ، وهناك من هو فى أشد حالاته وقد أظلمت تلك الغيمة السوداء حياته وظل غريقا لمخاوفه مما ستقبل عليه هذه الفترة حتى أنها قضت تلك الفترة السابقة فى حزن شديد أدى فى النهاية لسوء صحتها تلك الفتاة المغلوبة على أمرها لا تعرف أين المفر من أفكارٍ هى سجن بالنسبة لها ولا تعلم كيف النجاة من آلالام ستُنهك روحها ، وكلما اقترب موعدٌ هى تخشاه زادت آلامها وخاصة صباح ذلك اليوم الذى يفصلها عن حدث كبير وجديد بحياتها لأول مرة تُقبل عليه وهو خوضها فى رحلة فُرضت عليها وصارت تخشى رفضها فصمتت حتى ظنوها قد وافقت ، حدث كلما تذكرته زادت آلام بطنها بشدة وسرعة دقاتها أيضا ؛ فأن تُقبل على مواجهة رحلة جديدة فى حياتها هذا أكبر مخاوفها وكذلك التقرب من شخص لا تثق به وتخشى رفضه فهذا كله مؤلم بالنسبة لها وصعب عليها مواجهته وهى الضعيفة المستسلمة لافكارٍ تملكتها حتى ظنت أنها حقيقة ، بقيت بغرفتها هذا الصباح بعد أن استيقظت وأدت صلاتها وقد فاتتها صلاة الفجر عنوة عنها فكانت فى أشد حالاتها المرضية خاصة فى تلك الفترة بعد أن أهملت غذائها وضَعفت صحتها ومرضت وكان الجميع قد أهتم بها وقد علموا إهمالها فى حق نفسها وغذائها والذى عادة ما تتذكر أنها تتناوله بانتظام ، وكان《 وسام 》 قد قلق على حالتها ولسان حاله يقول يائساً لأجلها ألا يكفي أنها حزينة تصارع مرض نفسها والآن أقبلت على مصارعة ضعف حالة جسدها ، كانت تجلس على أريكة غرفتها تسند بظهرها للخلف وهى ضامة ركبتيها إلى صدرها تحاوطهما بكلا ذراعيها وهى شاردة بهدوء فى ذلك الصباح الذى بدأت شمسه بالتخلل إلى غرفتها وبدأت معه ذقذقة هؤلاء العصافير كعادة كل يوم بجوار نافذتها التي تقربها شجرة سكنت بأعشاشها تلك العصافير ، وكانت قد تشتت أفكارها التي راودتها منذ الصباح وظلت تتنفس فى هدوء حتى قطعه صوت طرقات باب الغرفة لتأذن هى له بالدلوف ما إن خرجت من شرودها ليدلف هو بوجهه الذى رُسم عليه بسمته الحانيه ما إن رآها وشعر بتحسن حالها وهدوء ملامحها فيبدو أنها هذا الصباح لم يذرها قلقها المعتاد ، وما إن اقترب وجلس بجوارها بعد أن تحركت هى فى وضع جلستها إلا وتفوه يتسائل بهدوء يطمئن عليها بعد أن ألقى تحية الصباح عليها وأجابته:
_ اى أخبارك يا "حياة" النهاردة ، أحسن شويه ؟
أومأت هى له ببطء قبل أن تجيبه بصوتها الرقيق الذى لم تخالطه الأحزان هذا الصباح :
_ الحمد لله يا "وسام" بخير اتحسنت كتير الحمد الله.
ابتسم لها بسعادة على حالها وقد شعر بتحسنه رغم تلك الأثار على وجهها من إرهاق شديد ولكن صوتها كان مطمئنٌ بالنسبة له ورغم ذلك سألها باهتمام وقد تذكر عادتها المهملة تلك :
_ طب فطرتي طيب ؟
سألها بريب وهو يعلم إهمالها خاصة فى تلك الوجبة الأساسية وظل منتظراً جوابها الذى توقعه وقد حركت رأسها نفياً مما دفعه يزفر بيأس من عادتها التي ما كانت نتيجتها سوى تعبها ، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة سبقته والدته التي دلفت تُلقي تحية الصباح عليهم وتقول بعدها لتلك الجالسة فى سكون بجواره تطلب منها التحرك بحزم وهي واقفة أمامها :
_ طب كويس صحيتي بدري أهو ، يلا تعالي علشان تفطري .
التفتت الأخرى ترمقها بعينين مرهقتين وقد حاوطهما السواد الخفيف إثر حالتها المرضية تلك وقالت ترفض بفتورٍ :
_ صدقيني يا ماما مش هقدر أفطر و...
وقبل أن تنهي حديثها قطعته《سهير》 بحزم فى قولها وقد خشيت على أبنتها أن يتكرر ما حدث لها بسبب إهمالها:
_ لا يا "حياة" هتيجي تفطري ومفيش نقاش فى الموضوع ، وبعدين فضلتي تقولي كلامك ده ونصدقك لحد ما كنتِ هتموتي مننا ، بس خلاص من النهارده كله جد وأوامر .
تنهدت الأخرى بيأس فيبدو أنها ستُنفذ الأمر عنوة حتى إن لم يكن لديها شغف لذلك ، وكان فى تلك اللحظة 《وسام》يشاهدهم بنظرات نصرٍ وقد فعلت والدته ما لم يقدر على فِعله من قبل بسبب عناد الأخرى وقال بمرح يلطف الجو :
_أيوة كده يا ماما وريها الوش التاني بتاع" سهير " ، علشان تحرم بعد كده تهمل نفسها .
رسمت الأخرى بسمتها الهادئة على ثغرها ثم سرعان ما أخفتها بعد تنهيدة بطيئة قبل أن تقول بقلة حيلة لتفصح عن أمرها وهى لا تقصد إهمال نفسها :
_ والله يا جماعة أنا ما بيبقاش ليا نِفس أكل وغصب عني ، أنا لو لقيت نِفس حتى أكل كنت أكلت .
رد《وسام》بحنان يدعمها وقد علم سبب فقدانها لشهيتها والذى ما كان سببه سوى تلك الغيمة السوداء التي أظلمت حياتها وجعلتها كئيبة :
_ أنا عارف ده وكلنا عارفين إنك مش بيبقي ليكِ نفس تاكلي وعارفين أنه دي مش "حياة" إلى نعرفها كمان ، بس إحنا يهمنا صحتك وإلى هى أهم حاجه يا "حياة" يعني لو مش قادرة تاكلي بس حاولي ولو قليل علشان ميتكررش إلى حصل وتقعي من طولك ، اتفقنا؟
تنهيدة عميقة خرجت منها قبل أن تومىء له بهدوء موافقة وقد عزمت أن تحاول لأجل صحتها ، بينما 《سهير》أيدته بقولها :
_أيوة "وسام" كلامه صح ، وبعدين فى عروسة زي القمر متهتمش بنفسها قبل خطوبتها .
لِما ، لِما وكلما حاولت النسيان يأتي من يذكرني؟ قشعريرة برد سرت فى بطنها فأوجعتها وشردت فى ذلك اليوم بخوف ، كيف ستواجه أمر جديد كهذا دون قلق دون تفكير فيما سيحدث من خطر ، كيف ؟ لاحظ الجميع شرودها وكان أول من لامس مخاوفها بكلماته بعد أن علِمها هو 《وسام》الذى قال يطمئنها :
_كله هيعدي ومفيش حاجه هتحصل اطمني ، وأنا جمبك يا "حياة" .
ابتسمت له باقتضاب ثم تلاشت بسمتها وعادت تفكر بقلق فى ذلك اليوم ، بينما والدتها ظلت ترمقها بحزن وودت لو تسعد قريبا وتتخلص من تلك المخاوف ، وبعد دقائق تحرك 《وسام》وودعهم بعد أن قبل رأسها ورحل لعمله تاركا والدته وهى يتحركان بعد إصرار من والدتها أن تتناول فطورها فتحركت فى النهاية معها لتأكل القليل فقط كي تأخذ دوائها .
كما مرت الأيام على الجميع مرت عليه هو أيضا وكان بحالٍ مختلف ، فمنذ أن وافقت الأخرى وهو يشعر بتلك الدقات وما عادت لتتوقف وكأنها فقط ما تود السكون إلا حينما تصير رفيقة دربه ، وها هو اليوم استيقظ بنفسٍ تتوق لقضاء يومها بسرعة ليتسنى ليوم غد الذى سيكون أولى بدايات رحلته معها حتى تكون بينهم عقود رسمية ؛ فقد ذهب هو ووالده إليها البارحة وتم تحديد موعد الخطبة على أن يكون يوم غد الموافق الخميس لحين إشعار أخر للزواج وهم من سيقرروا ذلك بأنفسهم بعد فترة تعارفهم هذه، وبرغم أن《يحيى》لم يكن لديه مانع لطلب يدها للزواج وقد تأكد من مشاعره القوية فى أنه يريدها زوجته ، إلا أنه فضل الخطبة للتعرف أكثر فى حدود وضعها الله لهم وكان قد شعر بعدم ارتياح الأخرى ولازالت متوتره تجاهه فقال فى نفسه لربما فترة الخطبة تكن كافيه لتعرفها عليه وهو أيضا حتى لا يكون قد تعجل فى الأمر . تحرك هو نحوهم ليتناول طعامه معهم قبل الذهاب لعمله وكان قد أدى صلاة الضحى كعادته ، وما إن وصل إليهم ولم يجدهم قد التفوا حول الطاولة إلا وعقد حاجبيه مستغرباً فليس تلك عادتهم لذا فتحرك يبحث عنهم فى كل مكان ولم يجدهم ووقف حائراً فى بهو الشقه ما إن خرج من غرفة المعيشه ولوهلة تذكر ذلك المكان فتحرك نحوه حتى دلفه عاقدا حاجبيه ما إن رأى هاذين الشخصين يقفا معا يُعدا الطعام ؛فقد كان والده يجلس إلى طاولة متوسطة الحجم وضعت بأحد جوانب مطبخهم الواسع وقد كان يقطع أحد أنواع الخضراوات 《خيار》وكان قد انتهي والأخرى أيضا كانت قد أنهت ما تعده من طعام على الموقد ، وما إن لاحظا دلوفه ونظراته المتعجبة تلك إلا ونطق أحدهم وهو《 إمام》 الذى حثه على التحرك حين قال بمرح :
_ تعالى يا سكر ما تبصش كده كتير ، تعالى اتعلملك حاجه تنفعك فى بيتك بكرة وتنفع الغلبانه إلى رايح تخطبها دي .
حاولت《حور》كتم ضحكتها على مرحه لكنها فشلت وضحكت بخفة فى النهاية بينما 《يحيى》كتم ضحكته هو الأخر وقال بنبرة ظهر بها أثر الضحك :
_ حاضر ! بس أنتَ لى هنا وفين ماما ؟غريبة دي مش عادتها.
فى تلك المرة أجابته 《حور》بعد أن تحركت صوبه تناوله الأطباق التي إنتهت من تحضيرها :
_ ماما تعبانه من امبارح وشكلها راحت عليها نومه من التعب فقولنا نحضر إحنا الفطار ونصحيها ، خد طلع دول برا على الترابيزة .
أنهت حديثها تطلب منه أن يُخرج الطعام وكانوا قد شارفوا على الانتهاء منه بينما هو ما إن سمع حديثها فى البداية إلا وانتابه القلق عليها وقال متسائلا بعد أن تناول الأطباق منها :
_تعبانه ! غريبة ومحدش قالي ، طب هى عندها أى طيب وهي بخير دلوقتي ؟
أسرع《إمام》يطمئنه وقد شعر بفهمه الخاطىء عن الأمر وقال بهدوء بعد أن ترك ما بيده ووقف :
_ متقلقش هى كويسه ، أحنا بس بنخفف عنها شويه فقولنا نحضر الفطار وبعدين نصحيها .
فهم الأخر الأمر ثم تنهد بارتياح وتحرك تزامنا مع قوله يخبرهم بما نوى فِعله :
_طيب تمام أنا هطلع دول برا وهروح أصحيها .
وقبل أن يخرج من المطبخ وصله صوت الأخر وهو يقول حانقاً مما دفعه يقف ملتفتاً له:
_لا يا سيدي متشكرين على مساعدتك ، جوزها موجود .
ضحك الأخر بخفة على حنقه بعد أن وقف يستمع له ثم تحرك صوب الخارج بعد أن أومأ له باذعانٍ لطلبه، وخرجت 《حور》خلفه ببقية الأطباق وتوجه الأخر يوقظ زوجته والتي كانت قد استيقظت منذ قليل على عجلٍ وقد علمت أنها تأخرت فى الاستيقاظ لذا تحركت بهمة تتوضأ حتى تؤدي صلاتها قبل أن تبدأ يومها وقبل خروجها تفاجأت به يدلف إليها ويطلب منها التحرك معه فى صمت لتتحرك هى بتعجب حتى وصلت إليهم لتتفاجئ بهم ينتظروها وقد تم إعداد الطعام لتبتسم بحب لهم ورضى وكان قد شغلها هم تأخيرها لذا فقالت بامتنان لهم بعد أن جلست وهو أيضا بجوارها :
_ والله كنت شايله هم التأخير وأنا من تعبي راحت عليا نومه ، بس أنا ضهرى مسنود برضه ربنا يجبر بخاطركم .
انهت حديثها تدعو لهم بقلب قد جُبر ليبتسم لها الجميع بحب وشرعوا فى تناول طعامهم ليذهب بعدها كل واحد لعمله .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ ما هى ناقصه تعمليها وتخربي مني دلوقتي وأنا متأخر لوحدي أصلا .
قالها《أدهم》 بيأس ثم زفر بقوة ووقف يضع كفيه على خصره يرمقها بقلة حيلة فبعد أن استيقظ متأخراً وفقط تبقى القليل للذهاب لعمله فهرول ليسبق الزمن لكن يبدو لسيارته رأي أخر ، ظل لدقائق يرمقها حتى تنهد بحيرة وأمر مغلوب عليه وخلال تلك اللحظات كان الأخر يرمقه من بعيد أثناء قيادته سيارته التي أوقفها على أحد جوانب الطريق بعد أن تعجب لوقوفه هكذا وبدى على وجهه تعكير صفوه لذا فهم لمعرفة ماذا يحدث وتحرك صوبه بعد أن خرج من سيارته بينما الأخر كان قد رضى للأمر ونظر لساعة يده التي ما إن رمقها إلا وقال فى يأس وقد تأخر حقا تلك المرة :
_ أهو هناخدلنا تأخيره بسببك وسبب عطلك .
_ يا سيدي ولا تشغل بالك عطلت فى غيرها توصلك وكتر الله من العربيات .
قالها بمرح ما إن أقترب منه وهو يحدث نفسه بذلك الحديث اليائس منذ قليل والذى كان الأخر قد سمعه بينما《أدهم》التفت له متفاجئاً به ذلك الشخص الذى التقى معه مرة فى حياته عن طريق عمله ولم يلتقى به منذ تلك الفتره لذا فقال بدهشة :
_هو أنتَ ! أى الصدفة دي ؟
صافحه الأخر يسلم عليه وقد رسم بسمته البشوشة على وجهه والتي قال من بينها بعد أن رحبوا ببعضهم :
_لا وصدفة جميلة كمان علشان شوفتك لتاني مرة .
رد الأخر يشكره على حديثه اللطيف بعد أن ابتسم له بامتنان :
_ شكرا يا "يحيى" والله كلك ذوق ، وأنا كان ليا شرف أقابلك تاني .
عادت بسمته البشوشه إليه ثم إلتفت يطالع حال تلك السيارة ويقول مقترحاً وقد علم عطلها والذى يبدو أنه داخلي :
_ طب تعالى أوصلك فى طريقي ، ولا تقريبا بتروح موقع البناء حاليا مش الشركة ؟
أنهى حديثه متسائلاً وقد تذكر أخر لقاء بينهم حين علم أنه يعمل لإنهاء ذلك المشروع الذي ترأسه هو بسبب غياب صاحبه وضُغط بسببه أسبوع منذ بداية عمله وجاء هو ليكمله فهو إختصاصه ، ليجيبه《أدهم》 يطمئنه :
_ لأ المرة دي بقى رايح الشركة فى مقابلة لمديرها .
أومأ له فى تفهم ثم تحركا سويا بعد أن حثه الأخر على ذلك حتى لا يتأخر ، وبعد دقائق كانوا قد تحركا بالسيارة فى طريقٍ امتلاء قليلا بالسيارات مما سهل عليه السير بسرعة قليلا ليلحق بموعد الأخر وكذلك عمله وأثناء سيره وقد سادت لحظات الصمت بينهم قطعها 《يحيى》يتسائل بهدوء :
_أنتَ اى أخبارك يا باشمهندس "أدهم" ؟ أخر مرة شوفت حضرتك مكنتش تمام .
التفت له الأخر مبتسما على أحترامه ذلك وقد تعجب لنطقه بتلك الكلمة قبل أسمه وقال بعد تنهيدة عميقة والتفاته يطالع الطريق أمامه :
_بخير يا "يحيى" اطمن ، وتسلم على سؤالك .
دعى الأخر وراء حديثه بدوام الحمد له ثم التفت يطالع الطريق أمامه وهو يقود تاركاً الأخر قد غرق فى دوامة حزنه وقد تذكر ذلك اليوم الذى جمعه به فى شدة آلام خيباته و التي كان حديثه هو أول من تذكره وعمل به ليشفي آلام ذلك اليوم والذى ما إن تذكره الآن إلا وشغلته أحزانه وقد عادت إليه تساؤلاته المعتاده عن ذلك الأمر وشكه به وخلال ذلك لاحظ 《يحيى》شروده الكثير وتعجب لأمره.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
جلست على أريكة بسيطة الهيئة و التي استقرت بغرفة متوسطة المساحة فى تلك الشقة متوسطة الحجم بسيطة فى تصميمها يملاء ربوعها ذلك الصوت الذى أضفى على نفسها راحة وطمأنينة وهو صوت أحد المشايخ مرتلاً لأيات الله كعادة كل يومٍ فى ذلك البيت ، وكانت هى تردد خلفه تلك الأيات تزامنا مع ما تقوم به فقد كانت تحيك ما يسمى 《تريكوه》والذى منذ قريب تعلمته فصارت تقضى وقت فراغها وهى تصمم ما تريده، وأثناء جلوسها فى ذلك الجو ذو الراحة النفسية دلفت إليها ابنتها مرتدية ما يسمى 《إسدال》وكانت قد أنتهت من تأدية صلاة الضحى ، وما إن رأتها تقوم بذلك إلا وسألتها بتعجب بعد أن جلست بجوارها :
_ أى ده يا ماما أنتِ رجعتي للبتاع ده من تاني؟
أجابتها الأخرى بهدوء بعد أن أنهت جزء من ما تفعله وتركته بجوارها لتريح يداها قليلا :
_اه يا حبيبتي أهو بدل الفراغ إلى أنا فيه
حركت الأخرى رأسها بتفهم بعد أن تذكرت أن والدتها لم تذهب إلى والدة 《صفوان》اليوم والأخرى 《أمينة》هى من ستذهب ، ثم تفوهت تدعمها وقد أعجبها هذا الحديث :
_ طب والله حلو ، أهو أنا بقى مش عارفة أكسر الروتين بتاعى .
أنهت حديثها بملل ما إن تذكرت معضلتها البسيطة تلك لتجيبها 《رقية》مقترحة وقد جالت بخاطرها تلك الفكرة الآن :
_أنتِ يا "أية" مش حافظة قرآن ما تحفظي أطفال زي "بلال" كده ، أهو يوم الجمعة بيبقى فاضى عنده فبيحفظ فيه أطفال العمارة .
أعجبتها فكرة الأخرى مما دفعها تقول مؤيدة وبشدة :
_تصدقى فكرة يا ماما، اذاي أنا مخطرش على بالي كده وأهو كمان هاخد أجر وأكسر الروتين بحاجة جديدة .
ردت والدتها ببسمتها الهادئة تدعمها بقولها :
_ خلاص شوفي يا حبيبتي وأنا معاكي .
شردت الأخر تفكر فى الأمر لدقائق وقال تبدي رأيها وقد تذكرت ذلك الأمر الذى أقترب موعده :
_ رغم أنه خلاص فاضل وقت قليل على الدراسة بس برضه هفكر وأدور وأبقى أقولك ول"بلال" .
حركت والدتها رأسها بتفهم قبل أن توافقها الرأي بينما هى شردت تفكر فى الأمر وترتب الأمور فى عقلها أكانت ستقدر على فعل ذلك أم لا ، ولوهلة وعلى ذكر الدراسة جال بخاطر الأخرى ذلك الأمر الذى أقلقها مما دفعها تسأل أبنتها فى ريب :
_ صحيح يا "أية" النهارده كم بالظبط فى الشهر ؟
الفتت الأخرى لها على حديثها فاجابتها باقتضاب متعجبة من الأمر :
_النهاردة ٢٥ تمنية.
تنهدت الأخرى بغلبٍ وقد تأكد شكها فها قد أقترب ذلك الموعد ، تعجبت 《أية》من شرود والدتها فتفوهت تسألها باستغراب :
_ ماما في حاجه ؟ شايفكي سكتي كده فجأة .
تنهدت بحيرة وهمومها قد عادت من جديد وقالت من بين قلقها على الأخر :
_سرحت فى الأيام إلي جريت بسرعة دي وأهو قربنا على معاد دفع الأيجار من تاني ، والله كتر خيرة "بلال" ده يا دوب لسة مخلص دفع الأقساط بتاعة المكتبة وأهو جه هم تاني .
تنهدت 《أية》بأسى على شقاء شقيقها الدائم وذلك فقط جزء يسير من شقائه فقالت تواسي الأخرى بلطف :
_ ربنا يفرج الهم ويريحه يارب زي ما هو مريحنا وموقف البيت على رجليه .
آمنت الأخرى ورائها وشردت فى أمر أبنها وكيف ستخبره بذلك الخبر وهو الآن متعب من تلك الهموم وربما لم يكن معه ما يكفي لذا فضلت أن تخبره حين يقترب ذلك الأمر وقد تبقى وقت لذلك بينما 《أية》شردت فى حالهم وكيف كان والآن أصبح فحمدت ربها على ذلك ودعت لشقيقها بأن يعينه الله على حِمله الثقيل ثم للحظات عاد ذلك الأمر بأن يشغلها وصارت تفكر بجدية تلك المرة .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ بس يا "شروق" ريحينا بسكاتك مش وقت كلامك ده خليني أعرف أفهم الأستاذة دي تعمل اي فى أول خروجة معاه .
قالتها 《روان》بحدة قد جرحت الأخرى لكنها صمدت وقالت بحزمٍ بعد زفرة قوية وقد زاد طُغيانها :
_ هو اي ريحينا بسكاتك شايفاني بقول كلام سخيف يصدعك ، الكلام ده مش هيحصل ولا يجوز أنها تخرج هو وهي بدون محرم معاهم أظن أنك فاهمة الكلام ده كويس يا "نورا" !
التفتت لها《 نورا》التي شعرت بحدة النقاش بينهم فمنذ أن دلفت《روان》 إليها وبدأ الحديث عن ذلك الأمر وعلمت شقيقتها بأنها ستخرج مع الأخر بمفردها والنقاش حاد بينهم ، لذا نطقت هى تهدىء الأمور بقولها بنفاذ صبر :
_ خلاص أنتوا الأتنين كفاية كده وجعتوا دماغي من الصبح وانتوا على الحال ده ، بس خلاص أنا من رأي وإلى حاسه أنه ريحني ومنطقي شوية هو كلام "شروق" .
زفرت الأخرى بارتياح وقد سعدت لفهم الأخرى الأمر وخطورته بينما 《روان》 اندفعت تقول بحنق وقد نفذ صبرها من جهل الأخرتين بالنسبة لها :
_ والله ! طب يا حلوه عرفيني كده هتعرفي تاخدي راحتك فى الكلام معاه اذاي ولو عندك إجابة فسري .
عقدت《نورا》حاجبيها تفكر بتعجب من ذلك السؤال وقد شعرت بصدقه فحقا إن كان هناك من بينهم فهل ستأخذ راحتها فى التحدث معه؟ ولاحظت 《شروق》 شرودها فقالت بهدوء تفهمها الأمر بإحسان لربما تفهم وكذلك الأخرى :
_حبيبتي يا "نورا" الكلام ده لو متجوزين وفى كلام مابينكم مينفعش يتقال قصاد حد غيركم ، لكن دي خطوبة يعنى وعد بالجواز إلى هو لسه متمش أصلا ولا مش عارفين هيتم ولا لأ ، وميصحش تتكلموا مع بعد فى حاجه ذي دي تثير مشاعركم وأنتوا لسه أجانب عن بعض ، الخطوبة أصلها أنك تتعرف عليها على شخصيتها أكتر طباعها اى وبناء عليه هتقرر أنتَ هتكمل ولا لأ فى الجواز ، يعني أخركم كلام تعارف عنكم وعن شخصياتكم وأفكاركم فى مواضيع حياة كتيرة .
تنهدت 《نورا》بعمق وشعرت براحة وكأن دهاليز عقلها قد أُنيرت بها جزء كان مظلماً بعد حديث شقيقتها فقالت تطمئنها :
_ متقلقيش يا "شروق" فهمت كلامك خلاص ويا ستي هطلب من "عمرو" يجي معايا لو كان فاضي وللأسف لو مكنش هضطر ألجأ للمصيبة إلى عندي .
ضحكت الأخرى على حديثها وقد فطنت بمن تقصد ثم تنهدت بارتياح وهى ترمقها وسط نظرات الحنق من 《روان》التي قالت منفعله بعد أن وقفت تستعد للرحيل :
_ ربنا يهديكم بجد وتطلعوا من الجهل ده ، أنا خارجه عندهم برا أهو القعاد معاهم أحسن من وجع الدماغ ده .
قالتها بغضب ثم رحلت من الغرفة بأكملها تاركة الأخرتين يرمقاها بيأس من طيشها وخاصة《شروق》، وبعد خروجها وكانت 《شروق》قد تذكرت ذلك الأمر مما دفعها تقول بسرعة :
_أيوة صحيح فكرتيني "أميرة" قالت أنها جايه ليكِ النهاردة .
ارتسمت الفرحه على وجه الأخرى وقالت مندهشة من بين ابتسامتها :
_بجد ! طب تصدقي وحشتني يلا شكلنا هنقضي يوم حلو النهاردة.
بادلتها الأخرى البسمة وأخبرتها بموعد قدومها لتستعد الأخرى لذلك ، ثم بعد دقائق تحركا سوياً إلى الخارج حيث جلوسهم بغرفة المعيشة فقد كانتا الأخرتين يتشاركان الأحاديث معا منذ أن أتت 《روان》 ومعها والدتها التي بقيت بجوار 《منى》، وقد كان حديثهم فى تلك اللحظة عن موعد غد والذى تذكرته 《سعاد》مما دفعها تسأل بفضولٍ :
_صحيح حد هيروح خطوبة الست "حياة" بكرة ؟
فى تلك اللحظة نطقت《منى》بعد تنهيدة قوية وقالت بجمود وقد شردت فى أمرهم :
_وإحنا مش هنروح لي ، أكيد هنروحلهم ونباركلهم .
تفاجأ المعظم من حديثها الغير معتاد فقد عقدت 《سعاد》 ما بين حاجبيها بينما《روان》أسرعت تسأل بتعجب وقد وزعت بصرها على الجميع :
_أنتوا متأكدين يا جماعة أني دي عمتو《منى》إلى مش بتطيق حتى البصه فى وشهم .
لم يجيبها أحد فقد ظلت 《سعاد》تفكر في الأمر بتعجب ولم تفهم حديثها ، وكانت الأخرتين لم يشغلهم الأمر بل وسعدوا لذلك ولكن 《شروق》شردت تفكر بيأس من حال والدتها وقد تذكرت قسوتها الغير مبرره إلى الآن وودت لو تعلم لما تفعل كل ذلك ، بينما الأخرى خرجت من شرودها تجيب بجمود حديثها الذى خيب ظن البعض وأفرح البعض :
_أنا مقولتش أنى هروح اباركلهم بنية أشاركهم الفرحة يا "روان" عمتك لسه زي ما هي منسيتش ولا أتغيرت ، كل الحكاية إني دي أصول وميصحش برضه نبقى ساكنين فى نفس البيت وعيلة كمان ومنأديش واجب ذي ده وأنا دماغي بتوجعني من كلام الناس فعلى إي نوجع الدماغ ، فنروح من سكات ونرجع من سكات .
تفهم الجميع موقفها منهم من ارتاح وفى نفسه يدس الكثير من الخبايا ومنهم من خاب ظنه ولوهلة قد ظن بتغير حال الأخرى ، وفى لحظة ساد فيها الصمت تفوهت 《نورا》تبدي رأيها الذى فكرت به كثيراً وخشيت ترددها ولكنها فى النهاية استقرت على ذلك وقالت بهدوء تؤيد حديث الأخرى :
_وأنا بصراحة رايحة أباركلها أكيد ده واجب علينا .
صمتت بعدها وكتمت ما بجبعتها من حديث خشيت أن تخرجه أمام والدتها فقد كانت تود الأعتراض على أمر مشاركة الفرحه معهم وهم أقاربنا ، لذا فصمتت خشية من رد فعل والدتها القاسية بينما 《روان》أجابت بتهكم ما إن سمعت حديث الأخرى :
_أهو دي بقى الغباء بعينه ، رايحة تبارك لواحدة أصلا مسألتش فيها في يوم زي ده .
أثار حديثها تخبط الأخرى وقد شعرت بخطأ تفكيرها فقالت مفصحة عن ما نوت فعله بعد تنهيدة يأس :
_"روان" أنا مش بتعامل مع الشخص إلى قصادي بنفس معاملته ليا ، أنا بتعامل بناء على إلى حسيته صح وريحني ، وبعدين أنا عارفة كويس طبيعة "حياة" ووحدتها فهى شخص مش واخد على جو لمتنا مع بعض فممكن تكون اتكسفت تيجي وبصراحة يعنى أنا حاسه أنها طيبة أوي و مظنش كمان أنه عندها أى نية مش كويسة اتجاهي يعني .
اختلف حال الجميع من حولها بعد حديثها فمنهم من رسم بسمته الغير مبالية لحديثها وبداخله غيرةٌ لم يبديها وهى 《سعاد》على عكس 《شروق》التي فرحت لتعبير الأخرى عن حقيقة مشاعرها والتي ما دائما إلا وتفكر بها وهنا كان موضعها الصحيح في التفكير ، بينما 《منى》رمقتها بنظرات الجمود تلك والتي فطنتها 《نورا》فشعرت برهبة قليلا وهي تعلم أن والدتها منذ الصغر تُبعدها عن الأخرى والتقرب منها أو من يقربها وكأنها منبوذة من بين الجميع ، لذا فالتفتت ل《روان》التي امتعض وجهها حين وقع ذلك الحديث على مسامعها ورمقتها بنظراتٍ حانقة ظهر أثرها فى نبرتها وهي تقول :
_خليكي يا أختي كده هبلة وبيضحك عليكي ، والله ما في حاجه هتخليكي تندمي غير قلبك إلى ماشية وراه ده .
حركت الأخرى لها رأسها فى يأس وعزمت ألا تلتفت لحديثها وهي تعلم أن 《روان》دائما ما تفكر بعقلها الذى ما يرسم لها إلا كل سوء ، بينما 《روان》أكملت بعد زفرة يأس وبقلبها شىء من الغيرة والحقد خرج معبراً عن نفسه بكلماتها تلك :
_ وبعدين بصراحة مش مصدقة ازاي المتوحدة دي حد تقبلها فى حياته .
وقع ذلك الحديث عليها كالسهام فأصابت فطرة قلبها مما دفعها تستغفر كثيراً محاولة عدم الأستماع لحديثها والالتفات إليه حتى لا يقع عليها الذنب أيضا على عكس البقية الذين أنصتوا لها بغير إكتراث لعظم ما يرتكبونه من خطأ ، وكانت أول من نطقت هى 《سعاد》التي أبدت رأيها بعدم إكتراث رغم ضيق صدرها :
_يا ستي ولا يهمك كم يوم وهيتخنق .
ضحكت الأخرى بسخرية وكانت من بينهم 《منى》شاردة لم تكترث لأمرهم لكنها خرجت من شرودها على صوت ابنتها 《شروق》التي يأست بعد استغفارها كثيراً وشعرت بأنها لابد من نصحها بإحسان لطالما رأت المنكر أمامها لذا فقالت بلطف معها :
_ "روان" يا حبيبتي أنا أكيد بعزك وأنتِ الكبيرة فى نظري وكمان علشان بحبك وبتمنالك الخير فمقبلش أنك تخسري حساناتك لا وكمان تزيد سيئاتك بسبب غيبة ذي دي يمكن نكون نسينا ووقعنا فيها بالغلط.
قلبت الأخرى عيناها بملل وزفرت بقوة قبل أن تقول بيأس لتلك الصغيرة المشاغبة بالنسبة لها :
_ خلاص يا شيخنا متشكرين .
شعرت الأخرى بثقل كلماتها على صدرها و التي ما اعتادت إلا لتجرحها بها فتنهدت بعمق تاركة أمرها لله وتحركت بعد أن نظرت فى ساعة هاتفها الذى أضاء يذكرها باقتراب موعد الصلاة فاستأذنت منهم تاركه البعض يرمقها بامتعاض من تلك التي تتصنع التدين أمامهم .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كان قد أنهى طعامه بعد عودته من العمل برفقة أخوته ثم جلس يستريح قليلا بغرفة المعيشة يتنقل من قناة لأخرى بملل ولم يجد شىء فأغلقه في النهاية وبقى بمفرده قليلا حتى دلفت له زوجته التي كانت قد أنهت ما تفعله من تنظيف الطاولة ثم أعدت له ما طلب وهو كوب من ال 《الشاي》، وبعد أن جلست بجواره ووضعت ما تحمله على طاولة صغيرة منخفضة أمامها باغتها هو بذلك السؤال الذي نطق بجمود به بعد أن تذكر ذلك الأمر :
_ الأستاذة إلى بتقع من طولها دي أى أخبارها بطلت دلع وأهتمت بنفسها شوية ولا لأ ؟
حركت الأخرى رأسها بيأس فلا فائدة فى ذلك جامد المشاعر وقالت بعد أن تنهدت ببطء وقد غُلبت على أمرها :
_أيوة يا "أمجد" بخير ، وهتكون بخير أكتر لو روحت تطمن عليها بنفسك وتسألها وتبينلها أنك مهتم مش تيجي تقولي أنا ، أنا هستفاد اى يعني!
لم يجيبها الأخر وصمت وقرر أن لا يكترث لأمرها ويهتم لتلك المشاعر التي أجتاحته فجأة بينما هى رمقته بيأس قبل أن تقول مشتته ذلك الأمر وقد تذكرت ما ستقبل عليه :
_ المهم خليني أفكرك قبل ما أنسى أننا رايحين لزيارة أختي يوم السبت .
عاد الأخر أن يفكر فى الأمر بغرابة وقد تعكر صفو مزاجه وقال يسألها بتعجب :
_ كويس فكرتيني بالموضوع ، أي بقى حكاية أختك وزيارتكم إلى كترت فجأة دي ، ما هي هنا من كم أسبوع اشمعنا الفترة دي حابينها أوي وعاوزين تزوروها .
زفرت بعمق تهدء يأسها من أمر اعتراضه فى كل مرة وهي تعلم أنه لربما يشك فى أمر علاجها لذا نطقت بحديثها الغامض :
_ الموضوع مش موضوع كترت الفترة دي ولا لأ ، الموضوع أصله ندم على إلى راح وبدأنا نصلح بص شوف بنتك يا "أمجد" عزلتها خلتها عاملة ازاي فكر لو لمرة هي حالتها اى بتمر بأي من حبستها وإلى كانت من البداية منك أنتَ.
لم يفهم هو حديثها الغامض لكنه شعر بشىء وشك فى الأمر للحظات صمت قطعها تكملة حديث الأخرى وهي تقول بهدوء بعد تنهيدة عميقه أخرجت بها ثقل يأسها :
_على العموم أديني قولت ومستنيه ردك بعد ما تفكر وإلى كمان متوقعه أنك هتوافق بعد ما تبص لحالتها وهى قاعدة سنينها كلها فى البيت بل فى أوضتها وده إلى دمرها ، عن إذنك يا "أمجد" هروح أشوفها وأحسسها أني مهتمه بحياتها شوية.
أنهت حديثها بغموض هو فطنه وتركته يفكر فى أثر تلك الكلمات التي نفضت تراب عن عقله جعله يفكر فى الأمر مليا وخاصة فى حياة أبنته وكيف تعيشها منذ سنوات كثيرة .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ خلاص بقى يا نكدو الله ، هتفضل مكشر كده هو أنا كلت ورثك .
قالها 《عمر》بمرح بعد أن نكز الأخر فى كتفه مما دفعه يزفر بضيق قبل أن يقول بصبر قد نفد من أفعال الأخر تزامناً مع قيادته السيارة :
_ خلاص اي يا عيل أنت ، والله عيل صغير إلى يعمل كده ، بقى يا بنى أدم سايبني لوحدي فى الشركة وواخد العربية تتفسح فى شوارع مصر بكل برود ، وفوق ده كله رايح تتخانقلي مع عامل السوبر ماركت الغلبان .
زفر الأخر بضيق ثم تفوه ينهى الأمر يائساً :
_يوووه مخلاص بقى قولت كنت بفك زنقة واحد صاحبي وأخدتها ونسيت سعتها أقولك .
_ طب والخناقة يا عيل يا صغير ، اى كنت بتفك ذنقة نفسية معاه فقولت تاخدها خناق .
رد 《عمرو》متهكماً بحديثه ذلك تزامناً مع التفاته إلى الطريق يطالعه وقد كان يقود سيارته فى طريقهم للعوده إلى المنزل مما دفع الأخر يقول حانقاً مما حدث منذ قليل :
_بس متفكرنيش ! وبعدين أنا محدش يطول نفسة عليا ويعاندني لأنه فى النهاية هيخسر هيخسر .
شرد الأخر أمامه بعينان مضيقتان ترمقان الطريق أمامه وقد كان الأخر يصطف سيارته بعد أن وصل لوجته وهو منزلهم بينما الأخر حرك رأسه يأساً من أفعاله الصبيانية و التي أدت لمناقرة كهذة مما دفعه يقول معاتبا :
_ مهو لو البيه عقلة فى رأسه ومش مقضيها خفة دم مكنش إلى حصل حصل .
الفتت له الأخر يطالعه بوجهٍ ممتعض ثم قال ببرد يثير حنق الأخر:
_خلاص يا حلو متعملش فيها العاقل أوي وأنتَ إلى يعرفك يضحك عليك بهبلك .
قالها بعفوية غير واعياً لما تفوه به مما دفع الأخر يلتفت إليه بعد أن توقف بسيارته فجأة وهو رافعاً أحد حاجبيه وقد أثار حنقه بينما الأخر أبتلع غصته بسرعة وظل دقائق يرمقه ببسمته الباردة وعلى حين غِرة فتح باب السيارة وخرج مهرولاً للمنزل ليرمقه الأخر بدهشة من سرعته وقال متوعداً له تزامنا مع فكه حزام الأمان حتى يستطيع الخروج من السيارة :
_ مصيري هصيدك يا ..يا فار !
قالها ثم خرج متجها صوب المنزل بينما الأخر ونظراً لهرولته لم ينتبه أثناء دلوفه البيت مما أدي لارتطامه ببوابة البيت الحديدية وسقط على إثرها أرضاً وقد التوى كاحله فظل يتأوه بألم فى صوته وهو يقول ما إن رأى ذلك الذى دلف له ووجده على هيئته تلك :
_ آآآه الحقني يا "عمرو" كتفي ورجلي خلاص راحوا ، يخربيت حظي المنيل .
كان الأخر يجاهد فى كتم ضحكاته على حديثه وهو يشكو بتلك الطريقة ليلاحظ 《عمر》ذلك ويقول بحنق :
_ بتضحك يا عديم الإحساس ، اضحك مصيرها تلف وتجيلك .
تنهد بعمق بعد أن أدرك الموقف فليس وقت المرح الأن لذا فاقترب منه يسنده حتى يتسنى له التحرك والوقوف مجددا تزامناً مع قوله معاتبا :
_قوم يا أخويا قوم ، أدي أخرة إلى يعمل فيها بطل ويجري بالسرعة دي .
أمتعض وجهه الأخر وهو يرمقه أثناء تحركه للوقوف على قدميه ثم قال بتأوه ما إن أخذ وضعية الوقوف وقد حاوط بذراعه كتفي الأخر ليستند عليه :
_ آآآه الله يخربيتك أنا بتألم وأنتَ يا عديم الأنسانية بتعاتبني .
شعر الأخر بحقيقة مشاعره وقال متسائلا باهتمام وهو ينظر لأحد قدميه :
_ هي بتوجعك أوي كده ؟
رد الأخر بتهكم من بلاهة الأخر :
_ لا يا أخويا بستهبل ! يا ابني ألمي وصياحي من الصبح دول محركوش مشاعرك خالص .
حرك الأخر رأسه بمعنى لا فائدة فى ذلك الفتى ثم قال بيأس منه :
_برضه برضه وأنتَ متنيل على عينك ومتكسر لسانك طويل ، وبعدين يا أهبل أنا بسأل كده علشان أعرف تأثير الوقعة عليها .
كان الأخر يحرك قدمه المصابة يحاول أن يستشف مدى تألمه وذلك بالضغط عليها واقفا وسرعان ما تأوه بألم ثم قال متألما بشدة بعد أن رفعها من على الأرض بسرعة :
_ آآآه بتوجع يخربيت كده ، شكلها لما اتلوت اتلوت جامد أوي .
كان الأخر يرمقه بشفقة وقلبه يتألم مع كل تأوه يصدر منه لذا فقال بجدية يحثه على التحرك مسرعا ليعالج الأمر:
_طب تعالى نلحق نعالجها قبل ما تورم وأهو بالمرة نطمن عليها أحسن يكون أثر الالتواء كبير ومنعرفش .
أومأ له موافقا ثم هَمَّ بالتحرك معه محاولاً الضغط عليها وقد نسي أمرها فتأوه متألما مما دفعه يقول بحيرة من بين آلامه :
_ بقولك أى شكلي مش هقدر أضغط عليها .
تنهد الأخر بأسى عليه وقد لاحظ نبرة صوته المتألمه ثم قال محاولا حثه على التحرك ليسرع فى علاجها :
_ حاول بس هي كم خطوة لحد العربية وهترتاح .
رد الآخر بيأس بعد أن زفر بقوة وقد أثارت بلاهته حنقه :
_( ما بقولك أقل لمسة فى الأرض بتوجع .)
أجابه 《عمرو》متهكما بعد أن يأس من عناده :
_ طب اى هتفضل كده؟! ناقص كمان تقول شيلني !
حرك الأخر كتفيه بمعنى لا مانع وقال ببرود :
_ ولي لأ وأنا أخوك الصغير وأنت الكبير إلى مفروض تشيل مسؤليتي ، يلا شيل .
أنفعل 《عمرو》فى رده وقد صدمته ردة فعل شقيقه :
_نعم يا أهبل أنتَ بتقول اي ، عاوزني أشيلك وأطلع بيك قصاد الناس كده في الشارع عادي .
أجابه الأخر بنفس البرود وعدم الأكتراث للأمر:
_ وأى المانع أنتَ شايل حد غريب ما أنا أخوك وغصب عني مش قادر أمشي ، يلا أحسن بلاها من الأساس وخليها تورم.
ظل يستغفر فى نفسه كثيراً ثم تحرك يفعل ما أقترحه عنوة عنه فهو إن لم يفعل ذلك لم يسأل الأخر في نفسة قط ويتركها هكذا لذا فحمله وهَمَّ ليتحرك لكن أوقفته تلك الفتاة التي ألقت عليهم السلام ما إن دلفت وكانت قد صدمت من ما رأته ولكنها لم تكترث للأمر وتوجهت صوب المصعد بعد أن أنزلت بصرها للأسفل وتحركت منصرفة من أمامها وسط نظرات الصدمة والحنق من الأخر بعد أن رأته بذلك موقف مخجل مما دفعة يقول بحنق يتهم شقيقه ما إن اختفى الأخرى :
_ روح منك لله فضحتني ، طب أنا موقفي هيكون اى قصادها وأنا رايح أطلبها دلوقتي.
حاول الأخر كتم ضحكاته وهو يتحرك به للخارج غير معنيا لحنقه من وقوعه فى ذلك الموقف المخجل وبعد دقائق كان قد تحرك بسيارته نحو مبتغاه .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تسطح على تلك الأريكة ما إن عاد من عمله ، وظل شارداً بتلك السماء اللامعة بنجومها فوقه وقد شغله ذلك الأمر وطوال هذه الفترة لسان حاله يشكو ألماً لم يفارقه وتعباً لم يفر عن عقله منذ أن انشغل بالتفكير بها متسائلا وقد زاد أنشغاله بالأمر ، هل حقاً تذكرت أمر ماضيه المظلم فعزفت عنه ؟ وهل حقاً صارت تصدقه من البداية؟ إذن هذا يعني أن ماضٍ مظلم كهذا كان سبباً فى ضياع نجمة ظل يحلم بالوصول إليها في يوم ، تنهد بعمق ولا زال شارداً فى الأمر بألم ، آهٍ لو كان كل ما يجول بخاطري حقيقي لزادت آلام صدري أضعافاً فكون أن الخيبة تأتيك من أقربهم لقلبك فهذا يزيد من شدة تألمه ، ظل هكذا شاردا وتفكيره كله عن ذلك الأمر حتى نشب صراع بين عقله وقلبه ؛ فعيون عقله ترى الأمور بواقعية ما حدث منذ أن تفوهت الأخرى بذلك الحديث وهو يربط خيوط اللغز حتى صار مصدقاً الفكرة وعلى النقيض الأخر هناك قلب ساكن كهدوء ما قبل العاصفة ولا يعلم أكان هذا صمت عادي وقد صدق الأمر الذي جاء به العقل أم أنه يعرف الإجابة من البداية ولم يكترث لضجة ذلك العقل ، قطع لحظات الصمت المريبة تلك صوت رنين هاتفه ليخرج هو من شروده بذلك الصراع ويعقد حاجبيه مستغربا من ذلك الرقم المجهول الذى رمقه بشاشة هاتفه ما إن أخرجه من جيب بنطاله المنزلي أسود اللون ، وقبل أن تنتهى المكالمة كان قد أجاب راداً السلام على ذلك الذى ألقاه عليه ما إن أجابه ثم أكمل يسأل باحترام فى حديثه :
_ مش ده برضه رقم الباشمهندس "أدهم أحمد محمد" .
أجاب 《أدهم》مؤكدا حديثه ولازال يتعجب من ذلك الصوت الذى شعر وكأنه قد سمعه من قبل بينما الأخر أكمل بأسلوبه اللبق فى حديثه :
_ مع حضرتك الباشمهندس "يحيى إمام" فاكرني ؟
تأكدت مشاعر الأخر فى معرفته بذلك الصوت لذا فقال مؤكدا بابتسامته البسيطه :
_ أيوة طبعا هو أنا نسيتك يا أهلاً بيك ، محتاج مني أي مساعدة ؟
سأله الأخر باهتمام بعد أن تعجب من أمر اتصاله وهو لا تربطه به أى صلة فى العمل ليرد الأخر بهدوء نافيا بلباقة حديثه :
_شكراً يا باشمهندس تسلم ، أنا بس أتصلت أسألك لو كانت حاجه ضاعت منك لأنى بالصدفة كده لقيت فى العربية ساعة لونها أسود فقولت أسأل ممكن تكون بتاعة حضرتك .
رد الأخر بعد تنهيدة ارتياح وقد تأكد أنها ضائعة بعد أن ظن أنه قد نسيها في مقر عمله :
_ أه هى يا "يحيى" كويس إنك قولتلي وأنا كنت خلاص فكرتها ضاعت ، وشكرا جدا والله على أمانتك .
تعجب الآخر من حديثه قليلا لكنه لم يكترث لذا أجابه بعد ابتسامة بشوشة :
_ لا شكر على واجب ، المهم أنك لقيتها وبإذن الله أشوف حضرتك قريب وأسلمك الأمانة .
وافقه الأخر فى الرأي ثم اتفقا على ذلك الموعد والذي تعجب منه الأخر فلم يطلب منه بعد تلك الفترة وفى النهاية أغلق معه ولم يكترث لتلك الساعة الضائعة فعقله الآن منشغل بتلك الضائعة الوحيدة من حياته تاركة بذلك أكبر أثر .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ خلاص دي أخر حاجة والله .
تفوه بها 《وسام》يعدها وهو يناولها قطعة من الفواكه قامت والدته بتقطيعها وعلم أنها ستحاول مع الأخرى لتأكلها حين عاد من عمله وبدل ثيابه ،فاقترح هو أن يذهب بها إليها لتوافق الأخرى وتتوجه بعدها لجدته تطمئن عليها فلم تزورها ذلك الصباح ، تناولت 《حياة》منه تلك القطعة وبدأت فى مضغها عنوة عنها وقد شعرت بانسداد شهيتها وبعد أن أنتهت من مضغها ناولها كوب من الماء أمامه على الطاولة المنخفضة وقال بحنو بعد أن ارتشفت القليل من الماء وأعادت الكوب لموضعه :
_ بالهنا يا أشطر بنوته شافتها عيني .
قالها بلطف وابتسامته الحانية لم تفارقه لتبادله هى بابتسامة متوترة قليلاً وقد شُغل عقلها بموعد غد وبدأت مخاوفها فى التزايد ، لاحظ الأخر ذلك وعزم على تشتيت أفكارها وقال متسائلاً وكان قد تذكر ما ينوي فعله :
_ قوليلي يا "حياة" خطر على بالي سؤال كده وكنت عاوز أعرف رأيك فيه .
انتبهت له الأخرى بكامل حواسها ورمقته عاقده حاجبيها قليلا تنتظر منه تفسير حديثه مما دفع الأخر يكمل بعد تنهيدة عميقه يفصح بذلك السؤال ليختبر رد فعلها :
_ بالنسبة لموضوع علاجك ، لو كان حد غيري هيعرف برأيك تتمني يكون مين ومين لا ولي .
لم تفهم الأخرى سبب حديثه ذلك لكنها قد أنتابها القلق من شىء ومع ذلك لم تكترث له وأجابته بثبات :
_أكيد طبعا إلى قريبين مني يا "وسام" وبطمن معاهم وبضمن أنهم مش هيجرحوني بكلمة لو عرفوا حاجة زي دي.
أومأ لها بتفهم وقد رسم بسمته اللطيفة على ثغره بينما الأخرى زاد قلقها من ما تفكر به مما دفعها ذلك الشعور بأن تسأله فى قلق :
_"وسام" أنتَ ...أنتَ مقرر تقول لحد حاجه زي دي ؟
أسرع الأخر ينفي حديثها ويطمئنها وقد علم أن خوفها من تلك فكرة جالت بخاطرها دفعها تسأله بقلق هكذا :
_ متقلقيش مش ناوي أقول لحد خالص ، بس بصراحة علشان ابقي صادق أنا قولت لماما من فترة وقبل ما تتكلمي بأي اعتراض هى إلى عرفت فى يوم التعارف الأول لما جتلك النوبة دي ، فأنا كان غصب عني اضطريت أقول وبصراحة كنت هقول فى النهاية لانه حاجه زي كده مينفعش أخبيها أكتر عنها .
تنهدت الأخرى ببطء وتقبلت الأمر فوالدتها تطمئن لها ولا تخشى أن تسخر منها كالبقية ومن بينهم ذلك الغريب الذى سيدخل حياتها عنوة ، خرجت من شرودها وقالت برجاء تطلب منه :
_ أوعدني يا "وسام" أنك متقولش لحد تاني نهائي حتى ..حتى لو كان ه..هو.
رمقها الأخر بريب فهل تقصد ب هو《يحيى》أم والدها ورد فى النهاية يعدها فأي واحد من بينهم فهى تخشاهم :
_ متقلقيش مش هقول لحد غير لما أنتِ بنفسك تقولي يا ستي ، اطمنتي؟
سألها بلطف لتومىء هي له بنعم وشعرت براحة قلبها ولكن هنا السؤال هل ستكون كاذبة هكذا إن خبأت أمر كهذا عنه ، أم أن تلك خصوصية ليست من المهم معرفتها ؟ زادت مخاوفها بعد أن تذكرته وصارت تتمني لو تنتهي تلك الليلة واليوم أيضا دون أن تشعر بأي ألم كهذا ، بينما الأخر شرد فى ذلك الأمر الذى قرر فعله ثم تحرك ما إن عزم على فعل ذلك الشىء وتوجه نحو شرفة بيتهم ليتثني له الحديث مع ذلك الذى طلب رقمه حتى أجابه بالقائه السلام عليه ثم تفوه 《وسام》يسأله وكان قد رد السلام :
_ "يحيى" فاضي أشوفك في الوقت ده ؟
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman