◇◇ذكرى ماضية◇◇

◇◇ذكرى ماضية◇◇

27 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_الحادي_ والعشرون.

تعافي_النفوس_الجزء_الأول.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

ما أعجب ذلك القدر أن يُجمع فيه بين مزيج من المشاعر في نفس ذات التوقيت، ترى، ما تخبئه أيامٌ قادمه؟ و أيهما سيكون الغالب؟

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

على مقعدٍ أخضر اللون، وُضع أمام مكتبها القابع بأحد أركان غرفتها، جلست هى منذ أقل من ساعة تقريباً، تحاول خط تلك الورقة التي أعدتها كما شرحت لها الطبيبة، سجلت في خانة الصباح ما قامت بفعله منذ أن استيقظت، توقفت يداها عن الحركة، ولوهلة وهي تطالع تلك الأيام والأنشطة التي مارستها خلالها، لاحظت ذلك الروتين الممل والمتكرر، فتسرب إليها شيء من عدم الرضى عن هذا الحال، فكيف كانت لا تمل من هذه التكرارات في أيامها؛ تستيقظ ثم تتناول فطورها بوقتٍ متأخر وتقضي بقية وقتها هباءً في غرفتها إما تفكر في مخاوفها ومواقف سابقة، أو تنام من شدة حزنها وخاصة في فترات اكتئابها، وبعض الوقت أيضاً تساعد والدتها في أعمال المنزل، فقط كانت تلك حدودها وهو منزلها، حتى أنها لم تجد أي نشاط سار تفعله في حياتها اليومية، زفرت بعمق ثم تحركت لتخرج من غرفتها صوب مبتغاها، دلفت المطبخ الذي وجدت فيه والدتها تعد الطعام، فقد كانت تجلس إلى طاولة متوسطة الحجم وهى تقوم بتقطيع أحد أنواع الخضار، انضمت إليها تساعدها في أي عمل تريد، ولكن كانت الأخرى قد أنهت معظمه، لذا فقالت نافية بعد عرض المساعدة الذي قدمته الأخرى:

_لا يا حبيبتي، أنا خلاص يعتبر خلصت، فاضل بس كم حاجة بسيطة أنا هكملها.

حركت رأسها بايمأة بسيطة ومكثت مكانها مُفضلة عدم العودة لغرفتها، تابعت بعيناها والدتها وهى تتحرك من مكانها متجهه نحو موقد الغاز《البوتجاز》لتضع ما قامت بتقطيعه فى القِدْر أمامها على ذلك الموقد حتى يتم تسويته، تنهدت بعمقٍ هى تشعر بالراحة الآن ولأول مرة منذ بعيد، فلا شيء يشغلها، حركت كفها تلتقط ذلك الكوب ثم سكبت كمية من الماء بها وأعادت الدورق على الطاولة، قربت الكوب من فمها تشرب القليل، وأثناء ذلك استمعت لحديث والدتها وهي تغلق باب الفرن بعد أن انتهى طهي ما بداخله:

_كده مش فاضل حاجة تاني، الشقة متوضبة الحمد الله، ألحق أرتاح قبل ما البقية و"يحيى" يجوا.

سعلت الأخرى بشدة، وقد تسببت بعض ذرات الماء في الأختناق لديها، فيبدو أن تلك الأخبار فاجأتها، اقتربت منها والدتها مسرعة تربت على ظهرها بخفة محاولة تهدئة سعالها، لحظات وتوقفت ثم التفتت تسأل والدتها بحشرجة في نبرتها إثر ذلك السعال بعد أن أعادت الكوب على الطاولة:

_ه.. هو النهاردة اي يا ماما؟

لم يسعفها تناطح أفكارها المقلقة هذه اللحظة من تذكر هذا اليوم وقد كانت منذ قليل تطالع أنشطتها التي قامت بها خلال الأيام السابقة، لكنها في تلك اللحظات تذكرت وأكد ذلك والدتها حين أجابت بتعجب:

_ الخميس يا حبيبتي! بس مالك كده قلقانه لي؟!

حاولت أن تتذكر خبر مجيئه ومن ألقاه عليها، فلم تتذكر أنه حتى قال شيء كهذا منذ أخر زيارة لها والتي كانت يوم《الأحد》وقد جاء ليطمئن على حالتها لبضع دقائق متوسطة ورحل، حتى أنها لم تقضي معه أي وقت سوى دقيقة أو إثنان وفرت لغرفتها وبقي هو معهم حتى رحل، حركت رأسها بنفي تطمئن والدتها ثم عادت ترتشف القليل من الماء بينما والدتها عادت لمكانها، وأثناء تحركها، قالت《حياة》 باستغراب وهى لا زالت تفتش بعقلها عن إجابة لسؤالها:

_بس يا ماما مش فاكرة إنه فيه زيارة النهاردة، هو..هو قال امتى؟!

_ مهو علشان أنتِ مكنتيش قاعدة معانا لما "أمجد" عزمه على العشا، بس غريبة، أنا كنت فاكرة إنه "وسام" قالك فعارفة المعاد يعني.

قالتها وهي تقلب الحساء ثم عادت تغطي القِدر، واستدارت بجسدها تبحث بعينيها عن قفازات اليد، لتجدها بسهولة موضوعة على رخام أبيض أمامها، فالتقطته لترتديه في كفها لتخرج ما أعدته داخل ذلك الفرن، بينما الأخرى بدأت تغوص بأفكرها في همها القادم، ولكن تلك المرة بشكل خفيف، يبدو أنها اعتادت، صدح صوت الهاتف أمامها على الطاولة يذكرها باقتراب موعد أذان الظهر، فتحركت مستأذنة نحو غرفتها كي تتوضأ وتستعد للصلاة.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

أنهى صلاته ودعاءه بأن ييسر الله أمره المُقبل على فعله، ثم تحرك واقفاً وبيده سجادة الصلاة قد التقطها بكفه بعد وقوفه، شَكلها عدة طبقات منتظمة ثم وضعها على أريكة جلدية سوداء جلس هو عليها بعد ذلك، والتي كانت تقبع في غرفة مكتبه الخاصة به بتلك الشركة التي يعمل بها، لم تكن فقط ليتذكرها في دعاءه طيلة هذه الأيام، بل في كل لحظة تسنح بذلك، كانت محل انشغاله طوال الفترة السابقة، ليس فقط بسبب تلك علامات الحب التي ظهرت لديه، ولكن أيضاً بعد أن علم معاناتها النفسية، كانت تلك الأخبار مُحزنة لقلبه، مُشغلة لعقله طوال الوقت، حتى أنها أثارت الشفقة على حالتها، ولكن هل بعد أن علم طبيعتها، سيقدر على تنفيذ ما بعقله؟ شرد مرة أخرى وهو يتذكر ذلك الحديث في ذاك اليوم والذي بعده لم ينشغل إلا بها....

♧مساء يوم الأحد♧

بعد تلك الزيارة القصيرة والتي ذهب إليها أمس يوم الأحد، توجه هو ومعه《وسام》لوجهة حددها الأخر وصلوا إليها بعد عدة دقائق، توقفت السيارة أمام تلك العمارة بالقرب من بيته والتي كان يقنط به صديقه، لذا فرمق الأخر بجواره بتعجب وسأل باستغراب:

_غريبة! أنتَ وقفت هنا لي؟

حرك رأسه نحوه ليرمقه قبل أن يومئ ببطء له ويقول بهدوء :

_كل حاجة هتبقى واضحة دلوقتي، بس في البداية لازم تطمني أنتَ كمان، وأعرف مصير العلاقة دي أي، بعد ما أعرف على الأقل رأيك اتجاهها.

عَلم الأخر مقصده، فهو محق كيف سيخبر شخص لا تربطه أي علاقة وثيقة بشقيقته بمعلومات خاصة كهذه، تنهد بعمق وبعد تفكير لحظات قال واعداً إياه بجدية مُفصحاً:

_ اطمن يا "وسام" أختك وشاريها، وعاوزها النهاردة قبل بكرة، يعني مش لعب عيال، بس الفكرة سايبها تاخد وقتها في التفكير مش أكتر، أنا قراري واخده من زمان.

التمس الصدق من نبرته وكذلك تعابير وجهه وإيماءاته الحقيقية، وللحقيقة هو يثق به وذلك من خلال عدة مواقف وتعاملات جمعته به، ولكنه ليس من هذا النوع الذي يثق ثقة عمياء بالأخرين، حرك رأسه بنعم ثم أكمل يخبره بهدوء:

_أنا علشان عارف إني مش هبقى مُلم أوي بحالتها وأشرحلك طبيعة المرض إلى بتعاني منه، جبتك هنا للي هتقدر تفسرلك كل حاجة، وهي الدكتورة إلى بتتعالج عندها.

جالت بعقله تلك الذكرى التي جمعتهم صدفة، وللحقيقة صدفة لم تكن بعابرة قط على قلبه، حرك رأسه بنعم، ثم خرجوا سوياً ودلف كلاهما البناية، لحظات وكانوا أمام الشقة بعد وصولهم لذلك الطابق بواسطة المصعد، والتي فُتح بابها بواسطة خالته فرحبت بهم وتوجهوا بعد ذلك صوب غرفة العلاج، كانت هي تعلم بأمر مجيئهم فلم تتفاجأ وقد أخبرها《وسام》بذلك فاتفقت معه على الموعد، جلس كلاهما على مقعدين ملتصقين بحافة مكتبها الأمامية، وكذلك هي على مقعدها المواجه لهم بعد لحظات من دلوفهم، ثم بدأت حوارها تخبره بهدوء:

_"وسام" قالي هو جابك هنا لي يا استاذ "يحيى"، ورغم إني مكنتش موافقة إني أطلع معلومة عن المريضة لأي حد غير المقربين، لكنه أقنعني بثقته فيك وإنك مش أي حد والسلام، بل أحد المقربين كمان.

رمقه بنظرة امتنان على ثقته به ولطف حديثه عنه، ثم التفت لها وقال بصدق بعد زفرة بسيطة:

_ قريب، قريب أوي هبقى من المقربين بإذن الله، وعلشان كده يهمني أعرف حالتها.

أومأت له بنعم وقد التمست الصدق في حديثه، ثم أجابته مفسرة:

_ علشان تفهم حالتها وازاي تتعمال معاها، لازم الأول تفهم طبيعة المرض، "حياة" بتعاني من اضطراب في الشخصية التجنبية، ومن اسمه اضطراب يعني خلل في سلوك الشخصية، تلاقيه بيتصرف بسلوك غير طبيعي، أو مبالغ به تجاه مواقفه، وأكيد حضرتك لاحظت ده من كم تعامل معاها.

مر بعقله شريط ذكرياته وتعامله مع الأخرى، وكيف كانت تبالغ في ردود أفعالها التي بدت وكأنها تخشاه، حتى أنه تذكر أول لقاء بينهم أمام تلك الشقة، أكملت الطبيبة بعد برهة من الوقت فاستمع هو باهتمام:

_ مرضى الاضطراب ده بيتسموا بالحساسية الشديدة للنقد، ودايماً بيخافوا من أحكام الأخرين عليهم فتلاقيهم مركزين بقلق في كل تفصيلة أو ايماءة بسيطة على ملامح الاخرين، بسبب خوفهم الشديد من النقد أو الرفض من قِبلهم، وبالتالي بيبتعدوا عن التفاعلات الاجتماعية، يتجنبوا الأنشطة إلى بتلزمهم بالتفاعل مع الأخرين، أو إنهم يكونوا علاقات جديدة فتلاقيهم وحيدين وانطوائيين.

سكتت لحظات ثم تابعت:

_ بالإضافة إنهم من الصعب يثقوا في أي حد بسرعة ويطمنوا معاه وإنه مش هيعيبهم أو يتلقوا منه كلام ناقد يجرحهم، سواء عن خصالهم الشخصية أو شكلهم وإلى بيكون في الغالب معتقدين الرفض بيحصل بسبب إنهم مش محل إعجاب الباقيين، واعتقادهم ده بيخليهم ينجرفوا وراء قرارات غلط زي كثرة التجنب، والعزلة، وبالتالي ده بيُسلل إليهم الشعور بالوحدة والاكتئاب لدرجة إنهم ممكن يفكروا في أفكار انتحارية، ذي بالظبط كده حالة "حياة".

صدمته الكلمات الأخيرة، وقد دُهش من حالة الأخرى المأساوية، فعقد ما بين حاجبيه وقال بعدم تصديق:

_ أفكار انتحارية! للدرجة دي، طب وهو إي السبب، اي السبب إلى يوصل إنسان للحالة دي؟

سألها باهتمام فأردفت تفسر له بهدوء:

_ اضطرابات الشخصية بتكون سببها مجموعة عوامل مختلفة يا استاذ " يحيى"، ممكن يكون عامل بيولوجي يعني شيء وراثي، أو ممكن يكون عامل نفسي زي صدمات نفسية، خوف وقلق، تنمر سواء كان نوعه لفظي أو اجتماعي أو غيره، والعامل الأخير وإلى يعتبر أهمهم لأنه الفيصل في تحديد درجة تأثير باقي العوامل على الشخص، هو العامل البيئي، المريض لو تلقى من إلى حواليه عامل دعم كبير والبيئة إلى بتحيط بيه سليمة وسوية، ده هيفرق جداً بالنسبة للحالة، لكن لو محصلش ده، وكان في إهمال من الوالدين أو أحدهم مثلاً، أو أشخاص تانية حواليه سلبية، طبيعي هيساهموا في تفاقم حالة المريض.

حرك رأسه بفهم، وطريقة بطيئة أعربت عن شروده منشغلاً بها، فالآن عرف سبب سلوكها، ولكن ما الذي حدث في حياتها ليجعلها تصل لحالة مأساوية كهذه؟ التفت يطالعها متفادياً تركيز بصره عليها وقال يسألها باهتمام وقد عزم على فعل ذلك الأمر:

_ طب وحضرتك بالنسبة ليا، فى طريقة تعامل معينة أقدر أتعامل معاها بيها؟

أجابته بهدوء:

_مش فكرة طريقة تعامل معينة أكتر ما هي فكرة قدرتك في توصيل بعض المشاعر للتانية، زي تقبلك الصادق ليها ولعيوبها قبل مميزاتها، يعني بدون شروط، وخاصة لو هي مشاعر عاطفية زي الحب لو كان، ده هيشعرها بشيء من الأمان تجاهك وكمان تقدر تثق فيك، وممكن كمان تحس إنها كانت واخده فكرة مغلوطة عن نفسها وإنها مش محل إعجاب، وبعد نظرتك ليها تتغير نظرتها لنفسها كمان.

♧عودة♧

خرج من شروده قاطعاً إيها في تلك اللحظة تحديداً، عازماً على اتخاذ تلك الخطوة بكل قبول ورضى في نفسه، قاطعاً وعظ ردده على لسانه وهو يتمنى:

_وعد كل حاجة هتكون بخير بعد كده، بس تتيسر الأمور وإلى عاوزه يحصل لو ربنا أراد.

تنهد بعمق، ثم تحرك متوجهاً لمكتبه كي يكمل عمله الذي قطعته صلاة الظهر، وينتهي منه قبل موعد زيارته لها.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

السنوات تمر وتمر، ومهما بلغ عددها، إلا أنها لم تُمحي ذكرى سوداء قبعت بعقلها، وكلما عادت تلك الذكرى تراودها، نبشت ما بداخلها من أسى وحزن، جلست في غرفتها ولم تنزل لتشارك البقية جلوسهم في الأسفل بشقة والدتها، فهي الأن على مشارف الحزن وقد تذكرت حينما طالعت تاريخ اليوم، أنها ذكرى وفاته. الإنسان في سجيته أن يحزن على مُفارقة الأحبة وهذا طبيعي، ولكن بالنسبة لها ليس بفارقٍ عادي، كان فراق دُفن معه حقيقة حقٌ سُلب عنوة، فكلما راودتها ذكرى ماضيها الأليم، نُغص عيشها بالبغضِ على كل من تسبب في ظلمها........

♧منذ سنوات عديدة♧

على مقعدٍ منخفض، وُضع أمام سرير المرضى الذي تسطح هو عليه بحالة متدهورة، كانت تتابع حالته بعينين لمعتا بقطرات دموعها المحبوسة وهو يتنفس ببطء مستنشقاً الأكسجين خلال تلك البلاستيكية الشفافة الموضوعة فوق أنفه، قُهر قلبها على حالة زوجها وما وصل إليه بسبب أزمته القلبية، هي تعلم أن قلبه مريض، ولكن لم تصل حالته لهذه الدرجة في يوم منذ أن تزوجته قط، شعرت باقتراب نهايته، فهو منذ أن نقلته للمستشفى بعد ما حدث له فجأة، وهو على حاله لم يستيقظ، مرت لحظات صامتة عليها وهي معه بالغرفة بعد أن سمح لها الطبيب بقليل من الوقت للاطمئنان عليه، حتى قطع ذلك صوته الخفيض بسبب ما وضع على فمه وهو ينادي بأسمها وحروف متقطعة لم تفهمها :

_م..م..م...منى، ف..ل.ف..ف.

يحاول قول شيء مهم لكن حالته لم تُسعفه، سكت وبدأ يتنفس ببطء، شعرت هي بمشقته في إخراج الكلمة، فقالت تهدئه بعد أن مسحت تلك الدموع التي سالت على وجنتيها وهى تشاهد حالته الصعبة:

_ ارتاح يا "خالد" أنتَ لسة تعبان، ترجع بسلامتك يا حبيبي وتبقى تقولي كل حاجة، هروح أنادي الدكتور دلوقتي علشان يطمنا.

وقبل أن تقف عاد يصارع حالته الصعبة ويقول بمشقة:

_ف..ف..فلو..فلو..فلوسسسس....

أخيراً خرجت وأخبرها بما يود أن يفصح، ولكن خرجت معها أخر أنفاسه، فارتفع صفير جهاز قياس معدل ضربات القلب بجوار سريره، ورُسم خط مستقيم على اللوح الرقمي يُعرب عن أنه لا يوجد نبض، فُزعت من ذلك الصوت وانتفضت واقفة تتنقل ببصرها بسرعة تارة فوقه وتارة تعود وتتأكد من الخبر وهي ترمق ذلك الجهاز الذي أخرج صفيره، حركت رأسها بسرعة يميناً ويساراً وهي تردد بفزع:

_لا ..لا...لا قوم يا "خالد" قوم، لا..

حاولت هزه ليفيق، لكن الاجابة واضحة، خرجت مسرعة تنادي إحدى الممرضات، فوجدتهم أمامها على الاستعداد للدخول ومعهم الطبيب، أخبرتهم برجفة في صوتها بحالة تدهوره، ثم خرجت بعد أن طلبت إحدى الممرضات ذلك بلطف وأغلقت الباب في وجهها، تلقتها في تلك اللحظة《سعاد》تحتضنها وقد كانت برفقتها منذ أن تدهورت حالة الأخر، ظلت تنوح بحرقة خشية من أن يحدث له مكروه، اقترب أشقاؤها حولها في تلك اللحظة بعد أن هرولوا مسرعين إلى مقر المستشفى، تاركين عملهم منذ أن علموا بالخبر الفاجع، حاول 《مصطفى 》تهدأتها بعد أن أخذها لتجلس على أحد المقاعد المواجهة لتلك الغرفة، بينما《أحمد》اقترب من زوجته ليطمئنها بضمته المُرفقة محتضناً كف يداها، فهو شقيقها وحزنها في ذلك الوقت لم يكون بقليل عن الأخرى، دقائق متوسطة لف المكان خلالها صمت مخيف بعد أن هدأت الأخرى وحاول《مصطفى》فعل ذلك، مرت خلالهما صراعات داخل تلك الغرفة يحاول فيها الطبيب كسب المعركة ليُفيق الأخر، لكن كيف الفوز على قدرٍ كان مكتوب! فُتح باب الغرفة فتحرك الجميع صوبه وأولهم هي وتلاها《مصطفى》بينما البقية كانوا يقفون بشكلٍ متفرق على يمين الغرفة كان 《أحمد》وزوجته وعلى اليسار كان 《أمجد》الذي تابع ملامح الطبيب الغير مبشرة فنَغز قلبه شيء من الحزن والقلق من خبرٍ قد راوده بتلك اللحظة، وحقاً تأكد ذلك حين أجاب الطبيب بحزن على سؤال《منى》الملهوف عن حالة زوجها:

_ للأسف عضلة القلب توقفت والحالة تعيش أنت، البقاء الله.

_ ل...لأ..لأ.خالد ما متش..خالد..م

لم يكن لأعصابها تحمل صدمة كهذه، فسقطت مغشية عليها، والتقطها في تلك اللحظة 《مصطفى》ونقلها سريعاً لغرفة الطوارىء برفقة ممرضة والطبيب وذهب معهم 《أمجد》، بينما 《أحمد》وقف بجوارها، ولا زال كفه يحتضن كفها وهي شاردة أمامها لم تنطق بحرفٍ، حتى عيناها لم تزرف بقطرةِ دمعٍ، كان يترقب أن تبكي ولو مرة ولكن يبدو أن صدمتها مختلف رد فعلها، فكتمانها بتلك الطريقة لا يؤول في النهاية إلا لما هو أسوأ.

مرت الساعات على هذا الحدث المُفجع، وانتهت فترة عزاء الأخر ورحل الجميع، وبقيت هي بشقتها البسيطة التي كانت تعيش هي وأسرتها بها، وبينما هي تجلس على أريكة بغرفة المعيشة قبعت، تذكرت أخر كلماته معها والتي كانت عن المال، فاجترت تلك الذكرى شيء أخر تذكرته يخص أمر البيع الذي من المفترض أنه تم بينه وبين شقيقها《أمجد》ولكن ما أثار التعجب بعقلها، هو أنه تم بيع نصيب زوجها لهم البارحة ومن المفترض يعود لها بالمال لكن لانشغالها ببعض أمور منزلها، لم تسنح الفرصة لمعرفة ذلك، قامت مسرعة تبحث في غرفته عنهم، أخذت دقائق تفتش هنا وهناك، في خزانته ثم تحت فراشه، بكل منطقة بالغرفة بحثت ولم تجد شيئاً، زاد ذلك من قلقها وتساؤلاتها المرتابة، أين الأموال؟ أيمكن أن تكون سُرقت؟ ولماذا أصر الأخر في كلماته بذكرها أمامها، أيمكن أن يكون هناك شيء حدث يرتبط بتلك الأموال قبل أن تتدهور صحته؟ لم تتذكر حتى أنه أخبرها بفتح حساب بنكي ليضع الأموال بها، عادت لمكانها مرة أخرى وهي تسير ببطء، ثم شردت تفكر بالأمر بعد أن جلست على الأريكة، في تلك اللحظة قطع صوت تفكيرها دلوف《سعاد》 لديها وهي تقول بعد أن جلست متنهدة بقوة:

_ "نورا" مع "سهير" في أوضتها، بتحاول تنيمها، بعد ما هديت أخيراً من عياطها وهي مش مبطلة جملة عاوزة باب.

لم تلتفت الأخرى لاعتصار قلبها ألماً على حزن ابنتها المتعلقة بوالدها، ولكن العقل كان منشغلاً بأمر أهم، أين المال؟ وبما حاول زوجها أن يخبرها عنه؟ لاحظت《سعاد》فسألتها إن كان هناك ما يشغلها، لتجيب الأخرى بتيه:

_تايهة يا "سعاد" ومش عارفة اي حصل بالظبط، إلى أعرفه إنه "خالد" قبل ما يموت كان مفروض سايب مبلغ بعد ما فض الشراكة بينه وبين اخواتي في التجارة، بس أنا مش لاقياه، ده حتى معندوش حساب بنكي يحط المبلغ فيه، هيروح فين يعني؟

تعجبت《سعاد》من الأمر وهي تطالعها بحاجبين ضاقت المسافة بينهم، انتابها شيء من القلق والتشتت مما جال بخاطرها، فحاولت أن تبدي لها رد فعل طبيعي غير متوتر، وقالت مقترحة:

_ط..طب ما تسألي "أمجد" ممكن يكون لسة ما سلمش الفلوس ليه أصلاً.

حركت رأسها نفياً وهي شارده أمامها وقالت تنفي ذلك:

_لا يا "سعاد" هو أكيد جابهم معاه هنا، ازاي يعني مسلمهوش.

إذن يبدو أن الأمر سيُكشف إن ظلت الأخرى تفكر بتلك الطريقة، حالولت رمي بعض الحجج أمامها لكنها لم تقتنع، وفي لحظة تفكيرها معها في حل لتلك المعضلة، راودتها فكرة مما جعلها تسرع في القول بعدم مبالاة لما ستفعله:

_ يبقى الموضوع ظاهر من البداية يا "منى"، "أمجد" ما سلمش فلوس لحد، ومش بعيد يكون ده السبب في أزمة قلبة المفاجأة، بعد ما عرف بحركة نصب التاني، مهو المبلغ كبير برضه.

لم تصدق الأخرى قولها، رغم ريبها البسيط، فزوجها منذ أن عاد كان يبدو عليه الحزن بعض الشيء، هادىء طوال الوقت في صمته يفكر وتلك لم تكن عادته، أيمكن أن يكون حدث شيء كهذا، ولكن كيف؟ نفضت تلك الأفكار من عقلها وقالت تنفي بتردد:

_ لا، لا يا "سعاد" مظنش، "أمجد" ميعملش كده، بالإضافة إنه كمان قالي إنه "خالد" روح بالفلوس ومن ساعتها ما شافهوش، وبعدين أنتِ تقصدي اي بكلامك الأخير؟

عاد الارتياب يدركها فسألتها بشكٍ وعدم فهم، فأردفت الأخرى تؤكد ما بعقلها من فتنة، وهى تنظر أمامها بعيون نطقتا بالغل:

_قصدي واضح يا "منى" والحدوته واضحة زي الشمس، من كم يوم قبل البيع، حصلت مشاكل بينه وبين "أمجد"، وإلى كان السبب فيها مراته لما سمعت بخبر باطل زي ده واتهمته بتجارة المخدرات، هو يا عيني لوحده ومعرفش يبرأ نفسه قصادهم فغلب على أمره وقال يطلع منها ويفض الشراكة ما بينهم، وطبعاً أنتِ زي ما مصدقة "خالد" وأكدلك مليون مرة إنه التهمة باطلة، والكل في البيت عرف ده، ما اكتفاش"أمجد" بده، وانتقم بقى بطريقته وعرف يرجع الفلوس الضايعة بسببه زي ما كان بيتحجج قبل كده من زمان علشان يفض الشراكة ما بينهم، مهو أصلاً مش طايقه، وبكدا ضرب عصفورين بحجر.

تحاول عدم تصديق تحليلها للأمر ولكن لا مفر، فكل كلمة خرجت منها مقنعة، وكل خطة أُحيكت لوقوع زوجها في فخ انتقامهم كانت صادقة، فكل ما حدث منذ أيام أمام عيناها لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل خطط تُحاك لتدمير عشها الزوجي.

♧عودة للوقت الحالي♧

ومنذ ذلك اليوم وهي لم تنسى قلبٍ قد قُهر على ما سُلب منها، من زوج ومال كانوا بامكانهما أن يعيشانها في سعادة وسط أسرتها الصغيرة، ولكن كيف وسط تلك الغابة الظالم أهلها، فحتى بعد أن واجهت شقيقها بما حدث لربما يعترف بما ضاع ويحس بخطأ ذنبٍ قد ارتكبه، أنكر هو ذلك وعرف كيف يمثل الصدق على الجميع وأقنعهم حتى صدقوه، وأصبح صوتها ضعيف أمامهم، لم تستطع المطالبة بحقها أكثر من ذلك بعد محاولات كثيرة فشلت، وتصبرت بتلك المساعدة المشفقة منهم عليها حين عوضوها بمالٍ أخر يُسير حياتها وقد تركها الأخر ورحل بدون مالٍ ولو قليل مما كان يملك، ولكن هل لزوجها أن يعود! خرجت من شرودها في أحداث يومٍ مشؤوم، ورددت بقهرٍ ألم قلبها:

_ربنا ينتقم من كل ظالم، ويحرق قلبك أنتَ وهي وكلكم زي ما كنتوا السبب في حرقته في يوم.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

برداءها البني، وحجابها ذو الدرجة الفاتحة من نفس اللون《كافيه》، وقفت أمام نافذة غرفتها وهي تميل برأسها على حافتها الجانبية وقد التصقت بجدران يحيط بها، كانت تطالع خضرة أوراق الشجرة المقاربة للبناية والمائلة بأوراقها صوب نافذتها، كان مشهد بديع لتناسق ألوان ملابسها الهادئة، يبدو أنها تحب ذلك اللون، أخذت تتأمل في جمال تلك الأوراق فتخلل لنفسها شيء من الهدوء والاسترخاء لأعصابها التي لم تعد تتحمل أفكارها الضاجة لعقلها منذ ساعات، هي تعلم أن القرار ليس قرارها، وأنها مجبرة على تلك الزيجة، لكونها لا تثق به، وتخشى هجرها ورفضها إن لاحظ عيوبها كما حدث في السابق، ولكن لماذا أتت تلك الفكرة تراودها لتنغص عليها صفو خيالها؟ ومن أين جاءت؟ أيمكن أن يكون وحي خيالها رسم لها قصة هادئة كهذه؟ وهي المعتادة على رسم ذلك منذ الصغر كموهبة إبداعية لا أكثر؟ أم أن تلك المواقف البسيطة التي جمعتها معه كانت كافية لتجذب انتباهها، فتتعلق بصفاته الحميدة؟ مرت تلك المواقف في مخيلتها كلما عاودت تلك المشاعر الغريبة عليها أن تراودها، تذكرت كيف كان يعاملها باحترام جراء عدد بسيط من المواقف منذ أن تقدم لخطبتها، ودون أدنى تعبير أو إيماءة تشي بعدم القبول، وكيف كان في أخر زيارة يغض بصره وقد لاحظت ذلك حين وقع بصرها عليه سهوة وهي التي تغضه دوماً، بدى لحظتها أنها تعرفه ورأته في مكان ما، لكنها كعادتها قطعت أفكارها المقلقة تذكرها له، والآن عادت تتذكر شيئاً فشيء حتى تذكرت أنها نفس تلك الملامح التي رأتها لحظة بسيطة ثم عادت لتتوارى خلف الباب بذلك اليوم، نعم هو نفسه، ولكن ما هذه الصدف الغير مصورة للعقل! قطع تعجبها من الأمر حين تذكرت فجأة حديثه الملهوف ليطمئن عليها ذاك اليوم وقد عادت دقاتها السريعة مجدداً، فتساءلت بتعجب، ما الذي جعله مهتماً لأمرها كل هذا الحد؟ أيمكن أن يكون... قطعت استرسال أفكارها وقالت بشيء من الاستهزاء من نفسها:

_ بس يا "حياة" الله يهديكي ده مش وقت تأليف قصص، قال حب قال!

تحركت صوب فراشها تجلس، ثم شردت مرة أخرى بالأمر، وتلك المرة اضطرب عقلها بأفكارها المتدنية تتساءل، ماذا أن يكون أحب بها وهي العادية، لا تملك جمالاً جذاباً لهذا الحد كي تعجبه، حتى أنها لا تملك أساليب تواصل جيدة، مريضة تعاني من علل نفسية وقد ينفر منها كما فعل الجميع، وعلى ذكر مرضها، تفاجأت بنفسها تقع في فخ النسيان حين تذكرت ذلك الأمر وقالت مرددة بيأس:

_ أنا ازاي أنسى حاجة مهمة زي كده، طب..طب هقوله ازاي وامتى؟

ألم خفيف قد سرى في بطنها وهي تفكر بخوف في طريقة لأخبار الأخر بأمر علاجها، تخجل بقلق من فعل ذلك، فإن عرف الأخر عيب كهذا بها ماذا سيكون رد فعله؟ ولكن السؤال هنا، هل هي ستكمل في تلك العلاقة من الأساس كي تخبره شيء كهذا؟ شردت مرة أخرى بقلق تفتش في عقلها عن إجابة لسؤالها فلم تجد، ما هذا التعقيد، ما هذا العجز والتردد الذي تَملّكها، قطع حبل أفكارها صوت طرقاتٍ على باب غرفتها فأذنت هي بالدلوف، ليقترب منها "وسام" بعينين ابتسمتا وهو يطالع هيئتها بسيطة الجمال، رحب بها بعد جلوسه بجوارها، فطمأنته بعد تنهيدة عميقة وقالت بعدها تتساءل بريب ما إن تذكرت ذلك الأمر برؤيته:

_ صحيح يا "وسام"، أنتَ لي مقولتليش إنه جاي النهاردة؟ سبتني كده أتفاجأء قبلها بكم ساعة!

قالتها بتعجبٍ مُخزي من فعلته، فأردف هو يوضح لها سبب ما قصد فعله:

_ ما هو علشان أنا عاوز كده، مكنتش عاوز أسيبك لدماغك وقلقك يا شاطرة طول الأيام إلى عدت فتنشغلي عن خطوات علاجك.

للحقيقة ما قاله صواب وأقنعها، فهي إن عرفت منذ ذاك اليوم بقدومه، لانشغلت بأفكارها المقلقة حتى هذا اليوم ولربما تدخل في مودها الكئيب وبالتالي لم تنجز أي خطوة من خطوات علاجها، صمت هادىء لف المكان حولهم بعد أن حركت رأسها بفهم لحديثه والتفتت تشرد أمامها بسكينة لا تعلم من أين جاءت بها، بينما هو لاحظ أنها لم تبالغ في قلقها هذه المرة، فيبدو أن الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب التي أوصت بها خالتها كي تأخذها هذه الفترة قد أخذت مفعولها وبدت النتائج أمامه، شق ذلك الصمت صوته وهو يسألها بعد أن تذكر نشاطها العلاجي:

_ صحيح يا "حياة" أي أخبار الجدول والخطوات إلى خالتو شرحتها علشان تتبيعيها، طمنيني أنجزتي فيه؟ ولا في حاجة وقفتك؟

أومأت بنعم أمام عيناه الرامقتان لها وهي تجيب بملل بعض الشيء ما إن تذكرت ذلك الجدول اليومي:

_ أه وبسرعة كمان، هما أصلاً نفس أعمالي الروتينية إلى بعملها كل يوم مفيش حاجة جديدة.

_ طب ما تحاولي تكسري الروتين، وترجعي أنشطة كتير كنتي تمارسيها.

قالها مقترحاً كما أوصته خالته مبينه له أنها في البداية ستلاحظ روتينها الممل، لذلك لا بد من كسره حتى تلاحظ أكثر مواقفها المتجنبة وأعمالها التي أوقفتها بسبب ذلك الروتين، فكرت للحظات وقالت تؤيده الرأي:

_ فكرة برضه، هحاول أعمل ده المرات إلى جاية بإذن الله.

حرك رأسه بتفهم مبتسماً، أسعده رؤيتها تحاول رغم بساطة البداية، فتمنى بقلبه أن يكتمل ذلك بيسر من الله وخير، في تلك اللحظات الهادئة قطع شروده صوت رنين هاتفه في جيب بنطاله، فتحرك مستأذنناً وخرج بينما هو يجيب على المتصل بعد أن أخرج هاتفه، بينما هي مكثت تفكر بالأخر وقد عادت تلك الهواجس تهجم عليها.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

مرت ساعات عمله بسرعة، وكأن الوقت يحالفه ويؤيده في اتخاذ تلك الخطوة، حتى أنه أنهى عمله مبكراً أيضاً، استبشر خيراً من تلك التيسيرات، تمنى أن تتم من قِبل الأخرى أيضاً، وينتهي صراعه القائم بين عقله وقلبه، لا يريد أن يخسر نعمة رزقه الله بها، فعزم أن يستعفف، ليكتمل نمو ذلك الحب حديث الولادة بين قوسين داخلهما حلال، حافراً على كل درجة من سَلاَلِمه ذكرى تُنعشه. توجه نحو بيته بعد أن أنهى عمله، حتى يتسنى له تبديل ملابسه بأخرى تناسب تلك الزيارة، أو المناسبة بالنسبة له، وكذلك المقربون وأولهم خليله الذي كان أول من نصحه بذلك، وأيضاً والديه أخبرهم بقراره، دعماه، وقد رأوا في عينيه الإرادة لفعل ذلك والقبول لها، فظنوا أنه عَلِمَ بأمر علاجها ولم يلتفت لذلك كما خمن والده، فذلك أمرٌ بالنسبة لأبنه غير ملفت أو حتى عائق في أي علاقة، وهو الذي يرى بعينيه جمال البشر وليس عيوبهم، أخذ عدة دقائق متوسطة قد تصل للنصف ساعة تقريباً قبل خروجه متجهاً صوب مبتغاه وذلك بعد أن طلب الدعاء من والديه كي ييسر له الخالق أمره.

دقائق قد تتعدى النصف ساعة أو أقل، وكان يصطف سيارته بالقرب من بناية منزلها، ثم خرج وبيده شيء رمزي كهدية أحب أن يأخذها لهم في تلك الزيارة، توجه صوب البناية ليدلفها ولم يلاحظ تلك العيون التي كانت تراقبه وهي تقترب منه بينما تسير خلفه، دلف وبهدوء وقف ينتظر المصعد ليهبط، كانت تراقبه بعينيها الفضوليتين، وفي ذات الوقت نطقتا بالغيرة، ماذا فعلت تلك الفتاة المتوحدة كي توقع شاب بوسامته تلك في شباكها ويتعلق، فتلك الزيارة الثانية تقريباً وقد رأته منذ أيام هنا حينما كانت عائدة من نزهتها ولهوها مع أصدقائها كالعادة، دلف أمامها بقميصه الزيتي المصعد، بينما هي وقفت تردد بتهكم نبع من نار غيرتها الموقدة بداخلها وذلك بعد ضحكة جانبية ساخرة:

_ الظاهر إنه الوضع الملائكي بتاعها اشتغل، فتلاقيه يا عيني مخدوع، بس وماله كله بأوانه ومصير الحرباية تغير في يوم لونها إلى جذبه.

تحركت بعد ذلك صوب درجات السلم لتُخطيها كي تصل لشقة جدتها تبحث عن مبتغاها.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

انقضت بضع دقائق لم تكن قليلة، تناول الجميع خلالها وجبة العشاء وهي أيضاً بعد مجاهدة لنفسها، هي تخجل من فعل ذلك أمام غريب، لكنها حاولت بشق نفسها، واكتفت بالقليل تسيراً للموقف حتى لا تتسبب في الحرج للبقية، كان هو يلاحظ كل تفصيلة وإيماءة لها دون تساؤلاً تلك المرة يضج عقله، فهو الأن فهم طبيعتها، ورغم ذلك أحبها، وها هو الآن يود طلبها في الحلال، وعلى ذكر ذلك قرر هو تأجيل الخبر ليلقيه عليهم قُرب نهاية الزيارة، كانت الدقائق تمر بثقل عليهما، هي جالسة تتحامل على نفسها تلك النبضات المسرعة وهي بجواره في نفس المكان فقط يفصل بينهم "وسام"، وهو ينتظر الوقت المناسب لفتح ذلك الموضوع معهم، فمنذ أن توجهوا إلى غرفة المعيشة، بدأ والدها الحديث معه وكأنه يتعرف عليه من جديد، لاحظ حرصه على معرفة كل تفصيلة عنه وعن شخصيته، فيبدو أنه يود الاطمئنان على ابنته جيداً، وأي رجلٌ سيتزوجها، مرت لحظات سكت فيها الجميع وعم الهدوء حولهم، فكانت أحاديث الأخر قد انتهت، لذا فقرر هو انتهاز تلك الفرصة وعرض طلبه عليه بتلك اللحظة وخاصة قبل فرار الأخرى لغرفتها هرباً منه بسبب خجلها كالمرة السابقة، كسر هو الصمت من حوله وقال ببديهية وهو يطالع والدها الذي مكث على مقعد يجاور الأريكة:

_بعد إذن حضرتك يا عمي أنا عندي طلب من حضرتك كنت جاي وعازم على إني أقوله لحضرتك، وده بعد إذن حضرتك والأنسة "حياة" طبعاً.

لفت انتباه الجميع وخاصة هي التي تسارعت نبضاتها وشعرت بألم خفيف سرى في بطنها ما إن ذكر اسمها على لسانه، تفوه "أمجد" بتعجب يحثه على الحديث:

_ قول يا ابني أنا سامعك، اي طلبك؟!

تنهد بعمق ثم ألقى بطلبه أمامهم باحترام بدى في كلماته:

_ بعد إذن حضرتك يا عمي، أنا بطلب إيد الأنسة "حياة" شريكة ليا في حياتي، وعاوز أحدد مع حضرتك معاد لكتب الكتاب.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع...

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة