◇◇وثبة ألم!◇◇

◇◇وثبة ألم!◇◇

31 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل_الخامس_والعشرون.

تعافي_النفوس_الجزء_الأول.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

إن أثمن ما يملكه المرأة هي نفسه، إذا انكسرت لم تعود كما السابق حتى ولو اجتمعت غوالي الدنيا كلها لم يعينا ولو بفتيلة على جبرها!

خرج من المسجد مرتاح البال بعد أن ناجى ربه طالبًا منه بتضرعٍ الإعانة في أمره وحسن الإختيار بين القرارين، سار شاردًا الذهن طوال الطريق، عائدًا إلى المنزل بمفرده، بعد أن مكث ما يقرب النصف ساعة في المسجد متخذه ملجًأ مناسبًا للتفكير في القرار بروية، وإلى الآن لم يقرر، لا يعلم لماذا ذلك القلب ينجرف نحو شعورٍ يؤلمه؟ فالبقاء ليس حلًا لشفاؤه، بل علقمًا يتجرعه كلما حن إلى الذكريات المفارقة، ولكن هناك شعورًا أرهبه لم يقدر عقله على تفسيره، وخُيل له أن ذلك ما هو إلا نتاج لفكرة الفراق للأبد، وقد رسم قلبه مجددًا فكرة خيالية حالمًا بلقاء سبلهم.

شيد له عقله أفكار بشكل منطقي، ليصد عنه سهام الألم المرسلة من قِبل ذلك القلب الأبله الغارق في حزنه من دون أن يدرك، فقط ما يدركه أنه قريب من بلسمه، لا يأبه أن البلسم لا يشفي ما دام وقت تجرعه المناسب لم يأت بعد، وربما يعطي نتيجة معاكسة. بدرجة كبيرة بدأ يميل لقرار عقله، وأن يلتهي بعمله ويتقرب أكثر إلى الله في الخلوات، ويترك الأمور تجري كما شاء، فذلك خيرًا لقلبه حتى إن تزايد شعور الرهبة الغريب به، فربما حل ذلك الشعور لعدم تقبله فكرة الابتعاد عن أقاربه.

تقدمت قدميه خطوتين دالفة ذلك الشارع الواسع القانط بأحد بناياته، وقبل أن يخطو الثالثة توقف عن السير تمامًا ما إن وقع بصره عليه وهو يخرج من بناية بيتهم، أخذ ثوانٍ ليتأكد من هيئته، إلى أن تأكدت كل الظنون، وبالفعل هو《سمير》، ولكن ما الذي جاء به إلى هنا؟ أليس من المفترض أنه في سفر؟ تعجب والريب بدأ يتسلل إلى عقله، فذلك الشاب الغامض لم يفارق عقله إلا ليكشف غموضه، لم يستطع الوثوق فيه يومًا، اعتاد على عدم الثقة البتة في أي شخص، لكنه لم يدقق في الأمر كثيرًا إلا حين يصل لدليل، وستظل الريَّب تتوارد على عقله إلى حين إشعار أخر.

اقترب منه ليعرف سبب وقوفه بمفرده هكذا أمام البيت، وقبل أن يدنو منه قليلًا، تفاجأ بها تخرج بردائها اللبق، وزينتها الملفتة، حجاب غير كامل، يَظهر من تحته قليلًا من خصلات شعرها الناعمة، غير محكم اللف على رقبتها، مما أُظهر جزء من منطقة رقبتها البيضاء....

ضم قبضته بشدة وهو يراقب اتساع ابتسامة الأخر الذي رمقها من مقدمة رأسها لأخمص قدميها مبديًا إعجابه بفستانها الأسود الضيق إلى حد أظهر قليلًا من تقاسيم جسدها الرشيق، فنشبت نار الغيظ في عقله، يزيد لهيبها حطب أفكاره الشاكة والمرتابة من حديث وحياة تدور بينهم!

لم يلحظ أي منهما اقترابه منهم إلا حين وقف أمامهم بقامته الطويلة، كان أكثر طولًا من《سمير》بعدة سنتيمترات، رفع《سمير》بصره عليه متفاجئًا بوجوده، أما هو فتسائل عاقدًا حاجبيه مواريًا خلف ثباته نار تلظى:

_ أنتوا واقفين هنا لي لوحدكم، ورايحين فين؟

همت《نورا》أن تخبره مفسرة، وقد قرأت في عينيه غضب، ففسرت أن ذلك سببه وقفتهم الغير مرغوب بها، كما شعرت منذ أن تفاجأت بخلوتها معه، لكن《سمير》كان أسرع في إجابته المستنكرة:

_ أفهم أي سبب تدخلك الأول، وأي يهمك رايحين فين أو واقفين لي؟ أصل ما أظنش إنه دي حاجة عيب وهي خطيبتي!

كادت ياء الملكية أن تشق قلبه لشطرين، ولحسن حظه ما خلفت سهامها إلا عدة شروخ ليس غير، أيمكن لحرف أن يحدث كتلك جلبة بداخله؟! احتمل لهيب أحرق صدره متأججًا وقال:

_ الأسباب كتير يا استاذ "سمير" وعِدْ بقى...

ثم رفع كفه أمام وجه الأخر يعد على أصابعه بينما يقول كلماتٍ ثقل عليه قول إحداهما:

_ أولًا، إنها بنت عمتي، يعني فرد من عيلتي ومسؤلة مني، وليا حق أعرف وأطمن عليها هي رايحة فين ومع مين، ثانيًا، وقفتكم كده في الشارع لوحدكم، وتبادل الابتسامات الواسعة، وتعليقك بعبارات الغزل علنًا كده وكأنك حد مقرب، وهي لازالت أجنبية عنك، ده ما أرضاهوش عليها كأخت قبل ما تكون بنت عمة، وما أقبلش بكلمة على لسان الناس تتقال في حقها...

غصب لسانه على قول الكذب وهو ليس في سجيته، هي لم تكن أخت ولن تكن يومًا، سكت لحظات يعيد ثباته لنفسه قبل أن يكمل، لكنه تفاجأ بها تلجمه بقولها المفسر بعد أن خرجت من زهولها بتفكير الأخر المغلوط:

_ بعتذر يا "أدهم" على المقاطعة، بس أنتَ فهمتنا غلط، هو لا كان بيتغزل فيَّ، ولا كنا بنتبادل الابتسامات بشكل بالغ قد يكون عقلك فهمه غلط، ووقفتنا هنا كانت صدفة مش أكتر، وأنا كنت فاكرة "عَمرو" معاه مستنيني علشان نخرج، فاضطريت أستنى معاه، يعني مش أي حاجة من إللي أنتَ مفكره.

ابتسامة خبيثة التوت بها شفتيه دون أن يلحظه أيًا من المتنافسين أمامه، تنافسنت نظارتهم، هو يرشقها بنظرات اللوم التي لم تفهمها، وهي تبدد كل موضع ثقة في نفسها بنظراتها المتخاذلة من حديثه المُتهِم الذي خلف خلفه الكسور! اخترق الصمت صوته بعد أن أخفى ابتسامته الخبيثة، ليحثها على التحرك:

_ طب أنا بقول نسبق "عَمرو" بما إنه شكله هيتأخر.

وتباعًا لإنهاء حديثه حرك ذراعه بتلقائية ومن دون سابق تفكير صوبها ليعانق كفها ويسيرا معًا، لكن حركته لم تكمل طريقها، وقد تفاجأ بقبضة تضغط وبشدة على رسغه، كانت صاحبها《أدهم》الذي قال بحدة بعد أن رفع بصره من على موضع كفه القريب من خاصتها:

_ واضح إنك بتنسى ومحتاج حد كل لحظة يفكرك، مفيش أي حاجة رسمي بينكم تتيح ليك لمسها، ياريت تحطها حلقة في ودانك بعد كده.

ثم دفع يده بقوة بعيدًا عنها تلك التي وقفت تراقب خلجات وجهه بتعجب شديد، من ذلك؟《أدهم》؟ لا والله ما كان هو، ولا كانت تلك سجيته التي تعرفها منذ الطفولة، غلظة وعنف أثارا حفيظتها ! فمكثت لحظات انتظارها معهم تحاول عدم تصديق ما رأته عيناها، ووقع على نفسها جارحًا كرامتها بظنه السيء بها.

أما هو لم يلحظ ما خطب به لسانه في غضب جائش منذ قليل، فصمت موريًا صراع لوم في نفسه شديد، كيف سمح لِما يخفيه من سوء أن يخرج؟!

قطع صراعه الصامت ذلك، اقتراب《عَمرو》متفاجئًا باجتماعهم ثلاثتهم، تساءلت نظراته وهو يتابع تحرك《أدهم》بتشنج في حركته وهو يدلف بغضب البيت ما إن اطمأن عليها ورأه يقترب منهم ليرافقهم، ثم ما لبثوا لحظات حتى تحركوا ثلاثتهم صوب مبتغاهم.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

استحال الجو بياضًا محى خطوط ذهبية كانت تنتشر من حوله، فأطلق بصره من وراء زجاج سيارته التي يقودها، ورمق غيمات تتسابق على حجب قرص الشمس عن أعين ناظريها، تخوض عِراك مع النجم الذهبي، تبذل كل ما بوسعها لحجبها من الوجود، وتنازع الشمس على مكانها في السماء بكل طاقتها الحرارية، لا شيء سيقدر على إخفاءها.

هكذا كانت معركته القائمة في عقله، تهتف الحقيقة معلنة وجودها كقرص الشمس الذي يكابد كي يظهر في منتصف السماء، وتعارك مبرراته وأدلته تلك الهتافات كي تحجبها عن منتصف سماء عقله.

لا ينكر أن مواصفات الحياة تنطبق تمامًا مع الأخر، أيتام، جد، وأحفاد، والأعجب من ذلك أنه نفس الاسم، إذن من المحتمل أن...! لا، لا يظن ذلك، فهو يعرف كل تفاصيل حياة صديقه وما ألمَّ بها من فراق وتشتت بعد تجمعٍ ودفءٍ أُسري لم يدم، لكن وجود أدلة كعدم وجود أي علاقة ارتباط في حياة أخوته سواء زواج أو خِطبة من قبل أن يفروا تاركين وراءهم التساؤلات، وموت جد صديقه الذي كان قبل اختفائهم، جعلته يقف على أعتاب عدم التصديق، ويدلف بتأكيد وهتاف في نفسه، هذا مجرد لبس في الأمور، ولربما ذلك مجرد تشابه أسماء فقط.

نفض الأفكار عن رأسه، وأطرق رامقًا الطريق أمامه بانتباه وقد لاحظ في تلك اللحظة انتصار الغيمات على قرص الشمس فحُجبت تمامًا مما أضفى على نفسه شعورًا غريبًا، شعر وكأنه ترك شيئًا لم يكمله، مما دفع دبيب الشك يمشي في نفسه!

زفر مطولًا، ثم ذكر الله في قلبه ليُذهب عنه ذلك الشعور، ويريح صدره، فانجرف لسانه مع تيار أدعية جرت كالسيل في نفسه، وكان لها الحظ الأكبر من الدعاء، ذكرها في قلبه وكان الله ثالثهما فيه، دعى أن يعوضها الله خيرًا ويجبر ندوبٍ كانت إثر فعلٍ جارح ما يفعله إلا إنسان عديم مروءة، لا يحسب حساب أفعاله، كان من المفترض ترك رسالة على الأقل يعتذر عن عدم مجيئه أو رغبته في الوصال، خيرًا وأهون من قتل النفس بسهام فراره وكسر الروح برفضه بهذه الطريقة المخلة للأدب.

خيل له أنها الآن تحمل في ثنايا نفسها أعطاب ماضية، تسرب شعورها له في تلك اللحظة وهو يتخيل رد فعلها كيف كان تجاه الموقف، ومدى تأثيره عليها إلى وقتنا هذا، وكأنه مكانها، وضع نفسه في ذات الموقف، باختلاف الأدوار والطرق المفضية إلى الهروب والتخلي، لا فارق لهما، كلاهما يشيان بالخِسة، وانعدام الأدب في سلوك الفاعل، راودته فكرة باطنة بين طيات الحدث لم تؤثر على ثبات جداره النفسي، وهي عدم القبول!

لربما ربطه بين حديث الطبيبة لشخصها، وكيف تجثم أفكار مقلقة على عقلها، فتنساق بدورها طوعًا إلى التجنب مما ينتج أعراض قلقها، وبين ذلك التفسير _عدم القبول_ في رأيه، وأن الطريقة الحقيرة التي تركها بواسطتها، أنشبت، بل وعززت فكرة في عقلها، آلت في النهاية إلى الشعور بالرهبة والخوف، ما جعله يدرك الأمور رويدًا، ويتفتَّق عقله عن أمور في نفسها خفية.

تبقت دقائق على وصوله لمنزل خليله، وقبل اقترابه من الحي نفسه الذي يقنط به، اهتز هاتفه أمامه برنين مكالمة وقع بصره على اسم طالبها فوجده خليله، ظن أنه يطمئن عليه ولماذا تأخر عن موعدٍ اتفقا عليه، لذا بمجرد ما إن فتح مكبر الصوت ورد السلام أجابه مطمئنًا:

_ معلش يا "بلال"، عارف إنه اتأخرت عليك، أنا أهو خلاص قربت من العمارة، انزل أنتَ.

_ ما تكملش طريقك، لف وارجع أنا مستنيك عند "صفوان"، والدته تعبت فجأة وأنا سبقتك على هناك لما لقيتك اتأخرت.

وعلى عجل ما إن أنهى المكالمة هرول مغيرًا اتجاه سيره، وانطلق بقلب أفزعه الخبر صوب مسكن صديقه يتلهف لأن يطمئن.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

على المرأ أن يخفي صراع سوء قام في عقله، يستغفر في نفسه، ويبدد نار الخطيئة قبل حدوثها، لا أن يسمح لها بالخروج علنًا على مسامع الجميع، ومرأهم!

كيف سمح للسانه أن ينسل_ولو حتى متانسيًا_ واقعًا في دائرة جاهد كثيرًا ألا يجعله يخطو بداخلها؟ كيف غاب عن عقله في لحظة غفوة، أن يقوِّم أفكاره، يرتبها، ويصححها مدركًا صوابها من عدمه قبل خروجها مفصحًا عنها؟ يالها من نكسة حلت عليه!

مكث يراقب تيار الماء المنهمر عبر فوهة الصنبور الذي يخرج منه الماء في تجويف المرحاض الأبيض المستدير، ترك الماء ينهمر كشلال مندفع بشدة، شاردًا في شلال أخر يندفع بقوة في عقله حتى كاد أن ينفجر!....

تراها أحزنها حديثه القاسي، جرحها شكه الحقير بها، فأغتمت تنزف ألمًا سببته أفكاره الحمقاء؟ ضرب بقبضة يده فجأة على حافة المرحاض، فلم يكن ألمه شيئًا إلى جانب ذلك الوجع القابض على صدره!....

رفع رأسه يرمق المرآة أمامه بعد أن أغلق صنبور المياه، وأخذ يتفرس سِنحته بعينين احمر بياضهما بشكل خفيف، لا بسبب الغضب، بل لأثر غسول وجهه الحارق المخترق لهما دون قصد بينما كان يغتسل منذ لحظات، وباضطراب حل في نفسه، كانت هي ضحيته. ارتخت قسمات وجهه، ودار حديث في نفسه معاتبًا....

أهان عليك جرحها بهذا الشكل؟ أوليست تلك حبيبة القلب ووطنه؟ كيف تسمح لنفسك أن تخرج عبث عقلقك وشكوكه أمامها؟ والأفظع من ذلك، كيف يجرؤ لك أن تشك فيها، أطالتها هي الأخرى تلك العقدة الملازمة لك؟!

عند تلك اللحظة، فزع قلبه، ووثب من محله مضطربًا، لا يعلم أكان ذلك الفعل المؤلم عقابًا على فعلته في روحه المتمثلة فيها، أم أنه هلع لفكرة دبت في عقله في ذات اللحظة؟!

أسرع يشتت انتباهه كي لا ينغمس في غياهب نفسه، وفتح الصنبور مجددًا، تلك المرة ليس ليغتسل، بل ليصدم عقله بدفعات الماء المنهمرة بشدة عليه، لربما يكف عن ظنونه الحارقة...

أخذ دقائق يستشعر برودة الماء المتغلغل بين خصلات شعره الكثيف، ثم رفع رأسه ليزفر بقوة هائلة ونبضاته الواثبة تلاحق أنفاسها الهادرة، وكأنه انتهى من عداءه للتو!

هدأ صوت الماء المنهمر ما إن أغلق الصنبور، وسكنت معه أنفاسه الهادرة، ومكث يلاحظ هيئته بمنظور جديد ونفس جديدة عبر المرآة! وتلك المرة القرار كان صارمًا ليس فيه رجعة، عازمًا، جادًا من دون ذرة تردد أو وجع، أن يبتعد، ويرحل قاطعًا على نفسه كل المنافذ المفضية إلى وجوده حولها، ويكون بذلك منع سوءًا من أن يطولها!

تناول منشفة وجهه البيضاء التي كانت مستقرة في نتوء شماعة بلاستيكية ثُبتت على حائط قريبة من المرآة والمرحاض، وأخذ يجفف وجهه الذي عاد يطالعه في المرأة بتريث للحظات، وتلك المرة بإمعان دفعه لملاحظة هذه الندبة العميقة متوسطة الطول فوق حاجبه الأيسر، لم يُطِل النظر فيها ورحل، ولم ينساها أيضًا كي يتجاهلها بهذا الشكل، بل أنه سار على درب كانت هي سببًا في رسمه بأقصى بؤرة في عقله، والآن هو صدَّقها وما تحمله بين تجويفها من شعورٍ لازمه طيلة حياته منذ أن أخذت على ملامح وجهه مسكنًا، وصار الأمر بالنسبة له اعتياديًا!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

قطع المسافة مصارعًا الزمن حتى وصل لوجهته بسرعة قطع بها نصف المعدل الزمني المقرر للوصول، خرج من سيارته على عجل ما إن توقفت بالقرب من شارع يقبع بيت صديقه فيه بأحد البنايات على ناصيتة، وأسرع صوب شقته، تلقاه《بلال》بوجهه الخالي من أي تعبير يطمئنه عن حالتها وما الذي طرأ لها، فتقدم متسائلًا باهتمام بالغ ما إن عبر عتبة الباب الخاصة بمنزل صديقه الذي بحثت عينيه عنه بلهفة تتوق للأطمئنام، فاكتفى《بلال》بقوله وهو الأخر لا يعلم شيء:

_ مش عارف يا "يحيى"! لسة الدكتور واصل من شوية وبيفحص حالتها.

وصلته نتيجة بحثه بين طيات كلمات الأخر، فعلم أن《صفوان》لابد أنه مع الطبيب في الداخل، تساءل ما الذي طرأ على حالة الأخرى، فاختصر《بلال》 ما يعلمه، بإخباره أنه وبينما كان يتحدث إلى صديقه《صفوان》في الهاتف، تفاجأ من رجفة صوته وهو يخبره على عجل أن والدته حل بها التعب فجأة، مفسرًا له باختصار أنها فقط تتألم، فأسرع إليه بعد أن أغلق معه في نفس اللحظة التي أسرع《صفوان》فيها للإتصال بالطبيب.

مكث الاثنين واقفين في فراغ الصالون المواجه للغرفة التي يتم بداخلها فحص الحالة، يردد كلًا منهما همسًا بذكر الله في نفسيهما، تدعوه قلوبهم تضرعًا آملين في قدرته الواسعة أن يشفيها ويطمئن قلب ابنها الهالع عليها.

فُتح باب الغرفة وانبلجت معه مشاعر فائضة اختلطت ما بين الخوف والحلم، ينازع كلًا منهما الأخر، الخوف من مكروه قد يكون حل على الأخرى، والحلم واليقين يبردان حرارة خوفهم ظانين بالله الرحيم خيرًا، فهُيئت قلوبهم لاستقبال الخبر أيًا كان. قطع كلاهما المسافة معًا وتوقفا في بهو الشقة حيث وقوف الطبيب وصديقهم معه واستمعوا لما يمليه على الأخر من تعليمات:

_ أنا هكتبلها مهدئات للألم حاليًا، وهتستمر على نفس العلاج إللي كانت بتاخده لقرحة المعدة قبل كده، بس محتاج منك حاجة بسيطة ومهمة لحالتها..

كان يتحدث بينما يدون في ورقة بيضاء تلازم أي طبيب العلاج الموصوف، لذا فتوقف ينهي خط كلماته.

لحظات مرت على قلب الأخر كسيف يسير ببطء فوقه، تماسك على قلبه محتملًا الألم من مكروه خشي قدومه رغم طمأنة الطبيب له بأن حالتها تتضح له كما شُخصت سابقًا؛ قرحة في المعدة، وأُثبت ذلك بتحليل الدم الذي شُخصت بدلالته الحالة، وأعاد هو الإطلاع على نتائج التحليل السابق.

أنهى ما يفعله ورفع عيناه يطالعه وهم جميعًا حوله، ثم أكمل حديثه السابق:

_ عاوزك تتابع المرة دي حالتها بتدقيق شديد، وتقولي فورًا لو ظهرت أعراض جديدة، أو تفاقمت الأعراض الحالية. المتابعة دي مهمة جدًا، بحيث لو كان في لقدر الله أي مرض خبيث متشابه أعراضه مع الأعراض دي، نقدر نكشفه مبكرًا ونعالجه، وإن شاء الله ربنا يطمنك عليها وما يكونش في حاجة تقلق، ألف سلامة عليها.

ثم ألقى السلام عليهم بعد أن تناول《يحيى》منه روشتة العلاج، وانصرف معه تاركًا ل《بلال》أمر الوقوف بجوار نكبة صديقهم ومواساة قلبه الذي بدأ يمزقه القلق، واهتم هو بتكلفة الدواء وكذلك عمل الطبيب.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

ولج غرفته بعد أن عاد مبكرًا وشقيقته《نورا》وخطيبها من الخارج، وقد ظن أن جلستهم ستطول مدتها، لكن ما لاقاه من سرعة وتململ بدى على الأخر كان عجيبًا!

تفاجأ به منغمسًا في البحث عن مراده بين جنبات خزانته الخاصة بينما يدندن كلمات إحدى الأغاني التي يتردد صداها في عقله عبر تلك السماعة اللاسلكية المستقرة في أذنه. قَضب حاجبيه وهو يقترب منه وقد ساوره الشك بما يفعل شقيقه، ووقف خلفه يراقب تفتيش يداه عن مبتغاها، فتأكد شكه، واغتم وجهه، واشتعلت شرارات حنقه من ذلك المتطفل.

شهقة كبيرة تجلت فيها أمارات فزعه ما إن استدار ورأَه عابسًا الوجه خلفه، فهتف يبغض فعلته:

_ أي يا عم، مش تقول احم حتى!..مافيش سلام عليكم ما فيش أدب ما فيش احترام.

_ وأنتَ ازاي يا أهطل هتسمعني بالهباب إللي في ودانك ده.

أزال السماعة من إحدى أذنيه ما إن لاحظ إشارة الأخر، واستقرت الأخرى مكانها، وألقى عليه نظرة لامبالاة أفقدت الأخر صوابه، ثم تحرك ليخرج ومعه مبتغاه، وقبل أن يرحل كليًا من أمامه، قبض على ذراعه وقال :

_ استنى هنا أنتَ رايح فين، وأي إللي هتاخده معاك ده يا بتاع الأدب والاحترام؟!

_ هدوم، محتاجة تفسير دي!..

لا مثيل له في البرود، يكاد يفقد الجميع صوابهم من شدة الغضب بحركة لامبالاة معهودة. أخرج زفيرًا قويًا، حاول طرد كل شرارة غضب تبدأ في الاشتعال بداخله، ليس بسبب اعتدائه على خزانته وممتلكاته الخاصة، فهو معتاد على فعل ذلك، و《عَمرو》يتقبل الأمر بصدرٍ رحب، فليس هناك مشكلة بالنسبة له، بل ما أصابه جنونًا، هو حالة اللامبالاة المبالغ في اعتياد تقمصها الأخر، نعم طبعه، ولكن ليس لذلك الحد الذي يجعله طائشًا متسرعًا في قراراته!

_ استنى يا "عُمر"، عاوزك في كلمتين.

جمع شتات راحته المتفرقة، وحل الصبر مستقرًا في نفسه، متهيئًا للحديث مع ذلك متلف الأعصاب، امتثل لطلبه وتحرك صوب إشارة شقيقه حيث الأريكة كي يجلسا عليها، وابتُدئ الحديث بقول《عَمرو》وهو يطالع قسمات وجهه المستعدة لسماع مبتغاه:

_ انسى كل الهمجية إللي حصلت ما بينا الفترة دي، وإللي ما كنتش مفروض تحصل، وريح بالي وقولي سبب واحد دفعك تسيب الشغل، سبب واحد بس وبكل عقلانية وصراحة.

تململ في ردة فعله، حرك وجهه بعيدًا عن مرأى الأخر مكتفيًا بالصمت جوابًا بعد زفرة أخرجت ما بجعبته من ملل بسبب كثرة إلحاح الأخر، هو أخذ قراره ولا رجعه فيه، بل ولم يكترث حتى لأسبابه كثيرًا للحد الذي يضاهي اهتمام شقيقه لأمره، ولما لاحظ صمته وبرودة أعصابه، بادرت فكرته المتغاضى عنها من قِبله حين أخذ يظن بالأخر خيرًا بأن تلك المرة أصبح مسؤلًا ويختار عمله بشغفه وليس ككل مرة يصحبه معه ليسيّر حياته العملية.

وبثبات على نفس حالته التي هيأها قبل بدء الحديث مع الأخر،  أضاف قائلًا مختبرًا صحة ظنه:

_ يعني هتفضل ساكت كده كتير!..هو ده سر يعني مخبيه، ولا أصلًا مش لاقي إجابة تثبت صحة خطوتك دي.

_ ساكت علشان أنا وأنتَ عارفين الإجابة ما تستعبطش يا "عَمرو".

أخيرًا كسر صمته مغتاظًا من حديث الأخر، والذي تابع حديثه باندفاع بعدما فشل في الاستمرار على ثبات حالته:

_ ومين فينا إللي بيستعبط، أنا!..ولا واحد ماشي على هواه وطيشه وعاوز يسيب شغله لمجرد إنه مش مناسب وقال اي بس علشان ما بقاش عاجبه، هو تيشيرت يا "عُمر" مش عاجبك!.. بذمتك يا أخي ده كلام واحد عنده ستة وعشرين سنة ومقبل على جواز؟!

ومن بدون مخاطرة في الحديث الذي يعلم نهايته جيدًا، بادر للفرار منه، فتحرك راحلًا من أمامه بينما يتمتم بانزعاج من ثرثرة الأخر المغلفة بالوعظ الغير مرغوب بالنسبة له:

_ يوووه! أنتَ كل مرة هتعيد الشريط، سلام يا عم....هي ناقصة!

تلظى غيظه، وأضرم لهيبه نارًا تأكله قبل من حوله، حسرة وغضب خرجا من رحم الحب والاهتمام، صحيح لم يحسن التعبير أو اقتناء سلوكيات أخرى تساعده في إقناع ذاك متلف الأعصاب، لكنه استطاع مواراة طبعه الغاضب وإلتزامه الحلم ليناقشه في أمره، ولِتَعقُّد المشكلة، بقدر ما أتى به من طاقة مبذولة في فعل ذلك، قابله توأمه بما يزيد أضعافًا من البرود واللامبالاة، فكانت قوته الخاسرة على ساحة حربهم المعتادة.

هو يود أن يكف عن تكرار أفعاله الطائشة، ويلتزم الصبر والتأني، لا العجلة والتسرع، يتعود على الانضباط والمسؤلية، لا الاستهتار والاهمال، يرغب في رؤية نسخة جديدة من توأمه تفيده هو قبل أن ترضي الجميع، فكم من مرة كانت تلك النسخة الطائشة سببًا في الانتقال من عمل لعمل وحال لحال، أيظن أن الحياة لعبة سهلة قادرًا بأدنى مجهود لديه أن يلعبها بعدة ضغطات عبثية على أزرار التحكم!...أم يظن أنها مستقرًا للهناء تخلو من الشقاء، الجد والعمل، وكل شيء يأتي إليه بأدنى مجهود، أو عدمه!.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

بعد دقائق متوسطة كان《يحيى》قد عاد ومعه الدواء الذي سارع《صفوان》بجعل الأخرى تتناوله لتهدأ آلام بطنها التي غلبتها شدتها تلك المرة فانكشف كل شيء!

دقائق أخرى عادت لهدوئها، ورحلت الآلام عنها، واطمأن قلب ابنها قليلًا، فلا زالت تلك الكلمات ترشقه بسهام القلق وترسم في عقله مخاطر جلة لم يستطع قلبه احتمالها فأهلكه القلق، وبدى ذلك للعيان، فملامح وجهه المهزلة بأحمال الهم كشفته أمام صديقيه الواقفان في الغرفة يراقبانه بوجع وهو يواري ألمه بينما يحادثها مبتسمًا بعد أن قبل يداها وهو جالسًا بجوارها على الفراش وهي كذلك في وضع الجلوس تريح ظهرها للخلف حيث حافة السرير:

_ كده برضه يا ست الحبايب تسيبيني وتنامي رايحة تزوري الغالين في أحلامك، ترجعيلي تعبانه، أمال لو ما كنتش زيارة حبايب، كان أي جرى!

تبسمت بثقل من ألم قد ترك أثره على نفسها، وهم حوله كذلك يقتضبون ابتسامة عنوة تتنافى مع جوارحهم المضرمة على صديقهم، أما هو فمسح دمعة هاربة لم تلحظها والدته وهم  _أخلائه_ من لاحظوها فقط، وعاد يقول مبتسمًا:

_ يلا يا ست الحبايب الأكل هيبرد، والجوز دول تلاقيهم هبطوا من الصدمة وأنا جايبهم على ملى وشهم، يلا تعالي السفرة مش هتكمل ولا تحلى من غيرك.

أنهى حديثه تزامنًا مع عناق كفه لكفها، وهمَّ ليقف كي يساعدها على الجلوس على كرسيها المتحرك، ومن ثم التوجه حيث موضع تناول الطعام، لكنها أفلتت كفها برفق، وقالت بثقل:

_ والله يا ابني ما ليّ نفس، روحوا انتوا وأنا هنا مستناياكم نفسي أقضي وقت شوية كمان معاكم، وحشتني لمتكم وهزاركم وضحككم حواليا.

ترقرقت دمعة من عين《يحيى》لا يعلم أكان هو الوحيد الذي آثرت فيه كلماته وأخذت في نفسه مأخذًا، أم هم أيضًا شعروا بنفس الوحي الذي توحيه كلماتها!

لم يقدر《صفوان》على المجازفة مرة أخرى خشية من أن تنساب دموعه المكتومة منهمرة، فولى وجهه يرمقهم وهو يتنهد بعمق، وبينما هو كذلك، إذ《بلال》يجثوا على قدميه أمامها بعد أن اقترب منها، وطلب برفق:

_ يرضيكي يا ست الحبايب يبقى في ضيوف عندك معزومين على الأكل وما تشاركيهمش، يهون عليكِ تزعلينا وتسيبينا لوحدنا من غير طلتك معانا على السفرة؟

هو وحده 《بلال》من تمالك دموعه واستطاع الحديث معها وإقناعها، فلا بد من أن تتناول شيئًا يمدها بالطاقة كي يأتي الدواء المقبلة على أخذه بمفعول، وها هي ذي تنفرج ابتسامة عن ثغرها، تعطي لهم رسالة قبول أكدتها بقولها المغلوب على أمرها:

_ لا يا ابني ولا عمري يرضيني أسيبكم تزعلوا، وعلشان خاطركم هحاول.

ثم حركت كفها تطلب من ابنها أن يمسك بها ومساعدتها، وبينما هو يمتثل لأوامرها قال بفكاهة:

_ بقى كده يا غالية، بتتجاهليني، وبتسمعي كلام الواد أبو طويلة ده!..ما كنش العشم يا أمي، ولا عمره كان حبل سري إللي ربطني في يوم بيكي، ولا ده حبل الوداد إللي فضل واضح في عينيكي!..ووداد شكلها ماتت!

ضحكوا جميعًا وهي كذلك بينما هو يتحرك وهم خلفه متوجهين صوب المائدة لتناول الطعام الذي وقف هو بنفسه في المطبخ وأعده كعادة تعلمها بسبب ظروف حياته التي أجبرته على ذلك، فقد كان دائمًا السفر والتنقل. يحاول تناسيه الأمر بأي جملة فكاهية تطرأ في عقله، لكنه لم ينجح في ذلك، اهتزازة نبرته، وضحكته الخاوية من المصداقية، كشفته أمام أعين قلوبهم، هم يعلمون أن《صفوان》 رقيق الإحساس سهل التأثر _رغم كتمانه ذلك وإبداء صفة الفكاهي المزيفة_ لا يحتمل فكرة فقد أخرى في حياته خاصة إن كان الفقيد كل حياته!

تحركوا والألم بداخلهم تناسى ولازال أثره في زوايا جنباتهم،  فهل هذه بداية اندثاره، أم أنه راح في جولة ليترك نفوسهم ترتاح قليلًا لحين جمعه من الألم أضعافًا قبل عودته؟!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

أرخى ستار الليل غطاءه، فحُجبت عن الأعين خطوط الشمس الصفراء المضيئة لمسرح الأرض، معلنة بذلك إنتهاء عرضها اليومي، وراحت النفوس تهدأ بزوال ضجة يومية من أحداث مُقدرة تشهدها على مسرح الأرض بنور شمس ذهبية في جنبات المكان تنتشر، وتسكن في ثبات وهدوء الليل المريح، ولأن ليست الأحداث كبعضها في النوع والشدة، فما تخلفه ما إن ينتهي العرض المسرحي اليومي، يكون مختلفًا أيضًا، فلا كل النفوس يقدر هدوء الليل على سكونها ولا كل القلوب المتألمة بمرور الوقت تكف عن أنينها.

مكث شاردًا بإنهاك بدى جليًا على صفحة وجهه البائسة، وهو يراقب مرور السيارات إيابًا وذهابًا بينما يجلس على أحد المقاعد في شرفة بيته الواسعة، بالضبط حالته كما تلك السيارات في غدوها وذهابها، يمد القلق موجه العاتي فيخيل له أن ما بقي من أحباب سيفارقوه، ثم يُذهب وسوسة ذلك الشيطان المريد عن فكره بذكر المولى والاستبشار بالخير. ولكن اختلفت تلك المرة عن سابقها، حيث فقده لعزيز لاحقًا كان وجعه أخف، لم يشهد ذلك بعينيه وقد كان بعيدًا عن موطن عيشه حينها، لذا فخفف عليه الفراق لحظة الوداع المؤلمة، ومُزق نياط قلبه لعدم اللقى قبل الفراق!

لبث على تلك الحالة ينازع جيوش القلق بمفرده، ومعه سيوف ذكر الله المؤمن، حتى قفذت في عقله فكرة الخروج ليلًا يسير بالقرب من منزلهم، يتخلص من ذلك الأسر الذي حل بعقله بهذا المكان، بتغيره من حالته المضطربه، فيتحرك هنا أو هناك في كل شبر حفظه منذ طفولته الشاقة، وما لبث ثواني حتى اجترت تلك الفكرة موعد نسيه بل ونسي وجود أُناسه من الأساس!.

بعجلٍ، أخرج هاتفه من جيب بنطاله البيتي، وبحث بسرعة تشحنها توتره عن رقمها الذي استأذن من والدها وأخذه منها ليتواصل معها في إيجاز وحدود هو يعرفها، وأملاها عليه قبله صديقيه المقربين يذكرانه بها، وما إن أجابت، ألقى عليها السلام وانتظر اجابتها، ثم أكمل باعتذر محرج:

_ معلش يا "منة" أنا بعتذر جدًا إني ما جتش الزيارة إللي اتفقنا عليها، أو قولتلك حتى، كان غصب عني والله، نسيت كل حاجة مجرد ما عقلي اتشغل بأمي وتعبها، حقك عليَّ.

انزعج من فكرة البدايات السيئة، يعرف نتيجتها في النهاية كيف تكون، سيئة، لا محالة!..أزالت عن عقله ستار الشؤم وقالت بهدوء ترفع عنه الحرج:

_ ولا يهمك، تتعوض في وقت تاني، أهم حاجة طنط وسلامتها، وألف سلامة عليها.

ارتاح قليلًا، ونفض عن عقله فكرة سلبية كانت، وآمن على حديثها ووعدها باللقاء القريب_كما اتفقا_ ثم ودعها وعاد للغوص في بحر شروده متابعًا الطريق أمامه، واجتُرت الأحلام واحدة تلو الأخرى....

كل ما يتمناه هو البساطة، واحدة تشاركه بساطة حاله وتشاركه الحياة ليكوِّنوا أسرة تؤنس بها والدته القابعة في غياهب الوحدة، وها هو على مشارف فعل ذلك، دعى الله بالتوفيق وتيسير الأمور له ومن ثم مكث على غرقه يتخيل في يقظةٍ الأحلام من هنا وهناك حوله تلمسه....

والدته تعد له الطعام بعد اكتمال شفاؤها، وبرفقتها الزوجة الطيبة، أما هو وأبناؤه يلتمسان المرح وروح الطفولة من بعضهما، هو يشاركهم اللعب كعقل طفولي اعتاد على التقمص به في حضرتهم، وهم يبادلانه الضحكات الشافية لكل شقاء أيامه، وأمه كذلك يملاء فراغ قلبها ووحدتها أُنسهم، فهل لليقظة أن تصير حقيقة ملموسة؟!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

النفس كورقة في بداية خلقها بيضاء تخلو من شوائب الدنيا، ما إن تقع تحت أنامل أشخاصٍ امتلاكوها، حتى تتلطخ بألوان شتى من الكسور والندوب والجروح والتعب وتصير كلوحة بارعة في أعين ناظريها وما هي إلا خطوط حُفرت بأيدي الألم!

وقفت تناولها حبات الدواء الخاصة، ثم تباعًا لذلك مدت كفها بكوب الماء ليحمل حبات الدواء إلى حيث معدتها، وبعد أن انتهت من أداء واجبها اليومي في صمت، همَّت لكي ترحل وتنفرد بنفسها في مطبخ تلك الشقة، إما تسلي وقتها بشرب الشاي أو تنظيف وترتيب ما لم تقدر أم زوجها على فعله، حتى تأتي إليها《حنان》ويقضون بعض الوقت قبل عودة كل واحدة لأداء أعمال منزلها.

أوقفتها أم زوجها عن إكمال طريقها وطلبت منها الجلوس بجوارها، ففعلت، وقالت تستدرجها بعطفها كي تفصح عن هم كسى خلجات وجهها فامتثلت الصمت على غير عادتها:

_ مالك  بنتي؟ حالك متغير من امبارح ومش دي "سهير" إللي أنا أعرفها، إي جرى لحالك يا حبيبتي؟

الكثير!..الكثير طرأ على حالها وتحملته طويلًا محتسبة كل شائكة ألم تطول نفسها بصبر، ودت لو تبوح لها بكل ما يخنقها، وتفرغ كبتًا تضاءلت قوتها على حمله، لطالما تحبها وتراها أمٌ عوضت مكان والدتها المتوفاة، لكن الصمت في بعض المواقف يكون فريضة.

اغتصبت ابتسامة صغيرة تطمئنها برسالة مرئية أنها ليست كما تظن حزينة، ثم أكدت ذلك بقولها:

_ حالي الحمد لله في أتم نعمة وفضل من عند الله يا ماما "زوزو" اطمني.

تمتمت لها الأخرى بدوام الحمد والفضل على حالها، وأصرَّت على رأيها قائلة:

_ مش دي برضه "سهير" إللي أعرفها، "سهير" إللي أعرفها لما تكون في حاجة مزعلاها بتيجي ليا وتفضفض لغاية ما نحل المشكلة مع بعض أو الهم يخف شوية، أما دي بتهرب من الحزن نفسه وبتنكره رغم إنها عارفة إني بكشفها من عيونها.

صمتت ولم يكن الجواب غير الصمت، فما بفاهها من كلمات كي تُلقي بها وتتمادى أكثر في الكذب ومواراة ما تخفيه؟ التمست من صمتها عدم رغبتها أو جاهزيتها للإفصاح عن همها، لذا فأراحت بالها من صراعات قائمة وقالت بحنو بعد أن وضعت كفها على كف الأخرى:

_ براحتك يا "سهير" مش هضغط عليكِ يا حبيبتي، وأنا هنا في أي وقت حسيتي الدنيا داقت بيكي ومحتاجة مساعدة وتفضفضي معايا عن مشاكلك، هتلاقي أمك موجودة وفاتحة لكِ حضنها.

بابتسامة غير مرغوب رسمها،  وعيون تلألأت حواف مقلتيها بقطرات الندى، واجهتها بقلب ممتن على ذلك الصدر الحنون الرحب، المعتادة دومًا بأن تعاملها به بلطف. فضَّلت السكوت وعدم البوح عن معضلة_أو معضلات!_ صارت بين جدران بيتها فأصرَّت ألا تخرجها متعدية حدوده، واكتفت بالصبر والاحتساب كالعادة الثقيلة!

منذ ما يقرب النصف ساعة، كانت قد أعدت كوب شايها الصباحي وجلست إلى طاولة في مطبخ الشقة قبعت، ترمق الكوب أمامها على الطاولة، ولا تحيد بصرها عنه منذ فترة من الوقت حتى بَرد الشاي ولم تبرد نار في صدرها تُضرم، لا بد أن نفسها قد احتملت فوق طاقتها، وجاء وقت التنفيس عن كل مكبوت ألمَّ بها!

لم يكن ذلك الموقف الصغير سببًا قاطعًا في مأساة نفسها تلك، بل كان بمثابة سهم خرق ثقبًا في جدارٍ يواري الكثير من الظلام خلفه، وما لبث الجدار أن يُخترق، حتى هاجت كل آلامها ثائرة، تموج بين جنباتها عابثة، تخفي بذكراها أثر سعادة كامنة، فتغرق دهاليز عقلها في ظلمات قاحلة، وتتركها بعد عصفها وغرقاتها المتتالية على شط جارف مفتقدة الحياة وأسمى معانيها.

دلفت إليها《حنان》تلقي عليها تحية الصباح التي ردتها بصوت مفتقد الحياة، خالي من أي شعور، فلفَت ذلك إهتمام الأخرى بل وزادت تساؤلاتها في نفسها، فمنذ فترة قريبة والحال غير الحال على زوجة سلفها، فما الذي ألم بها؟!

اقتربت منها تشاركها الجلوس وتسألها عن حالها وكان الجواب المعتاد مُعلنًا، بخير وفضل من الله، لكن الأخرى كانت أكثر إصرارًا من《زوزو》وبحنانها أرادت محو ضائقة تلقي بوشاح الحزن على الأخرى، لكنها قابلتها بثباتها على مواراتها المعتادة، فأثر ذلك في نفس الأخرى شيء من السكون والتراجع عن الإصرار، فلربما معضلتها خاصة ولا تود البوح بها، فسكتت واستسلم إصرارها، واكتفت بالدعاء لها بالخير وراحة البال والهناء.

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

استيقظت منذ الصباح الباكر والقلق يسري بخفوت في جنبات نفسها كلما تذكرت موعدها مع الطبيبة النفسية اليوم، لا تزال التجربة جديدة لديها، والأفكار والأوهام تتلقفها من كل مناحي عقلها فتدب في نفسها دبيب الشؤم من حالها وإلى ما سيؤول، خاصة بعد تقصير منها بنت عليه اتهامات لنفسها أحزنتها، فتسلل لنفسها همس يدفعها نحو الهروب!

وها هي ذي تفر من مشاعر تخنقها، فقد تركت ورقة الواجب المنزلي التي كانت تطالعها لوقتٍ طويل منذ أن استيقظت وأدت صلاتها، تلقي عليها نظرة مراجعة قبل الذهاب لموعد الجلسة بعد ساعات، فسرى في جنباتها خلال ذلك يأس أحزنها وبدد نور الأمل الخافت بصدرها، وتحركت هاربة من ألم يبتلعها في غياهبه كلما لامت نفسها على أدائها الغير ناجح واتخذت فكرتها مجرى سلكته في نفسها مجرى الدم في شراينها، فصدقتها عن نفسها، هي فاشلة وغير كُفء لكي تؤدي أي واجب في شتى مناحي حياتها بنجاح.

قادتها قدماها صوب المطبخ ما إن أرسل العقل إشاراته بذلك، وكانت قد أرادت قضاء الوقت مع والدتها خيرًا من الخلاء بأفكارها المحزنة، ولأن عقلها لم يكن مشغولًا إلا بما يقلقه، لم تحسب أن الوقت لازال مبكرًا وأن الذي قضته من وقت ما هو إلا عدة دقائق متوسطة وليست ساعات كما خيل لها، لذا فظنت أن الجميع رحل كلًا منهم إلى عمله وبقيت والدتها تنجز أعمال منزلها منذ الصباح كما اعتادت، وما إن وصلت حتى اجتاحتها الرهبة والخجل حينما وقع نظرها عليه يتناول فطوره بمفرده، فتسمرت في مكانها ولا تدري ماذا تفعل أو كان عليها فعله، فقد نسيت كل شيء برؤيته!

_ تعالي يا "حياة".

لم يكن الصوت بجامد للحد الذي يجعلها تشعر وكأن صرخة آمرة أفزعت جنباتها ما إن نطق بها، يبدو أن بقايا صوته الغليظ الغاضب قابعة بأقصى بؤرة في عقلها، فخيل لها أنه كذلك، ولم تصدق حقيقة تجلت أمامها أنه قالها بصوت هين قليل الجمود والغلظة.

تحركت صوبه بإذعان غير مرغوب، وحاولت نسيان خوف سرى في جنبات نفسها، وقفت على مقربة ليست ببعيدة كثيرًا منه، ومكثت تنتظر أوامره وهي ترمق الأرض تحتها، أما هو وحينما عجز لسانه عن قول كلمات هينة لينة أعدَّها في عقله راسمًا مشهده معها وهو يحنو ويتلطف ويربت على أتعاب نفسها، غير مجرى حديثه المشتت بعقله وقال:

_ من بدري بدور على الشاي مش لاقيه، وكنت خلاص همشي كمان شوية من غير ما أشربه، دوري معايا يمكن تلاقيه أنتِ يا بنتي.

وبعد إيماءة بسيطة برأسها، تحركت من أمامه متجهة نحو أرفف خشبيه خُصصت لوضع العبوات المختلفة من مشروبات وأخرى مما يوجد بأي مطبخ عمومًا، وبينما تبحث بعينيها فإذ بها تلاحظ عبوة الشاي فارغة، وبدون طول تفكير، توجهت صوب مخزون المطبخ، وهو دولاب مربع خشبي وُضع به مخزون البيت من سكر وشاي وملح وما ماثل هذه الاحتياجات في أي بيت، وأخرجت عبوة كرتونية من الشاي صغيرة الحجم، وسارت نحو رخام أبيض وضعت العبوة عليه وأفرغت الشاي بها ثم تخلصت من النفايات، وعادت تشعل الموقد لتعد له الشاي....

وقفت تراقب الماء في الوعاء متوسط الحجم على الموقد، تحاول تشتيت نفسها بأي طريقة وهي تعد الدقائق بل وفقاعات الماء الصغيرة المتصاعدة منذرة ببداية الغليان...

《ابنتي》لماذا لم تشعر بلذة في طياتها؟ أهل أُصيبت بجمود المشاعر، أم أن وقعها كان غريبًا على نفسها التي حُرمت من معاني ومشاعر تُصاغ في صورة كلمة《ابنتي》؟!...

《أ》أحبك، فهل نالت معنى من معاني الحب الأبوي المغلف بشتى أنواع الأفعال والمشاعر؛ حنان، كلام طيب، دعم نفسي، صحبة بل وحبيب أول في حياتها يشاركها شتى ألوان المشاعر والمواقف في حياتها؟!..

ترقرقت دمعة، باحت عن نفي تام للمعنى الذي لم ينير ذات يوم من أيام حياتها المظلمة!

《ب》بطلها، منقذها من غياهب أدنى مشكلة واجهتها، وحطت عليها بثقلها، فكانت لها وقع في نفسها مؤلم، جارح، عصيب، يختفي أثره ما إن ترتمي بأحضانه الطيبة، فهل ذاقت لذة كهذه في حياتها؟!

صمت مجزع وبهيم تسود عتمته في نفسها، لم تتذكر يومًا أنها فرت إلى أحضانه، بل كان الصفعة التي تعاقبها دومًا على أخطائها!

《ن》نموذجًا لينًا، هينًا، تخطو أولى خطوات المعرفة لمعاني اللين في الرجل، والهون في التعامل، ينصب جسرًا بسجيته اللينة ليصل عبره لدواخل نفسها، فينصحها برفق، ويعلمها الدروس بحكمة، إلى أن يتعدل سلوكها، وتتعلم من خطأها، فينشيء نموذجًا سويًا صالحًا، فهل تجلت في يوم سجيته التي تتمنى وجودها في رجل يشاركها حياته بعده؟!

دعنى من هذا السؤال، فيبدو أن إجابته ثقيلة!...

《ت》تشجيع، وتدعيم، هل كان جمهورها المشجع لها في كل اختبار تطأها قدمها من اختبارات شتى في حياتها؛ دراسة تود إثبات نجاحها فيها، حلم تشاركه تفاصيله، خطط تقترح عليه أن يشاركها ناصحًا داعمًا كي ترتبها بسلاسة، من دون خوف من عقبات تخشاها، فيُدَعِّم نفسها بكلمات الثقة بها، وبجدراتها في تخطي المخاوف؟!

بحسرة، امتزجت بشوق غريب، تذكرت حلم وحيد كان بمثابة المنقذ الذي انتشلها من غياهب الحزن على تشتت جلَّ أحلامها وضياعها، شاركته في يوم ببوحها به، وبصدمة كانت عظيمة على نفسها، قابلها بالرفض والنقد والتجاهل!...

《ي》يراها، يفهمها، فعلان وجود ياءهما في نهاية الكلمة، يوضح موضع حلولهما في حياتها، فالياء حرف زائد لا أصل له في الكلمة، وهم كذلك، لا وجود لهم في حياتها، إن حُذفت الياء، يختفي معنى الفعل ومرادفه، فلم تشعر بمعنى لهما بين طيات قصتها الحزينة!...

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

مرت دقائق كالدهر عليها وهي تراقب في شرود متأملة، تلك الذرات التي أخذت تفور لدقائق لم تلحظها خلالها، وما أخرجها عن شرودها، هو صوت كوب الماء السلستيني الذي وقع فارغًا من يده بعد ارتشافه ما به، ثم وأثناء إعادته لمحله حيث الطاولة، هوى كما هوت معه مضغة صدرها فزعًا!...

كان هو قد أنهى طعامه، وهي انتهت من إعداد كوب الشاي خاصته، وقدمتها له بيد مرتعشة لاحظها هو، خشية من أن تخطىء أمامه، واسرعت تقول في توتر:

_ عن إذنك يا بابا، م..محتاج أي حاجة تاني؟

وما إن أجاب بلا، تحركت من أمامه خارجة تقبض على نفسها ألا تنهار فيُغشى عليها إثر ضربات الخوف الدابة في جنبات صدرها، وكل ما بعقلها خُيل، أنها أخطأت في عدد ملاعق الشاي أو السكر فخشيت تلقيها كلمات قاسية تلومها على فشلها المعتاد، وعدم فلاحها في شيء، لذا ففرت قبل حدوث أي كارثة بداخل عقلها عظمت.

أما هو فرمق أثرها والخذلان أضفى على نفسه بعض الحنق وعدم الرضا عن عجزه المتخاذل، فلو أنه اتبع خير المنايا في عقله، ما كان الأمر أصبح كذلك أو كان من الأساس قد شيد جدار سميك بينهم يحميها من خوف هو السبب فيه منذ الأمد، ولكن ما فائدة الندم الآن، وهل له أن يصلح من الأمر شيء بعد فوات الآوان؟

اضطربت نفسه فجأة وكأن جزء من روحه وقطعة منه تُسلب ببطيء، خيل له أنه يقف أمام وحش غاضب قبيح الشكيمة، يحاول نزع قطعة من قلبه بل روحه عنوة عنه، أو لنقل عقابًا له، ففزع وترك كوب الشاي وهب هاربًا من أمام هواجس عقله التي يرسمها له في صورة أحلام يقظة، وعلق سؤال يزعجه بل ويقتله، هل فات الآوان حقًا؟!

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

تكره تلك العيون الفضولية، المترقبة لكل تفصيلة تحدث في حياتها، تتجرع من كل سيء طرأ ترياقًا يغلغل السعادة بين عروقها، فيدفعها بالطاقة لكي تلوك الكلمات عنه هنا وهناك، وتصب عينيها جمَّ حقدها وحنقها ما إن تحل لحظة هناء لم تكن لتحذو بها في يوم، كرهت عيش التطفل وحشر الأنوف فيما لا يعنيها، خنقها وجودهم الغير راغب بها هي قبل تبادلها ذلك لهم أيضًا...

_ ألا قوليلي يا "منى" هو الشقة هنا فيها ضيوف؟ أصلي ملاحظة عدد الأفراد فيه أكتر من واحد ليل نهار على غير العادة!

تعلم بمَن تقصد، وبمَ تُلمِّح بحديثها المتهكم، وعلى ماذا تريد التصيوب لتصل للهدف، وهي ليست مخطئة في جملتها الغامضة والزائفة تلك، فإلى ماذا سيؤول كثرة تواجدها في أوقات ليست معتادة على التواجد فيها مع أم زوجها إلا لجعل سيرتها تُلاك على ألسنتهم المتطاولة على حياة الغير والفضولية أكثر من اللازم، لذا فلا بد من قطع دابر استرسالهم لمضغ الأحاديث عنها، والتطاول أكثر لمعرفة خصوصية حياتها وما جرى ويجري بها، فهناك حدود مهما حدث وألمَّ بنفسها، لا بد أن تبنيها وتدعمها بحصون أمام جيش فضولهم مانعة تعديه لها، كما اعتادت طيلة حياتها معهم على فعل ذلك.

منذ ذلك اليوم الذي بدأت الهمسات تصلها بقصد أو بدونه، قطعت على نفسها وعدًا ألا تترك الحزن يأكلها فيتجلى بصيص ضعف ألمَّ بها، تشمت أعين حاقديها فيها، فابتلعت الأوجاع قبل أن تبلعها، وغلفت الأحزان بغلاف نسيان سميك وقذفت بها بأقصى بؤرة في أحد زوايا عقلها، وتدرعت بالقوة أمام عدو على ساحة المعركة ينتظر أي سهوة ضعف منها فيبدأ هجومه. هكذا اعتادت أن تفعل، كأي أم وارت بين جنباتها الكثير والمديد من عضات الألم وآهات الحزن، وتسلحت برداء القوة المنسوج بأعتى أوجاعها.

في مساء ثاني أيام التزمت الصمت والبعد فيهما، غادرت المكان بجوار والدة ابنها والتحجج بسماعها لحكاياتها والاهتمام الزائد الغير لازم أو معتاد، ولجأت لجدران بيتها تحتضنها، فحتى إن كان الحضن ذكراه سيئة، وما احتوى يومًا من أيام زواجها على الدفء والحب، لكنها صبرت وابتلعت الأوجاع لأجل أطفالها، لم تسمح لحياة أسرتها ومعضلات زواجها أن تُكشف وتصير مضغة في أفواه السفهاء حولها.

_ الأكل كمان شوية و هيكون جاهز يا "أمجد"، خد أنت دول معاك رصهم على الترابيزة، وأنا دقايق وهكون  وراكم..وأنتَ كمان يا "وسام" إيديك معاه و معلش اندهلي "حياة" وأنت راجع من أوضتها، تلاقيها خلصت صلاة.

هكذا كانت تُلقي التعليمات بكل تلقائية، ونبرة عادية، ما اختلف سوى طاقتها النشطة وثرثرة غير معتادة!... لبى《وسام》أوامرها التي ألقتها عليه بمجرد دلوفه المطبخ إليها، وساعد والده في المهمة التي كُلف بها بينما كان يحدثها بهدوء وتربص عن حال البيت كالعادة التي تجمع أحاديثهم معًا، وللحقيقة كان يجس نبض حالها خِفية بحديثه الذي ليس له علاقة بمراده، لاحظ طبيعتها المعتادة تتجلى، ولم يستشعر أي بصيص حزن في سلوكها، فهي معتادة في فترات حزنها أن تصمت، وتتخذ من الهدوء ملجًأ تفر إليه لمواجهة عاصفة حزن تموج في نفسها، فهل ما تلوِّح به من إيماءات وردود أفعال حقيقة حالها في هذه اللحظة؟ أم أن تلك التصرفات تنذر بحلول موجة عاتية ستخرج إلى بر البحر بعد أن كانت تموج في أعماقه؟!

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

يُتْبَع..

#مريم_عثمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تعافي النفوس

المؤلف Marriam Othman
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (43)
الفصل 1: ◇◇تجمع عائلي◇◇
2025/11/07
الفصل 2: ◇◇نفوس مريضة◇◇
2025/11/08
الفصل 3: ◇◇خطأ مرغوب◇◇
2025/11/08
الفصل 4: ◇◇خوف◇◇
2025/11/08
الفصل 5: ◇◇غريبة الأطوار◇◇
2025/11/08
الفصل 6: ◇◇ما اسمها؟!◇◇
2025/11/12
الفصل 7: ◇◇رؤية مبشرة◇◇
2025/11/12
الفصل 8: ◇◇لم أخرج◇◇
2025/11/12
الفصل 9: ◇◇صدق حدسه◇◇
2025/11/12
الفصل 10: ◇◇خيبة أمل◇◇
2025/11/13
الفصل 11: ◇◇لقاء آخر◇◇
2025/11/13
الفصل 12: ◇◇عليل النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 13: ◇◇أشجان القلب◇◇
2025/11/13
الفصل 14: ◇◇خبايا النفوس◇◇
2025/11/13
الفصل 15: ◇◇ضجة عقل◇◇
2025/11/13
الفصل 16: ◇◇صراع النفس◇◇
2025/11/13
الفصل 17: ◇◇مريضة نفسيًا◇◇
2025/11/13
الفصل 18: ◇◇حقائق مخفية◇◇
2025/11/13
الفصل 19: ◇◇ستموت!◇◇
2025/11/13
الفصل 20: ◇◇ما خطبها؟!◇◇
2025/11/13
الفصل 21: ◇◇ذكرى ماضية◇◇
2025/11/13
الفصل 22: ◇◇نفوس مضطربة◇◇
2025/11/13
الفصل 23: ◇◇بداية غامضة◇◇
2025/11/13
الفصل 24: ◇◇ظلمة نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 25: ◇◇وثبة ألم!◇◇
2025/11/13
الفصل 26: ◇◇بوادر عاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 27: ◇◇العاصفة!◇◇
2025/11/13
الفصل 28: ◇◇ما تخلفه العاصفة◇◇
2025/11/13
الفصل 29: ◇◇أثر القرار◇◇
2025/11/13
الفصل 30: ◇◇بين براثن صراع◇◇
2025/11/13
الفصل 31: ◇◇على طرف الهاوية◇◇
2025/11/13
الفصل 32: ◇◇مرارة أسى◇◇
2025/11/13
الفصل 33: ◇◇غوص في أعماق نفس◇◇
2025/11/13
الفصل 34: ◇◇أمارات خفية◇◇
2025/11/13
الفصل 35: ◇◇بداية النهاية◇◇
2025/11/13
الفصل 36: ◇◇نحو غياهب الصراع!◇◇
2025/11/13
الفصل 37: ◇◇صراعات مختلفة◇◇
2025/11/13
الفصل 38: ◇◇استبد الظلام!◇◇
2025/11/13
الفصل 39: ◇◇سُبل مجهولة◇◇
2025/11/13
الفصل 40: ◇◇ليلة تجلي البوح◇◇
2026/02/19
الفصل 41: ◇◇حقيقة مرة◇◇
2026/02/19
الفصل 42: ◇◇استسلام مفاجيء!◇◇
2026/02/19
الفصل 43: ◇◇خطوة واحدة تفصلها عن الرحيل◇◇
2026/02/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة