بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثلاثون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كان يهمُّ بتحريك مقبض باب شقته، لكن ما أوقف حركته فجأة هو صوت صرخة مفزعة جعلته يتحمل ألم قدمه الملفوفة بجبيرة بيضاء ويستند إلى عصاه الحديدية المتأبطها تحت ذراعه الأيمن ويقطع المسافة الفاصلة بين شقته والمصعد، وقلبه يتساءل فازعًا ما الذي مَسَّ هذه المجنونة المذنبة!
_ آااااااااه....
كانت تتأوه بألم شديد بينما هي طريحة الأرض وتضع كفها على ظهرها الذي تلقى صدمة قوية بعد صرخة مدوية في جنبات المكان؛ حيث وما إن وقعت عيناها على تلك الشرسة المرعبة حتى فزعت برؤيتها وخرجت من جوفها صرخة مفزعة أعربت عن رعبها الذي دفعها تتحرك إلى الخلف بظهرها مندفعة، فتعرقلت في طرف إسدالها ووقعت مصتدمًا ظهرها بحافة الأريكة خلفها.
وصل أخيرًا يلهث بشكل خفيف لمجاهدته قطع خطواته بسرعة رغم عِلته، فوجدها لازالت تتأوه من أثر السقوط الذي أدرك حدوثه بوضعيتها على الأرض تلك، اقترب بعرجته وسأل عن حالها باهتمام :
_ أنتِ كويسة؟!
_ لأ، الق..القطة كانت هنا، هي فين؟!
ومن دون أن تلتفت لترمقه أجابت بتقطع في حروفها ورجفة في نبرتها بينما تمشي بعينها في المكان كله مرتعبة من فكرة وجودها معها في نفس المكان!
ابتسامة ساخرة التوت على شفتيه، قطة! وهو الذي ذهب بخياله أن أحد عفاريتها الذين كانت تحادثهم منذ دقائق قد ظهر لها في هيئة إنسان، تلك المجنونة المذنبة! نطق يطمئنها مواريًا خلف كلماته السخرية:
_ ما تقلقيش القطط مش بتعض.
ثم مد كفه ليساعدها على النهوض ليتفاجأ بها تلتفت نحوه بغضب ثائر حدجته وهيئته المعطوبة به، هؤلاء الذين يدعون اللطافة أمام أعينهم ما هم سوى كائنات شرسة تفترس في الظلام! هذا ما رددته في عقلها قبل أن تستند بكفها على الأريكة خلفها وتقف قبالته على بعد مسافة واسعة هي راعت توفرها، لاحظ تجاهلها لكفه الممدود، وكذلك نظراتها البعيدة عنها لا تقف على سنحته أبدًا!
عادت إلى طبيعتها وقد ظنت أن تلك المفترسة قد هربت ما إن صاحت بصوتها صارخة، وأدركت ذلك الموقف الذي هي فيه حيث وجودها وهو بمفردهم ذلك الشاب الذي علمت من 《زوزو》أنه سيسكن الشقة الفارغة في بنايتهم لمدة زمنية لا تعرفها.
همَّت بالتحرك مبتعدة عنه عائدة لشقتها، وبعد أن تخطته بمسافة وافرة وأصبحت خلفه بالقرب من باب الخروج، هتفت بضجر خفي:
_ شكرًا على المساعدة إللي ما كانش ليها لزوم.
أدار جسده ليرمقها بغيظ نادمًا على خوفه عليها منذ قليل، فوجدها قد اختفى أثرها من أمامه للتو، ثم عاد لوضعه السابق وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا ساخرًا، وتحامل على نفسه مستندًا على عصاه حتى وصل إلى الأريكة وجلس عليها مجددًا يريح جسده الذي أتعبه من دون فائدة، ثم تنهد بحيرة وقال حائرًا في أمر هذه العائلة الغريبة:
_ والله العيلة دي حكاية، وشكلي مطول معاها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في قانون الحب، ليس هناك تأثير على قوته، لا المسافات تبدده، ولا الزمن يقتله، فكلاهما عوامل ثابتة لا سبيل لهما في زواله.
تبعد المسافات أكيالًا من المترات، ويُقضى الزمن دقائق تليها ساعات، والفكر لازال مشغولًا بأنفاس الأحبة، اشتياقًا وألمًا يتجلى فيه قوة الحب ما إن فارق موطنه!
نبض شارد في هتاف عميق خلف أضلعه كامنًا يعزف أوتار الألم على بُعد لم تفرقه المسافات فحسب، بل والأرواح والأقدار الفاصلة بينهم، ما كان يحسب أنه سيظل منشغلًا كل هذا الحد بها، وكأن افتراقه عنها بخسرانها منذ أن خطبت لغيره كان منذ لحظات، فما كان بيده إيقاف تلك النبضات العازفة لسيموفينية الألم خاصته، تُرى هل عبث أحدهم في قوانين الطبيعة، وأثبت بجنون أن المسافات والأزمان عاجزة عن تخفيف القوة، أم أن قلبه اعتاد تلك المعازف المؤلمة فلمَّا تعطش لها استدعاها مجددًا؟!
فلنكف عن الجنون، ونكون واقعيين قليلًا، هو أراد فقط نظرة وداع ولم يظفر بها، ورحل بحسرة على ما خسر، فربما ذلك ما استدعى ذكرى خسرانه الأولى، فهوى عقله في بئر مشاعر ماضية عن الوداع والخيبات والألم المرافق لهم، فومض قلبه بالحب الضائع مجددًا! وهل يُستدعى الحب من براثن ألم؟!
في قلبه قانون ثابت، لا تأثير على هتافات شعبه المتمثلة في نبضات تهتف بحب الوطن إن رحل عنها الوطن ذاته، فتظل تنبض بهتاف حبه له وفاءًا، حتى وإن رحل تاركًا أرضه خرابًا، والوطن عنده يتمثل فيها، رحلت، وابتعدت بروحها عنه، ولازالت نبضاته الساكنة على أرضه تهتف بحبه، ولكن السؤال هنا، هل يرحل الوطن أم الشعب هو من يفعل؟ أوليست الحركة أختصت للأشياء التي تدب فيها الحياة، أم أن الجماد استحال كائنًا تدب فيه الحركة فتمثل في هيئة وطن، ورحل؟!!
تراقب عيناه الطريق بتركيز، وقلبه رغم ذلك في عالمه الخاص، تضوي أنوار الأعمدة على طول خط مستقيم تضيء له طريق يسوده الظلام بينما هو يتوغل أكثر بداخله، ليته يُرشد في درب سلكه له عقله مظلمًا، بواسطة أعمدة إنارة كهذه، لكان عرف أين سيذهب وما جهته المقصودة، لكنه التفت لضوء خافت يضيء تارة وينطفي تارة حتى كاد يقسم أنه في كل مرة الطريق الذي يسلك ليس هو نفسه الذي قبله، تراه تائهًا لكل هذا الحد لا يعرف جهة الوصول؟ أوليس كان ذلك نور بعثته له ندبة صدق بها وما حملت بين طياتها؟ فليتحمل إذن عواقب السير وراء اعتقادات!
صدح رنين هاتفه المستقر على لوحة أمامية بداخل سيارته تتصل بها عجلة القيادة التي يستخدمها ليسير صوب وجهته، كما لم يعمل في حياته من قبل!! التقطه بيده والأخرى استقرت على عجلة القيادة، ثم وصله صوته بعد أن فتح المكبر وأعاده إلى موضعه:
_ أخبارك يا مسافر وقلبك بعيد، قولي عمل اي الفراق فيك؟!
التوت شفتيه بابتسامة بسيطة على مرح والده قبل أن يضيف بنبرة حزينة:
_ أخباري مش أحسن حاجة علشان بس ما شوفتكش قبل ما أمشي.
ساد الصمت الحزين بيهم، هو يعلم أن ما بيده شيء أن يفعل فالعمل في كل مرة يسرق منه لحظات كهذه تجمعه وابنه، لذلك اكتفى بأن يعتذر بصدق:
_ غصب عني يا ابني هي جت كده، أنتَ عارف إني لو فاضي مش هتأخر عن طلب من طلباتك.
وهل كان يومًا منتظمًا في وعوده التي يعطي بشأن حياة ابنه وطلباته، وتفرغ لأجله ولو لحظات فرح لا يهم وداع أم غيره؟!
شق سؤاله طريقه نحو بوابة الماضي دالفًا، فتذكر بشكلٍ خاطف كم من مرة طلب منه الوجود بجواره في لحظات فرحه في المدرسة أو العمل، أو حتى حزنه التي لم يطلب بلسانه ولكن بقلبه، ولكن كانت الإجابة معهودة، العمل منعه عنه، وهل العمل يعلم بلحظات احتياجه له فيأتي ويسرقه منه؟!!
قطع شروده القصير صوته، فطمأنه أنه مجرد شرود وأخبره بأن أحواله بخير وهو على بعد كيلومترات متوسطة كي يصل إلى المحافظة الأخرى، ثم أغلق معه بعد أن أخبره باقترابه من محطة وقود سيقبل نحوها كي يزود سيارته التي يخشى أن تتعطل منه في منتصف المسافة الباقية، ودقائق متوسطة وكانت سيارته تستقر على أرضية المحطة البيضاء بالقرب من مضخة الوقود.
لحظات واقترب الشاب العامل بالمحطة من سيارته التي خرج منها يريح عضلات جسده من أثر الجلوس لساعات طوال لم يستريح فيهما سوى مرة واحدة على حدود ساحلية في نفس خط سيره، وهي الإسكندرية، أخذ العامل يقرب مسدس الوقود أمام عيناه ليفرغ في خزان سيارته ما لزم منه، أما هو وبينما يتمشى بعينيه في المكان، ويراقب فراغ الطريق أمامه، اقتربت سيارة بنية، لم يثبت بصره عليها بتركيز إلا حين طاف خياله أمامه بإطلالة رأسه وجانب وجهه الذي شك في ملامحه من نافذة سيارته التي اقتربت هي الأخرى تصتف في جانب فارغ على بعد مترات منه في ساحة تلك المحطة الواسعة.
لحظات أخرى حتى انقطع الشك باليقين ما إن خرج من سيارته، إنه بالفعل هو، فتجمعت الأسئلة في عقله مكونة عقد كثيرة لم تنفك، ذات أشواك تؤلمه فيستشعر دبيب القلق في قلبه ما إن يتغلغل عقله بين أشواك الريب والشكوك حيال ذلك المتتبع لأثره، لماذا جاء ذاك ال《بكر》إلى هنا؟ تراه يلحق به ليفتعل مكروه له؟ أم أنه المكروه نفسه الذي لحقه حتى يصيبه؟!!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يسود الظلام حولها فيسري دبيب الخوف في شراينها بقوة تزيد القلب وثباته، تقدم خطوة وتؤخر أخرى محاولة الوصول لخطوط خافتة بيضاء على إثرها تُرشد الطريق فتفر بجلدها هاربة، خشيت قدماها أن تطأ في النور فيستحيل إلى ظلام أكثر قتامة، فتضل طريقها من جديد، وتتيه في غياهب المكان المبهم لا ملامح له تُبصر، فلا أحد يراها ويسمع صوتها الصارخ ويصدق أنها غريقة في غياهب الظلم!!
جمعت رابطة جأشها وتقدمت خطوة لم تؤخر مثلها تلتها أخرى ولمَّا رفعت قدمها تطأ أولى خطواتها في النور، تلقت ضربة على رأسها أفقدتها شعورها بالحياة وشعرت بسقوط جسدها من فوق مرتَفع لم ترى شكله، ظلت تستمر في السقوط في غياهب الظلام بقهر على ضياع فرصة النجاة بصدقها!....
ارتطم جسدها بشيء صلب استفاقت على إثر الوجع صارخة مما أفزع صوتها قلب جار لها يشاركها الفراش انتفض مرجوفًا وعينيه تطوف في المكان باحثًا عن مصدر الصوت الذي ما لبث لحظة حتى عرفه لمَّا وقعت عيناه على مكان زوجته في الفراش فوجده شاغرًا وتابعت عيناه البحث عنها فوجد طرف من جسدها المتألم على الأرض يفترش، فأدرك لحظتها أنها وقعت بينما هي تتقلب في فراشها خلال غوصها العميق في النوم.
أسرع يقترب منها بقطع المسافه بين حافة السرير اليمنى وصولًا إلى اليسرى، وجثى يمسكها من ذراعها يساعدها على النهوض تلك التي تباطأت حدة ألمها الموشي منذ لحظات بعلوه تباعًا لصرخة أفزعته أنها أُصيبت إصابة خطيرة إثر السقوط، أيمكن أن تكون الصرخة ليس سببها الوقوع؟!
جلست على الفراش وهو قبالتها، وقال قبل أن يقطع حديثه أذان الفجر:
_ ابقي انتبهي على نفسك بعد كده يا "سهير"، أو حطي حاجة تحت السرير لو حصل ده تاني.
ثم تركها ورحل دالفًا المرحاض يتوضأ ليؤدي صلاة الفجر، أما هي فتركها غير أبهة له ولا لحديثه وقد غم عقلها سؤال واحد بوجع في قلبها، إلى متى سيظل ذلك الكابوس يطاردها؟!
عشر دقائق وكان قد رحل متوجهًا صوب المسجد، وهي لازالت في فراشها جالسة لم تتحرك وقد ابتلعها شرودها، فقط ألقى عليها نظرة يطمئن بقلب يود الخروج من سجنه ويصرخ متسائلًا باهتمام عن حالها، ما الذي تغير بها، تلك ليست عادتها هناك شيء غريب يحدث لها وهو لا يعلم، لا يلتمس معناه حتى!
ذلك المشهد وذاك الظلام الذي تكرهه منذ ذكرى في عقلها اللاوعي قبعت، استدعوا في رأسها الذكريات وقدموها قربان لها، على اتفاق مع كابوس تمثل في وحش يأتي كل ليلة ويضربها حتى تقع ولكن باختلاف الأوقات وقد لا يشهد 《أمجد》ذلك لأنشغاله بأداء صلاة الفجر، فتلك أول مرة يختلف موعد المقايضة بين ذكرياتها وعقلها اللاواعي برئاسة وحش كابوسها المزعج، ظلت صامتة صمت القبور لأقل من ساعة عاد بعدها زوجها يفيقها من شرود مبهم كانت غريقة له منذ أن ذهب إلى الصلاة، ودون أن تحدثه تحركت ببطء تنسل تحت الغطاء الخفيف وتستسلم لسحر النوم من جديد، أو ربما مقايضة جديدة؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
في عالم تسود فيه الأكاذيب وتنحط فيه القيم حتى أصبح فوضى يلجأ إليه كل متوهم بمصداقية أُناس يعيشون فيه طوال ساعاتهم اليومية، وكأنه بيتهم الأول، أرض تجمع عليها كل بائس يروي فشله محرضًا برسالة خفية أن ليس هناك فائدة، فالفشل في نهاية المطاف ينتظر، وكل مبتلى غير راضٍ بما قسمه الله له من رزق تكمن في طياته حكمة لم يدركها، يقص بغضب ما حل في حياته من بلاء، يكاد يجعل كل قاريء يشعر بنفس غضبه بل ويصدق حتى تتبنى لديه عقيدة مغلوطة، وتتضخم في نفسه مشاعر سلبية تسربت خفية دون أن ينتبه بينما هو يتفاعل مع كل منشور شبيه من خلاله تُزرع أفكار تقوده نحو كهف مظلم، يُغشي الظلام عن عيونهم الإبصار فيسلكون دروبًا خاطئة.
مش بقولكم الصنف ده حقير، ولا عمري هأمن ليهم في حياتي، صنف عاوز الحرق!
هذا ما التقطته عيناها بينما تتنقل بسبابتها بين منشور والأخر على موقع التواصل الاجتماعي《فيسبوك》وهي جالسة على فراشها وقد استيقظت منذ دقائق بسيطة، وكان أول ما ذهبت إليه يداها هو ذلك العالم القابعة في ظلام أحد كهوفه، فهو مليء بالكهوف المظلمة!
جذب انتباهها المنشور المعاد نشره في أحد الجروبات العامة لفتاة تقص مأساتها بقهر تجلى في كلماتها، فثبتت عينيها على الشاشة القابعة بكفها وبدأت تقرأ بتركيز....
أنا واحدة بقالي أربع سنين متجوزة و معايا طفل وحاليا مش لاقين ملجأ نعيش فيه أيامنا بعد ما اتنصب علينا من واحد قاسي عديم الرحمة فضل معيشني سنتين تحت تسلطه وبطشه من ضرب لزعيق وشتيمة ما نجاش منهم حتى طفلي صاحب التلات أعوام، لحد ما اتفصلنا بالعافية بقضية خُلع رفعتها من غير ما يعرف، ما هو أنا مش هعيش مع البني أدم المتوحش ده دقيقة تاني بعد كمان ما عرفت إنه الفلوس إللي كنت بطالبه بيها علشان أقضي احتياجات البيت وهو بيدعي الفقر وإنه في مشاكل في شغله، وفي الأخر أكتشف إنه متجوز بقاله سنين عليَّ ومعيشني في وهم طول السنين دي إنه غلبان والوظيفة ما بقتش تقضي احتياجات البيت بسبب راتبه القليل، ولما عرفت وعاتبته كنت ضحية بعاهة في وشي بسبب ضرب غير مبرح لمجرد إني طلبت الطلاق، مش عاوز يطلقني بحجة إنه بس مش عاوز والقرار في إيده!!! فضلت أيام عايشة وهو خلال الأيام دي ما زارناش وفضل عند التانية، واستغليت الفرصة وقومت على رجلي أدافع عن كرامتي وأرفع قضية خلع ونجحت بفضل ربناوالمحامي إللي استلفت فلوس تعبه من عمي بالعافية وبعد ما اتزليت ليهم، وقدرت بعدها أتخلص من الوحش، بس ما كنتش أحسب إني هترمي في الشارع لما أتفاجيء بإنه البيت مش باسمي زي ما كان مأكدلي كعوض عن المهر إللي اتفق عليه مع عمي إللي أفاجأ كمان إنه رماني لأقذر خلق الله علشان يتخلص من عالة كانت على قلبه من سعة وفاة أخوه، وهو عارف إن كل حاجة كانت مزورة وما كانش فيه مهر من الأساس.
أنا دلوقتي بطالب بحقوقي كمرأة ضعيفة اتنصب عليها من وحش قذر كداب ومتلاعب، ولا يصلح أن يكون زوج حتى، أنا دلوقتي بتنقل من بيت للتاني مرة عند صحبتي ومرة عند عمي إللي أخر مرة قالها في وشي هو ومراته قبل ما أرجع للشارع، يا ترجعي لبيت جوزك بعد ما تطلبي السماح منه وترجعي العلاقة هو ءأمن ليكِ أو تشتغلي وتأمني بيت لنفسك وابنك، وكأنهم بيطردوني بالذوق!!! أنا دلوقتي مقهورة والقهر سلب مني أضعاف ما سلبه الوحش إللي كنت عايشة معاه وما بقاش فيّ طاقة أجازف، خايفة أموت وابني يفضل لوحده، ونفسي بس حقي يرجعلي وأرتاح.
لو كنت أعرف إنه الجواز كده، ما كنتش اتجوزت!
لم تتفاجأ بالقدر الكبير وقد اعتادت على قراءة تلك المنشورات المتكررة عن الزواج وما آل في النهاية إليه، بل ازدادت كرهًا لتلك العلاقة الأشبه بغابة يتنازع فيها الوحوش مع فريساتهم الضعيفة، مما زاد ذلك من وجع في بطنها سرى بخفة بينما هي تقرأ.
ألقت بالهاتف على فراشها بجوارها بعد أن أغلقته، وشردت لحظات تستذكر لحظات خاطفة عاشتها في الطفولة رأتها بأم عينيها وهي تُضرب من دون بكاء يعزف سيمفونية وجعها في ذلك المشهد، أشبه بجثة فارقتها الروح، كرهت والدها، كرهت كل ذكرى تذكرها به وبتسلطه على والدتها المتوفاه، لذلك قذفت الهاتف بقوة تجمعت فيها معظم طاقتها السلبية، ولعنت في نفسها علاقة الزواج التي تجعل الأنثى الضعيفة تتعامل مع وحوش الغابة المتجبرين.
أخرجها من شرودها صوت رنين الهاتف الذي عادت تمسكه وتجيب بفتور تطمئن الأخرى:
_ أيوة يا "شروق" ربع ساعة كده وهكون جيت، معلش أصلي صحيت متأخر.
_ ماشي يا "أميرة" في رعاية الله.
ودعتها ثم أغلقت الهاتف واتجهت بطاقة استنفذت معظمها إلى المرحاض لتواصل السير صوب وجهتها حيث عملها الذي لا تعلم كيف ستقضي فيه باقي يومها بطاقتها الضعيفة.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
راحة غير حقيقية تملكت نفسها، فمنحتها الهدوء الكامل بالبعد عن مصدر الضجيج في عقلها، الآن زال كل صراع، وفرت من كل هجوم، ولجأت لركنها المعهود، بالأمان زُين من غير خلود!
أخذت تمارس أنشطة منزلية هنا وهناك، تساعد والدتها في هذا، وتشاركها الحديث تارة وقد شعرت مؤخرًا بحزن يلف بها، تحاول إزاحة شرارة قد تكون بدأت في اشتعالها سببها الوحدة أو والدها، هي تعلم أن علاقتهما ليست جيدة للغاية، وبينها تزبزب تحاول أمها مواراته خلف خلجات تفضحها بأماراتها الواهنة رغم إخفاؤها، وتارة أخرى تعود إلى فعل أي شيء في المنزل وجب قضاؤه، لكنها لم تقرب غرفتها قط!
هي تدرك جيدًا أن الدلوف داخل تلك القوقعة "غرفتها"، يجعل لأفكارها سبيلًا سهلًا كي تلتهما، وهي أخيرًا ما وجدت راحتها وركنها الأمن بعيدًا عن الصراع، بتجنبه!
هذا الصراع يختلف عن باقي صراعاتها التي كانت تؤلمها، ولكثرة اعتيادها الألم حتى ترسخ واتخذته معتقد، أصبح سهلًا عليها مواجهته بالقبول، أما ذلك الصراع كان مخالفًا تمامًا بما جاءت به معتقداتها، أو لنقول هو نتاج لأتباعها تلك المعتقدات الراسخة والمغلوطة، لذلك تخشى من مواجهة ما خلفه قرارها، بل وقراراتها، لذا فحتى تلك الراحة التي تصنعت اقتناصها، أصبحت مزيفة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
رفرفت طيور الندم فوق رأسها، وهي تسترجع ذكرى أمس المزعجة، تحمل لها رسائل خفية، لا يستشعرها سواها، فتنسل عبر بوابة اللوم وتؤسر بين براثن ذنب مجهول!!
لازال شعور الذنب يخنقها، بل وجمع جم طاقته، وهجم عليها قاذفًا بها في غياهب نفسها، تبحث في نفسها عن نفسها وسط عتمة حجبت عن عينيها الإبصار.
من هذه التي لا تعلم؟! منذ متى وهي تستسلم في حرب ذاتها الضارية؟ أنسيت كيف تعود بعد الهزائم منتصرة، تنتشل نفسها من بين أنياب الحسرة وفقدان الشغف والاستسلام، فتعود وتقف، تواجه جيوش السوء بقوة، تقهرهم بثباتها في دنيا الاختبارات والفتن، فتنتصر وتحظى بذاتٍ هي تسعى أن تكونها وتراها تتمثل بها يومًا؟!
ييدو أنه إختبار، تُختبر فيه قوة ثباتها في طريق بدأته، ولن ينتهي إلا بموتها، فلا بد من التفكر جيدًا قبل أن تتعثر وتخطيء، فيزداد بُعدها عن الإجابة الصحيحة فتُهزم هزيمة تعيدها لبداية صفرية كانت فيها لاشيء، أو كل شيء مخزي بضلاله!
لم ينتشلها من الشرود العميق سوى صوتها وهي تعيد طرق الباب المفتوح المواجه لمكتب جلست على كرسي خشبي أمامه يواجهه واحد أخر، وقد كانت في انتظار صديقتها التي شعرت في نبرتها بفتور، فاستشعرت الندم مجددًا، وظنت أن حديثها واعتذارها لها في الأمس لم يُجديان بشيء.
سألت بابتسامة مرحبة لم تراها الأخرى خلف ستار أسود غطى وجهها بالكامل عدا عيناها اللتان رسمتا التبسم في لوحة بداخلهما:
_ حضرتك جديدة هنا، أصل كان في مشرفة تعاملت معاها الأيام إللي فاتت؟
ومن دون تبسم حتى، اكتفت بردها تختصر عليها الطريق وقد فهمت سبب سؤالها:
_ لأ أنا معلمة بدرس هنا، بس المشرفة اتأخرت النهاردة، لو عاوزة تمضي حضور اتفضلي أنا هنا مكانها مؤقتًا.
اقتربت منها تجلس على الكرسي المواجه لها، ثم ناولتها ورقة مجدولة بالأيام والتاريخ والاسم في انتظام، خطت بحركة أقرب للبطئ اسمها، ثم أعادت لها الورقة ورحلت بعد أن هتفت بتحية السلام.
ردت عليها قبل خروجها، ونظرت في أثرها بإعجاب شديد، تلك إحدى أحلامها، أن تصل لهيئة كانت عليها أمنا وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وترتدي حجابًا كاملًا، أعادت بصرها على ورقة في يدها قبعت، واستقرت عيناها على اسم تلك المعلمة الجديدة، فمشى في عقلها تعجب شديد، وشعور بأنها تعرفها، سمعت بذلك اللقب بعد اسمها من قبل، أو ربما رأته، فشردت تفتش عن ذكرى جمعتها بها أو باسمها تلك المدعية ب《آية عيسى نصر الدين》، من أين تعرفها يا تُرى؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لماذا معظمنا يهرب من همسات الحقيقة، ولا يأبه لبصيص يلوح له بخفوت كي يرشده الطريق، لماذا ينكر من الأساس أنه لا يسمع ولا يرى؟ ألكل هذا الحد ابتعدنا عن ذواتنا وفقدنا البصيرة؟!
حركت أناملها تحذف ذلك المنشور على صفحتها الذي قفظ أمام مرأها صدفة وهي تقلب في هاتفها تتفحص صفحة الفيسبوك خاصتها، وتعمقت في قراءته بينما هي تجلس على أريكة بجوار جدتها التي انشغلت في الحديث مع ابن عمها《أدهم》تطمئن عليه، ذلك الذي تفاجأت بخبر سفره، فتعجبت لساكن لأول مرة تشعر به ثناياها يتحرك! ثم أغلقت الهاتف وألقت به جوارها، أهل أزعجها المنشور إلى كل هذا الحد؟!
ربما هي تجهل حقيقة في ذاتها، أنها تنكر، والتمست اللذة المصاحبة لعملية يسيرة فضلًا عن إجهاد عقلها والبحث عن أجوبة لأسئلة حول حياتها، شخصها، وأعماق ذاتها المخزن فيه الكثير! أو ربما تخاف عواقب الغرق في ظلمات نفسها أنكرتها، ولا تعترف بها، فاستمرت في القذف بها في أقصى أعماقها، متوهمة بغلاف نسيانها.
لاحظت《زوزو》تزبزبها، فهتفت تودعه:
_ سلام يا حبيبي، ابقى طمني عليك كل فترة والتانية ما تنساش، وأنا كل ما ألاقى الواد "عُمر" في وشي هخليه يتصل بيك.
ودعته ولم تغلق، هي لا تستعمل الهاتف من الأساس، فتنسى أنها يجب أن تغلق المكالمة بعد إنتهائها، وصاحب الهاتف غير موجود، اختفى في مطبخها يشبع بطنه مما لذ وطاب إلى أن تنهي المكالمة، لذا فتركت الهاتف بجوارها على الأريكة دون أن تنهي المكالمة، والتفتت إلى الأخرى تسألها باهتمام:
_ في أي يا "نورا" اي إللي مدايقك يا حبيبتي؟!
أجابت بوهن وهي شاردة أمامها:
_ مش عارفة يا "زوزو"، حاسة إني مدايقة ومخنوقة شوية.
ومن دون رد، طوقتها بذراعها حتى استقرت الأخرى في أحضانها، وأخذت رأسها من صدر جدتها مستقرًا ومقامًا.
تلك اللمسات الحانية، والربتات الشافية، لم تذوقهما إلا من سواها، هي بعيدة كل البعد عن معناهما داخل جدران تضمها وأمها وشقيقتها فيها، لذا فبمجرد أن وقع سحرهما عليها، نطقت بدموع خانقة تسألها، أو ربما تسأل نفسها:
_ مش عارفة يا "زوزو" لي دايمًا بحس إني تايهة، لي بحس إنه في حبل بيخنقني كل فترة والتانية في حياتي، أنا مش فاهمة إي إللي بيحصل، أنا مش فاهمة مالي يا "زوزو".
شهقت والألم مزق نياط قلبه، ذلك الذي استرق السمع لحديثهما من دون قصد، لم يقوى أصبعه على إنهاء المكالمة عاصيًا أوامر قلبه المشتاقة، رشقت بسهام نحيبها قلبه، ففزع متألمًا وثار العصف في عقله يعصره إنشغالًا بحالها وما طرأ به، فأسرع يغلق قبل أن تهب زوابيع أفكاره عليه.
استقرت بين أحضان جدتها لدقائق، هي تفرغ ما بجوفها مشاعر لا تعلم من أين جاءت، ولماذا التفت حول عنقها تخنقها، وجدتها تحنو وتربت في صمت تستمع لأنات ألمها، حتى انتهت العاصفة، وحل هدوء ما بعدها والذي قطعه رنين هاتفها برقم الأخر المدعي بخطيبها، ابتسمت، عادت تعبيء ما بجوفها من جديد تفرغ الآن! وتسير في درب الجهل والضلال، لمَّا أجابت بعد أن ابتعدت عن جدتها واستأذنتها راحلة، وغاصت من جديد في ما لذ من أفعال تهواها النفس وتنزلق في وحلها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الحياة بسيطة، إن بحثت بين طيات الأقدار عن الخير، وتركت شعور الرضى يستقر في جنباتك بدلًا من السخط والغضب والنفور من مكتوب قُدر لك، ذلك إن أردت السعادة فيها أن تحيى.
بصدر رحب يتسع من الرضى أكيالًا، اطمأن لقدر كتبه الله له، واستقبله بقبول وعينيه ترى في الدروب أنوارًا تصافح الظلام فيهتف في نفسه مستبشرًا، الخير آت الخير آت، فلا مكتوب أمر به الله أن يكون، إلا وكان نورًا له.
وبنفس الراحة التي دعى الله بها واستجاب، أعاد دعائه متوسلًا راجيًا أن يُنار دربها، ويخرجها من ظلام العِلل إلى نور شفائه، ثم ختم دعاؤه بالتوفيق في رحلة جديدة مقبلًا على خوضها.
تحرك من مكانه واقفًا بعد أن أدى صلاة العصر، وأعاد سجادة الصلاة إلى موضعها على الأريكة السوداء في مكتبه بعد أن أطبقها وشكلها بعدة ثنيات منتظمة، ثم جلس بجوارها قبل أن تلتقط يداه هاتفه الذي كان مستقر على الأريكة، وبعد عدة نقرات فوق شاشته، وضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد على الجهة الأخرى.
وصله صوته بعد لحظات، فرد السلام وذكره بالشيء الذي جال بعقله:
_ ما تنساش يا بابا تشحن العربية بنزين، كنت فاكر أقولك النهاردة الصبح، بس نسيت ومش عارف عقلي ازاي نسي حاجة مهمة زي كده!
على الجهة الأخرى رد بمغزى متفكهًا على حاله المرثى عليه:
_ متشكرين يا غالي، وابقى حاسب على عقلك من الهوى! وداري يا مفضوح.
علم《يحيى》بماذا يقصد والده، فتبسم رغمًا عنه على مرحه، وبعد لحظات أغلق معه ومكث في مكانه يعد الساعات والأيام، لا يعلم كم سيتعين عليه الصبر، لكنه يوقن أن في نهاية الدرب ستُنار حياة!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كان كالعادة متبسمًا الوجه ساكن النفس بشوش الملامح، من يراه بهيئته الموشية بالهناء في ذلك السجن المؤقت، يظن لوهلة أنه ما عاش لحظات بأس أو طالته زوابيع عواصف قاسية، اقترب منه والجًا المكتبة الحاوية في مساحتها المتوسطة على أرفف اكتنزت بالكلمات والأسطر بل والحيوات الأخرى بين دفتي كتاب، كتب معظمها قديم ترجع عهدها لسنوات مديدة مضت، خطها كُتاب بكلمات كونت جمل ونصوص عن التاريخ والأخلاق والدين والقيم، والبعض حديث وثري بمعلوماته المعاصرة لهذا الجيل، كله مفيد، فلا يوجد كتاب غير مفيد.
ألقى عليه السلام ثم جلس برفقته على كرسي مجاور يواجه مكتب خشبي شُغلت مساحة سطحه بماسح ضوئي للباركود تسهيلًا لحساب الأسعار، وكمبيوتر خاص بالعمل الذي يمارسه ذلك الصبي الجديد العامل بهذه المكتبة، دار حديث بينهم عن أحوال البيع والشراء الذي قل منذ فترة زمنية إلى الضعف والآن تفاجأ بحديث الأخر عن زيادة إقبال الزبائن عليه خاصة بعد توفر إصدارات حديثة وأدوات أخرى كانت تنقص وجودها في مكتبته، وتلك هي الأغراض التي يقبل كل نهاية شهر على تسديد أقساطها.
_ الحمد لله، وشك حلو عليَّ يا "شهاب" .
ابتسم له 《شهاب》بامتنان قبل أن يضيف مقررًا:
_ بإذن الله أقدر أوفر إصدارات تاني جديدة، دي كانت فكرة غافلة عني طبقتها وأهي نجحت، وعلشان أستمر محتاج أتعاقد مع دار نشر تكون ثرية بالإصدارات المهمة والمفيدة للقاريء.
_ طيب ولي، ما هو حضرتك ممكن تأسس دار نشر بنفسك وأهي المكتبة أصلًا موجودة ويبقى نص العمل مكتمل؟!
باغته بسؤاله مقترحًا فكرة جالت في عقله للتو، فأجابه《بلال》بعد أن فكر في مشورته مليًا:
_ مش وحش اقتراحك، هو أه مشواره طويل وعاوزلة نفس أطول منه، بس ولي لأ، إن كان في الأمر خيرًا فليعنني الله على فعله.
وافقه الرأي بابتسامة بسيطة شرد بعدها في ذلك الشاب الثلاثيني الذي بدأت تزداد رغبته في أن يكون القدوة لا شك في ذلك، نظرات الاعجاب به وكيف يدير حياته؛ مكتبة وسعيه لتوفير العلم بها وقرآن بدأ يحفِّظه في دار تحفيظ منذ قريب وقد كان هو أحد الأسباب في ذلك، فهذا الدار هو نفسه الذي انقطع عنه ولمّا سأل عنه شيخه أفصح له بأنه لم يستطع سد المال لذلك تم التوقف عن الحفظ ولكنه بعد كرم الله له وجد من يحفظه بشكل مجاني، عرف بعدها ذلك الشيخ من هذا الذي يقيم على تحفيظه، فاقترح عليه أن يعمل لديهم في دار صديق له هو مؤسسها، فوافق《بلال》بعد تفكير طويل .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
فى اعتقاده أن النجاح لا يساوي شيء إن لم يخلفه نجاح أكبر منه حجمًا، لذلك ما عرف في حياته معنى أن يكون سعيدًا بأقل ما تقترفه يداه من نجاح.
جلس أمام مكتب المدير على كرسي أسود اسفنجي، وعلى شفتيه ابتسامة امتنان لِما نطقه المدير من مدح على مجهوده خلال الساعات الماضية، وضعه في اختبار بتصميم إحدى المشاريع التي جاءت بها شركة ذات سيط عالي بنجاحها، وباجتهاده وعكوفه على العمل لينجزه وقبل كل شيء تيسير الله له، نال الفوز والآن هو يتلقى أبسط ما يُقال في حقه ذلك المجتهد الثبور.
انتهت كلمات مدحه له، وأضاف يفاجئه بتلك المكافئة:
_ أنتَ نموذج للشاب المجتهد يا "وسام"، وأثبت ده أكتر من مرة مش بس في المشروع ده، وعندي ليك مفاجأة تستحقها، من بكرة بإذن الله مش هتكون مجرد فرد في فريق العمل، أنتَ هتكون رئيس الفريق كله.
استقبل الخبر بابتسامة واسعة، عادت تشق طريقها في ملامحه، ثلة من السعادة ناوبته، ها هو يغلق طريق جديد بنجاح جديد، وسيستمر لتحقيق الأفضل، لذا فلا بد من تحمل مسؤلية تلك الرتبة التي على عاتقه. عاد لحالة المثابرة وشكره قبل أن يعده:
_ شكرًا لحضرتك على التكريم، ده برضه واجبي تجاه أي عمل من غير تقصير، وأنا سعيد بالتكريم ده وإن شاء الله تكون بداية أثبت فيها نجاح جديد.
_ وأنا واثق من ده، بالتوفيق.
لحظات وودعه راحلًا من الشركه بأكملها، عائدًا إلى منزله يرتاح قليلًا بعد ساعات إرهاق شاقة مضت، وهل 《وسام》الذي يضيع ساعات يومه الفارغة؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
البعض يخدعهم قناع اعتدنا على مواجهتهم به، فيبني على أوهامه حياة أخرى نعيشها كنا نتمنى الظفر بها، وكأنه يضع على الجرح بعض ذرات الملح المؤلمة.
يغمره شعور الرغبة الجامح في أن يصير مثله، رجلٌ مثابر بابتسامة لم تنزعها الدنيا، يرعى أهل بيته ويوفر لهم الاحتياجات بعمله واجتهاده، ويقيم على إصلاح نفسه والتحليق بها في سماء النفوس المطمئنة، خُيل له لوهلة أنه لم يرى في حياته مكروه انتزع منه سعادته، ولأنه صالح ما رأى منه يومًا مفسدة، يرزقه الله دومًا ويعطيه مما دعى!
خامره اليأس بخفوت بعد أن كظم معظمه، لا يود أن تفضحه إيماءات وجهه، كم تمنى ولم ينل وبقي في محطة الانتظار عابسًا، تمر عليه عقبات شتى من ظروف حياته البائسة وتحمله مسؤلية فوق عاتقه رضي بها وأصبحت إحدى مهامه اليومية التي يسعى للظفر بنجاح من خلالها، هل ممكن أن تكون حالته الإيمانية الضعيفة سبب لكل هذه العوائق في حياته؟!
ولمِّا وصلت به الأفكار إلى إيمانه وقربه من الله الضعيفين، تجلت على ملامحه أمارات الحزن الخافت الذي لاحظه《بلال》وهو جالس يقرأ كتاب معتاد على إعادة قراءته في ساعات العمل الفارغة لأحد الأدباء الأجلاء .
التفت إليه من وراء عويناته مرة ثانية فوجده لازال شاردًا في اللاشيء أمامه ولأول مرة تنطق ملامحة بالحزن وكأنه منشغلًا بهم كبير على عاتقه ثَقل، ثم خلع عويناته ووضعها على المكتب الخشبي فوق الكتاب الذي أغلقه هو الأخر وتركه في نفس الموضع، وسأله :
_ يعز عليَّ أمرك يا رفيق القرآن، فما الذي يشغلك في دنيا ما هي إلا دنيا!
علت شفتيه ابتسامة بسيطة أحدثتها غبطة طالته إثر لقب أحب أن يكونه《رفيق القرآن》،
أجابه بعد تنهيدة قصيرة مورايًا بحرج ما يعبق به صدره، أنه ليس هناك شيء مهم فلا يشغل عقله، ولأن《بلال》يفسر تلك اللاشيء بأن هناك أشياء كثيرة أحرجه طبعه أن يخرجها، وهو الخجول بشكل مبالغ كما اتضح له خلال فترة تعامله معه، أصر بلطف أن يفصح فهو يسمعه وإن كان هناك شيئًا يقدر على مساعدته به لم يتأخر، فأخبره الصبي أخيرًا:
_ كنت بفكر في حاجات شغلاني، يعني عن أحلامي وأهدافي في الحياة، وافتكرت لحظة إني ما نولتش حاجة لسة وكمان أحواليي مش أحسن حاجة ودايمًا العوائق في وشي، فيعني حسيت بيأس شوية.
تبسم ببشاشة أضفت على نفس الأخر لمسة مريحة جعلته يصغي جيدًا في نصحه:
_ استمر ولا تبالي واستعن بالله تفلح، ما تشغلش نفسك بعوائق فترى من جانب العسر وتنسى اليسر المخفي بجوفه، دايمًا يأتي مع العسر يسر، لا بعده ولا قبله، بل معه، يعني اليسر موجود بس إحنا مش شايفين وحاسين غير بالعسر، وفي وقت يأذن به المولى سنراه وتنبلج الأسارير وتعم الغبطة حياتنا.
فهم مقصده وأخذ بالنصيحة مقررًا بين جنباته أنه سيحذو حذوه مفكرًا مثله بسلام وإيمان قوي حتى تغمره الغبطة.
صمت حل بينهم ضيفًا للحظات قطعها سؤاله المباغِت:
_ هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال؟!
عاد لعهده يضايقه بما لا يفضل أن يفعله، فرد مقترحًا قبل السماح له بالحديث عن ما يشاء:
_ عندي اقتراح، أنتَ ممكن تقولي يا صديقي أو أي لقب حاسه ناحيتي ينفع بدل حضرتك دي، هيكون أفضل، وهحس إنك اعتبرتني حد قريب منك.
أومأ له باتساع بسمته وهو يراقب خلجاته الساكنة، ثم بدأ حديثه لمَّا سمح له:
_ هو أنا بصراحة بحب حضرتك وبعتبرك قدوة نفسي أوصل لمنزلة وصلت ليها عند الله من إيمان قوي بالله وكثرة الطاعات المقيم على فعلها، وإدارتك لمهام حياتك بشكل سلس، وو بصراحة يعني فكرت..فكرت يعني إنه ممكن ضعف إيماني وقلة الطاعات إللي بعملها سبب في إني ما أوصلش لحلم نفسي فيه مثلًا، أو أحس بكسل وفقدان شغف في إني ءأدي بعض مهمات حياتي الصغيرة.
سكت ثم أكمل :
_ وده برضه أحد أسباب يأسي الفترة دي، فجه في عقلي سؤال هو ازاي حضرتك قدرت توصل للنفس المسالمة دي، بشوف دايمًا الابتسامة مش مفارقة وشك حتى وأنتَ بتقابل عقبات حياتك، وازاي قدرت تقوي إيمانك لدرجة إنك وصلت لمنزلة إنه دعاءك يستجاب وتتحقق كل حاجة نفسك فيها.
تبسم بغلب من ظنه المغلوط في بعض الأمور وعنه أيضًا، فمن قال له أنه يملك مما حلم به يومًا، فكل ما حوله يعيش فيه من رزق تفضل الله عليه به، لم يكن يومًا حلم به، وطارت كل أحلامه مبتعدة عنه منذ زمن مظلم، سجنته من بعده غدر القلوب بين ظلامها، وها هو الآن يعيش فقط لغرض خلقه الله كي يؤديه في الأرض قبل أن تعود له الروح بأمره سالمة مطمئنة وهذا ما يتمناه.
أجابه بعد لحظة صمت ثقيلة عليه:
_ ليس كل الدُعاء يُنال، لكن حتمًا كله يُستجاب، صحح عندك الاعتقاد إللي قولته من شوية.
سكت ثم بدأ يفسر له:
_ أنت عليك بس تدعو الله بقلب موقن بالإجابة، أما التحقيق فهذا يرجع لحكمة الله التي لم تدركها عقولنا، قد يكون الدعاء مدخر ليوم لا تنفع فيه شفاعة، وقد يأتي متأخرًا ليس في معاد نحن حسبناه بل ونريد بإصرار ورجاء أن يأتي فيه ولحكمة الله وعلمه بالوقت المناسب، يؤخره، وقد لا يأتي أبدًا ويصد عنك مصائب وابتلاءات لم تعلم بحلولها على حياتك، وقد يأتي في صورة عوض يقر عينك يعني شيء اختاره الله لك أفضل مما دعوت به، وهذا أفضل وأجل.
تنهد قليلًا وأكمل:
_ أما بخصوص ضعف إيمانك، فهو قد يكون سبب لظنك هذا من الأساس، يعني في أن الله لم يستجيب وهكذا...اعمل على زيادة قوة إيمانك بالله بالتدبر في نعمه والتفكر في أفضاله عليك، تذكر كم مرة دعوت فاستجاب وحقق، كم مرة لجأت إليه في موقف عصيب وهو الصمد كان يثبتك حتى النجاة، وكم..وكم...عد الكثير من أفضال الله عليك ليزيد إيمانك وتقرب منه بكثرة الطاعات، ليذهب عن قلبك غشاء بدأ يحيل بينك وبينه، فظننت فيه الخطأء، وهو المجيب فكيف لا يوفي بوعده ويستجيب. وكل ذلك استعن به القدير وحده كي يعينك على فعله.
لحظات مرت عليه بخفة أنعشت فيها كلماته السابقة روحه، ولقن في قلبه دعاءه طالبًا العون من الله، أما الأخر فعاد يقرأ كتابه بعد أن اطمأن على الأخر وخلجاته المبشرة، وبين الحين والأخر كان يضحك في نفسه على نفسه، أحقًا لم تفارقه الابتسامة؟ ولكن كيف وهي منذ عهد مضى، رحلت ودُفنت مع الأحبة، أهل هو يكذب بحركة عفوية اعتادت عظام وجهه أن ترسم خلالها لوحة تشي بسعادته الغير موجودة معناها في ثنايا قلبه، لكنه استطاع أن يستشعرها بالأنس بالله واللجوء إليه وكثرة طاعته، صابرًا مرابطًا على قلبه ألا ينفلت وتنفضح أكاذيبه.
لحظات أخرى وقطع هدوء الصمت صوت《يحيى》يلقي السلام عليهم، رد الاثنين وتبادلت التراحيب وتعانقت الكفوف مصافحها بعضها بعض، ثم رحل 《بلال》ومعه خليله حيث تجمع البقية في بيت صديقهم《صفوان》.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الثأر ليس أرواحًا تُزهقها أيدي المنتقمين فحسب، بل هناك أخر خفي تُضرم به النفس فيدفعها لقهر الضحية والتلذذ برؤيتها رمادًا أخلفته نار قهرها.
في مكان أشبه ب《مندره》مساحته واسعة، ضم بين أركانه أثاثًا عتيقة، جمعت بين القِدم والبساطة حتى أضفت التميز والأناقة، وعلى إحداهم المطلق عليها أريكة ولكن ليست كالاخرى الحديثة، حيث أن هذه تختلف من حيث الشكل والتكوين؛ خشب بني من الدرجة الغامقة مُشكل بطريقة جعلته مزخرف ويعطي شكل الأريكة لكنه كان خاليًا من الاسفنج المريح إلا موضع الجلوس الذي شغل طبقه خفيفه منه، جلس متسطحًا بطول الأريكة الخشبية وخلفه وسادة بنية من الاسفنج يستريح عليها ظهره بينما ينفث دخان من أرجيلاته بصفاء ذهن.
أتاه صوت من بعيد يصيح بصوته باحثًا عنه، وما إن اقترب ذلك الشاب نحيف الجسد شاحب الوجه على ملامحه أمارات تشي بأنه مريض أوشك على مفارقة الحياة، لكن صوته الخشن الموشي بوجود الحياة فيه خالف كل التوقعات حينما جثى بجوار أريكة الأخر يلقي بخبره عليه:
_ أنتَ هنا يا معلم ومش داري بإللي حصل وبيحصل.
لم ينبس ببنت شفة، أعاد القطعة الفموية الخاصة بالأرجيلة إلى فمه ليسحب دخانًا إلى رئتيه ويخرجه في زفير بطيء أمام مرأى الشاب الذي بدأ في رواية ما حدث ظنًا منه أن صمت الأخر يعني بالإصغاء التام له، لكنه تفاجأ بقطعه الحاد وتحول حالته بشكل جذري من الهدوء للتعنيف بضجر مما أصابه بالجنون:
_ أنتَ غبي ياض، حد سمح لك تنطق ؟!
_ لا مؤاخذة يا معلم، كنت فاكرك مش عارف و....
قطعه ثانية لمّا سخر منه مجددًا:
_ وهي دي حاجة تفوتني يا غبي، عارف قبلكم كلكم، بس زي ما تقول عجبني شكل الفار وهو بيلعب بديله فحبيت أتسلى.
تفتَّق عقله وبدأ رويدًا يفهم مقصده، إذن هو يعلم أن ذلك العامل الجديد في مقهى ضمتها مساحة حارتهم، كان جاسوسًا لكشف عصابة هو أحد رؤسائها، والذي ساعد في فهم الأمر أكثر، هو حديث الأخر فجأة قاصًا له باختصار معلومات عرف كيف يجمعها بواسطة مصادره الخاصة، وهي أن ذلك الضابط قد تعرض لحادثة مروعة بعد أن عرف كيف يضل الأخر والذي يعمل لديه طريقه، مما أفقدته ذاكرته وهو الآن مُلقى في المشفى لا يعلم عن نفسه حتى شيء فكيف بأمرهم.
انبلج ثغره عن ابتسامة أظهرت صفار نواجزه قبل أن يمدح صديقه الذي بحنكته استطاع أن ينقذهم:
_ طب والله جدع ودماغة تتوزن بدهب.
أعاد فوهة الأرجيلة إلى فمه متجاهلًا ذلك الأبله الذي يرقد في الأسفل، هو دائمًا في الأسفل طالما لم يدير تلك الماكينة التي صدأت في رأسه ويفكر ولو قليلًا، فلو فعل ذلك لكان قد توصل إلى نفس سؤاله الساخر، هل يفقد المرأ ذاكرته وفي ذات اليوم يقوم بغلق قضية هو من اشترك في حدوثها كي يوهم الجميع بذلك؟!
_ ألا قولي يا معلم أنتَ نسيت قصة الواد إياه...
كان يفرك رأسه كعلامة على غوصه في التفكير محاولًا أن يتذكر اسمه، لكنه لم يفلح في ذلك وأكمل وهو يطالع ذلك المتجاهل له تمامًا:
_ الواد إياه إللي كلمته من أيام فاتت وهددته لو ما سددش الديون إللي عليه.
هنا استطاع لفت انتباهه وإخراجه من قوقعة تجاهله المعودة به سجية متعالية لا تلتفت لعبيد الأرض، أما هو فالطاعة واجبة له وإلا!..
_ قصدك ديون أخواته، المسروقة!
قالها ببطء في نبرته ونظرات ترمق ما أمامها من أثاث بعمق، شاردًا في زمان خُتم فيه على سمعته بما يوطىء بها في وحل الزلة بأيديهم لمَّا أصابوا بأسهم غدرهم مكانته بفرارهم من عملية تهريب كانوا هم رؤسائها واستبدلوا البضاعة بأخرى غيرها لا تمس بصلة بها وقد كانت مجرد محصول زراعي تفاجأ به مستلمي البضاعة على الحدود بإحدى بقاع أرض جرداء، سبوه وأشهروا في وجهه السلاح الناري واتهموه بالإهمال وعدم الجدية خاصة في تلك الأمور وقد بذلوا الكثير من الجهد لتتم تلك المقابلة المتبادل عبرها المقايضات دون أن يُكشف أمرهم، فوُصم بالفشل واضطر لإزلال نفسه خاضعًا أمامهم معتذرًا عما بدر منه!
خرج من شروده المشعل في نفسه نارًا حامية تزيد حرارتها كلما تذكر فعلتهم هؤلاء الخونة، وذلك على صوت الشاب النحيف:
_ يا معلم ..رد أنتَ عايش طيب.
حدجه بغيظ لمَّا التفت على جملته، فأشار الأخر إلى فمه أنه سيصمت يعده بذلك، ثم عاد يطالع الأثاث أمامه قبل أن يلقي بأوامره النابعة من نارٍ توقد في صدره وكأنها حديثة الإشعال وليست منذ سنوات ظل يبحث فيها عنهم كي يسترد حقه ويثأر لنفسه التي زُلت في ذلك اليوم:
_ أنتَ تسمع كلامي إللي هقوله دلوقتي، وتروح تنفذه بالحرف.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الكتمان في أحد تشبيهاته، كاحتباس لغازات متصاعدة بداخل قدر يفور أحكم عليه الغلق بقوة، يصرخ بالنجاة فالحرارة بلغت زروتها والضغط بداخله بلغ مبلغًا عظيمًا، حتى يحين موعد الانفجار، حينها يكون فات الأوان وانتهى كل شيء بزوال الألم!
كان يتابع حالتها طوال الفترة الماضية باهتمام وقوة ملاحظة، يسألها إن زارها الألم مجددًا فتقول لا، يعيد السؤال بريب في تصديقها، فتصر على اعترافها، بل وتغلف كلماتها بالصدق والحنان الأتي معهما، أنها على ما يرام، ويكفي رؤيته هانئًا خفيفة من على عاتقه الهموم، فيصدق هو ويستمر في المتابعة والإشراف على حالتها التي بدت له صعبة غامضة، فسرى دبيب القلق في قلبه، ودفعه بقوة أن يستفسر من الطبيب عن الحالة وإن كانت ممكن ما يتوقعه مجرد وهم، فهي تبدو على نفس عادتها السابقة قبل حالة الألم الشديد التي راودتها.
انتهت منذ دقائق متوسطة من تناول طعامها الذي تقلص حجمه عن الكمية الطبيعية التي تأكلها، فذلك العرض الوحيد الذي لاحظه منذ فترة قصيرة، وإن كانت والدته كسابق عهدها يراودها الحزن فتقل كمية طعامها المتناولة، فهو سيهتم بالعرض حتى لو كان مرتابًا تجاهه. دلف إلى المطبخ بأواني الطعام، وعاد مجددًا في يديه كوب الماء ودوائها.
ارتشفت من كوب الماء القليل بعد أن ألقت بحبات دواء في فمها، ثم أخذه هو منها وقال بابتسامة حانية بعد أن أعادها على الطاولة التي يجلس أمامها على أريكة في غرفة المعيشة وهي بجواره على كرسيها المتحرك:
_ بالهنا يا غالية، والشفا بإذن الله.
لاحت ابتسامة مغتصبة، وكأنها لا تستطيع التبسم أكثر من ذلك، أيمكن أن تكون لازالت متعبة. سألها باهتمام:
_ أنتِ كويسة يا غالية، حاسة بتعب أو أي ألم؟!
بثقل لم تستطيع مواراته أجابت:
_ لا يا ابني أنا كويسة، ما تقلقش.
سكتت، وقبل أن يضيف مسترسلًا في إصراره اليومي، وصلهم صوت جرس الباب، فعلم وهي على الفور من الطارق، والذين كانوا أسرته التي عوضت فراغ حياته، دلف《إمام》 بعد أن رحب به الأخر وعانقه، ثم البقية خلفه؛ زوجته وابنته وأم صديقه《بلال》 وابنتها، دلفوا جميعًا يرحبوا بها ويؤنسوا وحدتها، فاستشعرت هي السرور في قلبها ونبض الامتنان به لهم، متجليًا ذلك في ابتسامة حلت في عينيها قبل أن تعلو شفتيها وهي تستقبلهم بها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وقف يتابع بعيني صقرٍ حادتين فريسته، يترقبها وتحركاتها وسكناتها إلى أن تستقر ومن ثم الانطلاق صوب هدفه، كان يقف خلف شجرة ثبتت جذورها في منتصف الرصيف الفاصل بين طريقين متعاكسين في الاتجاه من حيث حركة المرور، يترقب اللحظة التي سيندفع فيها إليه ليتمم عملية الإصطياد بحرفته المعهودة، كانت الفريسة تتمثل له في عائل يتطفل عليه ويسلبه صوابه مخلفًا أثره من قازورات أقاويل تنشب شرارة خوف بداخل عائله فيعيه الشك ويلجأ للعلاج بلا تردد، فيحظى المتطفل بانتصاره وتحقيق الهدف.
ظل ذلك الرجل متوسط القامة يزرع البهو أمام عمارة يقطن بها مجيئًا وإيابًا في عصبية بينما يتحدث على هاتفه، استمر ذلك الحال بضع دقائق قلائل وزوج الأعين الخفية تنتظر الفرصة للتحرك بصبر غير معهود، لم يطق الانتظار، وضياع وقته الثمين لأجل ذلك الثرثار، فلديه الكثير من العوائل يتلهف للتطفل عليها ونيل المكاسب، كاد أن يفقد صوابه ويندفع صوبه بغضب فتنكشف حقيقة أمره، لكن الفرصة أتته لتنقظه من على حافة السقوط في تسرعه، فما إن توقف الرجل يعبث بأنامله في هاتفه للحظات، حتى أستعد للهجوم، اعتد عدته وجهز سيوف قتاله في حرب التطفل خاصته، واقترب منه خلسة بينما هو يدلف البناية عائدًا لمنزله بعد شقاء يومه في العمل.
الطفيل كائن صغير هائل القوة في إحداث أمراض خبيثة، إلا إذا قاوم الجسد ذلك في حرب أُقيمت على أرضه، ولأن جيوش مناعته كانت ضئيلة، حاذ الطفيل بغذائه الشهي وانتصر، أخذت تلك العملية منه بضع دقائق قليلة، حُطمت فيها جدار الثقة الهشة منذ البداية، وأعياه الخوف والقلق فلجأ على الفور إلى العلاج وتركه ورحل حيث المقر الذي يجده فيه وهو بيته، أما الطفيل، فخرج من باب البناية، وما إن ابتعد قليلًا عنها، انزوى بعيدًا عن الأنظار الرائحة والغادية، ثم رضع على أذنه سماعة هاتفه قائلًا ما إن وصله الرد:
_ اطمن يا معلم، كل حاجة تمت بالحرف والنهاردة بالكتير هتشوف النتايج.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman