بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_الثاني_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
خلق الله في الناس طباعا عدة، اختلفت صفاتها،
منها الحميد ومنها المذموم، وقد أدرك الإنسان هذا،
فلماذا يختار المرأ أسوأها في تعامله، أين عقله وهو يختار؟
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
لم يكن الجو باردًا كي ترتعش أطرافها فتتألم أحشائها، ولكن تلك الكلمة كانت بمثابة عاصفة ثلجية تأتي من بعيد تسرب القليل من برودتها معلنة موعد قدومها، شريكة! كيف؟ سؤال عَلق في عقلها المضطرب بتلك اللحظة، أثاره ذلك الشعور المرهق وهو الخوف، تشتت زهنها وأُثيرت مشاعر لديها غريبة، لم تفطنها، ولكنها مؤلمة.
بنبضات قلبها التي دق القلق طبولها، استمعت والبقية لحديث والدها وهو يُبدي تعجبه من الأمر الذي عُجل بالنسبة له:
_ بالسرعة دي يا ابني! مش نصبر شوية على فترة الخطوبة.
نعم هو مُحقٌ، وقد تكون عجلته أمرًا مقلقًا بالنسبة له، فهذا زواج وكل خطوة يسيرها نحوه تعتمد عليها حياة مستقبلية فيما بعد، لذا فلا بد من تأني وعمق تفكير، وهو لم يقصر في إحداهما، وقد عزم ألا يأخذ قراره هباءً وبسرعة قد تبدو له والبقية، فأطال تفكيره طيلة هذه المدة، ولم يسمح لمشاعرٍ مؤقتةٍ تطول قراره، فكر بها كثيرًا خاصة بعد معرفته بعِلتها، وجمع كل حميدٍ من خصال وطباع التمسها في روحها بفترة وجيزة تعرف خلالها عليها، وسمعها أيضًا عنها، ثم قرر برحب صدرٍ تملكته الراحة والقبول بعد استخارته لربه.
حرك رأسه بشكلٍ بسيط متفهمًا، وأردف بأدبٍ يؤيده تفكيره بتفهمٍ لكونه أب تهمه حياة ابنته:
_ متفهم حضرتك يا عمي، والموضوع أكيد سرعته مش مفضلة خاصة في الأمور الحساسة إلى زي دي، وحضرتك أب وأكيد خايف على حياة بنتك لو السرعة دي عواقبها مش أحسن حاجة.
سكت هنية ثم أضاف برخامة في صوته موضحًا:
_ وأنا بصراحة قبل قراري فكرت كتير، ومالقتش أفضل من إني أعجل في الأمر لطالما ارتضيت بها دينًا وخلقًا، وده بعد رأي الأنسة "حياة" وحضرتك يا عمي طبعًا، وأنا متقبله أيًا كان.
إن كان باستطاعته قول قلبه هو الذي أراد ونفسه انساقت طوعًا لفَعل. صمت في أدب بعد نهاية حديثه، ينتظر تلك الكلمة التي تبغى نفسه سماعها، بينما الأخر والذي كانت الأعين مسلطة عليه تتلهف لمعرفة قراره عداها تلك التي انزوت تتوارى ببنيان شقيقها الجالس بجوارها من شدة خجلها، أخذ لحظات يفكر، لم ينكر أن سرعته شغلته وأقلقته شيء ما، لكن إعجابه بالشاب وصفاته الطيبة كانت الأكثر تأثيرًا على قراره الذي نطق به برضى:
_ والله يا ابني أنا معنديش مشكلة، أنتَ شاب خلوق ومحترم وألف مين يتمناك، على الله، أنا موافق.
ابتهجت أسارير قلبه مستبشرًا، ورُسمت ابتسامة شكرٍ وامتنانٍ لحديث الأخر المادح، قبل أن ينطق بعدة كلمات مختصرة يشكره على طيب حديثه عنه، ثم وجه رأسه صوبها، ودون أن يقع بصره عليها، وقد ثبته حيث《وسام》 بجواره، وسألها عن رأيها باحترام:
_ وحضرتك يا أنسة "حياة"، ممكن أعرف رأي حضرتك، موافقة على الخطوة دي في العلاقة؟
التف قلقها وخجلها حول لسانها فأعاقا حركته، وصمتت منكسة الرأس ترمق كفوفها اللذان يعبث كلًا منهما بالأخر من فرط توترها، اضطربت، وعقلها ازدحم بالكثير؛ ماذا تقول، هي لا تعلم، لازالت تائهة، خائفة، يجب عليها قول أي شيء فلا يصح طول صمتها.
لم تفلح تلك الأصوات بعقلها أن تجعلها تبتديء حديثها ولو بكلمة، وما زاد ذلك عليها إلا إحراجًا وخجلًا جعلاها تطيل في صمتها، مضت لحظات وهو ينتظر كلمة ناصفة تخرجها، فلم يحدث، ومن الواضح أن خجلها وخوفها، كما علم، سيعيقان الأمر.
خرج والدها عن صمته الغاضب واعتذر بحرج له قبل أن يلقي الأخر بحديثه عليهم:
_ معلش يا ابني هي أكيد مكسوفة.
ابتسم ببساطة، ورفع الحرج عن الأخر بقوله متفهمًا:
_ محصلش حاجة يا عمي، ده طبيعي، ومفيش مشكلة تاخد وقتها براحتها، وأنا في انتظار رأيها في أي وقت، ومنين ما تقول، نحدد المعاد ونتفق على كل حاجة في لقاء أخر.
_ تشرف يا ابني، بإذن الله.
وبعد دقائق قليلة كان قد استأذن ورحل، وانتهت تلك الحرب بالنسبة لها، فرت إلى غرفتها تتوارى خلف جدرانها من أعينهم المنتظرة لقرارها، خاصة والدها، الذي مكث مع زوجته يتحدثان عن ذلك الأمر حتى تركته وهبطت حيث شقة الجدة لتؤدي مهمة ما تخص والدة زوجها، ومن ثم العودة مرة أخرى له، أما 《وسام》فقد عاد من أسفل بعد أن رافق 《يحيى》وودعه بعد حديث قصير دار بينهم، وتوجه بعد ذلك صوب مبتغاه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
جلست على أريكتها تَهُز إحدى قدميها بسرعة، تَملَكها في ذلك الوقت توتر مزعج، أوجع بطنها، كانت وتزامنًا مع ذلك، شاردة وهي تقضدم أضافرها، بحالة أعربت عن غرقها في دوامة تفكير مفرط منذ أن تركت البقية بالخارج بخجل بعد طلب الأخر المفاجئ لها، تُرى ما الذي جعله يطلب ذلك؟ سؤال تكرر في عقلها، وما كان لها سوى الغرق في إجاباتٍ عديدة خرجت من تلك الأصوات بعقلها، أيمكن أن يكون مُعجب؟ لا، لا أظن، فأي صفات بها أعجبته وهي التي لا تملك من عوامل الجذب شيء، تخلل إليها شيء من الخجل المُحزن وعدم القبول لنفسها ما إن راودتها تلك الفكرة المتدنية، مترسخة منذ بعيد بعقلها، فأخذتها حقيقة مُنطبعة عن نفسها.
تحركت من مكانها تقف، بعد أن يأست من ذلك الحال، وأخذت تروح وتجيء في تلك المساحة الواسعة بغرفتها وهي لازالت تفكر، وأثناء ذلك، فُتح باب غرفتها بواسطته بعد طرقات خفيفة، فتوقفت عن الحركة بتلك اللحظة وقد كانت بالقرب منه، مما دفعها تسرع إليه ما إن رأته وتقول برجاء بعد أن قطعت خطواتٍ بسيطة لتقف أمامه:
_ "وسام" معلش اتصرف، اتكلم مكاني، قوله إ..إ..إني مش موافقة ولا مستعدة لخطوة زي دي خالص، أرجوك!
_ ويتكلم مكانك لي، مفكيش لسان يا استاذة، مفكيش لسان تردي بيه على الناس وتقولي إلى عاوزاه.
برقت عيناها صدمة من وجود ذلك الصوت الجامد بتلك اللحظة، ها هو قد سمع حديثها ورفضها، فيبدو أنها ستنال الكثير، سرت الرجفة بأطرافها وأخفضت رأسها أرضاً تنتظر حديثه الجارح، بينما هو دلف إلى الغرفة بعد أن أفسح《وسام》له الطريق ووقف بالقرب من شقيقته مُستمعًا بصبر لحديث والده الذي قاله بجمود كالعادة لم يفلح تغييره:
_ ومش موافقة لي يا استاذة "حياة"؟ الشاب وأخلاقه كويسة ومتعلم وشغال وكله تمام، وعيلته كمان يُشرف بيها، اي إلى مش عاجبك؟ ولا هو دلع وخلاص!
عُقد لسانها، ومكثت بنفس هيئتها ترمق الأرض، وبداخلها يرتعد خوفًا من ذلك الموقف، شعر《وسام》برجفتها وقد كان ملتصقاً بذراعها بشكلٍ بسيط، لذا فعزم على أن ينهي الحوار ويتدخل بحديثه:
_ بابا ممكن...
لم يكمل وقد قطع الأخر حديثه وهو يقول أمِرًا بأيماءة كفه ليتوقف:
_ لأ يا "وسام" خليك ساكت، وسيبها هي ترد، مش كل مرة هتبقى الحامي واللسان المتكلم بتوعها، اي هي صغيرة مش عارفة تتكلم!
صدى صوته يخترق جسدها فترتعد وتتألم بطنها، بماذا تجيب وكيف في حالتها المستعصية تلك، طال صمتها فزاد غضبه وخرج في قوله بنفس جموده يأمرها:
_ "حياة"!ردي على سؤالي، ارفعي راسك وبصيلي وأنتِ بتتكلمي.
مع تلك النبرة، وذلك الأسلوب الجامد، ودت لو تتوارى خلف شقيقها ليكون حائطها الحامي من صدمات صوته الجارحة، لكنها ظلت صامتة، وتشتت عقلها مضطربًا، فلا تعلم بم تجيبه، بالحقيقة وما تعاني منه وسبب رفضها بخوف من تلك العلاقة، أم بوجع صدرها في كل مرة يعاملها بجمود وغلظة، لربما يكف عن ذلك، يبدو أنها لم تقدر على البوح بكلاهما أو أي مكنون أخر فهناك الكثير تود أن تقوله له، ولكن أين القبول والصدر الرحب من الأخر؟
أسرعت برجفة تقول بتلعثم كلماتها المختصرة بعد أن أعاد اسمها على لسانه بصوتٍ قوي:
_ ن..نعم يا بابا.
فقط ما قويت عليه لتخرجه، ثم سكتت على نفس وضعها منكسة الرأس، فرفع ذلك من حدة غضبه، ابنته المترددة الخائفة دائمًا، ستصيبه بالجنون بحالها المعيق لشتى أمور حياتها.
ضرب كفيه ببعضهما بقوة يائسًا، أرادها أن تتكلم معه دون خوف، وتكف عن عجزها الدائم في ذلك، لكنه لم يفلح، وكيف بغضبه المعهود أن يتحقق هذا؟ أخرج القليل من مشاعره الثائرة بزفرة قوية وصلت للأخرى كصرخة جامدة فارتجفت مفزعة، فعزم على تغير معاملته وأن يكون أقل حدة على الأقل.
تحرك صوبها ليقترب منها ويضع كفه على كتفها قبل بدء الحديث معها، فتفاجأ بها تشهق برجفة سرت في أطراف جسدها فأنتفضت أوصاله وهطلت على إثرها دموعها بخوف وقد ظنته سيصفعها، بقيت تنكس رأسها تخفي بذلك دموعها المزرفة عنه، وهو يرمقها بتعجب واستغراب خالطهم شعور الندم بعد أن أعاد ذراعه جانبًا، أشفق عليها، وأخمدت دموعها غضبه، بينما《وسام》الذي راقب كل ذلك دون تدخل كما أمره والده، حرر كلماته يطلب منه بأدب:
_ من فضلك يا بابا ممكن تسيبها دلوقتي وبعدين تبقى ترجع تكلمها.
لم ينتظر طلبه كي يخرج، فهو أمام رجفتها وخوفها دون سبب بالنسبة له، كان سيترك الغرفة بأكملها وينهي حديثه، أدار جسده ليتحرك صوب الغرفة خارجًا بعد أن ألقى نظرة مطولة عليها تملكه فيها التردد لفعل ذلك الشيء، بينما 《وسام》حاوطها بذراعه يمسد على كتفها تزامنًا مع قوله بهدوء يهدء من روعاتها:
_ بس اهدي، اهدي متعيطيش، صدقيني هو ما كنش هيعمل حاجة والله.
ثم قرب فمه من رأسها وقبلها معتذرًا قبل أن يكمل بأسف:
_ وحقك عليا يا ستي، والله ما كنت أعرف إنه جاي ورايا أصلًا.
بقي معها للحظات، أسمعها خلالها عدة كلمات حانية هدأت من حالتها المضطربة، ثم رحل حيث المسجد وقد اقتربت صلاة العشاء، وتركها بعد أن وعدها بالعودة للحديث معها بعد الصلاة، تعود بذاكرتها الأليمة مع الأخر ما إن أثارها ذلك الحدث.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كفي يداها يرتعشان بشكل بسيط تُلاحظه الأعين من اهتزاز الهاتف بيديها وهي ترمق رسالة الأخر لها، ترددت، أتجيب على رسالته المعسولة تلك، أم تتركها لترتاح نفسها المنجرفة كالنحلة نحو رحيق الزهور المسكر، غير مكترسة أكانت تلك زهرة طيبة، أم أنها فخ نُصب لها من قِبل كائن حي مفترس!
كانت مشاعرها في تلك اللحظة مضطربة، جذبها حديثه المعسول، رغم مقاومتها الضئيلة لوقف أفكارٍ متسللة لعقلها، كلها خيالات تملىء بها فراغ بداخلها لا أكثر، لكنها لم تلحظ ذلك أو تفطنه، ابتسمت رويداً رويداً وهى تعيد قرائة رسالته، وفي لحظة وأدت تلك الابتسامة ما إن اهتز هاتفها برسالة أخرى أُرسلت من قِبله فاهتزت كفوفها على إثر الصوت، ورمقت رسالة مفداها《في اى يا نورا ما تردي هو انا غريب!》شعرت بحرج للإطالة في الإجابة عليه، فيبدو أنه غضب، لذا فأسرعت تكتب له بأناملها المرتعشة بشكل خفيف معتذرة《أنا اسفه يا استاذ سمير حضرتك عاوز حاجه؟》تغاضت عن تلك الرسالة التي أرسلها في بداية حديثه والتي مزجها بالكلمات المعسولة، وقد شعرت بعض الشيء أنه متكلف، لكنها لم تطيل التفكير في الأمر، وانجرفت نحو شعورٍ مذاقه حلو رغم ما دُس به من سُم.
دارت محادثة بينهم، كان متاحملاً على نفسه في إجابتها المختصرة، لذا فأحب أن يطيل حديثه معها وأخبرها برغبته الحديث معها متحججًا بالتعرف عليها، مقنعًا عقلها بأنها فترة خِطبة ولا بد من تعارفهم على بعض أكثر وقربهم، فاذعنت لمطلبه وجرت المحادثة بينهم لدقائق نسيت الأخرى نفسها وانجذبت نحو رحيق زهرة لم تلحظ أنها مفترسة.
وصلها صوت رنين جرس الشقة وهي بغرفة المعيشة، فارتجفت واضطرب سكونها بحركة مفاجئة سقط على إثرها الهاتف أرضًا، توترت، وانخلع قلبها خوفًا لا تعلم ما سببه، فجرس الباب لم يتسبب ذلك الحد في خوفها ! التقتط هاتفها مسرعة، وبيد مرتعشة أغلقت تلك المحادثة دون أن تجيب الأخر وكذلك هاتفها، وتحركت صوب الباب لتستعلم من الطارق.
فتحت الباب ما إن وصلت إليه فوجدتها تقف أمامها بعباءتها البيتية وحجابها الغير كامل، فتلك عادتها لم تكترس بأنها في بيت عائلة فتجعل لباسها أكثر حشمة، تفوفت تستعلم عن الأخرى بتعجب وهي تقترب من《نورا》متخطية أعتاب الشقة:
_ أمال فين ماما يا "نورا"؟ دورت عليها عند "زوزو" تحت مالقيتهاش، مش عادتها!
حركت 《نورا》يداها تغلق الباب تزامناً مع قولها :
_ في أوضتها يا عمتو منزلتش عند تيتا النهاردة.
ثم التفتت إليها وسمحت لها بالدلوف، فتحركت صوب غرفة الأخرى والتساؤلات ضجت عقلها، بينما《نورا》قررت مرافقة البقية بالأسفل وعدم البقاء بمفردها خاصة مع ذلك الهاتف ومحادثته التي ضعفت أمامها وارتكبت خطيئة كهذه، سامحة للأخر أن يخربش على شغاف قلبها بكلماته، لذا فتحركت صوب غرفتها لترتدي إسدالها وتلحق بالبقية في الأسفل تقضي معهم وقت فراغها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
على أحد أطراف فراشها الرمادي، أخذت حيذاً يكفي جسدها متوسط الحجم كي تجلس، فمنذ أن انتهت من قضاء بعض أمور منزلها، عادت لوحدتها، فتسللت إليها أحزانها مرة أخرى، وها هي الآن شاردة بقلبٍ حن أشواقه وهي تطالع صورته القابعة بين كفيها، تمنت لو كان بجوارها في كل همٍ واجهته وهي تربي صغارها بمفردها، تمنت لو أن عشها الصغير لم يهدم وتفر السعادة من بين جنبيه، كلها أوهام واعتراضات من عقل رفض قدره، فعاد ذلك بالسلب على قلبها وظل قابعًا في ظلمات ماضيه.
صوت طرقات الباب وصلها، فقُطع حبل أفكارها المحزنة،وأعادت ما بيديها على طاولة صغيرة خشبية مكعبة الشكل التصقت بأحد جانبي فراشها، ثم عادت لترسم علامات الجمود والقوة الزائفة على ملامحها وسمحت للطارق بالدخول، وقد ظنت أنها إحدى بناتها.
لم يَصدق ظنها، وقد اقتربت《سعاد》صوبها وجلست أمامها على طرف الفراش قبل أن تسألها بتعجبٍ:
_ اي يا "منى" منقطعة عن العيلة كده لي؟ ما شوفتكيش يعني طلعتي من شقتك ولا حتى جيتي عندي فوق.
لم يخطر ببالها قط أنها حزينة، ولِمَ، لذا فأبدت لا مبالاتها، فهي فقط ما تحتاجها إلا لقضاء وقت فراغها في الأحاديث الفارغة، ولم تكترث إن كانت قد تغيرت أو شغلها همٌ، أجابت 《منى》مفصحة بعد تنهيدة عميقة:
_ كنت ناوية أنزل عند ماما أشوفها، بس وأنا بشوف تاريخ النهاردة اتقلبت عليا المواجع يا "سعاد"، وافتكرت كل حاجة عمري ما كنت نسيتها، ومقدرتش أنزل.
تقلص المسافة بين حاجبيها وهي ترمقها، ما يشيان إلا لاستغرابها، فأي ذكرى تقصد؟ يبدو أنها نسيت، التمست《منى》سؤال الأخرى في عينيها، فأدركت أنها لم تفطن قصدها، لذا أردفت تخبرها باختصار:
_ ذكرى وفاة "خالد" يا "سعاد".
تلاشت علامات التعجب، وانبسط وجهها بارتخاء ملامحها، الآن عرفت سبب حزنها، فالأخرى تحبه كثيرًا، ويبدو أن حزنها عليه لم ينتهي، ولكن كيف لازالت ذكرى وفاته قابعة بعقلها كل هذه السنوات؟ والفرد منا ينسى ما فعله البارحة ويكاد بصعوبة يتذكره!
لم يحزنها سيرته، فيبدو أن قلبها مغلف بالجمود، فحتى الترحم عليه لم تنطق به، حتى أنها قالت بعدم اكتراث تحث الأخرى على نسيان أحزانها:
_ اطلعي بس يا "منى" من قوقعة حزنك دي، وتعالي انزلي معايا تحت، بلاش نكد على حاجة حصلت من سنين واتنست.
رشقتها بنظراتٍ حادة، وشريط المأسي أمام عيناها يمر، فيبدو أن تلك الكلمات المستهزئة بحزنها أثارت كل وجع وحرقة بقلبها، لذا فقالت باندفاع أمام الأخرى المصدومة من رد فعلها:
_ أنا منسيتش، لو الكل في البيت نسي والحقوق في الرجلين اتاخدت، فأنا هنا نار قايدة عمرها ما اتطفت.
أشارت بسبابتها نحو صدرها مع نهاية حديثها، ثم أكملت بقهرٍ تجتر كل وجع ومعاناة نالتها في ماضيها وهي ترمق الفراش أمامها:
_ عمري ما أنسى الزُل والشحططه إلى مريت بيها في يوم؛ سهري على مكنة الخياطة وظهري إلى اتقسم نصين من القعدة طول اليوم، ولا نظري إلى ضعف من كتر التركيز علشان أطلع حاجة نضيفه ترضي الزباين، ولا كلمة يا ماما جعانه فأجري أجيب أكل في عز الليل وأسد جوعهم، وتصبرهم لحد ما أقبضلي قرشين وأجيب إلى ناقصني في البيت، يا ماما عاوزه ده زي زمايلي، وعاوزه ده، وعاوزه، وعاوزه، طلبات ما بتنتهيش، كله ده اتحملته لوحدي، وعيشته لوحدي، مفيش مخلوق كان حاسس بيا ولا عارف ظروفي اي، باكل ولا لأ، بنام كويس ولا لأ، محدش كان داري بالمعركة دي غيري، معركة دوست على نفسي فيها وأديت دور مش دوري، وقولت يا بت أهو كله فدى العيال، ما هم أيتام برضه، وعيشت وأنا حاطه على قلبي حجر، و تيجي في الأخر تقوليلي أنسى وبطلي النكد، ازاي؟ ازاي أنسى يا "سعاد" إلى كانوا السبب في إني أخوض معركة زي دي لوحدي وأتبهدل، أزاي أنسى إلى كانوا سبب في موته، ازاي.
ألقت كل ما بجبعتها يوجعها كل هذه السنوات، سنوات وقفت أمامها بعنادٍ تواجه كل صعبٍ يعيق حياتها، حتى انتهى بها الأمر بالاستسلام والانسحاب من تلك المعركة.
صمت حزين لف حولهم للحظاتٍ، أخذت فيهما الأخرى تهدىء من ثوران نفسها بعد خروج كلماتها الموجوعة، ثم أكملت بقطرات دمع بدأت في التجمع بمقلتيها، وقالت تلومهم بقلة حيلة:
_ هما كانوا عارفين، عارفين إنه مريض قلب، كان لازم؟ كان لازم حركة غدرهم تحصل وهو في عز مرضه؟ أهو مات، مات وسابلي الحِمل لوحدي.
ها قد أُثيرت دواخلها، وخرجت عن صمتها وقالت بثباتٍ تنفي اتهامها الباطل:
_ مش كلهم يا "منى" أنتِ عارفة إنه "أحمد" ملوش يد في الموضوع، وهو كان مسافر يستورد طلبية وساب المهمة على" أمجد" والله أعلم بقى "مصطفى" كان فين.
مسحت دموعها وتفوهت بعدم رضى عن البقية بعد تنهيدة بطيئة :
_ عارفة يا "سعاد"، بس ده ما يخلنيش ما أزعلش منهم بعد ما وقفوا في صف "أمجد"وصدقوا كذبته، وطلعوا العيب في الراجل وإنه ضيع فلوسه بنفسه، عمري ما أنسى يوم ما جيت أتسند عليهم وسابوني أقع وصدقوا أخوهم.
صمتت الأخرى ولم تعقب على حديثها، فبماذا تتفوه في موقف لم يكن بحسبانها أنه سيصل لهذا الحد من التعقيد، لذا فضلت أن تصمت غير مكترسة لشعلة تتوراى بين جنبات صدرها فتُضرمه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ولجت الغرفة وبيدها طبق امتلاء بقطع التفاح التي قامت بتقطيعها للتو، وعلى أريكة زرقاء جلست وأخرجت زفيرها براحة، ها هي الآن تفرغت لنيل قسط من الراحة بعد أن غابت عنها لأيام كانت فيهما تنجز عمل مهم في مجالها كمدققة لغُوية، تناولت قطعة من الفاكهة وبدأت في مضغها بينما هي تتنقل بخنصرها بين تلك الكتب والروايات الإلكترونية على هاتفها قد حُمِّلَت، لتختار من بينهم كتاب تقضي ليلها في قراءته، ورغم امتلاكها مكتبة كبيرة إلى حد ما تراصت فيها الكتب المختلفة، إلا أنها تقرأ على هاتفها في بعض الأحيان وبالخصوص أنواع معينة من الكتب الصغيرة اكتفت بقراءتها إلكترونيًا، وأثناء تفحصها الهاتف ومضغها قطعة أخرى تناولتها في تلك اللحظة، تعكر صفو جوها الهادىء بوصول صوت ضجيج نتج عن أصواتهم العالية والذي يبدو أن مكمنه غرفتهم، ابتلعت ما بفمها من طعام ثم أسندت هاتفها على الأريكة بجوارها بعد أن أغلقته وتحركت بعد ذلك صوب مكمن ذاك الضجيج.
دلفت إليهم الغرفة وقد كان بابها مفتوح على مصراعيه، وسارت لتقف بالقرب منهم بتلك المسافة الفارغة المواجهة للباب لتستمع باهتمام لهتاف الأخر المتضجر والذي كان يقف على يمينها:
_ طب يمين بالله يا "عُمر" لو ما لميت نفسك واتعدلت في حياتك لأكون عادلك أنا بطريقتي، الشغل وهتزله بكره، والعبث إلى قولته من شوية ده تنساه، أنا مش موافق على إلى هتعمله ده نهائي.
_ أقولك على حاجة، اهري، اهري، اهري، وبرضه إلى عاوزه هعمله، محدش له حكم في حياتي، حتى لو أنتَ.
رد ببروده المعهود وهو يقف على يسار《أمنية》والتي تابعت الحديث بعدم فهم للمشكلة التي يدور حولها نقاشهم الحاد، تفاقم غيظه من شدة برود أعصاب الأخر والذي مد يده ليمسك بقطعة تفاح من الطبق المستقر بكف شقيقته وبدأ يتناولها وسط نظرات توأمه المغتاظة وكأن لم يحدث شيء، بينما هي شقت ذلك الصمت المخيف تستفسر عن معضلتهم وهي تتنقل ببصرها بينهم:
_ في أي يا ولاد مالكم؟
أجابها《عُمر》بتهكم وهو يلتقط بأنامله قطعة تفاح أخرى من أمامها:
_ مفيش يا "أمنية" أخوكي بس بيمرن عضلات صوته، ما تخديش ببالك أنتِ.
ثم ألقى بها في فمه وبدأ يلوكها، كل هذا والأخر يمسك غضبه كي لا ينفجر ويحدث ما لا يُحمد عقباه، ضرب كفيه ببعضهما كوسيلة لافراغ مشاعره السلبية، وقال بعلوٍ وجوهرية في صوته وهو يومئ بأحد كفيه أمام الأخر:
_ يا ابني بص في حياتك وشوف ماشية ازاي وبتنيل في أمها اي، بذمتك أنتَ واعي! واعي ومدرك لخططك وأهدافك في دنيتك، ده لو كان فيه أصلاً.
أشاح ببصره الجهة الأخرى وزفر بقوة، الحديث لا يعجبه رغم صدقه، لكنه أصر السير وراء هوى نفسه واتباع ما زُين بعقله، لذا فأعاد بصره نحوه وتفوه ينهي الحديث ويغلق سيرة الموضوع :
_ خلاص خلصت! بلاش تتعب أعصابك معايا وتقنعني بحاجة أنا مش عاوزها.
ثم التفت لشقيقته وأضاف على عجل وهو يَهُم للتحرك من أمامهم:
_ وأنتِ هاتي الطبق ده، وسكتي الجزمة ده، وسلام.
وخرج بعد ذلك أمام نظرات عدم التصديق والحنق من الأخر، حتى أنه قال مغتاظًا وهو يراقب أثره يتلاشى من أمامه:
_ أنا خلاص جالي الضغط منه، هو في بني أدم كده ياربي؟!
اقتربت منه في تلك اللحظة تمسد على كتفه وتواسيه:
_ معلش معلش امسحها فيا أنا، قولي بس اي المشكلة وأنا هتكلم معاه يمكن أقدر أحلها.
نقل بصره عليها وأجاب بغيظ من قرار الأخر:
_ البيه، البيه عاوز يسيب شغله ويقضيها عواطلي، أنا نفسي أعرف بس ازاي ده واحد بيفكر يفتح بيت ويتجوز!.
عُقد حاجبيها بتعجب فما دفع ذلك الفتى ليأخذ قراره هذا؟ بينما الأخر نفخ بقوة ليخمد ثوران غضبه، ود لو يستمع الأخر له ويأخذ بنصيحته منذ البداية دون التطرق لرفع الصوت والغضب، لكنه كان معاندًا بقراره الذي من المؤكد سيفسد به حياته لتصبح عبثية أكثر مما هي عليه.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ يعني حتة البت المتوحدة دي بقى في حد معجب بيها ومتقبلها في حياته أصلًا، شوف الحظ!..
قالتها《روان》ساخرة بعد أن أخبرت《نورا》 بما رأته منذ ساعات وأنها تعجبت لأمر تكرار زياراته فوضعت الأخرى احتمال إعجابه لها مما دفع《روان》 تنطق بذلك الحديث الساخر.
أزعجها ذلك اللقب والسخرية عمومًا، فدفعها ذلك أن تنطق بحزم:
_ بطلي حقد يا "روان" على غيرك، وبلاش تلقبيها بلقب زي ده، مش لطيفة، لأنك كده بتسخري منها ومن المرضى المصابين بيه نفسهم بسخريتك للمرض نفسه.
حركت《روان》كتفيها بمعنى لا علاقة لها وأخبرتها ببساطة غلفها التهكم:
_ أنا مجبتش حاجة من عندي، هي فعلًا متوحدة، والدليل إنها بتتعالج عند اسمها اي خالتها دي الدكتورة النفسية.
بحاجبين بدأت المسافة بينهم تضيق، ونبرة بدت عليها الدهشة سألتها 《نورا》بقلق:
_ بتتعالج! وأنتِ عرفتي منين يا "روان"؟ومن امتى ده؟ أنا معرفش حاجة!
قصت عليها 《روان》ما علمته من الأخرى عن هذا الخبر، فأُثيرت مشاعر 《نورا》وحزن قلبها على ابنة خالها، ووجهت حديثها ل《روان》تلومها:
_ يعني أنتِ عارفة حاجة زي كده، ومن المفترض إنها لا محل للسخرية وبتسخري يا "روان"!..قلبك ده اي؟
امتعض وجهها قليلًا وهي تجيب بحنق:
_ بقولك اي هتعملي فيها "شروق" دلوقتي! أنا مش ناقصاكي أنتِ والمجانين دول.
زاد انزعاج الأخرى لرفضها تلك الإساءة بحق البقية، فانتصبت واقفة قبل أن تقول بجدية في صوتٍ جامد قليلًا حاولت تقمصه برقة نبرتها لكن لم تفلح:
_ لا كده كتير، وعيب كمان يا "روان"، دي مهما كانت بنت عمك وعمتك، ما يصحش تغلطي فيهم أو في أي حد مهما كان.
فتحركت《روان》تقف قبالتها، وترد بعد ابتسامة جانبية مستهزئة:
_ اي يا أستاذة، أنتِ مش ملاحظة إنه اليومين دول ماسكالي في صلة الرحم أوي، اي نسيتي هي كانت اي وتعاملها معاكي كان اي، وأي بنت في العيلة عمومًا.
سكتت هنية ثم أضافت:
_ نسيتي كرهها لينا وحبها الزايد لنفسها وتكبرها علينا وهي أصلًا حتة بت مجنونة بتتعالج، وإنها من صغرها وهي باصة في علاقتنا مع بعض، وعلشان هي لوحدها مفيش حد طايقها ما بينا، بقت حاقدة علينا ويا مناها وسعدها لو حاجة بينا حصلت وزعلنا واتفرقنا.
زفرت بقوة، واقتربت منها توضح لها ما يدور بعقلها برزانة:
_ أنا مش بنكر يا "روان" إنه علاقتنا من الطفولة ما كانتش أحسن حاجة معاها، بس احنا كبرنا دلوقتي، ومفرض نتعامل على الحاضر مش الماضي، وبالنسبالي بصراحة السماح أكتر حل مثالي علشان تنسي وتبطلي حقد يا "روان" وإلا أنتِ الخسرانة صدقيني، عن إذنك، هقعد مع تيتا شوية.
تركتها وتحركت صوب مبتغاها، وبقيت هي واقفة والدهشة تدب عقلها مما دفعها تضرب كفيها ببعضهم وتقول بعدم تصديق:
_ مين دي! البت جرى لنفوخها حاجة، بقى أنا إلى هبقى خسرانة، طب والله ما في حد هيندم غيرك يا "نورا" وابقي شوفي يا أم قلب أبيض.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وصلت إلى غرفة جدتها، فوجدت البقية _《شروق》،《منى》،《سعاد》_ مجتمعين حولها، وقد كانت أخر اثنتين شاركا 《زوزو》و《شروق》الجلوس مؤخرًا، فبعد إصرار 《سعاد》وقد أرادت جعلها تنسى الأمر، قبلت《منى》وتحركت معها حيث والدتها وتجمع بعض أحفادها بشقتها، مكثت 《نورا》بملل جوار《شروق》تستمع لأحاديثهم الروتينية عن أحوال المنزل وأزواجهم، حتى قطع ذلك الحديث صوت رنين هاتف《منى》والتي ما إن رمقته إلا وضربت بخفة على جبهتها قبل أن توجه حديثها ل《نورا》وقد تذكرت للتو أمره:
_ يادي الخيبة نسيت، "سمير" بيرن من بدري عليا، كان عاوز يكلمك وقالي إنه تلفونك مغلق فما عرفش يوصلك، وأنا قولتله لما أشوفها هرن عليك تكلمها، و نسيت، خدي كلميه، وابقي شوفي فين موبايلك وماله يا ست.
رغم ما أصابها من رعشة بسيطة، إلا أنها تظاهرت بالثبات وتوجهت صوب والدتها تتناول هاتفها ومن ثم الخروج ليخلو لها الحديث على راحتها، وخلال سيرها تخرج من الغرفة، ثبتت《شروق》عيناها عليها تفكر مطولًا في الأمر الذي أثار ريبة عقلها، وتمنت ألا يكون حدث شيء بينهم في الخلوة، كتجاوز في أحاديث تحرك عاطفتهما.
وقفت في البهو الواسع أمام شقة جدتها، ترددت، تجيبه أم تتركه يهتف حتى تنتهي طاقته وتتضائل إرادته في الحديث معها، هي لا تود أن تضعف مرة ثانية ويجذبها رحيق حديثه المعسول، فتعود في النهاية تندب خطأها.
انتهت المكالمة الأولى، ومضت لحظات لم يعاود الأتصال فيهما، فظنت أنه يئس، لذا فهمت بدلوف الشقة، لكن أوقفها صوت الرنين مرة أخرى، وتلك المرة أجابت حتى لا تهتز علاقتهما منذ البداية، فلا يجوز تركه هكذا دون إجابة، أجابت وتلك المرة عزمت أن تضبط نفسها، فوصلها صوته الحزين وقد أجاد تصنعه:
_ لا، لا بجد، كده أنا اتأكدت إنك زعلانة مني يا "نورا".
ابتلعت غصتها، وردت على الفور معتذرة :
_ أنا أسفة، مكنش قصدي أكيد والله، وأنا بعتذر كان مفروض أقولك إني هقفل وأنهي حديثنا من البداية.
_ لا اعتذارك ده خليهولك يا "نورا".
برقت عيناها من طريقة حديثه المفاجئة ولأول مرة معها، وقد بدى في نبرته الجدية والغضب، ثم ما لبثت الصدمة تعتريها إلا وتلاشت حين سمعته يكمل بنبرة صوت تغيرت جذريًا مما أثار تعجبها بشدة:
_ لحد ما أجي أنا بقى وأشوف الجميل بكرة أخد حقي بكيفي وشروطي إلى هتتنفذ، يا..يا قمري.
لم تفلح في وأد ابتسامتها، فرُسمت على ثغرها رويدًا حتى اتسعت وقد جذبها حديثه والذي أكمله بنفس التزيين والرومانسية الجاذبة لها.
أمام أعتاب البيت وقف ما إن دلف وتعلقت عيناه بها، تلك التي تركت موطن القلب خرابًا، ابتسامتها الرقيقة، وسرور عيناها، لا يشيان إلا أنها تتحدث مع محبوب لها، ولكن من؟ أيمكن أن يكون هو؟ وبهذه السرعة ألفت روحه! يالها من خيبة! أشاح ببصره بسرعة عنها، حتى لا يعتصر قلبه أكثر من هذا، فهو يحاول ألا تتلاقى سبلهم حتى لا يعتصر قلبه ألمًا في كل مرة يراها، ثم تحرك إلى الغرفة حيث أعمامه وتجمعهم بعد الصلاة، وبعد لحظات دلف بعده بقية الشباب الثلاثة الذين تفرقوا كلًا منهم لجهة؛ حيث《عمرو》توجه لمشاركة أعمامه الأحاديث، بينما توأمه صوب جدته حيث تجمعهم، أما《وسام》فقد سار نحو مبتغاه ليكمل حديثه الذي قطعته الصلاة.
لاحظت اقترابه منها بينما تتحدث في هاتفها مع الأخر، وبابتسامة لازالت تزين ثُغرها، سمعها تلقي بكلماتها المودعة عليه《بإذن الله يا "سمير"، نتقابل بكرة، سلام..》وقبل أن تكمل جملتها، تفاجأت به يسحب الهاتف من يديها بسرعة لم تفلح تفاديها، ومن ثم وضعه على أذنه وابتدأ بكلمته المعتادة بينما هو يسير للداخل حيث شقة جدته:
_ هالو سمورتي......
_ أنتَ يا استاذ يا محترم، رايح فين!..خد هنا، الفون!..
ثم سارت خلفه بحنق تزداد حدته كلما تجاهل مناداتها له.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
انتهت من أداء الصلاة، ومكثت على سجادة الصلاة بعد أن غيرت من وضع جلوسها، حيث أدارت جسدها لتسند ظهرها على حافة الفراش خلفها، وضمت ركبتيها إلى صدرها وكانت قد حاوطتهم بذراعيها، وظلت تراقب سواد الليل أمامها وتلك الوريقات المتدلية أمام نافذة غرفتها والتي طفى سواد الليل رونق خضارها.
لف الهدوء حولها، وخلى المكان من أي أصوات، عدا عقلها وضجيجه المزعج، ورغم ذلك هي ساكنة، من يراها ويلحظ هدوئها، لم يعتقد أبدًا كم من صراعات تقرع طبولًا بداخلها، فتثقل الألآم على صدرها بكتمانها، حتى يبلغ الضيق أقصاه.
ابتلعت غصتها المؤلمة للمرة التي لا تعلم كم هي، فشعرت بوجع صدرها ما إن تثاقلت الكلمات عليه، فهي كالعادة تلزم وحدتها في كل حدث مؤلم في حياتها، لذا فلم يكن هناك من تبوح له بتلك الكلمات، فاتخذت من الصمت ملاذًا، إلا في بعض الأحيان قد تجد وسيلة لتفرغ كل هذا الألم المتراكم.
راودها ذلك الحل بتلك اللحظة، فتحركت صوب مقدمة الفراش حيث الوسادة القابعة عليه، ثم أدخلت كف يدها تحتها وأخرجت دفترًا أسود اللون خالي من أي نقوش أو كتابة على دفتيه، فقط أسود، عادت إلى موضعها السابق، وقرفصت قدميها وبدأت تخط بعشوائية ما جال بعقلها في أول ورقة بيضاء قابلتها ما إن فتحته:
_ إلى من سمعت أنين دواخلي
دون كلل ولا ملل
وتحملت ألم كلماتي...
ويأسي وحزني المغلف بهم دوما
إلى من رافقتني وحشة وحدتي..
مذكرتي العزيزة
عدت إليك بعد طول غياب جثمت فيه غصات الألم على صدري
لأبوح لك بسؤالي هذا...
خلق الله في الناس طباعا عدة، اختلفت صفاتها،
منها الحميد ومنها المزموم، وقد أدرك الإنسان هذا،
فلماذا يختار المرأ أسوأها في تعامله، أين عقله وهو يختار؟
اليوم تمنيت أن يختار أحاسنها،
فيطيب جراحي المتراكمة، وأشعر ولو لمرة
أنه يفهمني، ويتقبلني وشكواي بصدر رحب
دون غلظة ولا قسوة...
ولكن الحلم سيظل حلما
إلى لقاء أخر، مذكرتي العزيزة.
وما إن أنهت كلماتها، وصلها صوت طرقات الباب، فحركت كفها تمسح بعض من قطرات الدمع المعلقة بين جفونها قبل أن تأذن له بالدلوف، ولج《وسام》الغرفة يبحث بعينيه عنها، فاقترب منها بعد أن وقع بصره عليها، وأخذ بجوارها حيزًا ليتربع بقدميه، لاحظت عيناه دفترها الأسود بين كفيها، فتفاجأ بعودتها لممارسة هوايتها، مما دفعه ذلك يقول بفرحة:
_ شايف إنه أشطر بنوته رجعت تمارس هوايتها أهو، يا مسهل يارب، عقبال ما نرجع زي الأول خالص.
شقت ابتسامة بسيطة، لم تبدو سعيدة وقد غلف الحزن ملامح وجهها، ثم تفوهت بهدوء بعد أن وضعت الدفتر خلفها على الفراش:
_ مش رجعت أوي يعني، هو بس كان الواحد محتاج إنه يرجع لحاجة زي دي، علشان يخفف شوية عن نفسة، ودي الوسيلة الوحيدة إلى في إيديا علشان أعمل كده.
حرك رأسه مؤيدًا بقوة ثم أضاف على حديثها:
_ طب ده حلو أوي، والمهم إنك كويسة دلوقتي مش كده؟!
أومأت بنعم دون أن تنطق، وحل الصمت ضيفًا بينهم لعدة ثواني، شردت خلالهما في حزن، وهو يراقبها، حتى شق حديثه الغامض مسامعها بعد تنهيدة منه بسيطة:
_ عارفة يا "حياة"، زمان وفي أيام الجامعة بالتحديد، كان عدي وجهة نظر مغلوطة أوي، كنت شايف إنه مجرد ما ألقي نظرة على فلان بحدد على طول ينفع أصاحبه ولا مينفعش، ده متقبله أو لأ، ينفع أثق فيه ويبقى مقرب أو لأ، مجرد بس ما أشوفه، بحدد هبعد ولا أقرب، لحد ما جه وقت عليا وكنت لوحدي، طلعت في الناس عيوب كتير، مكنش عندي ثقة أوي في حد هو ينفع يبقى مقرب وصاحب جدع ولا لأ، زي ما تقولي كده كنت مهزوز شوية ومتسرع أوي.
سكت لحظات ثم أكمل أمام عيناها المثبتتان عليه باهتمام وقد جذبها حديثه:
_ فضلت وقت كبير وحيد، لا صاحب أشاركه الصياح بتاع الجامعة، ولا زميل يرافقني الرحلة، رغم إني كنت قبل كده معايا صحاب عادي، وفرقتنا بس الجامعات، بس عنادي وبعض معتقداتي كانوا عائق في إني أكون صداقة وأشوف ناس جديدة، بالأخص إني كنت من الصعب أوي ألاقي حد شبهي وأرتاح معاه، بس جت فترة قولت يا واد يا "وسام" لي منغامرش ونكتشف الناس بنفسنا، ندي فرصة لده، نقرب من ده، لي منلغيش حتة إنك تقرر من الصورة الأولى للشخص إلى اترسمت بعقلك، وتغوص أنتَ في شخصيته وناخد الصورة الحقيقية.
أضاف بعد لحظة سكوت تنهد خلالها بخفة:
_ و أديني أهو يا ستي، فكرت ونفذت، وبقى عندي صحاب جدعة مش واحد بس، إللي مسافر، وإللي شغال واتجوز حاليًا وفتحله بيت، وإللي، وإللي، كله أنغمس في مشاغل حياته، بس مش ناسيين بعض، ومنهم برضه صديق جديد محترم وابن ناس اسمه "يحيى".
جذبها اسمه، فعقدت حاجبيها بشكل بسيط، بمن يقصد هذا المدعو؟ هل صديق له جديد؟ أم يعني ذلك الملقب بخاطبها؟تفوه ينهي استفهام الأخرى وهو يومىء بنعم:
_ أيوة هو نفسة خطيبك " يحيى"، وأنا تعمدت أحكي القصة دي دلوقتي وأذكره في النهاية علشان بس ألفت نظرك لحاجتين.
_ أولًا إني شايفك هتقعي في نفس غلط أنا وقعت فيه زمان فحبيت أنبهك، ثانيًا ذكرت رأي فيه بس علشان أعرف أنتِ كمان اي رايك؟
التفتت تنظر أمامها مخرجة زفير عميق قبل أن تجيبه بصدق دون عناء سببه القلق الغير متواجد بتلك اللحظة:
_ مش هكدب عليك يا "وسام"، أنا ما اتكلمتش أو تعاملت معاه بشكل كافي يخليني أقرر، بس المرة الوحيدة إلى حصل فيها ده، وبالأضافة لحديثك عنه وإلى يبدو إنك عارف عنه كتير، واضح إنه كده.
_ يبقى نقرب، نحاول نعرف بنفسنا الشخص ده اي وصفاته تقبلناها ولا لأ، وبعدها نبقى نقرر يا "حياة"، مش نتسرع لمجرد فكرة مخيفة خايفين إنها تتحقق.
_ بس..ب..بس أنا مش هقدر، خايفة، مترددة، أنا مش عارفة أعمل اي؟
تنهد بحيرة من عجزها المعهود بسبب مخاوفها،ثم حرك كفه يربت على كتفها وقال بلطف ينصحها:
_ فكري يا "حياة" استعيني بالله وادي العلاقة فرصة، أهو على الأقل لما ترفضي يبقى رفضتي بعد تفكير واقتناع بقرارك إلى أكيد هيكون وراه أسباب مقنعة.
حركت رأسها ترمق النافذة أمامها وهي تزفر بعمق، ومن ثم شردت في صمت، ولاحظ هو هدوئها المفكر، فتمنى أن تنجح خطته، وتحاول أخذ قرارها ولو لمرة بعد تفكير طويل، ليس ككل مرة تنجرف وراء مخاوفها وتتجنب كل أمر مقلق، أو قد ظنته كذلك ولكنه ليس هكذا.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman