بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_السادس_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
لكل نفس طريق تسلكه في التعافي، لذا فاختلفت الصراعات التي يلاقونها في سبلهم أثناء سيرهم عابرين محطات التغير الثلاثة؛ قد تجد من يفيق من غفلته ويعود نادمًا على ما ضاع من عمره هباءً منثورًا في حياة كانت كلها وهم، التمس فيها شفاءً مزيفًا في طياتها أراحت نفسه من فكرة ظل يصارعها طوال حياته، حتى أصبح لها ولغيرها أسيرًا، ودفع الثمن خسارة كبيرة تمثلت في حياة طبيعية يزينها الهناء.
وهناك من تسكنه أمراضٌ ما، حبسته في سجن الضعف، فعزف عن الجهاد حتى، ونأى بنفسه صوب سبيل رغم معرفته بمدى ضلاله ودهامة الظلام الذي يسوده، إلا أنه وطأه بسهولة؛ فالمرض الذي يعيق عملية الجهاد خاصته بقتله جيوش المناعة المفتقده لها نفسه، تعاظم، وتغلغل بين عروقه حتى سكن القلب، والقلب المريض، إن لم يُعافى، مهما دخلت نفس صاحبه سبل التدين، انزلق بسهولة في وحل يشبهه وينعش ذلك المرض الخبيث!
وهناك من لازال في غياهب التيه يقبع، لم يطأ بعد أولى المحطات الثلاثة، يجهل حال ذاته، بعيدًا كل البعد عنها وما تهتف به أصوات الخير المنيرة بداخله، لذا فمكث عالقًا في الظلام!
الكثير والكثير من النفوس كان سعيهم شتى، منهم من وطأ محطة ما ولازال يصارع، ومنهم من لم يطأ، اختلفت درجات صراعاتهم على حسب ذواتهم وما تعانيه، وفي النهاية هل سيصل كل شخص منهم لنتيجة صراع مزمن، أم أن الظلام سيبتلعه؟!
~~~~~~~~~~~~~~
بعد مرور أيام...
وطوئها محطة المعرفة كان لها درسًا قاسيًا، عادت خلاله إلى الوراء أميالًا من السنوات، وقبعت بين براثن الذكريات اليائسة، تسترجع فيه كل لحظة خسرت بعدها كل شي، خيل لها أنها تمارس سلوكًا إيجابيًا، وفي نهاية الدرب تفوز بالمواجهة لا الهروب، فتغنم بالعلاقات والأحلام المحققة، ومنها ما يوصلانها إلى نهاية مطاف تمنته وهو الهناء، ولأن كل ذلك كان محض خيال تعود بين الفنية والأخرى تلوم نفسها على أنها السبب وأفكارها التلقائية التي أذعنت لها في بُعدها عنه، علقت بين نقطتي صراع، إحداهما واقع والأخرى انفصال عن الواقع، تجذبانها كلًا منها، وحسب قوتهما وشدتها، ستكون غريقة في دوامة إحداهما.
على طاولة جمعتهم جميعًا_في مرة من المرات النادرة حدوثها_ إليها يتناولون معًا وجبة الإفطار، جلسوا أربعتهم في سكون يلفهم بينما يتناولون الطعام، الأفواه جميعها كانت تتحرك في نهم بينما تلوك الطعام، إلا فمها تلك التي تعمقت غرقًا في الشرود طوال الوقت خلال الأيام الفائتة تلك، لاحظ والدها ذلك_والجميع أيضًا_ وكان هو أكثرهم انفعالًا وتوترًا، لم يعرف كيف يتصرف مع حالة كهذه، عجز عن فهم ابنته_أو لنقل بشكل سطحي حالتها_لذا فعبر عن ذلك بغضب وانفعال كلما رآها شاردة، تهمل طعامها أو نومها، تلك لغته ولم يجد غيرها في نفسه يطمئن عليها بها!
_ كُلي يا استاذة، وبطلي إهمال، عاجبك يعني لما كل شوية تعلقي محاليل!
خرج الغضب عن صرحه، لكن كان ممسكًا عليه بعض الشيء، تحركت في تؤدة وخوف من أن يبتلعها الغضب، وتصنعت شرب الماء لمَّا تناولت الكوب من أمامها، كيف تخبره أنها لا تشعر ببطنها إن كانت تريد طعامًا أم لا، وكأنها فقدت الإحساس بها كما حدث مع باقي أعضاؤها، وبدأت تعيش حالة انفصال مؤلمة؟!
امتصت زوجته غضبه بنظرات أسكتته، أومأت إليه بها ففهم إشارتها وصمت في حنق، في كل مرة تسكته بمبرر لا قِبل له في حالتها، تلك الفتاة ستصيبه بالجنون إن لم يعرف ما مسها من ضرر!
راقب《وسام》الموقف بصمت، لا يجرؤ على التدخل وإلا انفجر الغضب، لذا فظل يتجرع السكوت حتى رحل والده عن البيت كله، ومكث هو متأخرًا لبضع دقائق عن موعد عمله، كي يحاول مع شقيقته مرة أخرى علها تلك المرة تستجيب.
في غرفتها حيث وجودها على فراشها متقوقعة على نفسها في شرودٍ بدأت الغرق فيه منذ أن دلفت قبل عدة دقائق، جلس أمامها وبادر بهدوء يستعلم عن رأيها مرة أخرى، مسد على خصلات شعرها قبل أن يقول:
_ "حياة"، النهاردة يوم مهم، أي الأخبار، جاهزة؟
طال الصمت لدقائق حتى أجابت بفتور قاتل:
_ مش عاوزة.
على نفس رأيها الذي تجلى في الأيام السابقة التي أهملت فيها كل حياتها، وليس أمر علاجها فحسب، وها هي الآن بحالها الذي لم يتغير، بل بدأ يزداد في غرابته تعمقًا، بدأت تتراجع حتى عن إرادة خافتة كانت تسعى بها لتُشفى نفسها من كل ندوب.
سألها هذه المرة بحيرة أعربت عن عدم فهمه لسبب كل هذا بشكل كامل، غير أنه إكتئاب فحسب:
_ طب قوليلي سبب واحد.
بنفس الثقل ردت بعد لحظة صمت:
_ علشان مش قادرة.
_ مش قادرة على أي بالظبط؟ لو في حاجة عاجزة عنها نقول لخالتو وهتساعدك.
ليت كان العجز سببًا، لكانت عرفت على الأقل أنها تعاني منه، لكن ثمة سببًا أعظم من الكسل يسحبها نحوه، فتصبح الحياة في عينيها مظلمة كلما اقتربت منه!
_ ما بقتش عاوزة خلاص....ممكن تسيبني أنام، حاسة إني مرهقة.
أذعن لطلبها، وانسحب في هدوء، وتركها تنغمس في نومٍ قد زارها، أو حالًا مظلمًا!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يعرف أنه أُسر في أعماقه، وعند نقطة حدث ما، أصبح يرى الحياة من خلالها، لازال غارقًا في ظلماتها، ورغم ذلك لم يتحرك قيد أنملة صوب سبيل أخر يقوده نحو التغير والتخلص من قيود جعلته في حوذة حدود مقتصرة، لا يخرج عنها، بمثابة خط أحمر لا يجوز تعديه، وإلا وقع فريسة!
هكذا هو يحمي نفسه داخل حدود لا يثق في أحد خارجها، لذا فعرف عنه الجزم والغلظة إن حاول أحدهم اختراق حدوده عنوة، وربما يصاب بالجنون التفكيري العميق إن اقترب منه ذوات الأقنعة!
في صباح اليوم، وبغرفة مكتبه الخاص في فرع الشركة بتلك المحافظة الشمالية، كان يرتب أوراقه الخاصة بمشروع عمل تنفيذه بدأ منذ أيام، متحاملًا على نفسه ألم صداع منذ أيام لم يفارقه وهو به غير عابيء ولألم في عضلات جسده بدأت تتعاظم شدته، وبينما هو محاط بأوراق كبيرة قليلة العدد تستقر على سطح مكتبه الذي يجلس أمامه منغمسًا في الرسم التخطيطي أمامه، نقر أحدهم على باب غرفته نقرتين متتابعتين، هتف بعدها في انشغال:
_ تفضل.
ولج《بكر》في غبطة وأريحية في تعامله مع الأخر وكأنه أصبح أقرب أصدقائه:
_ صباح الخير يا برو.
أجابه في اقتضاب، لم يشاركه النبرة المرحبة البشوشة، ومكث منغمسًا بتشتت في مراجعة المخطوط أمامه وعقله انعطف نحو سيل من الأفكار المتتابعة الحانقة؛ ياله من أحمق، ألم يفهم بعد من صمته وانشغاله الدائم عنه وعن طلباته القابع فيها أهداف الاقتراب التي لا يعلم سببها، أنه غير مرغوب به؟!
البشر كثيرون من حوله، ألم يجد سواه كي يمارس عليه خطة هو كاشفها منذ البداية على وجهه المقنع؟!
اقترب وجلس إلى مقعد أمام المكتب المزدحم بالأوراق سطحه، وفي نفسه قلت وتيرة حماسه في فتح أحاديث معه قبل بداية ساعات العمل بذهابهم إلى موقع تنفيذ المخطط العمراني.
عاد يمارس أريحية الحديث معه مجددًا عله يجد القبول، لذا فقطع لحظات الصمت التي بدأت في الحلول بينهم:
_ أي يا برو قولت أي في موضوع امبارح إللي قولت لك عليه، مش ناوي تفك شوية من الحياة العملية وتيجي تستكشف مطروح معانا؟
_ لأ.
اكتفى بها ردًا بينما لازال منغمسًا في تفحص الأوراق، يأس الأخر، ومكث مكانه يراقبه وهو يجمع الأوراق بين دفتي حافظ شفاف.
انتهى من جمع الأوراق ووضعها في حافِظ شفاف، ثم وقف متسعدًا للرحيل حيث موقع العمل، وقع بصره عليه لأول مرة منذ دلوفه، شيء من تأنيب الضمير نحوه نمى، لماذا يعذب نفسه ذلك الأبله ليتقرب منه، ليته يكف عن ذلك ويبتعد، حتى يتخلص من عقد رأسه المؤلمة.
_ معلش كنت مشغول، وما كانش في فرصة أسمعك، هضطر أستأذن دلوقتي علشان ما أتأخرش على العمال، وأنتَ كمان حاول ما تتأخرش.
وقف قبالته على بعد مسافة تفصله بينه يستحوذها مكتب خشبي بني اللون، ثم هتف في خذلان:
_ ولا يهمك يا باشمهندس "أدهم"، المهم تلحق شغلك دلوقتي، الكلام له وقت تاني مناسب.
لماذا أوقع نفسه ذلك الأحمق في موقف كهذا؟ لو أنه ابتعد منذ البداية وما كلف نفسه المجازفة مع شخص معقد مثله، ما كان اضطر على مواجهة صراع لا وقت له مناسب في يوم مكدس بالأعمال التي لا يعرف إن كان سيسطيع تأديتها جيدًا بعطبات في شتى أنحاء جسده تنتشر، وتؤلمه بشدة! أم لا.
تحرك من أمامه بجسد على يكاد يُحمل بشق على قدمين تؤلمه، مثل ما يؤلمه شتى عضلات جسده أيضًا، وقبل وصوله إلى الباب، توقف بغتتة مما أثار تعجب ذلك الذي وقف خلفه على بعد سنتيمترات بسيطة.
هو لا يحب إحراج أحد، يصاب بضيق كلما أساء بتلك الطريقة لأحد، لكنه ماذا بيده أن يفعل، ذلك الأحمق مقبل على كسر عاداته، ويرغمه على تخطي حدود لم يتخطاها منذ سنوات، سنوات اغتنم حياة مريحة هادئة، بعيدة عن وجوه مقنعة تواري خلف أقنعتها كل ما أُتيت من مكرٍ وخداع لاذعيين!
التفت له بغتة، وهتف منهزمًا أمام خصلة فيه طيبة:
_ معلش يا "بكر" جايز أكون دايقتك بتصرفي ده، أتمنى ما تكونش تحمل تجاهي أي غضينة بسبب الموقف.
باغته بحركة كفه رابتًا به فوق كتفه وعلى شفتيه تجلت ابتسامة بشوشة نطقت بها عيناه الباسمتين خلف عويناته الطبية، ثم هتف بطيب نفس:
_ عيب عليك ما فيش كده ما بينا، أنتَ زي أخويا الكبير مش صديق وبس، روح دلوقتي شغلك، وأنا هلحقك بعد ما اخلص كم حاجة مهمة، وفي الليل نبقى نتكلم، أو ممكن نخرج!
فرض عليه إذن بتلاعب هو استشعره جيدًا، كيف يفعل ذلك، أيها الأحمق...
هدر بانفعاله المتجلي في نبرة حادة قاطعًا الود بالرفض التام مما محى أثر ابتسامة على وجه الأخر كانت:
_ "بكر"! أنا ما بحبش أجادل كتير، قولت لأ يبقى لأ، يا ريت تحترم قراري.
حدجه بنظرة لاحت فيها أثر لجرحٍ عميق اقتبسه《بكر》قبل أن يولي الأخر جسده ويبتعد عنه خارجًا من الغرفة بأكملها، لم يفكر في جرح أُصيب به نتاج صد حدث له بطريقة غير لائقة، كان همه في نظرة هو يعرفها، هو يفهما، هو عاش تفاصيلها، تراه يعاني مما عانى منه من قبل لذلك فلم يكسر حواجز حوله تحيط ويزعم في نفسه أنها تحميه، أم أن هناك سبب أخر تسبب في ذلك الكسر الملوح به بريق عينيه الخافت؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
نصف عملية الإصلاح الإدراك؛ أن يدرك المرأ خطأ ما وطأت فيه نفسه، فيعود تائبًا.
لم يحسب أنه سينعم بالعون، وتتيسر بعض أموره بعد أن كان فقد الأمل، ويأس، ومكث تحت سلطة قلبٍ قنوط، فاستحالت حياته إلى ظلام دامس لا يرى فيها بصيصًا للفرج، كم كان قلبه يأوسًا، أينسى الإنسان قدرة ربه؟!
كانت أيام عُجاف مر خلالها بصراعات خسرها كلها، ولم يحقق النتيجة التي جاءت بين طيات ابتلاء عصي، لذا فلم تطأ نفسه محطة التغير بعد، ومكث في غياهب التيه غير واعيًا لما تمر به نفسه من اختبارات، ربما كانت توبته من تفكير القنوط جعلها الله سببًا لفرجًا انبلج في حياته، لكنه لم يحقق الهدف الأكبر، فهل ستبقى نفسه على ما هي عليه هانئة مهما تبدلت الظروف، أو طرأت عليه اختبارات أخرى؟!
أنتهت والدته من تناول طعامها، وكذلك هو، وبعد أن اطمأن عليها من تناول دوائها وعدم شكوتها من ألم ما، مكث جوارها ينتظر قدوم صديقه ووالدته التي سترافقها سويعات غيابه التي يقضيها في عمله الذي فرج الله عليه به منذ أيام، تفاجأ بالكرم الذي لم يتوقع، خجل أمام ربه على عدم لجوئه إليه وقبع تحت سلطة يأسه، ورغم ذلك أكرمه، كم هو لطيف بعباده!
على فراشها الذي تسطحت فوقه بجسد قل وزنه للضعف بسبب خلايا خبيثة انتشرت في معظم أنحاء معدتها فأعاقت عملية التغذية بشكل سليم لديها، راقبت نظراته الممعنة فيها بشرود لم يكن في عادته، فهتفت تخرجه من قوقعة خوف تجلى في عينين واهنتين:
_ قوم روح شغلك يا ابني، هي جايز تتأخر، فمتعطلش نفسك بسببي، أنا كويسة أهو ما تشلش هم على الفاضي، هستناها ولما تيجي هتصل بيك واطمنك.
كم من المرات سيظل يكرر ويثبت لها أنها ليست عائقًا في حياته البتة، هي حياته، هي رضى الله عنه، هي أعز عليه من نفسه، وهل يُشقي العزيز محبه؟! بلى والله فهو أهون عليه من كل هموم الدنيا.
التقط كفها بينما هو جالس جوارها على الفراش، وقبَّله بحنو قبل أن يلطف كلماته معها:
_ يا ريت كل هموم الدنيا في خفة همي وانشغالي عليكِ يا غالية، اطمني أنا قايلهم إني بتاخر بسبب ظروفي دي، وهما الله يكرم أصلهم مش مقصرين في واجبهم الإنساني خالص.
_ الله يكرمهم يا ابني، ويرزقهم من كرمه، ويكرم "يحيى" ويرزقه، لولاه يا ابني بعد ربنا كان زمانا فين دلوقتي!! ربنا يهنيه في حياته.
_ يا رب يا رب.
تمتم يدعو له معها، بقلب ود لو قطع المسافات وعانق صاحبه، بل أخيه، وشكره على معروف ساعده به في وقت كان أضيق عليه من ثقب الإبرة بعد أن خسر كل شيء، ومكث في ظلمة الابتلاء مكبلًا لا يقدر حتى على التفكير في حل الأمور، بل ما فعله هو محاولته إبعادهم عنه، كيف هان عليه يفعل ذلك، أليسوا هم أسرته الداعمة بعد التي فقدها تلك التي كانت مزيفة؟!
يا له من أحمق، لا يعرف كيف يمسك عليه نفسه ويبدي سلوكًا حسنًا في مواقف عصية كهذه، فحتى وإن كان الضيق يخنقه، والهم يقتله، ما كان عليه أن يتصرف هكذا مع أسرته التي عوضه الله بها، ولكن يأسه من روح الله كان ذنبًا حجب عنه بصيرته في أفعاله!
بعد دقائق متوسطة، جاء《بلال》ووالدته، اطمأن الأول على والدة صديقه، وودع الأثنين والدتيهما، ورحلا معًا في طريق واحد إلى أعمالهما المختلف مقرها.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لكل منا رغبة تكمن بين طياتها قوة تدفعها نحو التحقيق مصدرها أسبابنا المختلفة من شخص لأخر.
كانت تحلق بجناحي إرادة ذوات عزم في سماء الرغبات بغبطة بينما تقرأ رسالة نصية على إيميلها الخاص أُرسلت من قِبل الشركة التي قدمت منذ أيام على وظيفة فيها، مرت عيناها بسرعة على الكلمات، ووقفت تتأكد من كلمة واحدة وهي قبول، لا تصدق ! تم قبولها، هل هي في حلم أم جنونها بالأخر جعلها تتخيل الكلمات كيف يحلو لها ويرغب عقلها في رؤيتها؟!
_ مش مصدقة، يعني خلاص هشتغل في الشركة.
لازالت علامات الدهشة تتجلى، ظلت ترمق الرسالة كل لحظة والأخرى بينما تجلس على فراشها، وتعود في كل مرة مغتبطة كلما زاد تأكدها من الأمر. ألقت بالهاتف بغتة على الفراش، وأسرعت تخرج من الغرفة لتزف الخبر على مسامع والدتها.
أخذت تعدو في خطوات يدفعهما الحماس، ونفس تغمرها السعادة وهي تتوق للحظة قربها من مخططات رُسمت بحنكة، حتى وصلت إلى غرفة المعيشة في غصون دقائق مرت فيها على غُرف مختلفة، توقفت أمام الغرفة المفتوح بابها حين لمحت طرفها يلوح بداخلها ذهابًا وإيابًا، لم تسمع لحديثها جيدًا حين قالت وهي تبتعد داخل أعماق الغرفة:
_ وهو يعني بعد السنين دي كلها ما جاش على بالك تفتكر بلدك غير في الوقت ده، أنتَ قاصد أي بالظبط، ونيتك أي؟!
_ .........
_ هو أصلًا الوضع مش ناقص أي خراب، وأنا مش هسمح لأي ذكرى قديمة ترجع وتهد الدنيا فوق دماغنا، يفضل كل حاجة ترجع زي ما كانت، والظروف تبقى على حالها من سعة ما اتغيرت، لغاية ما ربنا يفتكرنا بقى..وربنا يغفر لكل مذنب.
صوت خشن ذكوري اخترق أذنها صياحه الغاضب، تهديدات، وتحذيرات أخذت تستمع لهما في صمت قاتل قطعه ظهور ابنتها أمامها في تلك اللحظة التي توقفت فيها على السير، سرى في جسدها رعشة خوف خشية من أن تكون الأخرى سمعتها، فعاد حالها يضطرب!
حاولت البقاء في ثبات أمام نظرات ابنتها المتفحصة بتعجب، لكنها لم تستطع كبح جماح توترها الذى بدا في حديثها وهي تنهي المكالمة:
_ طيب س..سلام، سلام دلوقتي يا "سهى" هبقى أكلمك بعدين في الموضوع، سلام.
_ أي الموضوع بقى؟!
باغتتها بسؤلها بصوت المخبر الذي يتولى تحقيقات وتحريات في قضية ما، فأجفل قلبها قلقًا من نبرتها القوية بشكل مخيف، استعادت ثباتها برسم ابتسامة واسعة على شفتيها، ثم قالت من بينها وهي تربت على ذراعها بيمناها:
_ لا ولا حاجة يا حبيبتي، ده موضوع كده يخص طنط "سهى"، فتلاقيني انفعلت معاه شوية، أنتِ عارفة هي غالية عليَّ وما بحبش أشوفها متدايقة. بس ما تشغليش بالك وقوليلي، كنتِ جاية تفرحيني بأي حاجة من أخبار حلوة النهاردة؟!
عرفت كيف تلعب على أوتار نقاط ضعفها، ما إن ذكرتها جملة "أخبار حلوة"، سرعان ما أحاطت الفرحة بجناحيها فرفرفا في المكان، وشعرت وكأن قلبها سيقف من سرعة وثباته كلما استنشقت زرات السعادة المحملة في جو امتلاء بخبر الهناء خاصتها.
باغتتها باحتضان قوي، سرعان ما خرجت من بين ذراعيها وهتفت وعيناها تلوح فيهما رايات الانتصار:
_ مش هتصدقي يا ماما، أنا اتقبلت، اتقبلت في الشركة وأخيرًا هشتغل.
رفعت حاجبيها مندهشة، وشحذت السرور كي ترسم ابتسامة فرحة بينما تقول:
_ ده بجد! بجد يا "روان".
هزت رأسها بقوة تجيبها بنعم قبل أن تضيف بفرحة عارمة:
_ أيوة، هشتغل في نفس الشركة ومعاه أخيرًا!
يبدو أن الفرحة خانتها، وسمحت دون وعي منها بالإفصاح عن سببها الذي من أجله بدأت رغبتها تتزايد في العمل يوم بعد يوم، صمتت عن الحديث بغتتة، فتنحنحت والدتها واقتربت منها تشاكسها:
_ قولتيلي معاه! ..آه!..أنا برضه قولت البنت فرحتها مش طبيعية.
لملمت ثياب الخجل، وعدت عدتها للفرار بسرعة، ألقت بجملة تناغمت فيها نبرة مضطربة قبل أن تفر:
_ لحظة بس، الظاهر إنه تلفوني بيرن، جايز تكون الشركة ..سسلام.
ثم سرعان ما اختفى أثرها من أمامها كسرعة البرق، وقفت تراقب أثرها الغير ظاهر في فرحة، والابتسامة ترتسم على شفتيها في رضى!
عادت تفكر في ذلك الاتصال الذي باغتها وقلب حياتها رأسًا على عقب، الأمس أغلقت أبوابًا من الماضي لا عاد يعينها حتى وإن ارتكبت فيه جُل الخطايا، واليوم عاد يلاحقها من حيث لا تدري، من أين عرف طريقها وكيف عاد، لا تعرف، كل ما يهمها أن تسرع في إغلاق قفل باب الماضي مجددًا، وإلا لن تسلم!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
قد كان كل البأس في عقل عجول، قليلًا ما كان يتأنى في تفكيره، وهذا أكثر البشر خسارة.
كل الأمور حولها تقودها إلى سبيل واحد، ترى بطبع فيها عجول، كنود، أن الحال مؤشرًا لحياة لا ترغب بها في المستقبل؛ هتافات صديقتها وإلحاحها على أخذ القرار ولا تخشى شيء، أو تعير لمشاعر ساذجة في ثناياها أهمية، فإن حكمت بمشاعرها، لم تفلح في تحقيق أهدافها المستقبلية، وستندم، مما أشعل ذلك فتيلة قلق بداخلها، جعلها تزيد تعمقًا وميلًا إلى مبتغى ظنت بين طياته تقبع الراحة والأمان.
تذكرت كلمات والدها حين أفصحت له بخوف عن ترددها في ذلك الشأن، حينها سألته:
_ بابا، أنا عاوزة أسألك سؤال.
_ سامعك.
_ هو أنا لو مش مرتاحة من حاجة معينة، بسبب مخاوف مستقبلية ناحيتها، والحاجة دي وحالتها يعني، بتوحي أصلًا بالخوف من حدوث ظروف ما صعبة في المستقبل، وأنا أخذت بأسبابي، وحميت نفسي من خطر متوقع، كده عملت الصح، ولا هبقى غلطت؟
حينها مسد على شعرها بلطف، وابتسم بسكينة ونصحها، وكان قد فهم ما تقصده بين طيات كلماتها:
_ لأ يا "منة" هتبقي عملتي الصح، بس مش خالي من الغلط.
عقدت حاجبيها وسألت في تعجب:
_ يعني أي يا بابا ؟!
تنهد بعمق وأزال ستار الغموض مفسرًا :
_ يعني يا "منة" خوفك ممكن يكون مبالغ فيه لدرجة إنك نسيتي رب الأسباب، فاعتمدتي اعتماد كلي على الأسباب، وإنه بقرارك أيًا كان، كده منعتي حاجة خايفة إنها تحصل، مع إنه لو ربنا أراد بحدوثها ستكون وإن اجتمعت كل موانع الدنيا على دفعها، وفي نفس الوقت أنتِ صح، لأنك خايفة ومش قدامك غير الحل ده، وجايز والله أعلم يمكن يكون فيه الحل.
سكت ثم أضاف يرشدها لعلها تهتدي:
_ وعلشان ما تندميش على قرارك في أي موقف في حياتك، توكلي على الله واستخيريه في الأمر، بسيطة أهي، بدل ما أنتِ معقداها بالتفكير الكتير، وبعدين خوفنا من المستقبل شيء عادي ولا عاصم منه، بس الفكرة في إننا سعات بنبالغ فيه لدرجة إننا بننسى حاضرنا، وده بيأثر على قرارتنا، وغالبًا بنندم، ففكري كويس، ربنا يريح بالك يا بنتي.
لا تعلم لماذا بعد سيرها على خطى والدها المتجلي في حديثه، لم يتغير شيئًا، بل ازداد الأمر سوءًا، خوف من كل الجهات ألم بعقلها، خاصة حين علمت بظروف الأخر وما طرأ عليها من بلاء بفقده وظيفته، تأثرت بحالته، خاصة أنه ابتلي بمصيبتين في ذات الوقت، أمه ومرضها الذي من المفترض توفير مال على الدوام له كي يُعالج، ومن جهة أخرى ولبؤس حياته، فقدان وظيفته التي هي مصدر رزقه الوحيد.
اختنقت، وضاق صدرها من تخيل في عقلها لحالة مشابهة لها وأبنائها في المستقبل، كيف ستعيش إذن في حال لا يسوده إلا المعاناة والبؤس؟ ألمَّ بعقلها كل تفكير سوداوي أزعجها، فتوترت، وتزايدت وتيرة تفكيرها في الأمر بقلق، حتى انتهى بها الحال في لحظة اضطراب بقرار كانت ترى في طياته راحة ونجاة، رغم أن مشاعرها تتعارض معه.
وقفت بغتة، وخرجت تبحث عن والدها في أركان البيت الذي تعيش فيه وهو فقط، فوالدتها ليست على قيد الحياة، وهو الذي اعتنى بها منذ فقدانها، وجدته أخيرًا في غرفته التي طرقت بابها الموارب تستأذنه في الدخول، فسمح لها، ولجت إليه، واقتربت تجلس بجواره على أريكة يجلس عليها بينما يقرأ في أحد الكتب كهواية لم تورثها ابنته عنه، ثم قالت:
_ بابا أنا عندي طلب.
ترك الكتاب المغلق مستقرًا بجواره على الأريكة، ثم التفت لها وقال:
_ سامعك يا بنتي، قولي إللي عاوزاه.
بثبات دون تردد، ألقت على مسامعه طلبها:
_ أنا قررت أنهي علاقتي ب "صفوان" وكل واحد مننا في طريق، وده قراري النهائي.
أغمض عينيه وفتحهما بتروٍ متنهدًا بهدوء، وحولق، تمنى أن تكون قد فعلت الصواب، رغم أنه يشك في ذلك، ابنته وهو يعلمها، عجولة، قلقة، جنبات نفسها غير مستقرة حالها، دعى لها بالهداية، ثم قال:
_ حاضر يا "بنتي" إللي يريحك، دي أهم حاجة.
وهل هي ارتاحت؟ سؤال انبلج في عقلها، أخذ بها صوب درب الشرود!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كان من المفترض العودة والبحث في ذات اللحظة التي اكتشفت فيها اختفاء خاتم التسبيح خاصتها، لكن ماذا كان بيدها أن تفعل، وتمنع وجود الأخر، من المؤكد أنه كان موجود في لحظة افتقادها للخاتم وعزمها على العودة التي قطع سبيلها إليها تفكيرها فيه!
خرجت من غرفتها متجهة نحو السطح تبحث عن ضالتها مجددًا، ففي المرة الأولى لم تبحث جيدًا بسبب وجوده! وأثناء سيرها في طرقة واسعة، اصطدمت عيناها بعين شقيقتها التي سرعان ما أخفتهما عنها وأكملت طريقها حيث ولوج غرفتها، أوقفتها عن الحركة بهتاف فيه اسمها، فامتثلت للطلب، واستمعت لسؤالها ما إن اقتربت من باب غرفتها:
_ "نورا" ما لاحظتيش خاتم تسبيح لونه أسود فوق السطح، لو كنتِ طلعتي يعني في أي يوم خلال الفترة إللي عدت؟!
حركت رأسها نفيًا في فتور، تبعه قولها كي تقطع عليها الاسترسال في الحديث والاسئلة:
_ لأ، أنا أصلًا مش بطلع فوق ليَّ فترة كبيرة.
شعرت بتغير ملحوظ في نبرتها وإيماءاتها، فاقتربت منها تمسد على كتفها بينما تسأل باهتمام وهي تراقب أثر الدموع في عينيها التي أشاحت بهم عنها لمَّا لاحظت قربها منها:
_ "نورا" أنتِ كنتِ بتعيطي؟!
ولأنها لا تجيد الكتمان أكثر، خاصة إن كانت أمام أقرب الناس إلى نفسها، فسرعان ما عانقتها مستسلمة لطلب الدموع بالهطول، ورجاء الصرخات المقهورة في داخلها بالخروج كي تحرر قيود ضائقة على صدرها تعلم مصدرها جيدًا، أو صدقت وهمًا غُلف بالحقيقة والصدق، فغرقت في غياهب الندم من لا شيء!
شهقت بينما تحتضنها بقوة، وانخلع مع شهقتها القوية قلب أختها التي انهارت لأنهيارها، لم تستطع البقاء على الثبات، فدمعت عيناها بينما تسألها في تعجب وهي تمسد على خصلات شعرها:
_ في أي يا "نورا"؟! هتعيطيني معاكِ والله، احكي!
هتفت من بين شهقاتها باهتزاز في نبرتها وهي لازالت ترتجف في حضنها:
_ أنا ما كانش قصدي والله، ما كانش قصدي.
تتابعت شهقات قصيرة، تجلى فيها انهيارها من ألم القهر، مسدت على ظهرها بكفين مرتعشين، هي الأخرى لم تستطع إخفاء اضطرابها الذي تجلى ما إن سمعت صوت القهر المتجلي في البكاء.
_ بهداوة طيب وفهميني كل حاجة، وتقصدي أي بكلامك، بس تعالي جوة الأول.
خرجت من حضنها، وسارت معها في تيه، والعيون تزرف ببطء دموع لا تنتهي، قتلها اللعين بلومه، وهو يعلم أنها تعلقت به، نصب جسرًا إلى أعماقها بتصنعه، ووصل لنقاط ضعفها، وعرف كيف ينسج خططه جيدًا، فأوقعها في فخ تلاعبه!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الجو من حوله ساكن، والهدوء العارم الذي يلف جنبات غرفة يسودها ظلام خافت؛ فلم يسمح لشمس الصباح أن تزور غرفته منذ أن أشرقت، وتسكر نسمات الهواء المكي الرطب في غرفته خلايا جسده كله، فتدخل في طور الخمول، كل ذلك بمثابة هناء عارم يحظى به كل يوم، الجميع يستيقظ متوجهًا إلى عمله في شتى المجالات، أما هو فيبقى محتضنًا الفراش، تنعم رأسه بنعومة الوسادة تحتها، كما تنعم بالراحة خلاياه وهي في طور الخمول والكسل!
بالطبع تلك الحالة الغارق فيها لم يخرجه منها عدة نقرات خفيفة على باب غرفته ظلت للحظات، ولمَّا لم تجد ردًا، ولجت بصبر بدأ يقترب من طور النفاد في بداية يومها الطويل، وهذا كله بسبب ذلك المهمل، تعمقت داخل الغرفة بخطوات متريثة تتنافى مع عاصفة حنقها التي ازدادت شدتها ما إن وقع بصرها على مظهر غرفة عبثية كحياة صاحبها؛ ملابس ملقاة بالقرب من خزانة ملابسه المفتوحة، ويظهر بداخلها ملابس غير منتظمة الترتيب، وكأن يد عبثت في لباقة تنظيمها بينما تبحث عن مبتغاها، وتركتها على حالها دون إعادة ترتيب، زفرت في غيظ بينما تمشي عينها في باقي أنحاء الغرفة، وقع بصرها أثناء ذلك على أريكة تستقر فوقها بقايا الطعام في أطباق مصنعة، يبدو أنه طلب ذلك الطعام من الخارج، زادها ذلك غيظًا، فتحركت بخطى سريعة صوب نافذة الغرفة تقوم بما جاءت لأجله.
_ ماشي يا "عُمر"، أنا هخليك تندم على اللحظة إللي قررت فيها تبطل شغل يا جزمة.
قالتها متوعدة بينما تفتح النافذة على مصرعيها، فبدد نور الصباح ظلام الغرفة، وتغلغلت نسمات الهواء النقي إلى الداخل، توجهت نحوه وهي ترمق بغيظ مظهره العبثي حتى على فراشه وهو نائم؛ كساء الفراش مبعثر بسبب كثرة تقلبه بشكل عبثي عليه، جذب انتباهها حاسوبه اللوحي المتنقل بجواره وهو مفتوح، توقفت عند حافة الفراش حيث الجهة اليسرى التي يستقر عليها حاسوبه بينما هو يتسطح على بطنه في شكل عبثي، ووجهه الغارق في ثبات عميق يواجه شاشة الحاسوب، التقطت الحاسوب كي تغلقه، وهي في طريقها إلى ذلك، توقفت ما إن حملته ووقع بصرها على أخر شيء كان يشاهده، فارتفع حاجبيها دهشة!
بدأ يتململ في حركته بتنطع، فأسرعت تغلق شاشة الحاسوب، ودسته خلف ظهرها، ثم جلست على طرف الفراش وبدأت تهز كتفه برفق بيدها الغير مشغولة بينما تهتف باسمه بغيظ! لحظة، اثنان، حتى قاربت الدقيقة على الانتهاء، تزايدت فيها قوة يدها وهي تهز جسده كي يفيق، ولكن أين هو والاستيقاظ من أول لمسة أو صوت، في عهده لم يجتمعان قط!
زفرت بنفاد صبر، وتوقفت عن مهمة إيقاظه، هي تعلم أن عقله بدأ يشعره بالحركة حوله، لكنه لازال خاملًا مستسلمًا وجسده لسطوة سلطان الراحة والكسل، ضيقت عيناها فوقه وهي ترمقه بخبث تجلى في فكرة شرعت في تنفيذها حين هتفت بغتة بصوت عالي تحدث على النهوض مسرعًا، وكأن هناك كارثة ستحدث:
_ "عُمر" قوم الحق اللاب بتاعك مع بابا ....
لم تكاد تنهي جملتها، فنهض هو مفزوعًا يقطعها بينما يتلفت حوله باحثًا عنه في كل مكان، وعلى كل جزء من فراشه، هتف مضطربًا وهو يترك فراشها متجهًا صوب الباب كي يلحق بكارثة قبل وقوعها:
_ هو فين دلوقتي، وده إزاي وصله بس!!
كتمت ضحكة ساخرة على هيئته المفزوعة، وأوقفته بصوتها بعد أن أظهرت الحاسوب من خلف ظهرها وأخذت تلوح به في الهواء بينما تقول:
_ تعالى يا بطل سلامة عقلك، اللاب أهو، في الحفظ والصون هو وإللي جواه، ما تقلقش.
التفت لها مسرعًا بخطواته نحوها، وقبل ينقض على حاسوبه ويلتهمه بين يديه، وارته مجددًا خلف ظهرها، فوقف مستسلمًا، وعقله يتأجج حنقًا بينما يسألها في ريب بالغ:
_ أنتِ شوفتي أي بالظبت يا "أمنية"؟
تحركت دون أن تجيبه بخطوات واثقة بعيدًا عنه متصنعة قربها من الأريكة كي تجلس، ثم هتفت قبل أن تنجز مهمتها:
_ لا تقلق سرك في أعمق بير، بس كله بشروطه.
غمزت له بمرح، ففهم مقصدها، مما زاده حنقًا، وأسرع نحوها كي ينقذ حاسوبه منها، لكنها كانت أسرع لمَّا أسرعت بخطواتها الخفيفة نحو الباب وأغلقته خلفها بعد أن خرجت، فارتط جسده به، وعاد إلى الخلف يسب ويلعن نفسه على خطأ كهذا خرج منه، سيفضح الآن وينتهي كل شيء!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
كانت أعسر حالات الجهاد من بينهم، ببساطة، لأنها لم تبذل مجهودًا البتة، لذا فمكثت غريقة في خضم دوامة ضلال عنها تتوارى، لا تعرف نفسها في أي سبيل هي تاهت من وسط سبل شتى يقودها أحدهم إلى محطة المعرفة حيث بداية التغير، ولأنها استسلمت لهوى نفسها، صارت بنار الذنب تتلظى!
على فراشها كانت تخترق شهقاتها جسدها المرجوف قبل أذن الأخرى التي جلست جوارها تهدىء من روعة حالها في تعجب واستغراب ضربا عقلها، فألبسانها ألم القلق.
مال تلك الفتاة، أهي ممسوسة، أم مسحورة، ماذا طرأ على حالها؟! نوبات البكاء المتقطعة تلك التي راودتها فوق الخمس مرات خلال الدقائق المارة منذ ولوجهما الغرفة، وفي كل مرة تصمت ولم تتحدث وتمكث في خضم الشرود غريقة، أرجفت أوصال قلبها، وفي كل مرة تعود وتسألها في رجفة، تعطي نفس الجواب وهو الصمت.
مرت دقائق بسيطة على أخر نوبة بكاء راودتها، شرف خلالها الصمت ضيفًا ثقيلًا على الاثنين، الباكية تعيد شريط ذكرى لوم وعتاب تسببت هي فيهما، مما جعل علاقتها معه تنقطع_ كما هو متضح لها_ والثانية المستمعة المرجوفة حيال هيئتها التي لا تبشر بالخير أبدًا كانت كلما مرت دقيقة والصمت يزيد ثقله عليها في تفكيرها في ماهية ما يحدث ومدى غرابته، ورغم ذلك تركتها تتنفس الراحة بعد نوبات البكاء علها تعود لواقع هي فيه، وتجيبها.
_ "نورا" يا حبيبتي انطقي، قولي أي حاجة تطمني، تحسسني إنك بخير طيب.
لم تخلو نبرتها من اختناق أحدثه قلقها عليها، الصمت الذي داهاها، وهي شاردة طواله، زاد وتيرة القلق لديها.
هزت جسدها برفق وأعادت طلبها بصيغة أخرى:
_ "نورا"، احكيلي، فضفضي، اشكي، مين بس مدايقك، وأنا والله ما هسيبه في حاله.
توعدت لذلك المجهول الذي فرضت أنه تسبب في مضايقتها، جملة اعتادت منذ صغرها على الدفاع عنها بها، رغم أنها الصغيرة، وهي من تحتاج لعناية أكثر، لكن عقلها كان أكبر بكثير في الحنكة والنمو من الأخرى.
خرجت من خضم الشرود على هزة منها رفيقة، عادت إلى الواقع، أدركت أنها معها، لحظات كانت لازمة لتذكرها ما مرت به من نوبات بكاء كانت الأخرى شهيدة عليها، ولحظات أخرى كانتا الفارق في تحول حالتها جذريًا حين نطقت تواري عنها الكثير:
_ ما تشغليش بالك يا "شروق" أنا بس كنت محتاجة أفضفض بعياطي، وكان أقرب حد ليَّ أنتِ، أنا دلوقتي تمام، بس ممكن تسيبيني لوحدي.
عقدت في نفسها النية ألا تفصح عن السبب الحقيقيي، لكن شقيقتها كانت أذكى من أن تخدعها بكلمات معهودة، لذا فأصرت بقولها:
_ لأ يا "نورا" بعد الحالة دي، أكيد...
نظرت في عمق عينيها راجية لمَّا قطعت حديث شقيقتها:
_ ممكن بلاش نحكي دلوقتي، عاوزة أبقى لوحدي.
أمام رجاؤها خضعت، ورحلت تاركة قلبها هناك، شقيقتها الكبرى تعاني من شيء وهي لا تعلم، فكيف لها أن ترحل دون أن تخسر شيئًا؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ضوضاء تعم المكان، مصدرها صوت المكنسة الكهربائية المرتفع، التي تُوجه من قِبله في كل مكان على سطح غرفته، كي تقوم بعملها، وتسحب الأتربة من على السجاد وتعبق به بطنها.
_ أيوة كمان شوية لجوه، تحت السرير بقالة فترة ما اتنضفش، فأكيد في مصايب!
جز على أسنانه متوعدًا لها وهو ينظر لها شرزًا بينما تجلس على الأريكة أمامه تشرف على عملية التنظيف التي اشطرتطها عليه في مقابل ألا تفضح سره، ثم تحرك ممتثلًا لأمرها الذي ثار حانقًا يرفضه بغيظ، لولا تهديدها، لكان ترك الغرفة مبعثرة كما هي، لم يكن مضطرًا في حياته أن ينظف غرفته، اعتادت والدته على ذلك، وأحيانًا هي، لذا فكان الأمر عليه غير مُطاق.
انتهى من التنظيف تحت فراشه، ثم انتصب واقفًا، وأطفأ تلك الآلة متخلصًا من ضوضائها، وتركها في أحد أركان الغرفة وهو في طريقه إلى شقيقته التي أغلقت هاتفها فور توقف الصوت، مشت بعينيها في أركان الغرفة كلها تتأكد من أن ليس هناك أي مظهر عبثي، ثم تنهدت براحة ومدحته ما إن جلس بجوارها:
_ برافو يا بطل، الشغل عال العال، والأوضة كأنها حديثة التشطيب، يا بخت السنيورة بيك ياعم!
فور نهاية جملتها ذات المغزى، هتف بغيظ :
_ طب الأمانة يا سُكر، أحسن أقسم بالله أكون مكسر باب أوضتك وواخدها عادي.
_ عارفاك ندل وتعملها، مش محتاج تثبتلي يا..يا بتاع السنيورة.
ضغط على قبضة يده بقوة عاجزًا عن فعل ما يريد، تلك شقيقته الكبرى، كيف سيفعل ما جال بخاطره؟!
لاحظت اضطراب خلجاته حيال الغضب الذي يستعر به صدره الآن وهو يرمقها بابتسامة واجمة ممتعضة أخرجها غصبًا، فمازحته بقولها وهي تقرصه بخفة في وجنته:
_ يا اختي جميلة وأنتِ غضبانة، الغمازات هتاكل منك حتة!
ثم وأدت ابتسامتها وهتفت بجدية دون أن تسمح له بالثوران غاضبًا:
_ صورة صاحبة "شروق" بتعمل أي عندك على اللاب يا "عُمر"؟
_ وأنتِ مالك، وبعدين حد قالك تطلعي على خصوصية غيرك!
همَّ لينهض ويرحل فارًا من المواجهة، هو يعرف أنه مخطيء، ولكن هو أضعف ما يكون عن الاعتراف بخطئه، فأوقفته بكفها الذي قبض على ذراعه وهي تقول في هدوء:
_ أقعد واسمعني للأخر يا "عُمر"، لو ليَّ معزة عندك كأختك الكبيرة إللي بتسمع لكلامها وتحترمه.
استقر مكانه زافرًا بضيق، وقال في انزعاج:
_ تفضلي يا أخت، سامعك.
تنهدت بعمق، وتغاضت عن سلوكه الغير مرضي، عبثي، كعادته، ثم قالت بحكمة ولطف:
_ أنا عارفة إنك على شوق وبتعد الأيام لحد ما ربنا يجمعكوا سوا، وأنا عارفة إنك مش هتقبل أبدًا حاجة تبعد ما بينكم، وتخسرها، وأنتَ معروف بطبعك عنيد، لمَّا بتعوز حاجة، بتاخدها ولو هتحارب الدنيا، بس فكر للحظة كده إنك خسرتها فعلًا، حط نفسك في الموقف وشوف هتتقبل الشعور ولا لأ.
تجلى على خلجاته توترًا واضحًا، وفي نبرته الحانقة أيضًا حين قال:
_ انجزي يا "أمنية" وقولي كل إللي عندك وخلصي، أنا عاوز اللاب حالًا.
على نفس حالتها، في ثبات انفعالي، وقبول لاضطرابه، حاولت معالجة الأمر دون ضرر يحل على علاقتهما، فقالت بينما تنظر أمامها في مساحة الغرفة:
_ لسة متذكرة جملة قبل كده بابا قالها في نص كلامه لمَّا كنا بنحكي معاه عن طموحاتنا واحنا لسة في العشرينات، ومقبلين على حياة كلها أهداف وأماني بنخطط ليها، مش عارفة أنتَ متذكر ولا لا، بس أنا فاكرة.
جذب انتباهه طرف الحديث، فهدأت ثورته قليلًا، واستمع لإضافتها بانصات المهتم:
_ قال سعتها، عدم توفيقك للشيء مش شرط يكون هو مش ليك، احتمال يبقى سببه سوء سعيك ليه، أو سوء المحل نفسه. يعني ممكن نكون بنسعى بطريقة خطأ، بنعمل ذنوب في طريقنا، فبدل ما احنا نقرب أكتر من الهدف أو أي حاجة نفسك تنولها في الدنيا، بنبعد أميال، ومش بعيد نخسرها.
التفتت إليه بابتسامة بسيطة ما إن أنهت حديثها، ثم أضافت تنهي الجدال كله:
_ أكيد ما كانش قصدي أحشر نفسي في خصوصيات غيري، الموضوع كان صدفة، وجايز والله أعلم، يمكن تكون دي تدابير ساقتني إليها أوامر ربنا الخفية، علشان ألحقك من حاجة غلط، كلنا ممكن نغلط ونقع فيها أو غيرها، بس الفرق بين شخص والتاني هي سرعة التوبة، والاستغفار مجرد ما يعترف بالغلط، وأنا واثقة إنك هتدرك غلطك وتصلحة يا "عُمر"
ثم ربتت على ذراعه بلطف وقالت قبل أن تتحرك:
_ ما تزعلش مني بسبب العبط إللي حصل ده من شوية، كانت نيتي صالحة وربنا يشهد، وأنا أكتر حد بعد ماما نفسي أشوفك متغير وحياتك مظبوطة، في كل الجهات، أنا هقوم دلوقتي أجيب اللاب، وافتكر، لو عاوزها صح وبصدق نية، ما تخليش الطريق إللي دخلته يباعد ما بينكم أميال.
أنهت حديثها بابتسامة صغيرة، ثم تحركت أمام عينان تنطقان ندمًا وخجلًا على ما اقترفه منذ أيام طوال وهو منغمس في خصوصياتها على مواقع التواصل الإجتماعي، منشورات يقرأ، اهتمامات تميل إليها فيتابع، حتى وقعت تلك الصورة القديمة لها ولخالها في حفل تخرجها، كانت جميلة، سحرته تفاصيل دقق فيها كثيرًا وأمعن التطلع إليها؛ ملامح صافية، راضية، ترفرل كالأميرات في فستان يليق بها كأميرة من عالم ديزني هربت.
لم يستطع الصمود أمام رغباته التي طال عليه وقت الفوز بها، فلجأ لما لا يرضي الله العزيز كي يصبر نفسه، بقلب مريض لم يستطع مقاومة هوى النفس انزلقت قدماه بسهولة في وحل الذنب!
اختفى أثرها، واختفى معه أثر الندم على فعلته، والخجل منها، كعادته، بناوبه شعور لحظي بعد كل خطيئة، ثم ينهدم كل شيء، ويعود ناسيًا ذنبًا قد اقترفه، لذا فلم يسعفه أن يكمل الطريق ويتوب!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مفاجأة ظهور الماضي في حياتها كارثة كبيرة، وإنذاره بالعودة كارثة أكثر عتوًا، ما أخبله فكر فكرها، كيف لم تحسب حساب أن للزمن مهلة وسينتهي، إما بإغلاق القصص الغامضة التي تُركت مفتوحة تعيث فيها الأيام كيف تشاء من رياح تنفث فيها مُكرها وخباثتها المخطط لها، أو تُترك مفتوحة إلى أن يصل أشخاصها إلى طرف حقيقة يقودهم إلى غلقها، وفي كلا الحالتين هي المتضررة، لذا فأبرعت في نسج خيوط أفكارها وغلق كل نافذة تقود لخطر، ومن ثم لملمة أطرافها حتى لا تقع في متناول أيديهم، وتُفنى!
عواصف في عقلها هبت، وعاثت في أرضه خرابًا، خططها التي بنت، حصونها التي شيدت بواسطة طوب يُحفر على كل واحد قصة توارت بين طياتها طرف لحقائق مندسة ولا زالت إلى وقتها هذا، كل شيء تحطم، ورشقت زوابيع الخوف عقلها، فأبى التفكير إلا فيه وما حمله صوته من ذكريات سوداء يتجلى أثرها كأثار خطوات أقدام كبيرة أسود يفسد صفاء سبيلها، تلك خطايا الشر خاصتها!
أخرجها من شرودها صوت انبلاج باب المصعد بعد أن نقلها إلى الطابق القابعة فيه شقة 《زوزو》، لم تتحرك، ومكثت واقفة للحظات تعيد التفكير في قرارها، لم تريد قضاء سهرتها مع البقية في الأسفل، ودت لو تنفرد وعقلها أيامًا كي تحيك الخطط وتعيد بناء حصون حمايتها بعد أن أصبحت مجرد كومة تراب واهنة بفعل عاصفة تمثلت في صوته الذي لم تنساه ذاكرتها قط!
رغبة زوجة أخيها كانت الأقوى المسيطرة على قرارها، ولكي لا تشعر بتغيرٍ طرأ عليها، أذعنت دون رغبة، وتشبثت بأخر جرعة ثبات لديها، وذهبت حيث وجودهم برفقة المرأة العجوز التي تبغض هي وعائلتها الحمقاء تلك!
بطاقة مندفعة كمنت فيها توتر تجلى على هيئتها وخلجاتها، اندفعت والجة من باب الشقة المفتوح على مصراعيه، مما تسبب في قوة صدام بينها وبين جسد مقابل لها، يتجه نحو الخروج.
_ ما تحاسبي يا "سعاد"، مش شافياني قصادك طالعة!
قالتها وهي تربت على ذراعها الذي كان ضحية اندفاع الأخرى التي رمقتها من مقدمة رأسها لأخمص قدميها بنظرات التقط《سهير》فيهما شيء أثار بداخلها ثائرة غريبة جعلها تطيل النظر في خلجات تبدى لها أنها مضطربة للغاية!
لم تجيبها، وتركتها خلفها تقيم تفكيرًا عميقًا شغلها طيلة دقائق ذهابها إلى شقتها، نظرات تشع من الحدة فوتونات ترشقها، فيسري دبيب الخوف في شراينها، ومن ثم تغوص في غياهب لا نهاية لها إلا بسقوط مفاجيء يفيقها من أنعم فترات نومها، مهلًا، ما علاقة تلك النظرات بكابوسها المرعب؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تحت قيظ الشمس، وعلى بعد مترات متوسطة، كان يقف وهو شاردٌ فيه بعمق، ذلك الذي مكث على كرسي خشبي تحت مظلة كبيرة ذات مساحة سطح واسعة يقيم دراسة ومتابعة لخطة العمل وهو يتفحص أوراقًا على طاولة متوسطة الارتفاع والحجم تجاور كرسيه، وبين الفنية والأخرى كان هو يراقب العمال المنكبين على العمل في تنفيذ مشروع أخر على ذات المساحة الواسعة من أرض صحراوية في المحافظة الشمالية، وكانا المشروعين مشروعًا واحدًا_مجمع سكني مهني_ شرع الاثنين في تنفيذه.
لاحت في عقله ذكرى إنكسار عينيه ذات البريق الخافت، فتذكر نفسه وهو يصارع ألا يدوم ذلك الإنكسار الذي طال نفسه قبل عينيه اللتان في يوم من الأيام، فقدا بريقهما لفترة ظن أنها ستدوم، لكن فضل الله عليه أنقذه.
تراه لازال قابعًا في سبيلٍ مظلمٍ وطأت فيه نفسه بعد عاصفة ابتلعت جُل معاني الحياة فيها، وتركت زوابيع الخوف والقلق الطالان من وراء ستار الإنكسار في عينيه؟
أخرجه من شروده ذاك، صوت هاتفه في جيب بنطاله صائحًا برنة غريبة تفزع الجمع حوله إن كانوا، اعتاد على تلك الغرابة، فلم يفزع، تحرك متجهًا صوب نهاية حدود أرض صفراء
جرداء يفصلها عن أرض أخرى مثلها على الجهة الأخرى طريق أسفلتي من شدة الحرارة تلوح عليه ظاهرة السراب المماهة التي اختفت أمام عينيه ما إن وقف على حافة الطريق الفاصل بين الجهتين، وبدأ يلقي توجيهاته على المتصل:
_ خلاص براحتك، روح مشاويرك بيها، وأنا هروح مع الباشمهندس "أدهم" هو معاه عربيته.
أعطى المتصل ردًا بالموافقة، ثم ودعه، ولكن قبل أن يغلق، تذكر《بكر》شيئًا، فهتف بسرعة يستوقفه:
_ استنى يا "يحيى" لحظة.
_ معاك، قول!
_ مش هبقى رخم يعني لو تقلت عليك وجبتلي طلب معاك وأنتَ جاي؟!
لاحت ابتسامة بشوشة على شفتا الأخر الذي كان يجلس أمام مكتبه في الشركة، ثم قال بلطف أزال عنه الحرج:
_ مش رخم ولا حاجة يا سيدي، اطلب وعنيا ليك.
_ الله يخليك ليَّ يا غالي، عاوزك بقى تجيبلي.....
بدأ يقص عليه سيلًا من الطلبات التي يحتاجها أثناء قضاء وقته في ذلك الفندق، فهذا اليوم يتبقى الكثير على انتهاؤه، وهو ينسى بعد عودته من العمل أن يجلب احتياجاته الغير متوفرة في الفندق، لذا فاستغل الموقف.
انتهى بعد لحظات، وفي رحب صدر استقبل طلبه《يحيى》وقال برخامة صوته:
_ من عنيا يا "بكر"، هخلص كم حاجة في أيدي بسيطة، وهخرج بدري، وأبقى أعدي عليك، في رعاية الله.
_ في رعاية الله يا "يحيى" تسلم.
أنهى المكالمة معه، ثم أنزل الهاتف من على أذنه، وشرد في الطريق يتنهد بعمق، وخلال ذلك، وعلى بعد خطوات منه، لفت انتباهه ناقة تقترب منه محاولة قطع الطريق بثقل نتيجة لصدمة في قدمها لاحظها، وتجلى أثرها عليها في حركة عرجاء تعيق سيرها، كان سيتركها ويرحل، فما شأنه بها وقد تكون لأحد الأشخاص من قبائل البدو القريبة منهم على تلك الأرض الكالحة، ولكن سرعة سيارة قادمة من بعيد، جعلت الدماء تتدفق في عروقه بقوة ويسرع بطاقة كبيرة نحوها كي يزيلها عن الطريق.
لحظات كانت الفاصلة بينه وبين الموت هو والناقة التي استقرت تتألم على أرض صفراء مواجهة للتي يُقام عليها مشروع البناء المشرف عليه؛ كانت قوة سحبه لها هائلة أمام ضعفها، وبعرجة قدمها لم تستطع المقاومة، فسقطت.
وقف يلهث، محاولًا قلبه بوثبات سريعة أن يدفع قدر كافي من الأكسجين في عروقه، حمد ربه كثيرًا أنه نجى، ولعن ذلك المتهور سائق السيارة الذي لم يتهاون حتى مع حالتهما ويخفض من سرعة قيادته.
_ أنتَ ازاي تأذيها كده، حرام عليك!
وصله صوت أنثوي رفيع، تحمل نبرته بُحة مميزة جذبت إنتباهه، فالتفت على عجل يراها، فوجد فتاة ذات رداء أسود فضفاض، ترشقه بنظرات حادة، لم يستطع تبصر خلجاتها بالكامل وقد واراها برقعًا أسودًا ترتديه نساء البدو على حسب علمه!
اقتربت ذات الوشاح الأسود، وجثت على ركبتيها أمام ناقتها الضعيفة، وبدأت تمسد على ركبتها المصابة بلطف وعيناها تراقب هيئتها وتأثرها التي تشعر به بحزن تجلى في عينين حادتين النظرات، أيجتمع القوة والضعف في ذات المكان؟!
اقترب يطمئنها، قاطعًا على نفسه تفكير بدأ يلتهمه ما إن ظهرت تلك الفتاة أمامه:
_ أنا ما عملتش حاجة، هي بس كانت....
_ مش عاوزة أعرف!
رشقته بسهام حديثها، فأصابت السهام هدفها، ووقف عن إلاكة الكلمات في فمه، ثم وقفت أمام عيناه المصدومتين، وتحركت معها ناقتها واقفة كذلك بعد أن روضتها، وشرعت في الابتعاد عنه هي وخاصتها، وتركته في صدد دهشة أوقفت عقله عن العمل لدقائق قبل أن يعود لعمله الذي لم يمارسه بشكل جيد، أصابه الموقف بالغرائبية الجذابة، فغرق فيها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
نندم حين نكتشف في نهاية المطاف أننا خسرنا بغفلتنا وحماقة أفكارنا كل ثمين حولنا، وما أشقه شعور شعور الرجاء كي نعود إلى بداية كل موقف ونتخذ قرارًا ونمارس سلوكًا في عقلنا لم يقبع، رغم تكرار المواقف والفرص، إلا أن العزوف عنه كان سبيلنا.
قسوة الحال الذي عرفت به، كان أشد عتوًا من غرقها في صراعت اعتادت ألمها، فثقيل على الإنسان أن يصبح مدركًا لحالة مزرية كانت عائقًا في حياته وهو غارق في بحر الحسرات على ما خسر، وقتها يشفق على نفسه، ويُخنق بأيدي الندم.
يبدو أن انجذابها لإحدى نقطتي الصراع القائمتين على ساحة نفسها الآن اتضحت ماهيته؛ بداية فلت يديها من كل سبل تؤدي إلى معنى الحياة النابضة في جنباتها، وانعطافها عن شأن الواقع المرير لما فيه حسرة وندم قتلاها بأسهم حادة، وانسيابها شيئًا فشيء غارقة في دوامة ظلام لا نهاية لها، تحيطها أصوات اللوم والحسرة من كل جنب، فتقع لها فريسة، تصدق، ومع كل صوت يحمل بين طياته اللوم، تزداد عمقًا في الظلام مصدقة!
حالة ما أشقها حالة على الإنسان، حين تثقل أكتافه بأطنان الأحمال التي تعيق حركته في الحياة، تلتهم كل طاقته، فيصبح غير راغبًا بكل شيء سوى التحرر من تلك القيود المؤلمة، ولتعاسته، حتى هذه لم يجد طاقة كافية كي يفعلها، هذا داء أسود بدأ يلتهمها منذ أن وطأت سبيل المعرفة بذاتها، فاحترقت بنار اللوم والندم، تُرى إن كان المعرفة والتصديق بحال ذواتنا يجلب لنا الموت البطيء، فماذا عن مرحلة التحرر من كل سجون وضعنا فيها أنفسنا بطريقة ما؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الشك والخوف فيروسان لعينان، يصيبان العقل بجنون الصراع، ويوقفان القلب عن بث مشاعر حقيقية.
كما أن العقل تقوده أفكاره، فالقلب يخضع لسلطة أبالسة الخوف، وإن بفقد المرأ أهم بوصلتين في حياته يقودانه نحو سبل شتى بإرشاد، يضل السبيل.
هو أخطأ برفضه المعبر عنه بغضب، لكنه لم يخطيء في حماية نفسه، تلك الهجمات من البشر تبدأ بمثالية، ولطف، يجذبان المرأ بها، فيتوغلون في ساحة نفسه، يعيثون فيها حبًا وصدقًا مزيفًا، ومن ثم تتم أخر خطوة، وهي الهجوم!
لماذا يجب علينا أن نصدق كل من اعترف بصدقه لنا، ألا نكون بلاهاء بهذه الطريق، ألم نتعلم من الدروس الماضية أن العلاقات لا جدوى منها سوى العاهات المستديمة، سواء نفسيًا أو جسديًا؟!
كان يحرقه الصراع في عقله بشدة زادتها أشعة الشمس المتعامدة على رأسه المنهك كما حالته الجسمانية التي لا يهتم بها، كل كلمة كانت تتردد في عقله، كانت تنزل بسوط أثرها من مشاعر على كل عضلة في جسده فتؤلمه، لا يعلم أكان ذلك الصراع الدائم في كل مرة تعود ذكرى العلاقات وتخترق خصوصية حياته هي السبب في ألمه، أم حمة برد فحسب، ولكن لا بأس فكلاهما موجع!
_ ريس "حامد"!
نادى بصوت مرتفع جاهد في إخراجه على رئيس العمال الذين يقيمون على تنفيذ المشروع، فأسرع يدنو منه قاطعًا مسافة مترات تفصله على أرض صفراء كما أشعة الشمس في الغالب.
وقف قبالته بطول وعرض قامته، وهتف بخشونة في نبرته:
_ أمرك يا باشمهندس "أدهم".
_ وقف العمال خليهم يرتاحوا، أي نسيت وقت الغدا!
ألقى بأمره في حنق خفي من ذلك المهمل الذي اعتاد على تصرفات منه غير مرغوبة منذ أن بدأ تنفيذ المشروع وجمعهم العمل، ثم التفت كي يرحل، وقبل أن يدير جسده بالكامل، أوقفه صوت الأخر وهو يقول في ثبات وإصرار:
_ بس مش ده وقت الغدا، وحتى ما لحقوش ينجزوا شغل النهاردة!
التفت له وقال متماسكًا كي لا يفرغ غضبه على ذلك البخيل عديم الإنسانية:
_ وأنا قولت كلمة وتتنفذ، الكلام إللي سمعته ده ما ليش علاقة بيه، أنا ماشي بمباديء وعارف كويس بعمل أي.
نظر له في غيظ وغضب عبء به نفسه تجاهه، ذلك الشاب منذ أن عمل معه وهو غير مرتاح لتصرفاته ذات القيم والمباديء هذه. هتف في إذعان مرغومًا عليه:
_ أمرك يا باشمهندس.
ابتعد عنه، ومكث هو يزفر بقوة متخلصًا من طاقة سلبية تعددت مصادرها، خرجت زفرته كخروج الروح من الجسد، فتالمت كل عضلة في انحائه، وقف يضع كفه على رأسه عله يهدىء من صداع قرض رأسه بأنياب سميكة ضخمة، فتح عينيه ببطء ولم يجد سوى السواد أمامه، يسحبه نحوه وهو يسير في استسلام وجسد محطم للغاية، وفي غصون لحظات كانت الأرض الصفراء هي مستقرٌ لجسده الذي فقد طاقته، ووقع صريعًا لتعب تجاهله، فجمع أبالسته وتكالب عليه حتى افترسه!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman