بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل_التاسع_والعشرون.
تعافي_النفوس_الجزء_الأول.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ثمة حقيقة بجوفنا تغلفت بالانكار فاغشت عن عيون قلوبنا الإبصار، وعن عقولنا التعمق فيها والإرشاد صوب سبيلها.
لم يكاد يقترب والجًا إلى أعماق غرفته، حتى صدم مسامعه ثلاث كلمات كانت نهائية رأى في طياتها بداية لنهاية هو يبغاها رغم علمه بما سيحل على الأخرى بعدها. عاد خطواته الفاصلة بينهم، وعيناه مثبتتان على هيئتها المزرية وكأنها خرجت من صراع للتو كانت فيه هي الخاسرة!
كادت عيناها تزرفان الدمع، لكنها ولأول مرة تعلم كيف تمسك عليهما، لا تود حالتها أن تُكشف، والتي من الأساس هي أقل فهمًا لها بل وتخشى الاعتراف بذلك، فإن اعترفت، لم يسودها إلا العذاب، لذا فأرادت الابتعاد عن كل مؤثر يثير بركان جوفها الحارق.
أطبق عليهم الصمت للحظات، هو يتفرس خلجاتها الموارية لقرار حقيقي، ويقارن بينها وبين ما لقنته شفتاها، هو يعلم بماذا تقصد، ولكي يعيد مراقبة ردود أفعالها، سألها قاطعًا لحظات الصمت بينهم:
_ مش موافقة على أي بالظبط؟!
لماذا يُصَّعب عليها الأمر، هي بالكاد نطقت بهم منذ قليل؟! أجابته بتقطع في بداية جملتها:
_ م..مش، مش موافقة على كتب الكتاب ولا العلاقة كمان.
وبكل بساطة وهدوء ضرب بخيالها عرض الحائط، قال:
_ ماشي، اعتبري كل حاجة انتهت من دلوقتي، أهم حاجة عندي راحتك.
رفعت عيناها المحتجز بين جفنيهما الدموع، وقالت بصوت مهتز:
_ صح..صحيح! ط..طب..طب وبابا؟!
ربت على كتفها بحنو وأراح بالها:
_ ما تقلقيش سيبي كل حاجة عليَّ، أنا هتصرف، روحي نامي دلوقتي وارتاحي، وأنا آسف علشان حطيتك في ضغط نفسي طول الفترة دي وأنتِ كنتِ من البداية رافضة، وكان لازم أتصرف من سعتها وأريحك.
تراه قاصدًا إحراق جرح في نفسها جديد هي بيدها من اقترفت فعله؟ ءأراد القذف بها في أعماق مظلمة هي نفسها تخشى الغوص فيها بل وتضطرب جنباتها حتى تكاد تُزهق روحها؟ لماذا فعلت هذا؟! فهي لم تكن كما تظن، بل كانت في حرب على ساحة قتال بينها وبين نفسها، خرجت منها بهزيمة تغلفت بالنصر!
خرجت من غرفته بعد لحظات ترمقه بتردد، لكنها جمعت في النهاية شتاتها وأُوهمت بشفاء أعطابها وسكن جلباتها وسارت لا ترى في دربها سوى راية انتصار تعصف بها رياح عاتية لم تهتم بإنذار سقوطها، لأنها فقط رُفعت وهذا ما انتشلها من براثن صراعها!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تفرق النجمتان عن بعضهم، وتاهت إحداهما في سماء واسعة، يحيطها الظلام من كل جانب لما ابتعدت واختارت الفرار لتبقى وحيدة، في أمان بعيدة عن شظايا الشهب المنيرة !
لم تطيل النظر في صفحة السماء لما عادت ترمقها متأملة تزيل تلك الدقات الخانقة التي دبت صدرها فور خروج ثلاث كلمات كانت نهائية وفريضة على نفسها، وأغلقت النافذة بضيق، لا تود رؤية السماء ولا نجومها، يكفي عقلها ورسمه للقصص، هذا ليس وقته، وتسللت إلى فراشها تلتمس النوم كي يطول جفونها، ويريحها من التفكير في ثلاث كلمات نطقت بهم، وتعيش في ركنها الأمن الذي لجأت إليه هانئة، بعد حرب فرت منها هاربة وقد هزمتها أفكارها، فهل الهناء والهزيمة يجتمعان في قلب واحد؟!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
مضت ساعات تتقلب خلالها على فراشها باحثة عن موضع راحة يلهم لجفنيها النوم، لكن يبدو أن عقلها الواعي تأهب رافعًا سلاح الأرق ليواجه عدوه اللدود المتمثل في كابوس مزعج، فانقضت معظم ساعات ليلها مغمضة الأعين، مستيقظة الحواس.
_ صباح الخير يا ماما.
أخرجها ذلك الصوت من براثن شرود مظلم، سبحت خلاله في ظلام كابوس غريب، لا تعلم ما غرض ذلك الوحش ليطاردها، وعلى ماذا ينم، يبدو أن هروبها وتصنعها الراحة والسعادة، سينقلبان على حياتها ويلبسانها رداء الموتى ويقدمانها قربان لمشاعر مدفونة، فتصير ضحية بين براثن عقلها اللاواعي وما خُزن به.
تهللت ملامح وجهها وهي ترى ذلك الوجه الصبوح بينما ترد على صاحبته بحنان وقبول:
_ صباح النور والياسمين يا قلب أمك، تعالي بقى الفطار مش هيحلى من غيرك.
اقتربت《حياة》تعلو شفتيها ابتسامة هادئة، واتخذت مقعدًا بجوار والدتها تجلس عليه، وشرعت في تناول الطعام أمامها، لاحظت الأخرى أنها عادت لعادتها القديمة، تتناول فطورها بنهم، هذا ما لم تصدق أنها ستعود إليه يومًا ما بعد فترة ظلام على حياتها تعدت السنوات.
علت شفتيها ابتسامة راضية، ربما سرورها برؤية تحسن حال ابنتها أخرجها من دوامة غرق مظلمة كانت تغوص فيها منذ لحظات، أو أيام! فقد كانت لرؤيتها متحسنة الحال وقع السلام على نفسها،برؤيتها جانب النور المزيف، متغافلة عن جانب مظلم تزداد فيه الأخرى غرقًا كل يوم، بفعل أعاصير تموج في نفسها تبذل مدى جهدها كي لا تأبه لها، متخذة ركنها الأمن ملاذًا.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
بعض الذكريات تأتي دون سابق إنذار، تحملها نسمات لرياح ماضية، تهب ما إن نفتش نحن دون قصد عن أثرها في عقولنا.
جلس إلى طاولة الطعام يتناوله في سكينة ووالدته وشقيقته يشاركانه ذلك منذ دقائق متوسطة انتهت للتو باستعداد شقيقته كي ترحل حيث عملها الجديد، وهو تحفيظ القرآن في دار قريب من بيتهم، بحثت كثيرًا على ذلك التطوع الذي أرادت المشاركة فيه، وأخيرًا وجدته وأشارت على أخيها بقرارها فوافق بغبطة حينها وقبله في جبهتها داعيًا لها بالخير والثبات على ما امتثلت لتأديته من تحفيظ الصغار والمراهقين آيات الله.
اقتربت منه وهو يقف بالقرب من الطاولة ما إن انتهت ووالدتها من تنظيفها وهو أيضًا معهم، ثم فاجأته بقبلة على وجنته وقالت في عفوية قبل أن تنسل بنقابها على وجهها ليغطيه بينما هو يرمقها مبتسمًا في سكينة:
_ دي قبلة الوداع بقى، وسلام علشان ما أتأخرش، ادعيلي، سلام يا ماما.
على صوتها في نهاية جملتها حتى يصل إلى الأخرى القابعة في المطبخ تعد الشاي لها ولأبنها، حتى يصلها، فاتاها وهو صوتها مودعة بكلمات تتغلف بالرشد والنصيحة والدعاء بالتوفيق.
ثم رحلت من أمامه تلك الصغيرة التي لم تتخلى عن عادتها حين تولى هو مسؤلية الأبوة نحوها، وصارت لا تنسى قبلتها كل يوم، تجد فيه حنان الأب الذي حُرمت، والسند الذي هوى، فاتخذت منه بديلًا لكليهما، وهو امتثل لذلك بقبول واهتمام وأصبح لها أبًا.
صدح صوت رنين هاتفه، فتحرك صوب شرفة المنزل يستنشق نسمات الهواء الصباحي المنعش، رد السلام على خليله《يحيى》الذي أكمل معتذرًا له بحرج :
_ نحن نأسف يا شيخ "بلال" على هذا الفعل، ما كنش ينفع أسيبك تكلم نفسك وأروح أنا في جولة مع أحلامي!
تبسم بخفة وأزال حرجه الكامن بين طياته المرح:
_ لا ولا يهمك تعيش وتاخد جولات براحتك وأنا أكلم نفسي.
على الجهة الأخرى علم أنه يبادله المزاح، فابتسم بخفة وصمت لحظات قبل أن يقول متذكرًا ما غاب عن عقله:
_ صحيح كنت نسيت أقولك، "كريم" بيسلم عليك وشكلة نفسه يشوفك أوي، قال من أخر مرة وصداقتكم مع بعض وكل واحد ما شافش التاني، ابقى كلمه علشان متوحشك أوي.
حملت رياح اسمه ذكرى عنه ماضية فشرد لحظات يتذكر أحلامًا عنه مغادرة، كم كان يحلم حينها، كم كان يخطط لأجل حياة غير هذه، كم كان في غبطة رغم توغل حالته وأسرته في وحل الفقر، لكن في النهاية حدث ما حدث وانتشلت العاصفة جذور أحلام يانعة، وحُبس على إثرها بين جدران مظلمة فى دنيا أُناسها غير عادلة!
تاه في ظلام الماضي ولم يعود إلا على صوت خليله الذي توقف على إثر شروده عم قيادة سيارته، ظن أنه حدث له سيئًا، فلم يسمع حتى صوت أنفاسه! عجيب أين غاب عنه لدقائق؟!
طمأنه عن حاله مرارًا وتكرارًا وقد شغل عقله الأخر بأنه عاد يتذكر ما مضى من أسى فغم الحزن عليه وصمه عن الحديث، فقلق لشأنه، لكنه ارتاح بصوت هاديء لا يحمل في طياته سوى كل الرضى، وشيء من الغبطة المزيفة التي يميزها في خليله عن غيرها، ثم لحظات وأغلق معه الهاتف حتى لا يتأخر كليهما على أعمالهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ما يحسب المرأ نفسه أنه على الطريق الخطأ، إلا حين يُصفع بعقاب يفيقه من غفلته، ويلتمس في أثره الحلول!
التزم الصمت متحاملًا على نفسه ألم جسده الذي حل عنه المخدر، إبر لازالت أثر غرزها في جلده حيث جرح جانبي في رأسه عميق، وكدمات توجع في معظم أنحاء جسده إثر السقوط المندفع، ويسراه المثقل بجبيرة تزيد من ألم عطبها. لم تشغله أوجاعه، بقدر كبير يجعله ينسى ما أهم منها، ظل مستنفذًا جُل طاقته في شريط تفكير متسلسل يقوده نحو الحلول المسرعة، لينتهي به المطاف حيث الهدف، ولكن هل الهدف يُحرز بمجرد إرادة تنبع من أعماقنا فقط دون حركة ومراواغات ؟!!
جاءه البِشر ما إن اتصل به مدير مباحث المخدرات الذي وكله بتلك المهمة السرية السابق التحري فيها ولكن باءت جُل تحرياتها بالفشل، ولن يصل وممن سبقوه إلى مرمى يحجب عن أعين خبراء مثله الرؤية بوضوح دفاع خفي تمثل في حِنكة تلك العصابة، فلم يستطيع أن ينسل بينه كي يحرز هدفه.
وصله صوته الجوهري الذي خيب جُل آماله بعتابه البادي في حديثه:
_ أنتَ خيبت ظني يا حضرة الظابط، لا ده تصرف ينفع في مهمة زي دي كلفتك بيها علشان تثبت جدارتك، ولا دي حلول تناسبها، التسرع واستغلال أي هجمة وخلاص في وشنا، عمرها ما هتصيب هدفك، ولا عمرك هتوصل لحاجة طلاما التسرع راكب عقلك، المهمة حاليًا توقف التحري فيها إلى حين أخذ المشورة وتكليف ظابط تاني غيرك، ترجع بالسلامة يا حضرة الظابط.
لم يترك له مجال ليستعطفه حتى، ويلتمس منه السماح، نعم هو حديث في العمل، ولا بد من أن يتعلم كثيرًا من أخطائه، وهذا ما يقيم على فعله، لكن ليست العقوبات تنهال لمجرد بداية محملة بالأخطاء!
يمكن أن تكمن الدروس في طيات العقوبة، لذلك لا بد أن نتمسك بإرادتنا مهما طالنا الفشل، هذا ما توصل إليه، هو شغوف ومثابر، ويود إثبات نجاحه في مهمة أقسم على نفسه أنه لن يتركها، فهل سيحيل ذلك القرار بينه وبين مراده؟! هذا ما يعيق طريقه.
ما كاد أن ينفِّس عن صدره حمل يأسه بسبب ما حل عليه من عقاب، حتى أتاه صوت طرقات على الباب قبل فتحه، مما جعله يتأهب مواجهًا الزائر، الذي ظهر أمامه بابتسامة مرحبة اختفت قبل أن يبادر بسؤاله بعد أن اطمأن على حالته ما إن اقترب منه وجلس جواره على مقعد جذبه ليصبح مجاورًا لفراشه:
_ عقلي من امبارح مش مبطل تفكير فيك، لذلك جيت النهاردة أنهي كل صراع جوايا، وأسمع منك بكل واقعية اي المبرر إللي يخليك تتنازل عن حقك التعويضي في القضية، وتطالب بقفل ملف التحقيق، رغم إنك كنت ممكن تموت، سبب واحد بس يريحني؟!!
ما كان يحسب أنه بذلك الفعل سيفتح على نفسه بوابة تساؤلات فضولية لا لزوم لها في اعتباره، ويتوجب عليه البقاء وقت إضافي يعطله عن معضلات في عقله يريد فكها بالحلول، ويقص عليه كل شيء بالتفصيل.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
أحيانًا الأخطاء تحدث في غفلة عنا، ونحن قد نظن ما غُلفت به أفعالنا وكلماتنا من صواب حقيقي، قد نرى من جانب ما أننا على صواب ونستمر في سلك سبيله، ونحن في الحقيقة نتمادى في اقتراف الأخطاء.
وقفت على مقربة منها تودع أطفال شاركتهم ساعات السكينة وهي تحفِّظهم آيات القرآن الكريم، تميل بجزعها تارة تحتضن فتاة وتقبلها بعد أن طلبت منها ذلك أثناء توديعها لها، وأخرى تبقى فيها واقفة تنتظر خروجهم جميعًا ملوحة لهم بكفها وابتسامة بشوشة، حتى عودتهم بين أحضان أهاليهم يستقبلوهم قبل العودة لمنازلهم، والتي بجوارها كانت تتابع مثلها أيضًا، فتلك مهمتها، الإشراف على إدارة المكان وتنظيم الحصص ومواعيدها.
رمقتها بطرف عينيها من فوق كتفها بنظرات خاطفة قبل أن تخفيها سريعًا، لكنها اصطادتها وفهمتها، عتاب غلفه رجاء في التنازل عن قرار لا تعلم ما شأن الأخرى فيه، هل ترى ما لا تراه هي، هل تفهم ما لا تفهمه هي عن نفسها؟!
خلى المكان إلا منهما ومجموعة في إحدى الغرف لازالت تدرس الآيات برفقة معلمة جديدة غير التي رحلت منذ فترة قصيرة، لم تتحدث معها وتركتها ونظراتها المستفهمة والجة الغرفة الخاصة بالمشرفة والتي هي نفسها من تركتها، كي تمضي رحيلها كما فعلت عند حضورها، نظام يشبه المدرسة، فلم تجد بدَّ من ملاحقتها وإنهاء تلك الحرب الصامتة بينهم.
جلست أمام مكتبها على كرسيها الخاص الذي يقابله اثنين شغلت صديقتها أحدهم منشغلة بعدة أوراق تخص غياب الأطفال وحضورهم، تتصنع أنها ليست متفرغة.
طردت الصمت أخيرًا، وحل صوتها المتسائل بيأس:
_ "شروق" كفاية، أنا مش هوى علشان تتجاهليني كده.
لم تجيب عقابًا على قرارها الغير مسبق طرحه حتى عليها، صديقة مقربة أوليس كذلك، ولكن كيف وهي أخر من يعلم. أضافت مجددًا بقوة:
_ "شرووق"!!
_ أيوة مش هوى، بس بعد كم يوم مكانك هيكون هوى بعد ما تمشي وتسيبيني يا هانم، وأنا أخر من يعلم.
انفعلت معاتبة ما إن التفتت تطالعها بحزن في عينيها، لماذا لم تخبرها؟! ولماذا تريد البعد، فحتى لو كان ذلك من أجل دراسة اعتادت على جعلها حجة في كل مرة يدق بابها طالب وصال، تفر إلى حجتها، وهذا ما استغربته وضايقها بالإضافة إلى أنها أخر من يعلم بسفرها خارج مصر.
_ وأنتِ شايفة إنه ده سبب علشان تقعدي بالأيام مش بتكلميني.
شعرت بلفحة لوم تمس خلايا نفسها، فاستشعرت ألم حارق بشدة! كيف فعلت هذا واسترسلت في فعله، يبدو أنها غفلت نتيجة حزنها، وارتكبت ما لم يصح اتجاه نفسها العاملة على تقويمها.
اعتذرت بصدق في نبرتها:
_ أنا آسفة، ما كنش ينفع أعمل كدة فعلًا، معلش ما تزعليش مني أنا والله ما أقصد حتى و...
قطعت استرسالها في الاعتذار المبالغ، وأوقفتها بلطف:
_ ملوش لزوم ده كله يا "شروق" أنتِ أختي الصغيرة ومفيش زعل ما بينا.
ابتسمت لها بامتنان قبل أن تأخذ لحظات تعيد ثباتها المهدر إثر اللوم لنفسها، وسألت بعتاب:
_ برضه مُصره على إللي في دماغك يا "أميرة"، لازم يبقى في بعد علشان تحققي أحلامك، طب كنتِ خليكِ هنا في مصر حتى.
نظرت لها بحيرة تجلت في سؤالها المقابل لسؤال الأخرى:
_ بعيد عن إني بصراحة لسة ما قررتش وإللي قالك سمع نص الحقيقة، مش معنى إنه نتيجة المنحة ظهرت وتم قبولي يبقى هروح، لسة في إجراءات تقديم زي ما أنتِ عارفة، بس أنا نفسي أعرف أي مدايقك في سفري، وأنتِ عارفة إنه ده حلم من أحلامي؟!
_ لأنه ده مش حلمك يا "أميرة" لو كان فعلًا كنتِ استمريتي في طريقك ليه، مش كل فترة معينة تهب الحجة دي على لسانك، سواء هنا وبرا مصر!
واجهتها بالحقيقة التي تخفيها عن الجميع، كيف علمت تلك الصغيرة، يبدو أنه انكشف كل شيء.
أشاحت ببصرها تتجول الغرفة بعينيها وكأنها تستعلم كم عدد أركانها، متنهدة ببطء أثر إضطراب بدأ يتجلى، ثم أجابت باقتضاب ما إن عادت من جولتها تضع بصرها على كل شيء أمامها عدا الأخرى، تتجاهل النظر في عينيها:
_ مش حقيقي يا "شروق".
_ لأ أنا عارفاكي ومستحيل يخيب ظني، أكيد في حاجة مخبياها عني.
_ لأ يا "شروق" ما فيش.
توغلت في الكذب أكثر متحاملة على بطنها وجع بدأ يتسلل وهي تربط ذكرى الأخر الذي طلب الزواج منها《عُمر》عن طريق حديث دار بين والده وخالها، فتحججت هي وعلقت الطلب لحين الانتهاء من الدراسة المقبلة عليها، بتلك الظنون التي تتحدث عنها الأخرى.
لم تتركها وشأنها إلا حين تعترف بمعضلتها كي تساعدها، لكنها لم تلاحظ على نفسها أنها تضايق الأخرى بأسلوبها حين أصرت:
_ في أكيد، دي مش أنتِ إللي أما أعرفها، لو خايفة من حاجة قوليلي يا "أميرة".
لان صوتها في نهاية جملتها المقرة بوجود شيء تخبئه الأخرى في جوفها عنها، أما الأخرى ما إن زاد وتيرة الألم في بطنها حدة، تجلى الغضب الثائر يوقفها عن ألمها لها:
_ خلاص يا "شروق" قولت ما فيش افهمي بقى!
وما إن أنهت جملتها حتى خرجت مسرعة لا تعلم الأخرى لها طريق، ولم يخطر على بالها أنها لجأت إلى المرحاض لتنقذ نفسها قبل أن تُفضح! ، ومكثت هي يكيل عتابها فوق عاتقها ثقلًا لما اتضح لها أنها لم تراعي سلوكها وتستخدم أخر حتى تصل لهدفها، فأُسرت بين براثن الندم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
إحدى معضلاته التي كانت تشغل عقله بالنقب عن حلٍ لها، ها قد انفكت عقدتها وزال عن عاتقه هم بسيط كهذا من الممكن أن يلهيه عن خططه المقبل على ترتيبها والسعي في سبيلها، ووجد أخيرًا ملجأ يريح فيه عظام جسده المحطمة إثر حادث مروع، ويخلو وعقله في سلب أغوار باقي معضلات واستفهامات في عقله.
لم يصدق أنه تخلص من ذلك الرجل الذي كان كمصدر إزعاج في حياته منذ فترة بسيطة أصبح فيها كالذبابة التي تزعج من حولها بصوتها المزعج وكثرة ترددها عليهم بإصرار على ذلك، أصاب رأسه بالصداع المؤلم وهو يذكره كل يوم، لم يترك يومًا واحدًا إلا وحام حوله بطلبه المتجلي فيه الطمع بل وعدم تملكه لسلوك مهذب، حين ظل يتردد عليه ويذكره بأن الشقة ما عاد يود استمراره في تأجيرها وذلك قبل نهاية الشهر ودفع الإيجار الجديد، وذلك لسعيه إلى تحويلها والشقة التي تجاوره إلى دار طباعة صغير بشراكة مع أحد أقاربه.
تنفَّس الصعداء ما إن دلف البناية برفقة《مصطفى》الذي كان يترقب خطواته بحذر إن كان يريد مساعدة بينما هو يتحرك صوب المصعد معه تقوده عصى تستقر تحت إبطه الأيمن متحملًا بجسده عليها كوسيلة دعم بديلة عن قدمه اليسرى المصابة. توقف يريح ذراعه، فاقترب منه الأخر وقال:
_ بس كده يا "عدي"، أنا هكمل معاك باقي المسافة، وهوصلك للشقة.
لم يرفض هذه المرة ويقف بعناد أمام مساعدته التي رفضها من قبل مقرًا في نفسه أنه بصحة جيدة! لم يستطيع قبول أنه عاجز يريد مساعدة من الناس أبدًا، فهو يرى أن نفسه ومعها الله ترعاها، فلا حاجة للجوء لطلب مساعدة من أحد، هذا ما تعود عليه منذ أن كان صبيًا وتُرك في مهب الريح فجأة وحيدًا، وأخذ في قرارة نفسه أن يقف صادًا الرياح بنفسه ونجح، لذا فلا حاجة إلى المساعدة.
أذعن لطلبه ليس لأنه عاجز ويحتاج مساعدة، بل لأنه احترم طلب رجل أكبر منه لا أكثر، فأراد أن يريح ضميره المضرم على مساعدته، وسار معه مستندًا على ذراعه، وباليد الأخرى كان يمسك العصى، وبينما هم كذلك إذ بالأخرى تدلف عليهم ناطقة تحية السلام على خالها الذي تبين لها للتو أنه برفقة أخر لم تراه قبل دلوفها وقد حجبه عنها أحد أجزاء البوابة الحديدي المغلق.
تعلقت عيناها على صفحة وجهه دون قصد لمّا فاجأها بالتفاته يرمق صاحبة الصوت بينما يرد السلام عليها، وخالها أيضًا، لم تطيل الوقوف كثيرًا خاصة أن الشاب وقف يبادلها نظارات التعجب، من الذي من المفترض عليه أن يتعجب، هو أم هي، وهي التي تقنط في البناية وهو الغريب؟! اغتاظت من طول نظره إليها وهي ترمق خالها بنظرات حملت في طياتها التساؤل الذي لم يقابلها هو سوى بابتسامة مقتضبة رحلت بعدها من أمامهما على الفور، وأكملوا هم طريقهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الإنسان بطبعه ضعيف، ما إن يستسلم لفكرة يقلق لشأنها في مستقبل بين يدي الله العزيز، يهلع، أو ربما تُثار في نفسه ثائرة تتجلى فيها حقيقة سجيته المواراه خلف قناع مزيف!
إلى طاولة متوسطة الحجم يلف حولها كرسيان، جلست وهو محتلين فراغ الكرسيين منذ ما يقرب الدقائق البسيطة، في موعد اتفقا عليه واستأذن الأخر والدها، معوضًا الأخر الذي أُلغي بسبب مرض والدته.
طلب لها خطيبها مشروب وله أيضًا خلال تلك الدقائق الماضية، التي حل الصمت بعدهم ما يقرب اللحظات البسيطة قبل أن يشقه الأخر مبادرًا ببداية الحديث الذي لا يود الخروج من كلايهما إلى بعضهما، ربما لم تألف الحروف بعضها! :
_ تحت بند المشاركة بالأفكار يعني، أي إللي بتحلمي بيه يكون في المستقبل كونك زوجة وأم فيما بعد، وأكيد في عندك أهداف مقررة تحققيها في علاقة بدايتها كانت بالموافقة على طلبي.
بقدر ما لديه من فكرة ووجهة نظر يود سماعها عن علاقة مصيرية كهذه، صاغ جملته وانتظر لحظات كي تجيبه، فكرت خلالها في الأمر مليًا، ثم أفصحت:
_ مم...ممكن يعني الأمان ليَّ ولأطفالي فيما بعد، هو أنا مش فاهمة أنتَ تقصد أي بأهدافي، بس معرف زي أي حد عاوز يتجوز ويستقر في بيته التاني في أمان.
بدت له أفكارها سطحية بشكل ما، لكنه لم يلتفت كثيرًا وقد جذبه تعبيرها العميق وهو الأمان، فأنارت عقله فكرة وطلب منها أن تفسر له بينما هو يستمع بتركيز:
_ وهو اي الأمان بالنسبة لكِ؟
في تلك اللحظة، اقترب النادل يضع أمامهم المشروبات المطلوبة، مما عطل سير حديثهم للحظات، وما إن اختفى أثر النادل ومن دون تفكير عميق، أجابت:
_ أمان يعني وقاية وحماية من أي ظروف مفاجأة هتأثر عليَّ وأبنائي سواء نفسيًا أو ماديًا.
_ زي أي الظروف دي؟
_ يعني تدهور حالة اجتماعية أو صحة نفسية ودي من البداية لازم نتحقق منها.
بدأ شيئًا فشيء يلتقط شعلة فكرها السطحي، هي تخشى إذن الظروف وعدم الاستقرار الحياتي، ولكن إن كان هذا بيدنا، هل كنا سنتردد في منع حدوثه؟!
عبر عن رأيه بلطف:
_ بس يا "منة" ده شيء بيد الله في المستقبل، والظروف ما نقدرش نمنعها من إنها تتبدل لأنها بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، أما بالنسبة للصحة النفسية فدة حقك إنك تختاري على أساسة، لأنه شيء مهم في العلاقة.
بتضاد شامل لما يفكر فيه الأخر، قالت:
_ وده ما يمنعش إننا نحسب حسابنا لمستقبل جاي، نقدر بخططنا وحساباتنا نقف قصاد أي مشكلة ممكن تحل على حياتنا في المستقبل ونمنع التدهور ده يحصل، يعني ما نكونش في البداية ساكتين ويادوب بنحسب حساب يوم عايشينه، ونيجي قدام أقل مشكلة في المستقبل تواجهنا ونقع ونقول في الأخر ياريت أو حتى نلوم ونعاتب، ده أهم حاجة عندي بصراحة وأكتر شيء بيدي معنى الأمان لبنت حابة إنها تستقر في بيت جوزها.
صمت ولم يكن للجواب سوى الصمت، ماذا يقول وقد أقنعته بمنطقية أفكارها إلى حد ما، ولكن هل قصدت بحديثها عنه؟! أم أن ذلك الشعور الناتج عن ظنه بأن الحديث ملائم لظروفه وحالته الاجتماعية الغير مستقرة؟!
_ ماشي يا "منة"، ربنا يوفقني وأقدر أوفر لك الأمان، هو إللي بإيده كل حاجة واحنا ما علينا إلا لندعوا.
أنهى جملته قاطعًا استرسالها في حديث ليس له نهاية، هي لم تقتنع بما يود شرحه لها، وأيضًا لم تكف عن الإصرار على رأيها المحمل ببعض الأخطاء رغم منطقيته، ثم شرد بعد أن شرب من الكوب قليل من العصير أمامه، وأعاده مجددًا حيث سطح الطاولة.
أما هي فنشبت نار القلق تنهش صدرها، من فكرة بدأت في عقلها تتشعب إلى أن تصير مجرى رئيسي لأشارات تدفع بها نحو سلوك ما في نهاية المطاف، لم تفصح بما في جنباتها يتوارى عن أسئلة كثيرة حول عمله وكم يغتنم بواسطته من مال، كي تقيم خطة في عقلها وتحسب ألف حساب لمستقبل مبهر من حالة اجتماعية آمنة تود توفيرها لها ولأبناءها، هذا فقط ما رأته في العلاقة من أهمية!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
لماذا يظن البعض أن معالجة الأمور بالهروب تُجدي، أوليس هذا ضعف خفي لم تبصره القلوب؟! تراه يتوهم أن الحل بين طياته يقبع، أم أن المواجهة كانت عليه صعبة؟!
في ظنه أن البقاء هو الضعف، مستندًا بذلك أنه أسوأ الحلول، فهناك بعض الخطايا يستحسن رجمها بالابتعاد، هو يعترف بأن عقده المدركة بالنسبة له، عقله وما يدليه عليه من سوء هي منبع الهم والذنوب التي تغرقه في ظلام لا رجعة منه، لذلك كان قوي القرار في نفسه.
كان يضع اللمسات الأخيرة على إعداده العدة لأجل سفره، في غرفته رمادية الجدران مع لمسات من اللون الأبيض الكاسي لأثاث غرفته، كان يتأكد من أنه ضم كل مستلزماته المهمة في حقيبته والتي ستكفيه لبقاء شهوره بعيدًا عن منزله، بعيدًا عن أحبائه، حبًا لهم وخوفًا عليهم المساس بسوء، أوليس الحب قربًا، من أين جاء بتلك ابتعادًا في قاموسه؟!
البعد في اعتقاده ملك الحلول لجُل مشاكله وصراعاته، بدلًا من أن يختار مواجهة دوافن نفسه القابعة في أعماقه ويعلم بها، دفع بها سببًا ليبتعد، وسار عليها دربًا لا ينتهي! هو لا يعلم أنه بذلك يزيد الأمر سوءًا، بل والحل الذي اتخذه مجرد سراب!
حرك بكفه مقبض باب غرفته بعد أن انتهى من مراجعته لِما تحويه حقيبة سفره حتى يتأكد بأنه لم ينسى شيئًا، ثم خرج وقبل أن يولي ظهره مبتعدًا ويغلق بابها، التفت مستديرًا يلقي نظرة مودعة على غرفته وموطنه الثاني!
_ ما تخافش مش هاخدها، أنا بس هبرطع فيها براحتي عبال ما تيجي.
خرج من تعمقه بنظراته على صوت شقيقته التي تفاجأ بوجودها وحديثها الذي يثير غيظه، وهي تعلم بذلك، رد محذرًا بكلماته وسبابته الملوحة أمام مرأها:
_ إياكِ يا "روان" تعملي حاجة فيها، أديني بقولك أهو.
بابتسامتها المتهكمة التي لا تراعي صغيرًا كان أمامها أم كبيرًا، لوحت بكفها قبل أن تتركه وتعبر الطريق منصرفة صوب جبهتها:
_ يا عم روح هي كانت المتحف الملكي، خليهالك حتى لونها مش مناسب، رمادي، اي اللون ده!
بالطبع هي لم تلتفت إلى لون بين أبيض وأسود يقع، متزن وغير متزن! كحاله. لكنها ما تحب سوى الأسود، فقط، كما يماثل دواخلها.
تحرك تباعًا لها بعد أن أغلق غرفته، واتجه صوب غرفة المعيشة يودع والدته، تلك التي لم يجدها يومًا متفراغة كي يقضي معها وقتًا هانئًا بين أم وابنها، وكما توقع وجدها منغمسة بضحكاتها مع إحدى صديقاتها على الهاتف، ولما دلف ووقف دقائق ينتظرها تنهي المكالمة أو حتى تنتبه لوجوده، ألقى وداعه باقتضاب ورحل.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ولمَّا كان الوداع ثقيلًا، أدرك أن الافتراق عذابًا، تُبتر فيه الروح عنوة بعيدًا عن أنفاس المحبين.
اتخذ من الأريكة حيزًا بجوار روحه الحنون، تلك التي عوضت حنان والدته التائه عن سبيل قلبه، لم يرتشف منه إلا قليلًا وإن كان مزيفًا، انشغال يتبعه نسيان أنها لديها ابن يحتاج لمصاحبتها يومًا ومشاركتها حديث طويل يتباين بين الشكوى والمرح والشورى في أمور مختلفة، كأي ابن يتخذ من من قلب أمه ملجأ يفر إليه حين تثقل عليه الكلمات في جوفة، فيجد الصُحبة التي يُنصت إليه فيها.
ربما لم يمر على بالها قط أن الأمومة تعني في أحد تعاريفها، توزيع الحب والحنان على أبنائها والاهتمام لشأنهم ولو قليلًا، لا إلى حد الإهمال، لذا فلم تحسب حساب سوى لرعايتهم من حيث الاحتياجات المادية، ربما هذا ما أبرعت في تأديته، لكنها لم تدرك أبدًا أنها بتباهيها بابتسامة الجميع لها وعلى رعايتها لأبنائها والفخر بهم أمامهم بمظهر وعلم لا يساويان بشيء في نفس المرأ وأعماقه واحتياجه الحقيقي، خسرت أبناءها معنويًا وبقي الجسد واللقب تفخر بهم، أما النفس فتاهت في غياهب الجهل بحالها وأي صورة هي الحقيقة، في عين أمه أم في عينه التي لم يرى بها نفسه أبدًا؟!
_ انتبه على نفسك يا حبيبي، تاكل كويس، ونام كويس، وحاسب على نفسك من الشمس وأنتَ شغال ساعات النهار، أنا هخلي العاطل إللي جمبك ده يتصل بيك كل يوم علشان أطمن عليك.
أومأ لها مرة أخرى لم يعرف كم ترتيبها في المرات السابقة وهو يعيد عليها الوعد بأنه سيهتم بنفسه في كل مرة تتذكر شيء لم تؤكد عليه أن يهتم به، أكد عليها واعدًا بفاهه الذي شق طريقه ضحكة شامتة على ذلك الذي على الحنق ملامح وجهه بعد أن نعتته جدته بهذا اللقب، حتى أنه قال متوعدًا :
_ بقى كده يا "زوزو" !! طب ابقي شوفي عاطل غيري يتصلك بيه، علشان أنا خلاص ترقيت في المهنة وبقيت عاطل برتبة أعلى والحجز بمواعيد عندي، وكله في النهاية بفوايده.
_ وهو ما فيش غيرك في البلد معاه تلفون، "وسام" حبيب سته و "عَمرو" راحوا فين؟!
كان سؤلًا بمثابة إقرار أنها لديها من يساعدها غيره ذلك الاستغلالي، لف لسانه الصمت الحانق وهو يراقب ابتسامات ساخرة علت زوج من الشفاه لهذين الاثنين الشاغلين لمقعدين مواجهين لبعضهم، أحدهم بجوار《أدهم》وأخر بجواره هو والذي كان يشغله ابن عمه 《وسام》.
دقائق تعدت العشرة أو أكثر، قضى فيهم لحظات لطيفة ومرحة مفعمة بالدفء والحب بينهم، كان في حاجة لتلك الدفعة من الطاقة الإيجابية الكامنة في همساتهم وضحكاتهم ومرحهم حوله والمتسلل أكثر من قبلة جدته وحضنها له قبل توديعه، شعر وكأنه لا يود مفارقتها، لا يعلم لماذا ! شعور مثقل بعدم الرغبة فتباطأت خطواته، يود العودة والبقاء في جوارها، لكن قدماه لا تتوقف عن السير، وكأنها اتفقت وعقله على بتر روحه من بينهم، ليعود وسابق زمانه هو والوحدة رفاق.
خرج من حضن رفيق دربه الصغير بينما يقف والبقية حوله أمام بهو البناية، مشارك رحلته الكئيبة في الدنيا لكنه لم يكترس لوجوده وعرضه البوح بما يثقل على صدره والمشاركة بهمومه معه كما يفعل، ورغم ذلك لازم رفقته منذ أن كانوا صغار.
ابتسم في وجه ونطقت عيناه قبل فاهه وداعًا غير مرغوب :
_ خلي بالك من نفسك، ما تنساش تيجي في أي فرصة أجازة، في رعاية الله.
ربت على كتف《عَمرو》وهو يعده ويطمئنه، ثم انتقل لتوأمه الذي كان متأثرًا بمشهد الفراق_كما خيل له_ وكأنه مشهد وداع حقيقي وليس فترة زمنية ستنقضي ويعود!
نطق بحنق من بين صوت مختنق كتم فيه دموعه اللامعة في عينيه بشكل خفيف، وذلك بعد أن نكزه في كتفه بقوة تأوه على إثرها:
_ كان لازم يعني تشتغل أم الشعلانة إللي هتبعدك عني، قولي بقى مين هيلعب ببرشلونة من بعدك وأهزمه بالخمسة ستة كلهم رونالدو، أتسلى على قفى مين أنا؟! ها.
نكزه مرة أخرى في نهاية حديثه ولكن بخفة، لم يستطيع قول أنه يود ألا يفارقه أبدًا بشكل مباشر، فنطق جملته بعفوية معهودة الجميع يميز بها《عُمر》حتى هو الذي ضحك بيأس واحتضنه، فشعر بقوة تشبثه به، ذلك الصغير المشأكس، بل جالب المصائب له ولمن يعرفه، سيمزق قلبه على فراق أشعره بأنه وداع حقيقي بتأثره، فانجرف وراء تصديق ذلك وتألم قلبه!
انتقل أخيرًا لأكثرهم ثباتًا ورزانة، شخص يعرف كيف يدير حياته من جميع مناحيها، لا يعرف اللعب واللهو له سبيلًا، ربما سجيته جادة بطريقة لا تريحه ولا غيره لدرجة مبالغته فيها، لكنه كان الشخص المناسب لأن يتولى بعض الأمور من بعده مثل مراعاة هاذاين الاثنين الذين إن تُركوا لأنفسهم، تاهوا، هو وابن عمه يعرف ذلك، وأكد عليه حين همس له قبل أن يخرج من حضنه:
_ مش هوصيك على الجوز دول، لو واحد فيهم اتساب لوحدة يخرب بلد جواه ! وبرا برضه هي فرقت، وما يغركش "عَمرو" وتسامحة المبالغ فيه وتجاوزه المزيف.
ابتعد عنه ليطالع إيماءة رأسه المزامنة لأغلاق عينين في عمقهما وعد بما يريد وتفهم رأهم ما إن فتحهما مجددًا بتروٍ، ودعهم ثلاثتهم مرة أخرى، ثم ترجل سيارته المطعمة بالبنزين الكثير الذي سيكفي ليقله من القاهرة إلى مرسى مطروح، ورحل وفي قلبه شيء يزيد عليه ثقلًا وألمًا، لم يراها قبل رحيله!
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
_ كل القصة إني مش عاوز الموضوع يطول في تحقيقات وتعويضات، وأنا عندي مسؤلية كبيرة ومهم جدًا ءأديها بشكل مرتب وسري، ممكن تعتبر مهمة إنقاذ شباب كتير زيي، بس ده المختصر المفيد.
ذلك ما نطق به الملقب ب《عدي》قبل أن يفصح له بالمزيد من المعلومات حول قصته التي أخذ عليه وعد ألا يبوح بتلك المعلومات لأحد، فوافقه الطلب ووعده بالصمت ودعى له بالتوفيق.
وقف أمام باب شقته بصينية فوقها الطعام الذي طلب من زوجته أن تعده لأجل الأخر المتوجع إثر حادث اقترفه ابنه المهمل بيداه، لم يصدق أن الأخر هو من دفع بنفسه أما السيارة، فهل يمكن أن يكون هناك مضحي بحياته لأجل مهمة؟!!
فتح له الباب لمَّا وصله صوت الجرس مرة واحدة انظر بعدها الأخر وهو يتخيل زحفه ومكابدته لعلته إلى أن يصل إليه ويفتح له الباب.
دلف متعمقًا في الشقة حتى وصل إلى أقرب طاولة في الصالون، ووضع عليها الطعام وقال ما إن عاد لوضع وقوفه:
_ دي حاجة بسيطة علشان تعبك، وأكيد ما أكلتش حاجة طول اليوم من سعة ما جيت، بالهنا.
ابتسم له شاكرًا وهو يقول:
_ تسلم يا حاج《مصطفى》، طب ما تفضل تشاركني الأكل.
اعتذر عن دعوته وأكد له أنه تناول عشاءه مع أسرته، ووعده بأنه سيقبل على ذلك في أيام أخرى قادمة يتشاركان فيها الأحاديث، فلم يصر الأخر على طلبه، وتركه يتحرك راحلًا دون أن يتبعه وقد طلب منه الأخر ذلك حتى لا يجهد نفسه.
وقبل أن يختفي أثره تمامًا صاح باسمه في احترام يوقفه :
_ يا حاج《مصطفى》ممكن طلب.
اقترب منه في لهفة وتفوه يؤكد له :
_ طبعًا تحت أمرك، تفضل.
فأفصح بضيق من هذا الحال:
_ هو ممكن بس بعد إذنك أطلع فوق أشم هوى، بقالي يوم في المستشفى في أوضة ولما جيت هنا هكمل قاعدي في أوضة، وعلشان أنا حالتي زي ما أنتَ شايف، مش هقدر أخرج أتفسح أكيد، فلو ممكن أطلع أشم هوى شوية أفك خنقتي، ومن غير ما تقلق أنا هقدر أتحرك لوحدي هي أصلًا المسافة قصيرة، وممكن أستعمل الأسانسير.
احتار من ذلك الشاب وغرابته، ولكن هو مُحِق، فالبقاء طوال اليوم في وضح واحد ومكان واحد يصيبان بالضيق والملل، لذا فوافق وبعد لحظات كان قد اختفى أثره، والأخر اتجه إلى طعامه ليتناوله بنهم.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تتبسم بين الحين والأخر بينما تحرك أناملها فوق شاشة مضاءة تقبع بين كفيها، غافلة عن تلك العيون التي تشاركها تناول الطعام على المائدة، يبدو أنها نسيت وجودهم حولها، بل ونسيت الطعام من الأساس وانسالت مع تيار مشاعرها المتدفق متلهفة للحديث، تراها تعلقت بوجوده؟!
هتفت تعيدها لرشدها، بغموض تقصد به هدفًا:
_ ركزي يا "نورا" بلاش تسرحي كتير وتضيعي،..فتنسي إنه في أكل قدامك هيبرد.
أغلقت هاتفها ما إن نغصت الأخرى عليها لحظات نعيمها المزيف، ثم وضعته بحنق على الطاولة وأدلت ثائرة ولكن ليست بقوة:
_ عاوزة أي يا "شروق" مني؟!
انتهت من ارتشاف الماء وأعادت الكوب حيث الطاولة وأجابت بهدوء جاهدت تقمصه:
_ عاوزاكي سعيدة يا عيون "شروق" وفاهمة وواعية باللي بيحصل.
عقدت حاجبيها متعجبة، ماذا تقصد تلك الصغيرة المشاكسة بحديثها؟! طالت نظراتهما لبعض حتى انفك أسرها وفسرت《شروق》ببساطة ورفق:
_ كل الفكرة إني ملاحظة خلال الفترة الأخيرة إنشغالك المبالغ فيه، ودي مش عادتك تفضلي ماسكة الفون ليل نهار وبعيدة حتى عن تجمعاتنا، فحسيت إنك توهتي وقولت أصحيكي جايز ما تكونيش ملاحظة.
من بين طيات كلماتها أدركت مغزى تقصده، تلك المشاكسة بوعظها الدائم لم تتركها وشأنها إن علمت مع من تضيع وقتها، خرجت من لحظات شرودها في الحديث، وقطعت دابر الاسترسال في تلك السيرة بقولها مصدقة الكذبة:
_ ماشي يا "شروق" هغير من الروتين بعد كده.
قالتها ثم التفتت لطعامها تلتهمه في نهم شديد، تراها تتضور جوعًا، أم أن مشاعرها تدفعها لسد جوع كاذب أوهمتها به مشاعرها المستنذفة؟!
هي تعلم ماذا تفعل وأين منغمسة في دنيتها الضائعة تلك، ترى الأخطاء حولها مزينة بالقبول والهوى، فتقترفها من دون أن تسمع لهتاف في أعماق نفسها محذرًا، تراها تعلم بعقدة إنكارها تلك؟!
تغيرت منذ أن وطأ ذلك الشاب المتصنع بوابة حياتها، بل وعلم بنقاط ضعفها فنفذ إليها من خلالها، تعشق الرومانسية، والحب المغلف بكلمات الغزل والبطل الساحر الذي سيأتي ويحول حياتها إلى نعيم تزهر ورداته بين جنباتها، وتحلق أجنحة فراشاتها تملاء صدرها بالسعادة، كل ذلك زائف، وما هو إلا نتاج قصة خيالية رسمتها لنفسها اقتبستها من رواية ما أو درامة ما مما تضيع أوقات فراغها عليها.
_ قوليلي يا "نورا" اي أخبارك مع خطيبك، يعني اكتشفتي جوانب في شخصه ارتحتي ليها مثلًا، المفروض إنكم بتتعرفوا على بعضكم الفترة دي؟!
تلك الصغيرة ستهلك عقلها من دون قصد، فأسئلتها تلك والتي لا فائدة في طرحها ستجلب إرهاقًا عاتيًا لنفسها، لذا فنطقت بحنق حفيف:
_ مش مهم تعرفي، خليكِ في نفسك يا "شروق".
جال بعقلها أنها قد أزعجها سؤالها وقد فهمت نيتها خطأ، لذا فأسرعت تصلح خطأ محتمل أن يكون وقع من دون قصد منها:
_ مش قص.....
_ خليكِ في حالك يا "شروق" أسئلتك بتكتر الفترة دي وأنا بتدايق.
قطعتها بحدة لم تعهدها، من دون حتى أم تترك لها مجال لتكمل فتفهم ماذا تود أن تقول، بصيص حرج تجلى على خلجاتها كان مصدره بؤرة في نفسها تجمعت بداخلها جُل مآسيها، تصنعت الهدوء وسحبت نفس عميق وأخرجته قبل أن تلقي نظرة خاطفة عليها وتنسل في هدوء بعيدًا عنها، تبحث عن مكان تنفس فيه عن نفسها التي بدأت تهوى في بؤرة مظلمة.
أما الأخرى فزفرت بحنق من نفسها، لا تصدق ماذا فعلت، كيف تحرج أختها بهذا الشكل، نعم هي تتدخل بين الحين والأخر في أمور تكبرها عن عمرها تلك ذات الواحد والعشرون عامًا، ولكن ما كان يجب أن تجرحها بهذا الشكل، يبدو أن الغضب انتصر في معركتها تلك! والسؤال هنا لماذا الغضب وسؤالها كان عاديًا، ترى أكانت منزعجة من مجرد حشر أنفها في أمر لا يعنيها، أم أنها خشيت على نفسها الغوص باحثة عن إجابة لسؤالها؟! بحركة مضطربة تركت الطعام وانصرفت وبيدها الاطباق إلى المطبخ، وتجاهلت تلك الجلبة التي حدثت في نفسها منذ لحظات.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
إن معركة الإنسان الحقيقية هي التي بينه وبين ذاته، لا غير، ما إن يبصر جيوش الأخطاء والسوءات تتقدم وتبدأ شرارة أسهمها تنهمر، حتى يرفع سيوف الاعتراف أمامه ولا يبرح حتى يبددها رافعًا راية الإصلاح على الفور، ويخلفها احتفال غلفه تأنيب ضمير حي!
فوق سطح المنزل افترشت الأرض بجوار أريكة في النصف الأخر الذي لا يتواجد فيه الشباب عادة، أما النصف الأخر فقد كان خاليًا منهم وقد تجمعوا برفقة "زوزو" في الأسفل، يلف الظلام من حولها ما عدا نور خافت في منتصف مساحة السطح الواسعة يصدر من مصباح على مقدمة الباب المؤدي إلى ساحة السطح، مكثت تتربع بقدميها على الأرض المغطاه بسجاد خشن الملمس، وهي تتفكر في نفسها ماذا حدث وما حل بها كي تخطيء كذلك خطأ، وذلك بصوت مرتفع وقد أيقنت أن السطح خالي من أثر الشباب:
_ بالراحة يا "شروق" على نفسك، بلاش جلد ذات على الفاضي، أنتِ ما كنتيش قاصدة تبقي حشرية!
ما إن أنتهت حديثها حتى رشق قلبها سهم الخذلان، ليس سببه تلك الكلمة، لكن ممن خرجت من فاهه وهو القريب الذي يضمنا تحت ذراعيه بحنانه، ولكن ما ضمتها يومًا إلا بذراعين أشواكهما قاسية!...
ما كانت والدتها إلا لتنعتها بذلك النعت كلما أكثرت من ثرثرتها في مواضيع لا دخل لها فيها_كما تقول دومًا_ ، ترى هل لا دخل لنا في معرفة أمور أصلها من البداية يعود للدين؟ أم أن الأخرى تكره من يذكرها كل فترة والأخرى بصلاتهما مثلًا وهذا أقل شيء هي تفعله، وأهمه!
جال بعقلها تلك الكلمة تتردد أيضًا على أفواه الجميع ممن ينتقدون فصاحتها وفقهها في معلومات هم ذاتهم يجهلوها وخاصة الدين، لذلك كانوا يصبون نقصهم عليها بالنعت بما لا تحب وقد كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما أُمرت ليس إلا، فأين الذنب إذن؟!....
_ أنا بصراحة شكلي كده كنت حشرية زيادة عن اللزوم، ما كانش بنفع أبدأ نصيحتي بالطريقة دي وخاصة إنها أكبر مني، العيب عليكِ يا "شروق" لازم تعتذري ليها.
سرى في نفسها طيف تأنيب ضمير، ما إن خاضت معركة ذاتها المعتادة في خلاءها، وخرجت منتصرة بعد مواجهتها بالاعتراف، هي تعلم أن الأسلوب كان ليس مستساغًا حتى وإن تغلف بالنصيحة، سواء مع شقيقتها أو صديقتها اليوم، لذا فلا بد أن تصلح من ذلك، وهذا ما وقف متعنتًا في وجهها، فكلما عادت لتصلح رجعت بخطأ أخر تصلحه أو تسكن بعده فاقدة الحركة بداخلها كي تصارع جيوشها المختلف مواجهتها على ساحة حربها المتمثلة في ذاتها.
ما يخلف المعارك غبار خانق إثر أقدام المحاربين فوق ارضها، وهذا ما كان يخنقها في تلك اللحظة ما إن تسرب طيف تأنيب ضمير ومعه متواريًا بصيص خوف لازع، خنقها مجرد ما فكرت في شيء كهذا، فانهمرت دموعها وأفصحت تقول في اختناق معترفة بذنب وهمي :
_ أنتِ يا "شروق" المذنبة، الذنب كل عليكِ لو بس حاولتي تصلحي أسلوبك .....
ما كادت تكمل جملتها حتى شهقت بقوة وغاصت في بكاء شديد، الخطأ كان تافهًا فلماذا يروادها شعور الذنب بكل هذا التضخم، تراها سرقت أم قتلت؟ أم ارتكبت كبيرة من الكبائر كي يخنقها شعور الذنب إلى هذا الحد؟! ...
_ أنا فعلًا مذنبة...مذنبة.
يحرقها الشعور كلما نطقت بكلمة تعنيه، ظلت تردد في خفوت حتى هدأت وتيرة نحيبها، وتبقت قطرات دمع في نهاية موسم المطر تنزل بشكل متقطع معلنة عن جفاف السحب الممطرة، ومكثت في هدوء تسلل إليها كالذي ينعش النفس بعد صفاء السماء وظهور قوس قزح ما إن ينتهي انهمار أمطارها.
لحظات مرت من صفاء النفس بعد تفريغ ما بجوفها من ذرات سلبية تخنقها، وهي على حالها تجلس على الأرض ونسمات الهواء تداعب وجهها فجفت من عليه أثر الدموع، وما اختلف إلا ضدمها لقدميها إلى صدرها أثناء انكماشها على نفسها وتفريغها لطاقة سلبية في جوفها كمنت، وبينما هي كذلك في لحظات الهدوء الهانىء إذ بصوت خشرجة يصل لأذنيها فتأهب جسدها للموجهها متحركة ببطء لتقف فزعة من احتمال جال بعقلها، ترى هل كان هناك من سمع صراعات نفسها العالية؟! بدأت تتحرك نحو الصوت وقلبها يقرع طبول القلق، وعقلها تتقاذف التساؤلات فيه فتؤلمه، من هناك، هل من جاسوس، هل من مراقب، أم أنها تتوهم؟!! وما إن اقترب من النصف الأخر حتى جحظت عيناها ودوى صوتها في أرجاء المكان بأكمله بصرخة رعب أفزعت عصافير نائمة بشجرة تقرب بناية بيتهم أخرجتهم من ثباتهم يليها سقوط مؤلم، فامتزج الألم بالفزع!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يُتْبَع...
#مريم_عثمان.
Marriam Othman