٣٦

٣٦

12 0

سيطر على الغرفة هدوء تام، حتى ليخيل للداخل إليها أن الزمن قد توقف. ما بقي بينهما هو صدى كلماته الأخيرة، ومضت هذه الكلمات ترن في رأس أرسي مرة تلو الأخرى، رفعت عينيها وحدقت به بنظرات لا تفسير لها، تلاعبت بسمة ساخرة على شفتيها وقالت باستهزاء:

«تريدني؟ أي جزء مني تريد يا سيدي البارون؟ الأميرة أرسيلا التي تستطيع أن تضمن بها علاقات سياسية سلسلة، أم زوجتك الخنوعة التي تسلمك نفسها وأمرها دون استشارة؟ أم أنك لا تريد أرسيلا بل أم نيرال ولاريسا؟»

«خنوعة؟ أنت بالتأكيد أخطأت الكلمة! هل هربك من المنزل فعل لزوجة خنوعة؟ هاه»

احمرت وجنتيها غيظا إثر سخريته الحادة، صاحت:

«حسنا، أنا لست كذلك! لست خنوعة، ولن أكون!»

شخر ساخرا:

«نعم هكذا. أرعبتني يا امرأة!»

حركت ذراعها في حدة حتى كاد يطير من مفصله، أشهرت سبابتها كسيف مسلول وأشارت للباب:

«اخرج من هنا»

«ليس قبل أن أنهي ما كنت أريد قوله»

«لا أريد أن أسمع شيئا منك»

«وكأن القرار بيدك! عزيزتي اكتفيت من مسايرة أهوائك. الآن كلمتي من ستسري، سواء رضيت أم لا»

تراجع خطوة للوراء وجلس على طرف السرير واضعا ساقا فوق الأخرى.

«سيطول بنا الحديث على ما يبدو. بالمناسبة هذا السرير مريح حقا، هل استمعت بأيام الرفاهية؟»

ساح خيط من الدمع عبر خديها المحمرين، شدت على فستانها بكلتا قبضتيها في شدة حتى بانت مفاصلها، مع ذلك كانت عينيها تشتعلان:

«اخرج من غرفتي أو أستدعي الفرسان»

حدق بها قليلا ثم انفلتت منه قهقهة عالية:

«هذه فكرة مذهلة، ماذا ستقولين لهم؟ أخرجوا زوجي المصون من غرفتي لأنه يريد مناقشة مشاكلنا الشخصية؟»

مط شفتيه قليلا وأضاف:

«يبدو هذا مسليا. من فضلك افعلي»

كانت آرسي على شفير الانهيار فيم يبدو إيلاس هادئا بشكل لا يطاق.

اضافت بإلحاح:

«اخرج»

«هل علموك كلمة أرجوك خلال دروس الأداب؟ جربي قولها»

حركت وجهها بسرعة وأشاحت عنه فضحك رغما عنه.

مشت حتى النافذة. وفتحتها في عنف شديد، وفعلت أغرب ما قد تفعله فتاة عاقلة، صرخت!

انتفض في مكانه مشدوها، سقطت ساقه عن الأخرى وارتسمت على ملامحه أعتى تعابير الذهول. أغلقت آرسي النافذة بهدوء واستدارت نحوه، سحبت كرسي منضدة الزينة وجلست عليه.

تململ الصغيران في مكانهما فأسرع إيلاس يضع اللهاية في فمهما، وظل واقفا أمام المهد لوقت قصير. عاد ببصره نحو زوجته، لا يزال وجهها أحمرا كبطيخة، لكن الدموع جفت من عينيها. جلست أمامه ترفع ظهرها في كبرياء وتشتعل في عينيها نظرة متقدة.

اتكأ على خشبة المهد في هدوء، ودفع إحدي قدميه خلف الأخرى، وضع يده الاخرى على وسطه وابتسم:

«هل سوف تستمعين الآن؟»

«هات ما عندك»

ارتسمت على ملامحه تعابير جدية، التقى حاجباه في حدة وخرج صوته جافا:

«لماذا غادرت المنزل؟»

«تعبت»

«لم لم تعلميني؟»

«لم تكن لتتركني أذهب لو علمت»

«متى أرسلت الرسالة لوالديك لكي يرسل لك عربة؟»

«بعد أسبوعين من الولادة»

خرجت منه همهمة خفيضة:

«لماذا إذا؟»

«لأني تعبت، لقد قلتها»

«هل هذا يبدو لك مبررا عقلانيا؟ قبل قليل تفوهت بهراء عن أميرة تمنح لي علاقات سياسية أو شيء من هذا القبيل»

حدقت به بصمت ولم تمنحه جوابا فتنهد، رفع يده لشعره وبعثره في غضب:

«من ألقى عليك هذا الهراء؟»

مجددا لم يلقى جوابا، أحنى بصره نحو طفليه ومد يده فسحب اللهاية من شفتي نيرال، ثم أعادها، وكرر الفعل ثلاث مرات بلا هدف حتى ارتسم الانزعاج على ملامح الصغير وبدأ يستعد للبكاء فتركه إيلاس وشأنه ورفع يده عنه.

«أتظنين أنني تزوجتك لمنصبك؟»

«ولم تزوجتني إذا؟ لأنني جميلة؟»

تأوه:

«ذاك سبب من أسباب عدة»

قضم شفتاه في حدة ثم قال باندفاع:

«حسنا، في البداية فكرت كذلك. نعم. تزوجت مبدئيا لأنك أميرة، يمكنني أن اضمن سلامة قريتي التي يتشاجر عليها ملكان، فهي تقع على الحدود. عينت نفسي رئيسا وهميا لها وعلمت أن الملك سيتخلى عن هذا الشجار التافه لأني أصبحت صهره، والملك الاخر تعاملت معه بسبب علاجي لواحد من أفراده»

صمت للحظة ثم أعقب:

«لكن كان ذلك في البداية، ثم أني كنت بحاجة للزواج لأن أمي أحكمت الخناق علي، هذا عن أنني رجل على مشارف الأربعين، لقد بلغت التاسعة والثلاثين ويجب أن أؤسس عائلة وأنجب أطفالا»

نظر نحو طفليه وابتسم:

«سيكونان في العاشرة، بينما أبوهما بلغ الخمسين. سأكون هرما بينما هما بالكاد تجاوزا أعتاب الطفولة!»

تمتمت أرسي:

«أنت هرم منذ الآن»

ضيق عينيه عليها فرمقته بنظرة تحدي لا مبالية.

مد يده للروب الذي يرتديه ففك رباطه ثم خلعه في حركة سريعة، رماه على السرير وقال بسخط:

«غرفتك ساخنة! لماذا أغلقت النافذة؟»

«سيتضرر الطفلان من الهواء البارد»

خطى نحو النافذة فتحها ووقف عندها للحظات، تنهد:

«يحق لك الغضب، لكن لا تنسي أنك أيضا تزوجتيني بدافت الهرب من القصر! كل ما كانت تريدينه هو الهروب من خطة الزواج المدبرة بين وبين الأمير الكسس أو أيا كان اسمه!»

التفتت نحوه وقالت باحتجاج:

«ذلك كان في البداية! لقد تغيرت دوافعي»

ابتسم:

«وما الذي يدفعك للظن أن دوافعي لا تزال كما هي؟»

برطمت:

«لم تبرهن لي أنها تغيرت»

«ولا أنت فعلت»

صاحت بغضب:

«أ لم إفعل! لم أفعل! اعترفت لك بحبي، فرحلت عني بلا مبالاة وتركتني لنفسي ومشاعري»

ارتفع صدره في نفس عميق ثم قال:

«ذاك!»

سألته بتوجس

«هل نسيت؟»

تنهد:

«وكيف لي أن أنسى. لم يكن اعترافا بل لدغة عقرب»

احتقن وجهها غضبا:

«وانا العقرب الذي لدغك! ممتاز!»

حدق بها للحظات طويلة، رمش في تعجب ثم صدحت ضحكاته العالية في إرجاء الغرفة، طفرت الدموع من عينيه، وقال لاهثا:

«يا حبيبتي، إن لك قدرة عجيبة في قلب المحادثات العادية لشجار!»

كلمة «حبيبتي» التي تسمعها منه لأول مرة، دغدغت مشاعرها الأنثوية، فتخشبت في مكانها، قالت بتبرم:

«لست كذلك»

رنت خطواته في أذنها لكنها رفضت النظر إليه، سقط ظله فوقها وامتدت أصابعه الطويلة لتلامس وجهها، حركه نحوه.

رتبت خصلات شعرها المبعثرة بحنان ومرر أصابعها على خدها المحمر:

«أرسيلا، لقد تزوجتك لأسباب أنانية، هذا صحيح. لكني عشت معك عاما طويلا جعلني أدرك أن كل تلك كانت أسبابا واهية أقنعت بها نفسي لأتزوجك»

عقدت حاجبيها في حيرة لكنه أكمل كلامه:

«لا أدري إن كان الأمر بدأ في القصر عندما رأيتك أول مرة، او بعد ما عشت معك وألفت وجودك بجانبي، لكني في مرحلة ما من حياتي كنت أدرك تماما أنه لم يعد بإمكاني أن أكون إيلاس القديم، الذي يغيب عن منزله بالأشهر، ولا يهتم بشيء سوى عمله، أدركت ذلك لكني لم أعترف به»

«أنا لا أفهم شيئا!»

تجاهلها للحظة وأكمل:

«حين اعترفت لي شعرت بالصدمة، لم يكن بإمكاني أن أعطيك جوابا واضحا في تلك اللحظة لأني لم أكن أملك واحدا، لم أفهم ما معنى أن تحبيني وشعرت أنني إذا ما بادلتك الشعور فسوف أفرض على حياتي قيودا وأغلال. لطالما عشت حرا لذا لم يكن بامكاني تقييد نفسي!»

اغرورقت الدموع في عيينها:

«إذا أنت لا تحبني»

ابتسم، أخذ يكفكف دموعها:

«من يدري، لا أعرف نوع الحب الذي تريدنه يا أرسي، هل يجب أن أكون أميرا يجوب البلاد بحثا عن فردة حذاء، أم وحشا يجد في نفسه وحشة لك. أنا لم أعش على الحكايا ولم أجرب ذل الحب الرومنسي الذي يصفونه فيها لكني أعرف شيئا واحدا»

تطلعت عيناها إليه فقال:

«أنت كركديتي»

«كركدية! أصبحت الان عشبة طبية من أعشابك!»

ضحك:

«أرسي، إنك لا تعلمين أبدا ما هي الكركدية بالنسبة لي، ربما هي ليست مشروبا أشربه بشكل يومي، لكنها مشروب لا أتخلى عنه إطلاقا في لحظات ضعفي، وحتى عندما أكون سعيدا فإني أريدها»

«أصبحت مشروبا؟»

مجددا كان عليه تجاهل ثرثرتها:

«أنت حمراء زهية مثلك، ربما نشأت في قصر فاره لكنك برية من الداخل، في نفس الوقت أنت هشة لدرجة أن ريحا خفيفة قد تطيح بك. وجدتني أميل إليك في لحظات الضعف وأبحث عنك في لحظات القوة»

صمت فحدقت به للحظات طويلة، انهمرت الدموع من عينيها:

«ما زلت لم أفهم شيئا!»

تنهد:

«هل تريدينني أن أحبك؟»

اومأت بصمت :

«إذا أنا أحبك»

«أنت لا تعنيها»

«أنا حتما حتما أعنيها!»

نظرت له بحدة:

«إذا أثبت لي! أثبت لي أنك تحبني، لنفسي، لشخصي، لا لأجل أي شيء آخر!»

ابتسم:

«ماذا تريدين مني أن أفعل؟»

بدت مرتبكة للحظة، لم تعرف ماذا تقول، تلفتت يمينا ويسارا ثم تلون وحهها باحمرار صارخ كاد يضاهي حمرة شعرها. عبثت بأصابعها في توتر وهمست بصوت منخفض لا يكاد يسمع.

«قبلني»

حلت لحظة صمت طويلة، ثم سمعت حفيفا، رأته قد وضع ركبتيه على الأرض بعدما كان يجلس أمامها مقرفصا، مد يده إليها وسحبها نحوه، وبلطف شديد وهدوء سحبها في قبلة حنونة، تثبت حبه لكنها لا تفرض شيئا ولا تعد بشيء، وضع جبينه في النهاية على جبينها وقال:

«أنا لا أعرف كيف يكون الحب ، لكني أعدك أن أتعلم»

رفرفت بعينها وقالت:

«ولن تغضبني بعد الآن؟»

«سأغضبك كثيرا»

«وستصالحني؟»

«قدر ما أستطيع وفي كل مرة»

ابتسمت برضى فسألها:

«وأنت لن تهربي مني بعد الآن؟»

«بل سأهرب كثيرا»

صدرت عنه تنهيدة عميقة فمدت ذراعيها حولها، ضمته إليها، تحركت خصلاتها الحمراء بسبب أنفاسه الساخنة، همست:

«لكني أعدك ألا أهرب بعيدا جدا، سأختبئ في مكان تستطيع أن تجدني فيه دوما»

النهاية.

......

انتهت الرواية، فلا تبخلوا علي برأيكم عنها.

+هناك فصل جانبي سينشر في يوم اخر.

دمتم بخير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة