....
«استيقظ يا إيلاس، أنا ألد، إنهما قادمان، إيلاس استيقظ»
رفع ذراعه عن عيناه ساخطا، حدق بها بغضب، منذ دخلت شهرها الأخير وهو في الجحيم، لا يكاد ينام حتى توقظه بسبب انقباض عابر.
مد يده وسحبها بعنف نحوه، عنف لم يكن رقيق حتما، فقد كان غاضبا ويشعر بالنعاس.
دسها في أحضانه، رفع الغطاء عليها وصاح بسخط:
«انت لا تلدين، نامي!»
لقد اراد أن يقول: أنت تنزعين نومي، ليلتي، ايامي أيتها الدبة الصغيرة. لكنه حتما لم يكن ليتفوه بذلك.
نظرت له بعيون دامعة، منذ شهر لم تجف هاتان العينان من الدموع، هل لديها مخزون احتياطي؟ من أين تأتي بكل هذا الماء المالح؟
كررت وهي تقبض على بطنها:
«أنا ألد، إنه يؤلم»
همس ببساطة:
«إنه انقباض»
«أنت تكرر هذا كل ليلة!»
حدجها بنظرة نافذة الصبر:
«آرسي، ماذا قلت لك»
«انقباضات الولادة مستمرة»
«وماذا اتفقنا؟»
«بأن أتنفس جيدا في كل مرة»
«إذا تنفسي…» واخرسي.
مضت برهة من الصمت، ارتفعت أنفاسها في هدوء الليل ثم كررت:
«أنا حتما ألد، إنه لا يتوقف»
أمسكها بقوة شديدة حين تحركت، ضغط على أسنانه:
«أرسي أنت لا تلدين، إنها ليست ولادة! نامي!»
«وكيف تعرف ذلك؟ أنا من يلد وليس أنت»
«لقد بدأ منذ دقيقة فقط!»
«لقد كنت نائما، كيف لك أن تعرف؟»
نائما؟ كيف سينام وهي تتقلب في السرير كل لحظة، ترمي هذه الوسادة، ترفع تلك، تهزه ليرفعها، تذهب للحمام، تعود، تسحب وسادته، تسحب غطائه، وتتأوه عند كل رفسة من الطفلين. نعم، بالتأكيد كان نائما.
أجاب باختصار:
«لم أكن»
انسلت من ذراعيه، تجلست ووضعت يدها على بطنها، بدأت تبكي:
«أنا حتما ألد، أستطيع الإحساس بذلك»
لقد بدأت مجددا في مسلسلها الدرامي الذي يتكرر كل ليلة، تبا! إنه يتفهم أنها خائفة، لقد بذل كل طاقته ليخفف عنها، ليحتويها، بذل كل جهده، لكن يبدو أن ذلك لا يكفيها.
ماذاا سيفعل بعد كل هذا؟ همس:
«رباه، ارحمني!»
«يرحمك من ماذا؟»
أجاب بهدوء وهو يغمض عيناه:
«من سمعك الحاد. لا توقظيني هذه المرة»
«سوف تنام!»
«أجل؟»
«والطفلان قادمان؟»
«إنهما ليسا كذلك»
«بلى!»
«حسنا، اطلبي منهما العودة، لا يجب التطفل على الناس ليلا»
«أتمازحني»
«حتما لا، يجب أن يتعلم الطفلان آداب الزيارة»
صاحت بغضب:
«إيلاس!»
فتح عيناه، لقد انتزع نومه، استدار نحوها وفي عينيه نظرة تقدح شررا:
«نعم! دعيني أكرر، أنت لا تلدين، الطفلان ليسا قادمين، إنه انقباض عابر وعلى الأرجح قد اختفى الآن»
صمت فقالت بعد برهة:
«حسنا، لقد اختفى، لكنه سيعود»
وضع ذراعه فوقه عينيه:
«أشعر أنني من سألد، وليس أنت»
اعطاها ظهره، فصاحت باستنكار:
«لا تتجاهلني»
لم يجبها، ماذا سيحصل لو فعل؟ إنه مرهق.
«إيلاس….إيلاس»
تحركت في الفراش، تأوهت، ثم نادته من جديد:
«إيلاس!»
أغمض عيناه عن صراخها، ربما يغير اسمه فقد تعب سماع ندائها، ولكثرة تعبه، ولأنه اعتاد صراخها فقد نام ولم يستيقظ إلا بعد ساعات حين اشرقت الشمس.
تثائب بتعب، استدار فوجد زوجته قد نامت وهي جالسة، وضع يديه عليها ليرتب نومها فأجفلت، وفي الثانية التالية انقلبت نظرة عينيها لنظرة غضب، دفعته عنها وسحبت الغطاء فوق وجهها. ممتاز! إنها غاضبة.
خرج من الغرفة على حاله، منكوش الشعر، متجهم الملامح، دلف للمطبخ فوجد ديلارا تعجن العجينة بينما آيرس معقود على صدرها ويبكي بدون انقطاع.
«صباح الخير»
حدقت به بتوتر، لم تكن تبدو أفضل حالا منه، لكنها عالأقل تبدو سعيدة بهمها الجديد، زفرت أنفاسها:
«لقد استيقظت أخيرا»
قطب جبينه:
«هل كنت بحاجتي؟»
تمتمت بارتباك، سحبت يدها من العجينة:
«أنا آسفة، إنك تبدو مره…»
«ما الأمر؟ هل هو هذا الصغير؟»
هزت رأسها بصمت:
«حرارته مرتفعة وظل يبكي طوال الليل»
قال بعتاب:
«كان عليك أن توقظيني إذا»
تلون وجهها احمرارا:
«فعلت، قصدت غرفتك أنا وإيروس لكننا سمعنا آرسي تصرخ»
ابتسم ساخرا:
«وأشفقتما علي؟ هاه! أعطيني هذا الصغير، سأفحصه»
فك عقدة الصغير عن صدرها وحمله، سأل بهدوء:
«أين والده؟»
ابتسمت ديلارا، كان إيلاس يتعمد أن ينسب الطفل إليهما، وكم كان ذلك يسعدهما.
«نفذ مني الشاي والبيض، طلبت منه التبضع. خالتي في الخارج تنشر بعض الثياب أيضا»
هز رأسه بهدوء وخرج من المطبخ، استدار وقال:
«أريد كوبا من الشاي لاحقا»
«بالطبع»
تنهدت ديلارا؛ جميعهم يعانون، هذا العام مشحون جدا بالأحداث.
ابتسمت نحو العجينة، سوف تعد فطائر مقلية وتغرقها بالعسل والقرفة، فإيلاس يحبها، واليوم عيد ميلاده. ترى هل تعرف آرسي ذلك؟
…..
خرجت آرسي من الغرفة بعد خروج زوجها بلحظات، غيرت ثيابها وتجاهلت الانقباض المزعج الذي عاودها، تأوهت بصمت، لكن غضبها ساعدها على تجاوز الألم، كيف يجرؤ على تجاهلها! وهذا الانقباض اللعين ألن يتوقف؟ لقد دام طوال الليل.
وجدت إيلاس وإيروس في البهو، ينتظران الفطور، بل ويضحكان، بينما آيرس الصغير ينام بهدوء بجوارهما.
التفت إيلاس نحوها فأعطته نظرة ساخط، وتجاهلته لتتجه نحو المطبخ.
التفت ديلارا نحو آرسي، ابتسمت:
«صباح الخير، كيف حالك؟»
أجابت آرسي بقنوط:
«لا اظن أنني بخير، قضيت ليلة سيئة»
«لماذا»
قضمت آرسي شفتيها حنقا:
«تخيلي أن ذلك الغبي نام وتركني عندما أخبرته أني أتألم»
ابتسمت ديلارا:
«إنه يبدو مرهقا أيضا»
«ليس أكثر مني!»
لم تملك ديلارا جوابا، لا يمكنها أن تقف في صف أحدهما ضد الآخر، كلاهما يعانيان في صمت.
«ماذا تفعلين؟»
«أقلي فطائر»
ابتسمت آرسي بحماس:
«رائحتها تبدو شهية. هل تعدينها للاحتفال بأمر ما؟»
هزت ديلارا بحماس:
«اليوم عيد ميلاد إيلاس»
توقفت آرسي عن محاولة قضم الفطيرة الساخنة، وضعتها من يدها وقالت:
«حقا؟ لم أكن أعلم»
«هذا طبيعي، لا زلت جديدة على المنزل، لا تلومي نفسك»
اومئت آرسي بصمت، عام لا يبدو وقتا بسيطا، اليوم هو السابع عشر من تموز، إذا كان عيد ميلاده اليوم ولم يخبرها؟ لقد أمضت عيد ميلادها وسط ذلك القصر المزعج، تعاني القلق خوفا عليه، ولم تهتم لأنه نسي عيد ميلادها، تفهمت أن الوضع ليس مناسبا للاحتفال، لكنه حتى لم يشاركها بيومه المميز.
غضنت جبينها، فوق هذا لقد تخلى عنها البارحة ونام كالجثة، ان كان يظن أن عيد ميلاده سيشفع له، فهو واهم.
عاودها الانقباض بشكل أشد، وضعت يدها على ظهرها وانحنت تستنند على رخامة المطبخ، قالت ديلارا بقلق:
«هل هو انقباض آخر؟ هل أخبرت إيلاس؟ هل يجب أن أناديه!»
هزت آرسي رأسها:
«لقد تحدثنا حول هذا البارحة، أخبرني أنها انقباضات عابرة»
«لقد كان هذا البارحة، اليوم مختلف»
لقد تجاهلها البارحة، لن تخبره اليوم. حدقت بديلارا ففهمت مغزى نظراتها، تنهدت:
«حسنا، لكن لا تبالغي يا آرسي»
«سأكون بخير»
وربما لا؟
لم تمر ساعة حتى شعرت أن الانقباض أصبح أشد من السابق، نهض الجميع عن مائدة الفطور لأجل أشغالهم.
الأم خرجت لتهتم بغرستها الصغيرة أمام البيت، إيروس عاد لورشته، وذهب إيلاس للعيادة ليحضر دواء لأجل آيرس الصغير..
في البهو الصغير، قري المدفأة جلست ديلارا تطعم آيرس من زجاجة حليب دافئة، فيم كانت آرسي تدور أمامها بسبب انقباض جديد، تمتمت ديلارا:
«إنك حقا لست بخير»
أصرت آرسي بعناد:
«أنا بخير»
رفعت ديلارا الصغير فوق صدرها لتجشئه، وقالت بحذر:
«يبدو لي وكأنك ..تلدين؟»
كانت تلك كلمة محرمة عند آرسي، تشعل نواقيس الخطر في عقلها الصغير وتشتت كل توازنها، صحيح أنها كانت توقظ زوجها كل ليلة مكررة نفس الكلمة، لكنها كانت دوما تشعر بالرعب، رعب ممزوج بالترقب.
توقفت عن الدوران، جلست لتثبت أنها بخير، رسمت ابتسامة واسعة على شفتيها:
«لا، ما يزال الوقت باكرا»
«باكرا؟ أظن أنك في منتصف شهرك يا آرسي»
«كثيرات يلدن عند نهاية الشهر»
دخلت الخالة للمنزل، ممتلئة بالتراب كعادتها، ذهبت للحمام لتغسل وجهها ويديها وقالت بضيق:
«اكنسي أمام المنزل يا ديلارا، كل ذلك التراب سيدخل للمنزل»
«سأضع آيرس في سريره وأكنس»
«أسرعي إذا!»
«حاضر»
دخلت الخالة غرفتها واختفت هناك، كانت دوما تدخل غرفتها وترتاح لوقت معين ثم تخرج من جديد. لقد أنهت الان عمل الصباح، وستترك الباقي لديلارا.
وضعت هذه طفلها في سريره، تركت باب الغرفة مفتوحا وخرجت لتكنس أمام الباب، فيم قفزت آرسي على قدميها وعادت للدوران حول نفسها..
إنها لن تلد، ليس اليوم، حتما ليس اليوم! لماذا قد تلد في عيد ميلاد برغوث الغابة؟ لماذا؟ لماذا يصر طفليها على الخروج اليوم من بين كل الأيام!
مضت ساعة أخرى، دقت الساعة العاشرة صباحا وتوقفت آرسي عن الدوران، جلست على الكرسي ودفنت وجهها في كفيها تستجمع طاقتها.
سمعت هرجا أمام المنزل، دخل بغتة إيروس وخلفه إيلاس، يحملان مهدا خشبيا واسعا.
كان إيروس قد صنع مسبقا مهد لطفلها، لكن حين عادو من تلك المصيبة، استعمل المهد لأجل آيرس، ووعد إيروس بأن يصنع واحدا جديدا عما قريب، لكن هذه المرة أوسع ليسع الطفلين معا، زفرت أنفاسها بسخط، ولماذا انتهى منه اليوم؟!
وضعا المهد في البهو أمامها وطفق إيلاس يتأمله بإعجاب:
«مذهل، تعجبني هذه الزخرفات، لكن أعتقد أن علي تحريك السرير قليلا في الغرفة كي يتسع المكان له»
نظر لها إيلاس مبتسما:
« ما رأيك به؟»
لكنها لم تجب، كانت تشعر بالألم من جديد، وانتهت استراحتها القصيرة، كشرت في وجهه فتنهد.
ثم بنفس السرعة تجاهلها واندفع للغرفة مع أخيه، رأتهما آرسي من مكانها وهما يدفعان السرير، ويحركان الخزانة، ثم عادا وحملا المهد الواسع ودخلا به للغرفة وهما يضحكان.
وضعاه في عدة وضعيات مختلفة، حدقا به من اليمين واليسار، وتبعتهما ديلارا بعد لحظات فأخذت تدلي رأيها والبشر يطفح من ملامحها، تمرر يدها على المهد وتبدي رأيها في الألوان التي ستناسب فراشه.
خرجت الخالة من غرفتها منزعجة من كل ذلك الضجيج وأخذت حقها في النظر وإدلاء الرأيؤ ثم عادت تعاتب الرجلين على كل ذلك الضجيج الذي حطم قيلولتها، وختمت كلامها بغضب:
«أعدي الشاي يا ديلارا، أصابني الصداع بسبب هذين»
انصرفت ديلارا ضاحكة للمطبخ وأسرع إيروس لغرفته كي يغير ثيابه الممتلئة بنشارة الخشب والغبار.
نهضت آرسي مرغمة، كان الألم لا يبقيها جالسة، رمقتها الخالة بنظرة متفحصة، جلس إيلاس مقابل أمه، وبدآ يخوضان في المواضيع، لكن عيناه لم تنزح عن زوجته التي كانت تدور وتدور..
أحضرت ديلارا الشاي والفطائر، وسعد إيلاس للغاية لرؤيتها، وقال:
«مهد، وفطائر، هديتان في يوم واحد؟ أعتقد أن هذا سيصبح يومي المفضل»
«تذوق وأخبرني»
«كل ما تعدينه شهي يا ديلارا، أعرف هذا قبل أن أتذوق»
التفت ديلارا سعيدة نحو أرسي وسألتها:
«آرسي هل تريدين بعض الشاي؟»
توقفت هذه عن التحرك وقالت بتوتر:
«لا، لا أشعر بالعطش»
صمتت ديلارا بغتة، فيم ارتشف إيلاس من فنجانه بصمت، رمقته ديلارا بنظرة قلقة فاومئ لها بهدوء. إنه ليس غافل عما يحدث، ويعرف تماما ما يعنيه ذلك، لكنه يمنحها فسحة فقط، لتتقبل الأمر بشكل أفضل، لتدرك ما هي فيه دون أن يرعبها.
لا يزال كل شيء في البداية على كل حال، ساعة أخرى …ربما
صاحت بها الخالة:
«اجلسي وكف عن الدوران، إن لدي صداعا رهيبا»
شبكت آرسي يديها في توتر بالغ، تقدمت منهم في صمت لكنها توقفت في منتصف الطريق إثر ألم شديد، أغمضت عيناها بقوة ووضعت يدها على ظهرها، وضع إيلاس كأس الشاي من يده ولم يزح بصره عنها، خرج إيروس من الغرفة وهو يحمل آيرس على ذراعه
خلال ذلك التشتت الصغير الذي سببه خروج إيروس وفقط لثانية، سمعت آرسي فرقعة صغيرة وشهقت برعب حين اندفعت موجة من المياه بين قدميها وملأت الأرض، لتترك الجميع شاخصي الأنظار نحوها.
حدق بها إيروس ذاهلا:
«أوه يا إلهي!»
.....
حطيت لكم فصل قصير عمدا🌚🌚
اتركوا نجمةوتعليق حلو
والله برجع من الدوام تعبانة ومش عايزة اكتب، فشجعوني شوي🥹🩵
rana rachade