١

١

22 0

«إنها أول مرة لي أسافر على حصان، أ ليس هذا رائعا!»

عبس الطبيب وظهرت على أنفه تجاعيد جراء ذلك، ما يزال غير مصدق لكل ما حصل!

لقد أجاب دعوة ملك هذه المملكة لأجل علاج إحدى الأميرات المصابة بطفح جلدي شديد منع عنها العرسان، وقد قضى ثلاثة أشهر يعالجها ويجمع الأعشاب اللازمة لأجل ذلك، ثم فجأة وجد فتاة حمراء الشعر تقفز أمامه، وتتبعه أينما ذهب، لقد كانت جميلة وهو لن ينكر ذلك. لها قوام رشيق يناسب أميرة مثلها، وشعر أحمر منفوش وطويل يبرق مثل اللهب المشتعل، كما لعينيها لون أخضر غامق كالزمرد، لقد افتتن بها حتما، لكن كيف أصبحت هذه الجنية حمراء الشعر زوجته، لا يدري!

ولأنه مضطر للسفر نحو مملكة جديدة ليكمل عمله فقد أخذ زوجته بسرعة ولم يتح للملك أن يجهز حفلا ضخما، حتى أنه أرسل رسالة لوالدته بواسطة نسره تحمل جملة موجزة «لقد تزوجت»

1

إنه متأكد أن هذا الخبر سيقيم فوق رأسه حربا، وستنتفخ والدته كالينفوخ ثم تنفجر كبركان غاضب، لكن تلك مشكلة أخرى أما الآن فعليه أن يقنع دماغه أنه لم يعد حرا، وأن متعته بالسفر ودق الأعشاب ليعالج أصعب الأمراض قد صار من الماضي، كيف لا، وأمامه فتاة فاتنة هي زوجته.

1

لم يكن ليتزوج قط، دوما اعتبر نفسه زاهدا في النساء، ولقد كان متزوجا من عمله بالفعل، لكن بسبب غبائه وخبرته المنعدمة مع النساء، فقد انتبهت الملكة لنظراته المصعوقة نحو ابنتها، فدبرت له مكيدة لتزوجها له، وقال الملك أنه سعيد أن ابنته قد وجدت رجلا حكيما وغنيا مثله ليتزوجها، وأنه شرف له أن يتزوج أميرته. لقد أعطوه ابنتهم كهدية لعلاجه الأميرة الكبرى، والحق أنه شعر بأنهم تخلصوا منها فقط، لا ينكر أنهم يحبونها حبا جما، لكن ما يزال يرواده شعور أنهم كانوا سعداء بزواجها منه أكثر.

1

انقطع حبل أفكاره حين ارتطم شعر زوجته بوجهه فخنقه عبيره القوي. أخرج بعض الخصلات الحمراء من فمه ودفع كتلة الشعر بيده ليقول بهدوء:

«رغم ذلك يا سيدتي، إن السفر على حصان لمدة طويلة قد يكون متعبا لأميرة مثلك. لربما كان يجدر بك البقاء في مملكة أبيك حتى أعود من عملي فأصطحبك لمنزلي»

التفت نحوه نصف التفاتة فارتطم شعرها من جديد بوجهه وأعمى عينيه:

«ماذا تقول! وكيف لي أن اتركك وقد صرت زوجي، إن أمي دوما كانت تقول أن مصير المرأة عند قدمي زوجها، ويجب أن تتبعه لأي مكان كظله. ماذا كان سيقال عني إن تركتني في مملكة أبي بعد زواجنا بيومين! قد يظنون أنك قد زهدت فيّ وتركتني»

أمسك الطبيب كتلة الشعر بيده، ترك اللجام من يده الأخرى ثم بحزم جمع الشعر في كومة واحدة وثبته ببعضه في عقدة ضخمة.

1

«قد لا أكون نبيلا يا سيدتي، لكني رجل يلتزم بكلمته. وقد صرت زوجتي لم أكن لاتركك أبدا. كنت سأعود من أجلك»

«هذا ما تقول، لكننا خرجنا وابتعدنا لذا لا فائدة من الصراع على هذا الموضوع. ثم يا سيدي الطبيب إنه لمن المحرج لي أن أناديك بالطبيب وتناديني بسيدتي، إن العقد الذي بيننا يجعلنا في مقام واحد فهلا تطلعني على اسمك وتناديني باسمي؟»

1

تنهد الطبيب ببؤس، مد يديه من حولها ثم شد لجام الحصان بعزيمة ولكز هذا الأخير، فاندفع الحصان الأدهم يركض كالسهم وكأنه لا يحمل على ظهره وزنا، وضاع الاسم بين صدى عدو الحصان على أرض الغابة الندية:

«إيلاس. اسمي إيلاس يا عزيزتي آرسي»

1

سعدت آرسي بهذه الزواج جدا، لقد كانت دوما ترفض كل العرسان المتقدمين لها لأنها تعلم علم اليقين أن نهايتها ستكون بين جدران قصر فخم كقصر والدها، تلبس ثيابا مزركشة وتتقلد يد رجل شاب له سلطة، تلد له أولاده وتبقى حياتها رتيبة كما هي، لكن لما رأت الطبيب الذي قدم إليهم، وعلمت من أمها أنه عازب، غني، ويلقب بالطبيب الحكيم كما أن شهرته غطت كل البقاع، يقيم له الجميع وزنا وكأنه ملك ابن ملك، وتتهافت عليه الأيدي، ويخطبه الملوك وأبناء الملوك لبناتهم. بهذا علمت أن والديها لن يمانعا قط زواجه منها!

لذا تبعته في كل مكان محاولة إيجاد نقطة ضعفه لتهاجمه منها وتكيد له المكائد، فتوقعه بشباكها، ما فتئت تظهر أمامه بفستان تلو الآخر، وتتمشى أمام غرفته ليتسرب عبيرها إليه، وكلت يداها وهي تحرك شعرها بحركات هوجاء ظنتها مغرية، وللحق أنها بدت له مثل ذبابة ترقص، ولم يشفع لها شيء سوى حسنها.

لكن ما كان ذلك ليهمها، فلقد نجحت خطتها وأفضت للنتيجة التي أرادت، لكن لم يكن كل شيء كما هو مخطط له بالضبط. فقد فطنت أمها لفعلها ولما أنها يئست منها ومن عزوفها عن الزواج دعمتها في الخفاء.

كانت أمها داهية دوما، لكن ولأول مرة تجد نفسها تحب هذا الدهاء فيها، مع أن ما فعلته كان مثيرا للسخرية، فقد سألت الطبيب إن كان يرغب في الزواج، وحين أجاب بالنفي أخبرته أن ستهديه ابنتها كزوجة تخدمه لقاء هذه الخدمة، ولما أن أرسيلا كانت متحمسة لهذه الفكرة لم تجد ضيرا في أن تقتحم على الرجل غرفته وتنحني أمامه بخيلاء وهي تهتف: «مرحبا، أنا زوجتك!»

لقد وقعت الأوراق، وشاع في المدينة كلها أن الطبيب الحكيم تزوج الأميرة الوسطى أرسيلا الفاتنة، وأمام هذه المصيبة، ولما عللت الملكة أن الخطأ خطأه لأنه لم يرد بشكل صريح عن رفضه لابنتها، وانها اميرة وسيلحقها العار ان طلقها امام كل اهل المملكة!

2

وها هو قد وجد نفسه مرغما على إكمال مراسم الزواج الخرافية هذه، لتصبح أرسيلا زوجته!

اتسعت ابتسامة أرسي من الأذن للأذن، مدت عنقها الغض ونظرت لزوجها، فلم تصبر منه سوى شفتيه المزمومتين ولحيته الشعثاء. تراها هل احسنت صنعا بالزواج من رجل بالكاد رأت وجهه!

استمرت رحلتهم في الغابة لما يقارب خمسة أيام، وقد كان الطبيب محقا في قوله، لم تناسبها بدائية الرحل فأصيب فخذها بقروح بسبب الجلوس الطويل والاحتكاك مع سرج الحصان، وكان الألم جهنميا لا يطاق، لكنها لم تسري بهذا الخبر له، لكنه انتبه لذلك بطريقة أو بأخرى، لذا انزلها من فوق الحصان وتركها قربه وقال لها:

«سنكمل مشيا من هنا، لم تعد المسافة طويلة. وما إن نصل سأعد لك دواء يخفف من تلك القروح. هل يمكنك المشي؟»

أجابت آرسي باقتضاب:

«أعتقد أني أستطيع»

لكن مشيتها كانت خرقاء كأنها بطريق، ولاحظت بطرف عينيها ابتسامة الطبيب من تحت القلسونة التي تغطي نصف وجهه، فانتفخت أوداجها غضبا وبدأت تحاول تعديل مشيتها متحاملة على ألمها.

الشمس كانت حارقة جدا، طوال الأيام الماضية كانت أفانين الغابة تظللهما ولكن بما أنهما خرجا منها منذ مدة فقد أصبحا تحت السماء العارية مباشرة، تحرقهم الشمس بنارها، وجعلها هذا تشعر بالسخط أكثر علاوة على أن ثوبها المنفوش كان يناسب أميرة في مكانتها لكن ليس زوجة طبيب رحّال، لا يعرف سوى الغابات موطنا.

بيد أنها كانت عنيدة كالبغال، ولم تشأ أن تترك للطبيب فرصة يتقين من خلالها أنه تزوج أميرة عادية مدللة! لا، ليس بعد أن حاربت طوال حياتها كي تتخلص من هذا النعت الذي يثير أعصابها.

فجأة أحست بشيء يلقى عليها ويحجب أشعة الشمس الحارقة، استدارت ونظرت نحو الرجل الذي يقف أمامها وقد اعترتها الدهشة، قال:

«ارتديه ولا تخلعيه أبدا. سندخل للملكة قريبا»

كانت ما تزال تحدق به بلسان معقود فضم حاجبيه بحيرة وحين هم بالاقتراب منها أسرعت تدس يديها في الرداء الواسع وتضع القلسونة فوق رأسها فحجبت وجهها كله حتى ذقنها. ضحك الطبيب ثم اقترب وطوى حافتها حتى عينيها. تقدمها بالحصان فتبعته مسرعة.

1

كانت تلك أول مرة ترى في وجه الطبيب كاملا دون أن يحجبه شيء. حتى في ليلة زفافها لم ترى منه شيئا في ظلام المخدع وطوال فترة إقامته في قصرهم التزم بردائه الرث المثير للأعصاب.

تقدمت منه بخطى حثيثة، ركزت عينيها على شعره الأسود والخصلات البيضاء التي تتماوج فيه وكأنها قد صبغت صبغا. كان شعره يبدو مرقطا، يمتزج به اللون الأسود بخطوط بيضاء، قد كان شعره طويلا يكاد يصل لكتفيه، وهو ناعم كلما تحرك تموج.

له ذقن طويلة حادة، تظللها لحية سوداء شعثاء، ويكاد أنفه يختفي خلف شارب غليظ.

له عينان ضيقتان بلون التراب الأحمر، وبشرته ضاربة للسمرة، وقد يبدو أن لونها الطبيعي من لون جلد رقبته أصفر باهت، غير ان الشمس سمرته.

«عذرا، لكن رداءك، ألا تحتاجه؟»

حول بصره نحوها، ثم قال:

«سأشتري واحدا يماثله من أسواق المملكة التي سندخلها»

ضحك مكملا وهو يرى عجبها:

«إنه ليس شيئا مهما، سوى أنني أرتديه للحماية من أشعة الشمس وقد أصبح يلازمني من وقت طويل لذا اعتدت ألا أخلعه. لكني لن أذوب أو اختفي إن فعلت. كما أنني أفضل أن تلبسيه دوما ولا تخلعيه»

اومئت برأسها وتبعته بسكون، لن تسأل لماذا، فلطالما وصف بالطبيب الحكيم، وهذه الأيام الثلاثة التي قضتها معه وحدهما دون عمل يكبله أو مريض يشغله اكتشفت فيه بعدا جديدا لشخصيته، عدا كونه حكيما وخبيرا بالأعشاب فقد كان يجيد الصيد ويعرف طريقه في الغابة دون استعمال أية خريطة ودون أن يتوه وقد كان محدثا لبقا جدا.

الشيء الوحيد الذي يزعجها وما يزال يزعجها، هو رائحة الأعشاب الحادة التي تفوح منه مختلطة برائحة التراب المبلول، لم تكن تفوح منه روائح العطر كما اعتادت من الملوك والأمراء الذين تقدموا لها، وهذه الرائحة مُرة وقوية وتصيبها بالغثيان.

إضافة إلى أن يديه مملتئتان بالجروح، وهو يقارب الأربعين من عمره بينما هي ما تزال في الثانية والعشرين من عمرها، ولديه ضرس مخلوع يظهر إن ضحك بقوة، وكم ضحك عليها في الأيام التي مضت!

غير ذلك ما يزال يتمتع ببنية قوية، وقد لا يكون وسيما لكن فيه ما يبهر المرأة ويجذبها، يبدو رجوليا بشكل مرعب حتى لها، وقفته شديدة، حركاته سريعة، ويبدو مسؤولا، متحكما لا تفوته فائتة، ولحسن الحظ فهو لا يبدو كرجل مسن يكاد يبلغ الأربعين، اللهم أن لحيته هذه تثير غيظها ولو أن يدها وقعت على شيء حاد لسجتها كما يسج العشب.

سألته:

«لما شعرك مخطط باللونين الأبيض والأسود؟»

ابتسم بتسلية:

«سقطت وأنا صبي في وحل الخنازير، كنت ما أزال جديد العهد بالأعشاب ووقعت يداي على عشبة نفاذة الرائحة فظننتها قد تساعدني للتخلص من الرائحة لكنها جعلت شعري أبيضا بالكامل. مع الوقت نما لي شعر جديد لكن لا تزال لدي بعض الخصل البيضاء القديمة لذا يبدو هكذا. أعتقد أنه موضة جميلة»

ابتسمت آرسي وقالت بمرح:

«أحب أن يكون لي شعر مثله»

نظر لها ثم للغطاء الذي يغطي شعرها الجميل، هز رأسه:

«إن شعرك جميل كما هو، ثم إن تلك العشبة سببت لي قروحا شديدة»

عبست ودست يديها عميقا في جيب الرداء فاستطاعت أن تتحسس حبيبات التراب فيه مما أنبأها أنه يضع الأعشاب في جيبه أيضا، رغم أنه يضع قدرا كبيرا منها في حقيبته البيضاء التي يشدها على صدره.

وهو لا يكاد يمشي خطوة إلا انحنى نحو عشبة ما، يدقق فيها النظر بعينيه، يتحسسها بأصابعه، يشمها ثم يرمى ورقة أو اثنتين منها في فمه ويلوكها في بطء، يتمتم باسم العشبة في صوت يقارب الهمس ثم يقتطف بعضا منها فيدسه هنا أو هناك.

سحبت يديها ونظرت باستياء لأظافرها البيضاء التي تكدست تحتها الأتربة، تنهدت وأعادت يديها للجيب، لقد قالت لها والدتها دوما أن حياة الخارج التي تريديها لن تكون أبدا كقصر أبيها الواسع، وأنها مهما احتجت تظل أميرة عاشت بين الحرير والجواري. إن أمها محقة، لقد كانت دوما كذلك، فها هي بعد أيام ثلاثة فقط تشتاق لحمام الورد المنعش ولسريرها الضخم الناعم، وللجواري اللواتي يدلكن ظهرها بالأعشاب العطرية.

لكن لا! إنها قد اختارت هذا المصير بنفسها ولن تسمح لشيء أن يوقفها أو يجعلها تتمنى عكس ذلك.

وصلا بعد ساعتين من المشي للمملكة الجديدة، كان يحيط بها سور ضخم أقيمت فوقه المدافع، والحراس يقفون أمام بوابتها الفارهة ضخام الجثة تملأهم الندوب، لم يكن شيء يشبه مملكتهم ومدينتها المسالمة التي تحيط بها زهور الأقحوان.

التصقت بزوجها وأخفضت القلسونة أكثر على وجهها لتتحاشى نظرة الحارس المخيفة.

كان هناك بالفعل ناس كثر عن البوابة بانتظار فتحها، وظنت أنهم سينتظرون أيضا حتى تفتح البوابة ويبدأ الحارس بإدخالهم لكن إيلاس تقدم بخطى واثقة نحو البوابة الضخمة يجر في يده الحصان وهي ملتصقة به:

«قف عندك!»

توقف إيلاس عن المشي، تجاهل نظرة الحارس وقال

«افتح البوابة، لدي موعد مع الملك»

نظر له الحارس بازدراء، والقى نظرة اشمئزاز على قميص الكتان المتعرق الذي يرتديه، وثم حرك بصره نحو آرسي الذي يختفي معظم جسدها تحت الرداء الجلدي الفضاض الممتلئ بالغبار.

«أجل، وكأن ملكنا سيقبل بمقابلة مشردين مثلكما»

ابتسم إيلاس وقال:

«ولا نحن نرغب برؤية ملككم المبجل. سمعت أنه يحتضر على شفير الموت، إن لم يكن قد مات»

احتدت عينا الحارس وجذب الحربة الضخمة من خلف ظهره ثم دس طرفها في صدر إيلاس فشهقت آرسي وتعلقت بيده:

«من أنت! كيف تجرؤ»

دفع إيلاس الحربة عن صدره بهدوء وقال:

«كنت أرغب بالمزاح أكثر كما عادتي، لكن تذكرت لتوي أن معي امرأة»

رفع عيناه لوجه الحارس وهدر بصوت آمر صارم:

«افتح البوابة، فأنا الطبيب الحكيم الذي تضرع ملككم له ليأتي»

ضيق الحارس عينيه:

«إن لي مواصفات عن الطبيب وهي لا تطابقك أبدا»

ضحك إيلاس ساخرا:

«يا ويحي إن كنت لا أشبه نفسي، تقول أمي دوما إن لي أوجها عديدة»

1

جذب من حقيبته المعلقة على صدره ورقة وناولها للحارس ثم قال:

«تفضل يا منتفخ العضلات. الآن افتح هذه البوابة قبل أن أغير رأيي وأعود، لا شك أن الذي أدلى لك بأوصافي قد أخبرك أني طبيب قليل الصبر»

نفض الحارس الورقة، وحين رأى الختم الملكي عليها في رسالة الدعوة المرسلة فقد استقام في وقفته وجذب حربته عنده:

«إعذرني يا سيدي إننا نمر بأوقات عصيبة في مملكتن...»

«أجل، أجل. افتح هذه البوابة فورا!»

أشار الحارس للحارسين آخرين فوق الباب ثم سمع صرير قوي فتحت على إثره البوابة بهدير قوي يصم الأذان، وأثارت موجة من الغبار في الأرض. سعلت آرسي بقوة فجذبها الطبيب بسرعة ودلفا من البوابة. استقبلهم الحراس في الداخل، فطلب منهم إرشادا للقصر وهكذا مشيا في وسط المدينة وراء حارس صغير متدرب.

تعجبت آرسي من الخواء والدمار في المدينة وارتعشت جراء ذلك

«ما هذا؟ هل كانت هنا حرب»

نظر إيلاس حوله بلا مبالاة:

«أعتقد أنني سمعت أن انقلابا عسكريا حصل هنا، أخ الملك أراد المُلك فحرّض بعض المرتزقة عليه. قامت حرب داخلية هنا، لكنها توقفت من أيام. ألا ترين الحراسة المشددة على التجار؟ إن بعض الخونة ما يزالون في الخارج والمملكة لم تستعد قوتها بعد»

هز كتفيه وقال

«للأسف يا أميرتي لن تري مملكة مزدهرة بل خراب يعمل الشعب على تصليحه»

ارتعشت آرسي، نظرت للحطام حولها وتنهدت بأسى، حسنا رغم كل ذلك فقد تكون حياتها في المستقبل أفضل، وهما لن يظلا في هذه المدينة طويلا.

لم يكن القصر أفضل حالا، حدائقه المزهرة صارت خرابا، ولكن ما يزال جزء منه راسخ ومرتفع. والعمال في كل مكان يرفعون الألواح والحجارة، والضجيج يعم المكان.

استقبلتهم الملكة وتعجبت تمام العجب من رؤيتها لآرسي، ليس بعد أن شاع أن الطبيب عازب ولا ينوي الزواج أبدا. ضحكت بفتور حين قال لها الطبيب أنه تزوج حديثا:

«يا له من حظ بائس، إن لي فتاة جميلة كالورد كانت لتلبي مطالبك يا سيدي الكريم»

حدجها الطبيب بنظرة ساخرة ثم قال بهدوء:

«إني أشكر لك نيتك الصافية يا سيدتي، لكن يقولون أن الشيء إن زاد عن حده انقلب ضده. وإني لأكتفي بامرأة واحدة في حياتي. عسى لابنتك أن تجد رجلا خيرا مني»

«وأين نجد رجلا أحسن منك مقاما! اتبعني يا سيدي الموقر»

قادتهما الملكة بعد ذاك لجناح الملك مباشرة، قد كان رجلا كهلا طريح الفراش. تفرق الجمع الذي كان حوله بمجرد أن أعلنت الملكة مجيء الطبيب، أما آرسي فقد وقفت في مكانها متيبسة حين انتبهت أن أحدا لم يعرها انتباها ولم تقدم لها الملكة تعريفا.

كشف الطبيب عن صدر الملك فإذا بجرح عميق في صدره متقرح ووضعت أرسي يدها على أنفها وفمها حين اشتمت رائحة عفن مثيرة للغثيان، تختلط برائحة الدم والبول، لكن زوجها لم يجفل قط. بل استفسر بهدوء عن سبب الجرح فأخبره شاب قريب بصوت متهدج أن حربة مسمومة قد دخلت جسمه، وقد استطاعوا علاج السم لكن الجرح لا يتماثل للشفاء قط مما دفعهم لإرسال دعوة له.

هز الطبيب رأسه ثم قال مبتسما:

«حسنا فعلتم»

أعاد تغطية الجرح ونظر لوجه الملك النائم:

«سأجهز معداتي ثم أعود لفحص الجرح بدقة، وإني أحب أن تكون الغرفة فارغة أثناء ذلك إلا من خادم يبقى ويشرف على الملك، ولكم أن تروه في غيابي»

هز الشاب رأسه، ثم قالت الملكة

«جهزنا لك غرفة يا سيدي، تعال وانظرها، هينا أرشدي السيد لغرفته»

رفعت آرسي نظرها نحو الفتاة المشرقة التي تقدمت نحو الطبيب مبتسمة الثغر، وشعرت آرسي برغبة في الضحك حين حدجها الطبيب بنظرة حادة وقال:

«إني أفضل ان يرشدني خادم يا مولاتي، لا أحب التعامل مع الخادمات»

قالت الملكة في ثورة:

«لكن هذه ابنتي!»

تصنع الطبيب التفاجؤ:

«حقا! إنها اصغر من أن تبدو أميرة. اعذري وقاحتي يا سيدتي»

قلب بصره في الغرفة حتى وقع نظره على آرسي ثم تقدم إليها بهدوء وجذبها من ذراعها ليخرجا من الغرفة. وحين انتهى بهما المطاف داخل غرفتهما الخاصة وبدأ الطبيب يخرج المعدات التي تحملها حقيبته البيضاء رفعت القلسونة عن وجهها وانفجرت في الضحك:

«كان ذلك رائعا»

ابتسم الطبيب

«اعتدت عليه، لكن يسعدني أنه يسليك»

لوت شفتيها:

«هل تقصد أنك أينما حللت تحاك حولك شباك الزواج ويدفع بفتيات جميلات نحوك؟»

تنهد:

«أجل، من المعروف أني رجل غني، وامتلاكي قد يكون نقطة قوة لأي ملك. فإني الطبيب الذي يطلبه الملوك ويدفعون له الذهب بالأوزان. لكني نجوت من جميع تلك المؤامرات كما ترين»

أخفضت بصرها ثم قالت بخبث:

«جميعها؟! »

حدق في وجهها الصافي لبرهة ثم قهقه ضاحكا:

«جميعها إلا واحدة، يجب أن أعترف أن والدتك داهية بحق، لقد فعلت ما عجزت عنه مئات النساء من قبلها»

صمت للحظة ثم قال:

«في الأيام القادمة سأخرج كثيرا للغابة وقد أعود متأخرا كل يوم. حري بك أن تلتزمي القصر ولا تذهبي لأي مكان. لا تثقي بأي شخص واحذري من هذه الملكة الحرباء»

«ولم تذهب للغابة؟ ألا أذهب معك؟»

«لا، لن تذهبي معي. إني أومن أنه حيث يوجد الداء يوجد الدواء، لذا قد أجد عشبة في الغابة تساعدني على اختراع جرعة جديدة يكون فيها الشفاء»

عبست آرسي:

«ولم لا؟»

«لأني أحب التوغل في الغابة، وأنت مصابة بقروح ولا تملكين ثيابا مناسبة للغابة، واعذريني، ستعطليني عن عملي»

تنهدت آرسي وقالت:

«لكنك ستعود إلي في الليل، أ ليس كذلك؟ إن هذا المكان غريب علي»

نظر لها بطرف عينه وهي ترمى نفسها فوق السرير:

«سأعود لأطمئن أن هذه الملكة لم تلتهمك وتضع ابنتها مكانك. أجل، سأفعل»

وقف مستقيما فنظرت إليه:

«أين تذهب الآن؟»

«سأفحص الملك، ثم أجهز لك بعد ذلك مرهما لقروحك. طلبت لك مياها ساخنة، وأعتقد ان تلك الأميرة المدللة لن تمانع إقراضك بعض الثياب حتى أشتري لك ما يناسب ظهر الحصان والركض في الغابات»

لمعت عيناه بدفئ عارم:

«استحمي وخذي قسطا من الراحة، ولا تحاولي فقع تقرحاتك. سأعاينها في وقت لاحق عندما أعود»

«هذا سريع جدا!»

فتح الباب وهو يتمتم:

«خير العمل ما انتهى سريعا، اراك لاحقا.»

💛💛💛💛💛💛

وأراكم انا أيضا لاحقا😂💛.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة