...
.
........
باستعمال ادوات بسيطة كالمجهر والعدسات، استطاع ايلاس اكتشاف ديدان صغيرة تسبح في الطين، ولم تكن ميتة بل تسعى على غير هدى بحثا عن فريسة، وبعضها فقط وجد ميتا.
لكن لان للادوات كانت بسيطة جدا، فقط زجاج وبضعة مسامير من الحديد، لم يستطيع ايلاس أن يرى أكثر من ذلك. ظل يقرب العدسة من الطين ويحاول التدقيق بعينيه لكنه لم يرى أبعد من ذلك.
على الأقل توصل لتحليل بسيط حول كيف انتقلت العدوى.
عاد لغرفة الأمير على عجل، ووجد الطبيب الملكي يعتني به، فقد عصفت الحمى به من جديد ولم تنخفض وقد كان يهلوس، أما الجرح فظل على حاله، ومهما عالجوه فان الديدان تعود لنهش اللحم مما يدفع المزيد من الدم والصديد للتدفق، واذا وضعت ضمادة فوقه يصرخ الأمير ألما بسبب احتكاك قطعة الثوب مع الجرح، كما أن الديدان كانت تشعره بعدم الارتياح، اذ تصبح حركتها سريعة جدا بمجرد أن توضع الضمادة فوقها.
كل شيء كان يدور في حلقة مفرغة، وصحة الأمير تتدهور وتتدهور.
استمر الأمر كذلك لمدة أربعة أيام تالية، قضاها ايلاس في دراسة تصرفات الدود والبحث في اوراقه عما يشببها، وكذلك ظل ينتقل بين الغابة وغرفته في القصر.
أجرى تجاربا لا تحصى، واستعمل أعشابا عديدة، لكن حتى لو ماتت بعض الديدان فالبيض يظل موجودا وهو يفقس في مدة وجيزة ويعود للتكاثر.
قدر ايلاس أن تكاثرها يتم بسرعة مهولة، فأكثر من خمسين بيضة يتم وضعها من طرف حشرة واحدة، ولربما يصل العدد لمئة أو أكثر.
وبعد دراسة جرح الأمير بشكل مكثف ويومي اكتشف ان الجرح لا يحتوي ديدانا وحسب، بل شرنقات صغيرة، أغلبها كان يسقط أرضا وبعضها كان يظل ملتصقا بالجلد.
حين أخذ احداها وتركها بعيدا فقست بعد يومين ذبابة صغيرة تتلون بلون أحمر غريب، ثم ظلت تدور حولها في الصحن.
كان واثقا أنها تحتاج أكثر من يومين لتخرج من الشرنقة لكن لعلها تشرنقت من وقت طويل.
عاد من جديد فأخذ دودوتان ووضعها في اللحم النيء، وتركهما لوقت، وظل كل يوم ينظر لهما ويغير قطعة اللحم لواحدة جديدة ممتلئة بالدم ورطبة، حتى أن ازر اشار مازحا لتفانيه في تربيتهما.
واستمرت الأمور هكذا لأسبوع آخر ، وطوال هذا الوقت لم يرى ايلاس زوجته قط، ولم يقصد غرفتها اطلاقا.
كان يقضي جل وقته في العمل ومحاولة صنع أدوية جديدة لتخفيف حمى الأمير وكذلك لقتل الدود الذي ينهش لحمه والذي يبدو أنه لا ينتهي.
ولأن الديدان كانت حالة خاصة ولم يتم نشرها في باقي القصر، يعلم الجميع ان الامير مريض لكن لا يعلم الا القلة أن الدود هو سبب مرضه.
ولحسن الحظ لم يكن في القصر امرأة، فالملكة توفت قبل مدة طويلة، ولم يتزوج الملك بعدها رغم ان الاشاعات أفادت أنه يخطط لخطبة إحدى بنات النبلاء التي تصغره بعدة أعوام.
والخادم الوحيد الذي كان يهتم بالأمير هو جويس، وقد كان خادما حذرا ومراعيا لأميره، وكتوم جدا.
***
بعد أيام قليلة وحين عاد لتفقد دودتيه، وجد ان الاثنتان قد خرجتا من الشرنقة، وحين عاد في اليوم الموالي وجد ما لا يقل عن خمسين دودة في اللحم.
وحين عاد بعد مدة وجد إحدى الذبابتين ميتة، بينما المزيد من الدود يغطي المكان.
هذا هو السبب اذن في ان الجرح لا ينظف على الاطلاق، فالمزيد من الدود يفقس حتى لو تشرنق الاخر، هناك الكثير من البيض في جرح الامير لدرجة أنه قد يقضي كله حياته يحاول التقاطه ولن ينجح.
من الواضح أن الذكر هو الذي مات، مباشرة بعد عملية التزواج فيما استمرت الأنثى بوضع البيض مرة تلو الاخرى دون توقف، ولا يمر على البيض ازيد من يوم حتى يفقس.
أما عملية التشرنق كانت تحتاج حوالي خمسة ايام، ثم مثلها لكي تخرج ذبابة بالغة، وبمجرد توافر ذكر من حولها فهما يتزواجان بسرعة هائلة وتنتج الانثى البيض في الحال ثم تضعه في اللحم.
ورغم موت الذكر استمرت الأنثى بوضع البيض لعدة أيام طويلة، قبل ان يقرر ايلاس انه اكتفى من الدود، فمد يده وقتل الحشرة.
وبالنسبة لانجازاتها كدودة معصومة ضد الموت، فالذبابة ماتت من فورها بمجرد أن سحقها بالملقط.
ولم يحتج لأكثر من ذلك ليعرف ماهية تلك الدودة، وقد كان قد مر. على ذلك حوالي اسبوعين اخرينؤ وقرر أخيرا أنه بحاجة لبعض الراحة قبل أن يشارك أي شخص أفكاره.
****
فوجئت ارسيلا حين فتح باب الغرفة عليها ودخل زوجها، لم تكن قد رأته منذ أسبوعين كاملين، ورغم أنها تتبعت أخباره لكنه لم يبدو بتفقد أخبارها.
علمت أنه كان مشغولا جدا منذ وطأت قدماه القصر، وأن حالة الأمير تبدو خطرة جدا، وعندما أصرت كالحمقاء على مرافقته لعمله كان عليها أن تتوقع أن يتركها خلفه، فهو قال لها ذلك بكل وضوح.
ورغم علمها بكل هذا لم تستطع منع شعور الانزعاج من التفاقم داخلها، فأسبوعان دون حتى سؤال واحد هي مدة طويلة، طويلة جدا.
أخفضت بصرها عنه وعادت لحياكة الخيوط التي كانت بين يديها، فقد قررت الاستفادة من الوقت الضائع وأن تصنع ثيابا لصغيرها، لكنها في النهاية وجدت نفسها تصنع دمية ضخمة باللون الوردي.
اتجه ايلاس رأسا للحمام، فاستحم بالمياه الباردة، لم يرد التفكير حتى بلمس زوجته او الاقتراب منها وبعض الأشياء المجهولة متعلقة به.
غسل جسده بعنف ونظف أظافره، ثم غير ملابسه جميعها، قطعة قطعة، قبل أن يقرر أنه مستعد الآن للحديث لها دون أن ينتابه وسواس من أن تعلق بها دويدات مقززة.
كان بجانبها على المائدة ابريق شاي ساخن، وصحن مشكل من الحلويات الشهية، فابتسم.
انه يثق انها تحصل على رعاية جيدة، وليست كالتجربة السابقة، فالملك أبدى استعداد تاما للعناية بها وبكل ما يخصها، فقط قي سبيل ألا ينشغل زوجها بها ويخصص وقته لرعاية الأمير.
مرر نظره على الغرفة بينما يجفف شعره، كانت غرفة فاخرة مطلية بلون بني فاتح، كالكراميل، وتتزين أرضيتها بفسيفساء بيضاء فاخرة.
وقد كانت كل قطعة منها مطلية بالذهب وبأعلى جودة.
جلس مقابلها على الكرسي الاخر، وملا لنفسه فنجان شاي ساخن، ارتشف منه القليل ثم زفر انفاسه بارتياح، من الجيد أن تكون ثريا، فهذا الشاي لذيذ ودافئ يبعث السرور في النفس.
التقط قطعة بسكويت من الصحن والتهمهما في قضمة، حدق بالدمية التي بين يديها وابتسم:
«لماذا اللون الوردي؟»
لم ترفع بصرها له وظلت تنظر للخيوط، لكنها أجابت بهدوء:
«لأن اللون الازرق غير متوفر»
أصبغ صوته بالمرح:
«ظننتك تظنينها أنثى»
تمتمت بصوت مكتوم:
«أنا لا أظن شيئا»
ابتسم بتوتر، انها حقا غاضبة، غاضبة جدا! يا اله السماوات، كيف سيتعامل مع هذا؟ الدود كان اسهل.
وضع الفنجان من يديه بهدوء وقال:
«اذا ما رايك بصنع واحدة أخرى باللون الأزرق؟ سأطلب من الخدم ان يوفروا لك اللون»
مرت لحظة صمت متوترة ثم قالت بجفاء:
«فعلت ذلك من قبل»
«اوه! حسنا»
انزلقت الدمية عن حضنها مع بكرة الخيوط فانحنت لتحضرها وحين استقام ظهرها من جديد وقع بصره على خصرها.
انه واثق أنه لم يترك بطنها بارزة بهذا الوضوح؟ ياله من تطور مذهل، وكل هذا في اسبوعين؟ لربما بعد اسابيع قليلة فقط ستكون بطنها بارزة جدا بما يكفي لتتخذ شكلا مكورا مغريا.
كان يتوقع ألا يكون بروز معدتها واضحا لأنها نحيفة الجسد، ورغم أنها اكتسبت بعض الوزن خلال حملها، لكنه لم يكن سوى بضعة ارطال.
اعادت الدمية لحضنها فاختفت بطنها خلف كومة الخيوط تلك مما دفعه ليعبس.
لم تبدو مستعدة لمشاطرته الحديث، ورغم أنه كان يشعر بالنعاس لكن ان نام وتركها فهناك احتمال كبير أن تطعنه بالابرة التي تحيك بها.
لاحظت ابتسامته الغريبة فكشرت في وجهه:
«ماذا تريد؟»
«انا فقط احادث زوجتي، هل في هذا خطب ما؟»
هزت كتفيها:
«لم تفكر أن لك زوجة طوال اسبوعين»
تنهد، طوال اسبوعين كان عقله ممتلئ بالدود، لدرجة أنه رآه في كوابيسه.
«هل ما زلت غاضبة»
اضاف بعبوس:
«انا من يجب ان اغضب، لقد عصيت كلامي»
قالت باندفاع:
«أنا لست عبدة لديك»
اجاب ببساطة:
«انت زوجتي، ومن المفترض أن تسمع الزوجة كلام زوجها»
رفعت رأسها في شموخ:
«ماذا ستفعل ان عصيتك مجددا؟»
بدت ابتسامته سمجة للحظة، ثم أظلمت عيناه:
«لاشيء. الا لو كان الأمر يتعلق بأمر خطير ..»
«وان كان؟»
«سوف أقيدك واضعك في عربة تعيدك للمنزل»
«اتحداك!»
مد يده للصحن فالتقط قطعة بسكويت اخرى، قضم البعض منها وتساقط الفتات على ثوبه، ابتسم بشقاوة:
«لا تتحديني، لاني انفذ كلامي دوما»
شخرت في وجهه ساخرة:
«ارى ذلك، وجودي أمامك دليل قاطع. اليس كذلك؟»
انفلتت منه ضحكة صاخبة، فتفاجأت، نظرت له مبهورة:
«عزيزتي، لقد هزمتيني مرة، لكنها لن تتكرر»
رفعت له عينان تلمعان بخبث:
«هل تراهن على ذلك؟»
دفع باقي البسكويت في فمه:
«بكم؟»
«لا أدري، سوف تنفذ لي شيئا مهما كان في المقابل»
«أتجعلينني خادمك؟ أثق انك ستفعلين شيئا كهذا»
ابتسمت رغما عنها:
«لا!...ربما»
«ربما، تقولين؟ ماذا عني؟»
«حسنا، سأمنحك شيئا في المقابل. الأمور تسري هكذا»
هز كتفاه:
«حسنا»
التقط فنجانه من جديد وافرغ باقي الشاي في حلقه، امتد صمت قصير بينهما، لكنه كان صمتا هادئا ولم يعكره توتر مزعج، واختفت التقطيبة الواسعة التي كانت منقوشة فوق جبين ارسي.
رفع اصبعه واشار نحو معدتها:
«كيف يسري الامر معك؟»
استغرقت لحظة لتفهم معنى اشارته ثم تخضب وجهها بحمرة خفيفة:
«جيد، على ما أظن»
«اتأكلين جيدا؟»
«اجل»
«ويهتمون بك هنا؟»
«لدي وصيفة خاصة، انها تهتم بي جيدا. وأنا أخرج للتنزه في الحديقة من حين لاخر»
خطر على بالها فجأة فازداد حمرة خديها:
«فقط…»
«فقط؟»
انخفص صوتها حتى أنه عانى ليسمعه:
«هناك الكثير من الغازات في معدتي، انها تفرقع وتفرقع طوال اليوم»
قطب جبينه:
«غازات؟»
هزت راسها بقوة:
«نعم، انها تستمر من حين لحين، وهي مزعجة قليلا»
حدق بها لوقت طويل:
«لماذا تحدق بي هكذا؟ هل الأمر خطير»
تنهد:
«قد لا تكون غازات أيتها الحمقاء»
نظرت له بدهشة:
«وماذا قد يكون؟»
«الطفل»
نظرت له بجزع:
«الطفل؟ الطفل يفرقع!»
اهتز صدره بضحكات صامتة، طفرت الدموع من عينيه وجاهد لينطق كلماته:
«يفرقع؟ هل تظنينه حبة كستناء؟»
اندفعت واقفة بغضب:
«انت تسخر مني»
راقب ايلاس الخيوط والابر وهي تتدحرج على الأرض، ثم تنهد:
«انهها ليست فرقعة، انه يتحرك. لكن لانه ما يزال صغيرا ففي للغالب حركاته غير واضحة لذا تشبه…»
صمت للحظة وقال مفكرا:
«تشبه حركة ديدان في الأمعاء»
شحب وجهها فصاح مصححا:
«فراشات، فراشات»
«ما هذا التشبيه الفظيع؟»
نهض واقفا بدوره وقال معتذرا:
«اسف، انا مرهق للغاية من العمل، لذا أفكاري مشوشة»
اتجه نحو السرير ورمى نفسه فوقه:
«سأنام قليلا، إن سأل عني شخص ما أيقظيني»
لم يمهلها لترد عليه، اذ أغمض عينيه من فوره، وما هي سوى ثوان حتى غاب في نوم عميق.
***
يقولون إنك لن تهنأ في هذه الدنيا أبدا، ولو تذوقت لحظة هناء فتأكد أن الطبق القادم مر كالحنطل، لن تبتلعه بسهولة.
وإذا ما ظننت أنك وجدت الحل لكل مشاكلك فإنك واهم، لأن الدنيا كعجلة دوارة، كلما ظننتها ابتعدت عنك، عادت لتدهسك…وماذا نفعل؟ هكذا نعيش، وهذا ما قدر لنا.
استيقظ إيلاس بعد غفوة قصيرة لم تتجاوز الساعة، على صوت زوجته وهي تهزه باصرار، كانت عيناه ملتصقتان بشدة حتى أنه بالكاد استطاع فتح واحدة ونظر لها بانزعاج:
«ماذا؟»
«هناك شخص ينتظرك عند الباب»
عدل وسادته تحت رأسه متنعما بملمسها الناعم، سأل بلا مبالاة:
«من؟»
«الطبيب ازر، هذا ما قاله لي»
أغمض عيناه:
«قولي له أن يذهب. أنا نعسان»
حدقت به باستسلام ثم عادت نحو الباب، حدقت بالرجل الذي ينتظرها بصبر نافذ، كانت عيناه الضيقتان تعبران عن ضيق وتوتر شديد، بينما عضلاته وطوله المهيب أخافانها، فهو أطول من زوجها بكثير، اعرض بكثير، ابتلعت ريقها ببطء وقالت له:
«إنه مرهق جدا، هل يمكنك العودة لاحقا؟»
نظر لها بدهشة:
«أعود لاحقا؟ ألم تخبريه أن الوضع خطير؟»
تلكأت في كلامها أمام غضبه:
«انه…انه…نعسان»
«تبا له»
اقترب خطوة للامام ثم قال بنزق:
«اعذريني»
واقتحم الباب قبل أن تجد فرصة لمنعه، اتجه صوب زوجها باصرار ثم جذبه من السرير في حركة واحدة، رمش ايلاس بغير استوعاب وتذمر لكن ازر أخرسه بكلمتين:
«العدوى تنتشر!»
طار النعاس من عينيه، تنتشر؟
قفز واقفا، وبحث عن حذائه بالحاح:
«متى؟ كيف؟ لماذا لم تقل هذا باكرا؟»
«لقد اكتشفنا ذلك توا، وبحثت عنك في جميع ارجاء القصر، علمت فقط عن طريق الصدفة أنك هنا. لم يخطر ببالي أنك تركت عملك لتتنعم بأحضان امراتك!»
صر ايلاس على أسنانه:
«لم أكن…»
قاطعه بجفاء:
«لا يهمني. تحرك من فورك، لقد اضعت وقتي»
أسرع الرجلين للخارج فتنحت ارسي من طريقهما وهي تراقبهما بدهشة، رمقها ايلاس بطرف عينيه فلاحظ شعرها الأشعث وعيناها الناعستان، لعلها كانت نائمة أيضا، وهذا الغول حرم كليهما من النوم.
نظر له بغضب وهما بطريقهما لغرفة الامير:
«لا تدخل لغرفتي مجددا دون إذن»
حدجه ازر بنظرة ساخرة:
«لم أكن أنوي أن أسرق امرأتك»
وأردف بخبث:
«مع أني لا أنكر أنها رائعة الجمال، سمعت أنها أميرة»
توقف ايلاس عن المشي، استدار نحوه بغتة وقد اسودت عيناه غضبا، ورغم طوله المهيب شعر آزر أنه قد تضاءل ليصبح بحجم فأر صغير، ضغط ايلاس على حروفه ونطقها بوضوح:
«لا تذكر زوجتي على لسانك»
«حسنا. اهدأ، كانت مزحة»
عادا ليستكملا طريقهما فيما برطم ايلاس:
«لن أغفر لك المرة القادمة»
«يا رجل!»
توقف ايلاس للحظة عند الباب وسحب نفسا عميقا ثم دفع الباب الذهبي الواسع ودلف للداخل بسرعة يتبعه ازر.
كان في الغرفة الطبيب الملكي، وجويس وكذلك الملك، والأمير يستلقي على السرير، حدق به بغضب بمجرد أن دخل:
«أين كنت؟»
«اعذرني سموك، لقد سرقتني عيناي»
مرر نظره للموجودين ثم سال بجدية:
«ماذا حصل؟ سمعت أن العدوى انتشرت؟ كيف؟»
انتقل بصر كل من في الغرفة نحو جويس فابتلع هذا ريقه بتوتر وقال:
«إنه خطئي»
نظر له ايلاس بحدة:
«ماذا فعلت؟»
تقدم جويس خطوتين للأمام، وبتوتر بالغ سحب يداه من خلف ظهره، ومدها أمام عيني ايلاس.
كان في يده جرح صغير، لربما تسببت به اداة حادة، وداخل الجرح الدامي تسبح بضع دويدات. تمتم بتوتر:
«رأيتها البارحة، غسلت يدي جيدي ونظفتها لكنها عادت في الصباح»
صاح ايلاس باندفاع:
«البارحة؟ ايها الأحمق ألم تكن معنا طوال الوقت! هذه الديدان اللعينة لا تموت فقط لأنك غسلت يديك، حتى لو حرقتها حية ستعود!»
ارتبك الشاب بتوتر:
«أنا اسف، أردت فقط ألا أثير الفزع فيكم»
زم ايلاس شفتاه بغضب جم حتى ابيض فكه، لكنه ضبط أعصابه. سأله بأكبر قدر من الهدوء:
«كيف حصل هذا؟ ومتى؟»
«لا أدري، وجدتها في جرحي البارحة، كان قد بدأ يحكني فأبعدت الضمادة عنه ووجدتها داخله»
«متى جرحت يدك؟ وكيف»
«بسكين المطبخ، كنت اقوم بتقشير بعض الفاكهة للأمير»
«ماذا فعلت بعد ذلك؟»
ابتلع ريقه بتوتر:
«نظفت جسد الأمير بالماء»
حدق ايلاس به للحظة وسال باندفاع:
«القفازات؟»
«لم ارتديها، كان جرحي يؤلمني فلم ارتديها»
حبن ضاقت عينا ايلاس عليه اندفع يدافع عن نفسه:
«لكن اقسم، أقسم لك أني لم ألمس الجرح، لم أقترب منه حتى! لقد نظفت فقط ساقيه وباقي جسده كنت حذرا جدا»
رفع ايلاس حاجبه باستنكار وأشار لجرحه :
«وكيف تفسر هذا؟»
أخرس هذا الخادم وظل واقفا وهالة من الانكسار تحيطه.
كتف ايلاس يديه على صدره:
«اخبرتكم جميعا بوضوح تام أن هذه الأشياء تنجذب للدم، لا يهم ان لم تقترب أنت منها، يمكنها أن تشم رائحة الدم وتنجذب له. من الطبيعي ألن تكون هي من زحفت نحوك وليس العكس. ولعلك لم ترها بسبب لونها الشبيه بلون البشرة. ولو أن واحدة فقط هي التي زحفت فجرح الأمير ممتلئ بالبيوض، يكفي ان تنتقل لك بيضة واحدة وستتحول حياته لجحيم، يمكن للبيوض ان تعلف في البشرة وحتى الملابس، الم تفهم من المغزى من جعل الخادم في هذه الغرفة واحدا! لقد أردنا الاحاطة بانتشار البيوض! حذرتك من عدم ارتداء القفازات، وطلبت منك تغيير ملابسك والاستحمام فور خروجك، وطلبت منك الا تلتقي بأي شخص أو تلمسه قبل أن تنظف نفسك، لقد قلت هذا للجميع!»
« انا اسف، لكني حقا لقد غسلت يدي و..»
خفت صوته فساله ايلاس باستنفار:
«و؟»
«نزعتها بالملقط»
ندت عن ايلاس ضحكة ساخرة:
«هه! لقد ساعدتها على التكاثر»
توجهت الأعين جميعها نحوه فتنهد:
«لقد توصلت للكثير من المعلومات اليوم حول هذا الكائن»
تمتم الأمير بنزق:
«وبدلا من مشاركتنا اياها ذهبت لتنام في احضان زوجتك؟»
«اكرر مجددا، لم أكن في أحضان زوجتي! ما خطبكم؟»
ابتسم الطبيب الملكي والملك فيما تنهد ايلاس بصبر نافذ:
«لقد كانت غلطتي، اني اسف»
هز الملك يداه:
«لا تهتم،. ما الذي توصلت له على كل حال؟»
اومئ ايلاس براسه ثم أخذ يشرح لهم كل ما توصل لهم عن الدودة، عن حياتها، وكيف تتكاثر عندما تصبح بالغة، وحتى عن طريق الانقسام:
«الذباب الذي كنا نظنه بسبب الحرارة وعفونة جرح الأمير كان هو الدودة بعدما تنتهي فترة شرنقتها. والذباب بطبيعته ظل ينجذب في كل مرة للجرح المفتوح فيضع فيه مزيدا من البيوض»
صمت للحظة ومرر عيناه عليهم ليقرا تعابيرهم ثم اضاف:
«قدرت انها دودة حلزونية، لكن نوع مختلف لم أره من قبل فهي حمراء الظهر على عكس العادة، وهي أشرس من الذبابة العادية، وحياتها أطول ببضعة ايام. لعله نوع جديد أنتجته الطبيعة»
هز كتفاه:
«على كل، تصبح الانثى بالغة بمجرد خروجها من الشرنقة ويمكن لعملية التزواج أن تتم في التو. الأدهى أنه حتى بعد موت الذكر بعد التزواج تظل الانثى تنتج البيض على دفعات»
تساءل جويس بانبهار:
«كيف؟»
«الذبابة الحلزونية العادية تخزن المني داخلها، وتظل تخصب البيض بشكل ذاتي. اي يمكنها التزواج مرة واحدة وتنتج البيض طوال حياتها، يمكنها ان تضع في الدفعة الواحدة ما يقارب مئتي بيضة، وكل بيضة تحتاج يوما او بضعة ساعات لتفقس»
غضن الامير حاجبيه:
«ولم تضعه في الجروح؟»
«هذا نهجها، تضع البيت في الجروح المفتوحة، فالديدان تتغذى على الدم واللحم الطري. ان كان الجلد جافا فلا تهتم به، غير ان النوع الذي لدينا أكثر شراهة من الدود العادي، ومطور بطريقة مرعبة، فهي منيعة ضد السموم»
تساءل ازر:
«رايت ذلك بأم عيني في الغابة، لكن أتقول فعلا انها لا تنجذب سوى للدم؟»
هز ايلاس راسه، مد يداه نحو الطاولة فالتقط ملقطا، تقدم من جرح الأمير وتناول دودة بحذر ثم امام دهشتهم وضعها على يده مباشرة، ابتسم:
«لا تقلقوا، بما أن يدي ليست مجروحة فهذه الديدان لا تشكل أية خطورة»
غضن جبينه وأضاف:
«المشكلة هنا، أنها تنجذب لأبسط الجروح، وتقوم بتوسيعها. كما حدث في جرح الأمير. وهنا يكمن الخطر»
دهس الدودة بين أصابعه فتحولت لعصارة مقززة:
«بمجرد أن تنتشر البيوض بين الناس فسوف تتحول لكارثة، لان الناس جميعها لا شك تحمل جرحا في جسدها، ولو كان بثرة»
تمتم جويس بدهشة:
«لقد ماتت»
ابتسم ايلاس:
«نعم، يمكنها أن تموت بمجرد ان تدهسها، لكن سوف تظهر واحدة اخرى ان كانت هناك بيضة خلفها، ولا يمكننا ان ندهس كل دودة على حدة»
«لكنك قلت انها تتكاثر عن طريق الانقسام؟»
«نعم، ان مزقتها نصفين فسوف يصبح كل نصف دودة، وهكذا دواليك، لكني الان لم امزقها بل فجرتها»
اضاف بعد لحظة:
«دودة واحدة لا تشكل مشكلة، لكن العشرات في جرح واحد لهي مصيبة. يوما بعد يوم سيتعفن الجرح ويتوسع ولن يقدر الجسد على محاربة هذا الطفيلي لذا ستنهار دفاعاته»
استدار نحو الأمير مكملا:
«عاش سموك لأنك حظيت برعاية ملكية، بأطباء خاصين يشرفون على حالتك ويحاربون التعفن بالادوية مما مكن مناعتك من الصمود، لكن العديد من الناس في هذه المملكة لا يمكنهم الحصول على مثل هذه الرعاية، لذا مثل هذا التعفن الخطير يهدد حياتهم»
تدخل ازر في الحوار:
«والاطفال اكثر عرضة للجروح من غيرهم، لذا هم الاكثر عرضة للعدوى، ونحن لا نعرف ان كانت هذه الذبابة تحوم الآن في الخارج وتضع البيض في كل مكان»
هز ايلاس راسه موافقا:
«لقد وصلت الذبابة للمدينة عن طريق جرح الامير، وسواء اكانت جديدة ام سبق وان وجدت في الطبيعة فهي تشكل خطورة بقدر الطاعون»
توتر الملك وسأل:
«هل تقترح أن نعلن حالة طوارئ؟ ولكن هذا سيتسبب في فوضى عارمة؟»
استدار ايلاس اليه وقال بجدية:
«عن طريق جويس انتشر البيض الان في مكان من القصر، وان كانت هذه الدودة قد ظلت ملتصقة بهذه الغرفة طوال الوقت، فهي الآن خرجت عن حدود سيطرتنا. لا يكفي إغلاق الغابة، ولا احتجاز الامير في غرفته. لقد حاربنا قدر استطاعتنا الذباب وقتلناه بالمبيدات ومنعناه من الانتشار خارجا، لكن لا يمكننا رؤية البيض لنحاربه»
رفع يداه في حركة قاطعة:
«حياة الناس في خطر جلالتك، وانت راعيهم، فكن على قدر المسؤولية!»
تجمعت الانظار جميعها على الملك، فزفر أنفاسه:
«حسنا. فالملك لا يساوي شيئا دون شعبه. سوف أتولى هذا بنفسي»
خرج مسرعا من الغرفة، وفي ذات اللحظة نطق الأمير ببؤس:
«سوف تكون هناك حالة استنفار قصوى، وسوف يصاب الناس بالرعب. هل انت مستعد لتتحمل هذا؟»
نطق ايلاس بجفاء:
«كان عليك أن تفكر في مثل هذه النتائج حين اقتحمت الغابة رغم التحذيرات»
استدار نحوه بشكل كامل:
«دعني اكن فظا معك لمرة واحدة سموك؛ من قاد المرض للشعب هو أنت! فهذه الذبابة كانت تعيش بهناء في الغابة وتتغذى على الجثث والحيوانات. لكنك من غيرت خططها وجعلتها تتجه لمنقطة سكنية»
مط شفتيه بعبوس:
«ليس خطئي، انا وسيم جدا ودمي حلو المذاق»
لكن حتى هذه النكتة لم تكن كافية لتخفف من الضيق العارم الذي شعر به الامير، ولأول مرة في حياته، يشعر بالمسؤولية الحقيقة بعيدا عن الهذيان الذي تعلمه
لقد كان يجرب كونه أميرا حقيقيا لاول مرة.
............
مرحبا.
أخبرتكم أن الفصل القادم قريب❤️🌚🌚
ونعم يا سادة...ترن ترن....كركدية انقلبت من رواية حب وعاطفة إلى غموض ورعب.
😂😂😂
تشاو🌚❤️
لا تنسو النجمة، والتعليقات، وبعرف في ناس في الخفاء...
أنا ما بعض.
rana rachade