...
وضعت آرسي يدها في يد زوجها، وخطت خارج الغربة بترنح، واضطرت لأن تتمسك بذراعه عدة ثوان حتى يفارقها الدوار. سحبت نفسا عميقا محملا برائحة العشب ثم رفعت بصرها للقصر الضخم الذي أمام عينيها.
قصر ضخم مطلي بلون الكريمة الناعمة، بينما أبراجه العالية تتزين بقرميد أزرق غامق.
العديد من النوافذ الواسعة تزين حوائطه، ويتعلق نبات اللولب المزهر ببعض أبراجه العالية مما يكسر منظره المهيب.
الأشجار المقلمة باحتراف تتوزع على جوانبه وتملأ ساحته الواسعة، والورود الشذية تجعل الجو يعبق بروائح فوّاحة.
ناهيك عن النافورة العالية التي تتوسط الحديقة الواسعة، وصوت مياهها يعلو على كل ضجيج آخر، بينما فوق سطح بحيرتها الصغيرة بتلات ورود قد تطايرت من الشجيرات المنتشرة هنا وهناك.
لم تهنأ آرسي بحضن زوجها، ولم يفارقها الدوار، لكنها وجدت نفسها تنتشل بغتة من بين ذراعي زوجها وتدس داخل حضن آخر تفوح منه رائحة عطر ثمين.
أمطرها محتضنها بالقبلات وشد ذراعيه فوق جسدها الضعيف حتى بدأت تئن:
«أبي، أنت تخنقني»
وضعت يدها على صدره ودفعته قليلا عنها ثم ابتسمت له ابتسامة كإشراقة الشمس. تمتم الرجل الكهل بصوت حنون مفعم بالمشاعر:
«آه يا جوهرتي الصغيرة، لو تعلمين كم اشتاقك أبوك. كانت فكرة سيئة أن أسمح بزواجك، أنت وأخواتك»
قرقرت ضاحكة ثم طبطبت على خده المنتفخ:
«أنت تقول دوما هذا، لكن ها أنت ذا تجهز لزفاف ماريانا. هذا غش»
عبس والتقى حاجباه الأحمران في شدة:
«إنها فكرة أمك، هي من تدفعني لتزويجكن»
«هذا لأنك تريد أن تصبح متسلطا وتسجننا في برج القصر»
«أخبرت ماريانا ألا تتزوج أصفر الشعر ذاك، ماذا ينقصها في قصر أبيها لتتزوج أميرا معتوها!»
انفجرت آرسي ضاحكة حتر طفرت الدموع من عينيها، وقدمت أمها من الخلف بينما شعرها الأسود يتمايل فوق رأسها في تسريحة ضخمة تمنحها وقارا يليق بملكة، سحبت الرجل القصير من حضن أرسيلا، ثم عانقتها:
«اتركيك من فلسفة أبيك الحمقاء. كيف كانت رحلتك يا حبيبتي؟»
ابتسمت نحو إيلاس ومدت يدها لتطبطب على خده:
«اتضح أنك رجل وسيم. لقد عذبتني نفسي كثيرا، وظل زوجي يردد أنني منحت ابنتنا لرجل غريب الأطوار»
حاول إيلاس أن يتجاوز إحراج اللحظة، مد يده في لباقة فالتقط كف الملكة ولثمه برقة:
«اعذري وقاحتي يا سيدتي، فتلك الملابس تريحني جدا في عملي. ومبارك مقدما لخطوبة ابنتك الغالية»
ابتسمت له الملكة بمجاملة، ثم سحبت يدها من يده، وعادت تقبض على كفي ابنتها.
«لعلها كانت رحلة طويلة، تفضلا للداخل. فشمس اليوم قوية»
سحبت الملكة ابنتها خلفها، فيم ظل الملك ينظر لإيلاس بتقييم واضح، صافحه برسمية تامة فكبت إيلاس رغبته في الضحك.
كانت آرسي نسخة عن والدها، عيناها، شعرها، لكنها لم ترث منه دهونه على الأغلب، ولا حتى قصر قامته.
تبادلا كلمات قليلة عن الرحلة، وعبر إيلاس عن أسفه لعدم حضور الخطوبة التي مضى عليها ما يقارب الأسبوعين. وإن كان الملك قد حدجه بنظرة تقيمية طوال الوقت فإن الجزع ظهر على ملامحه حين علم أن ابنته كانت متوعكة:
«مريضة؟ لماذا؟ ما الذي أصابها»
ابتلع إيلاس كلماته بصمت، وحدق به مشدوها، ثم رفع بصره لينظر في أعقاب زوجته، لقد أرسلت لهم رسالة فهل لم تخبرهم أنها حامل بعد!
كرر الملك سؤاله من جديد بإلحاح تام، وانعكس بريق الجواهر الذين يزين ملابسه البيضاء على عينيه المتقدة، شعر إيلاس بسخونة غريبة تنتشر في أنحاء جسده وربط لسانه:
«لربما تفضل أن تخبرك آرسي بنفسها يا سيدي»
اتسعت عينا الملك للحظة، ثم قبض على ملابس إيلاس السوداء:
«أتمازحني! إنها ما تزال صغيرة أيها الأحمق»
تضاعفت دهشة إيلاس أضعافا:
«عذرا!»
هزه الملك بغضب:
«أتحسبنني غبيا! لدي طفلتان أخريتان قد تزوجتا، ومررت بهذا الموقف من قبل»
تمتم إيلاس بتلعثم:
«يجب أن تكون سعيدا يا سيدي، ستصبح جدا»
توقف الملك للحظات ثم قال:
«حسنا إنه لمن اللطيف أن أحصل على نسخة أخرى من طفلتي الحبيبة…»
اتقدت عيناه شرا من جديد وقال:
«لا، تبا. حفيداي الصغيران لا يشبهان على الإطلاق ابنتاي»
هذا ملك؟ هذا ملك؟ هل هو ذات الملك الذي قابله من قبل وهو جالس على عرشه بكبرياء، حين أتى ليعالج الأميرة ماريانا؟!
وضع يده على مرفقي الملك، حدق بالخدم المنتشرين أمامهم وعلم من نظرة أن مثل هذا المنظر معتاد لهم. إنه ملك مجنون يقدس بناته.
«أنا آسف لذلك يا سيدي. لكن لربما تكون محظوظا هذه المرة»
صدح صوت من الخلف:
«عزيزي إلى متى ستبقي ضيفنا منتظرا؟»
ابتعد الملك بسرعة عن إيلاس، ربت على ياقة ثوبه واغتصب ابتسامة لطيفة وهو يمد يده أمامه:
«اعذرني يا صهري العزيز. لقد كنت مندفعا قليلا. تفضل، لدينا الكثير لنناقشه»
تقدم إيلاس معه وقد اقشعر بدنه، أن تتعامل مع أب مهووس مع أولاده بعيد كل البعد عن التعامل مع ملك دبلوماسي يقدر الآخرين ويحبه شعبه، الملك الذي يمثل حمامة السلام بين الممالك الأربع.
وأحس إيلاس أنه لن يحب النقاش التالي اطلاقا، لماذا لم تحذره آرسي أن لديها أبا مجنونا؟!
*****
«إذا تنتظرين مولودا؟ يا له من خبر مفرح»
احمرت وجنتا آرسي وهزت رأسها بصمت، ولكن ما لبثت أن شعرت بالغصة حين أضافت أمها:
«لكن ألا تظنين أنه كان يجدر بك ذكر هذا في الرسالة التي أرسلت؟ ما معنى أن تنتظري كل هذا الوقت؟»
لعبت آرسي بأصابعها في توتر:
«أردت أن أرى ردة فعلكما وجها لوجه»
«انت وقصصك الخيالية الحمقاء. لو اخبرتيني قبلا لكنت قمت بتهدئة والدك، ألا تعلمين ماذا فعل بزوجي أختيك من قبل! إنه يظن تزويح بناته خطيئة، فما بالك بالحمل»
ازاداد توتر آرسي:
«أبي يبالغ قليلا، لكنه بالطبع لن يؤذي إيلاس»
حدجتها أمها بنظرة ذات معنى، فأضافت بانكسار:
«أنا آسفة»
هزت أمها كتفيها باستهجان:
«سيبقيه حيا، فلا تقلقي»
تمتمت ماريانا بهدوء وهي ترتشف من الشاي:
«بالمناسبة كيف حولت زوجك هذا من رجل الكهف، لرجل نبيل؟ لقد صدمت برؤيته»
توهجت عينا آرسيلا حماسا، وهتفت بفخر:
«أو ليس كذلك! يبدو وسيما. بالطبع لقد تطلب مني ذلك مجهودا جبارا، لكنه كان يستحق»
أضافت ماريانا ببطء:
«سأعترف لك بشيء واحد، ولا تنزعجي. شعره ذاك غريب، لربما يجد بك صباغته»
علق الشاي بحلقها، مرت ببالها صورة لإيلاس وهو بشعر أسود بالكامل، لربما سيبدو أوسم، وسيناسب ذلك لون عيناه الذي يتغير حسب مزاجه من العسلي إلى اللون الترابي..لكنها لم تحبذ فكرة صبغ شعره، اغتصبت ضحكة جافة:
«هيه! يا ماري أنت تحلمين. لقد استغرق مني تغيير ثيابه يومان من الاقناع، إن حاولت تغيير لون شعره سيطلقني. إنه رجل لا يحب التغيير، يشعره الروتين بالأمان»
كانت ماريانا ذات جمال نقي، وبعدما اختفت البثور والحساسية الجلدية التي كانت تلوث وجهها، ظهرت بشرتها الجميلة، ولمعت عيناها البنيتان في ضوء الشمس، وتألق شعرها الطويل الناعم فوق كتفيها، وكان جسدها أكثر مكتنزا ذو تفاصيل أنثوية واضحة.
ولم تكن ملامحها لطيفة كأختها الصغرى، بل تبدو أنثى ذا مكر ودهاء، انثى خطرة، ونظرة عيناها المسحوبتان تشبه نظرات أفعى ناعسة. مثل أمها تماما.
«من المفترض أن يكون تتخذيه خاتما في اصبعك، أرى أنه يتحكم بك كثيرا. منعك حتى من حضور خطبتي»
«اوه لا، لقد كان قلقا على صحتي وحسب»
ابتسمت ماريانا بخبث:
«هل وجدت فارسك الخيالي أخيرا يا آرسيليا؟ هل هو هذا الطبيب ذو الشعر المخطط؟»
أطرقت أرسي في صمت، فيم ربتت أمها على فخذها ضاحكة:
«لا بأس يا عزيزتي، الحب ليس عيبا»
هزت ماريانا رأسها:
«بالطبع، مادام هذا الحب متبادل، أليس كذلك يا حلوتي؟»
خيم صمت على الحديقة، وهب نسيم حرك خصلات النساء الثلاث. فاحت رائحة الشاي في الجو حين اقتربت خادمة لتصب المزيد في الفناجين الملونة الفاخرة، وبدت الكعكات الفاخرة المصفوفة على المائدة مشرقة، وشهية.
عضت آرسي شفتيها بقوة، ثم همست:
«لا أدري…»
تدخلت أمها بحدة:
«هل يعاملك زوجك بعنف؟ هل يؤذيك يا عزيزتي؟»
رفعت يديها في دفاع تام؛
«لا. إطلاقا. إنه يعاملني بشكل جيد للغاية، ويحترمني..لكن…لكن»
ارتشفت ماريانا من الشاي بصمت وعلقت:
«لكنك لست واثقة من حبه لك؟»
«لقد تحدثنا عن هذا سابقا، قال أنه يحتاج وقتا ليحبني، ولكنه وعد ألا يؤذيني، في الحقيقة طلب مني أن أجعله يقع في حبي»
استمرت ماريانا في كلامها:
«وماذت فعلت لتجعليه يقع في حبك؟ أخشى أنك لا تتقنين فنون الإغراء، فدوما كنت تهربين من دروس السيدة سوزان حين تتطرق لمواضيع الزواج الحساسة، وتفضلين قراءة تلك الروايات التي أفسدت عقلك»
صاحت باندفاع:
«لم تفسد عقلي!»
«حقا! إذا كيف يمكن للمرأة أن تغري رجلا!»
احمرت وجنتاها خجلا، نبست بارتباك:
«يمكنها أن تحبه، وأن تهتم به…وأن …تبدو جميلة»
قهقهت ماريانا بصخب لا يليق بمكانتها كأميرة، فيم ارتسمت على شفتي الملكة ابتسامة واسعة، أمسكت كفي ابنتها بين يديها وقالت لتنهي النقاش حين رأت أن الصراع بدأ يشتد:
«كفى يا ماريانا لا تزعجي أختك. أنا واثقة أنها ليست بحاجة إلى أساليب إغراء متقدمة لتوقع رجلها في حبها. يرسل الله لكل روح من يكملها، ولعل هذا الطبيب هو نصف آرسي الثاني. لن تكون بحاجة لاستعمال أساليب إغراء ماكرة، سوف يحبها فقط عند النظر لوجهها اللطيف»
حاولت آرسي ان تنكر:
«لست لطيفة يا أمي، أنا أيضا امرأة»
هزت ماريانا كتفيها باستهجان:
«نعم، معك حق يا أمي. كما أن رجلها يبدو ذكيا، وخبيرا. لن يقع بسبب بعض الحيل»
ابتسمت بمكر وأضافت:
«كنت سأقع في حبه لولا شعره المخطط»
«ماريانا!»
«أنا آسفة يا أختي العزيزة، اعذري وقاحتي.»
اغرورقت عينا آرسي بالدموع وقالت وهي تشهق:
«لقد احتملت رحلة مريعة لأصل إلى هنا، كادت روحي تزهق في الطريق. وكل ما أتلقاه منكما هو السخرية»
مدت ماريانا أصابعها المدببة البيضاء، فمسحت دموع أختها:
«هيا أيتها السخيفة، كفي عن البكاء، ولا تهلعي فلدي ألكسس الأشقر الوسيم الذي سيجعلني ملكة فوق بلاده، لم قد أريد طبيبا فقيرا ذو شعر مخطط يحب حمراوات الشعر!»
تمتمت ارسي بشهيق:
«لا تسخري من زوجي! وهو ليس فقيرا»
«حسنا. لا أريد زوجك الوسيم، الثري. هل يرضيك هذا؟ هيا خذي هذه الكعكة»
*******
خلال اليومين التاليين تمتعت آرسي بحياة الأميرات من جديد. استحمت في بانيو مليء بالمياه الساخنة والزيتوب المعطرة، بينما تدلك الجاريات ظهرها وساقيها المتعبتان
واستمتعت بشراب بارد ومنعش بالثلج، ونامت فوق سرير ناعم يغوص بها كلما قفزت.
أكلت أشهى وأفضل الوجبات الفاخرة، وتمتعت بالحلويات التي أعدت خصيصا من أجلها.
ظلت ليومين متتالين لا تفعل شيئا سوى الاسترخاء لمدة ساعة في الحوض، بينما تقرأ كتبها القديمة، وتستمع لوصيفتها وهي تعزف فوق العود.
وانبهر زوجها من كمية الحلويات التي استطاعت أن تحشرها في معدتها خلال ظرف وجيز.
لم تخلو غرفتها من الكعك، والوجبات الخفيفة وحين حاول إيلاس أن يمنعها من أكل هذه الكمية، وصادر الحلويات التي لديها، ظهر والدها من اللامكان كالثقب.
كان يجلس مع الفتاتين في الحديقة كل يوم، ويطعمهما انواع الطعام والحلويات.
اما الأمراء الأربع فكلما التقى أحدهم بآرسي في طريقه داعبها وأمر خادمه الخاص أن يرسل طنا من الحلويات لمخدعها.
هل كانت تأكل هذا سابقا ومع ذلك كانت نحيفة لهذه الدرجة، هذا غير معقول.
ومع ذلك، كانت العائلة كلها كتلة من الحب، الاب يقدس بناته، ويدللهن كثيرا، والامراء ورثوا هذا الهوس منه.
كانت الأم هي الشخص الوحيد العاقل في هذه القلعة الضخمة، أما ابنتها ماريانا فبعيدة كل البعد عن التعقل رغم مظهرها الرزين،كانت تتلون كالحرباء، فإن كانت آرسي تحصل على ما تريد بسبب عينيها الواسعتان وبسبب مكانتها في قلب العائلة كأصغر أميرة، كانت ماريانا تتفنن في إظهار بعض الدموع أو تمارس فنون الإغراء على إخوانها.
ولا تمانع قط أن تشعل بينهم حربا لأجل المتعة، فتسرق مخططا مهما من هذا وتدسه في ملفات ذاك. أو تفتح غرفة أحدهم وهو يغير ثيابه لتطلب منه مئة قطعة ذهبية من أجل تزيين أظافرها. لكنها بالطبع كانت تعرف أين تضع موضع قدمها وكيف تجعل كل رجل مسلوب الأرادة في حضورها. وحتى حين جلس إيلاس إلى طاولة العائلة وبدأ يخوض معها في النقاش وجد أنها تتفنن بجره لمستنقع موحل، فتغرقه في الكلام، وتسحب لسانه.
كانت مزيجا مذهلا من المكر والجنون، وحمد الله ألف مرة أنه لم يتزوجها.
وعلى كل بعد مضي اليومين قرر الملك حشد النبلاء من جديد وإقامة حفل ضخم لآرسيلا، فقد كان الغيظ يأكله لأنه لم يجهز لها من قبل زفافا يليق بها كما فعل مع أخواتها..
واستغرق تجهيز هذا الحفل المذهل خمسة أيام بلياليها، وكنت ترى الخدم يتحركون في القصر وخارجه وحوله كالنحل.
وفي حين قضت آرسي هذه الأيام في التكاسل التام، قضاها إيلاس بملل ورتابة، فتارة يجلس مع أحد الأمراء الأربع، وتارة يتجول في الحديقة على غير هدى، أو يتسلى بمعالجة الخدم.
وحانت الليلة الموعودة أخيرا، تألق القصر بأضواء باهرة، وفاحت رائحة العطور والورود الشذية في المكان.وبدا القصر بأضوائه المبهرة كالقمر وسط الظلام.
وفي حين اكتظت الحديقة بالعربات الفاخرة مختلفة الأشكال، اكتظ المنزل في الداخل بنساء ورجال الطبقة النبيلة، كل منهم ينافس الآخر في فخامة الثياب والجواهر، وسرت همهمات خفيضة وضحكات مغرورة.
انتشر الخدم من حولهم باللباس الرسمي، والمريولات البيضاء، وعزفت فرقة موسيقة خاصة لحنا ناعما يتماشى مع الجو الهادئ، وزعت العصائر المختلفة.
وامتد سماط طويل عليه أشهى وافخم الحلويات التي قد وجدت في أي مكان قط.
كان كل شيء مثاليا، كما يليق به أن يكون، ولا يحتاج الامر سوى ظهور ضيفا الشرف لتكتمل هذه الحفلة الرائعة.
لكن أحدا لم يتوقع أن ضيفي الشرف هذان كان يتشجاران فوقهم.
*****
توزعت ثلاث وصيفات داخل الغرفة الفخمة، غرفة تليق بأميرة مدللة تعشق القراءة، تعشق الأشياء المثيرة للاهتمام واللامعة.
عدا عن السرير الدائري المغطى بستارة بيضاء، كانت هناك أبوابها زجاجية، إضافة إلى رف ضخم من روايات الحب، قصص سندريلا والأميرة والوحش، بياض الثلج والعديد غيرهن، كلها قصص شاعرية مفعمة بالرومنسية والخيال.
وكان حائط الغرفة عبارة عن لوحة ضخمة لباب سحري يظهر غابة ملأى بالوورد والفراشات، لعل الرسام المسكين عانى طويلا لجسيد مثل هذا الخيال على أرض الواقع.
إحدى الوصيفات كانت مستجدة، لا يتجاوز عمرها أربعة عشر ربيعا، لم تقاوم أن تلقي بصرها على أسيادها في شجارهم اللطيف.
فقد كان إيلاس منزعجا من البذلة البيضاء التي عليه ارتداؤها، بذلة بياقة عالية، وسترتها طويلة وتتزين بنقوش ذهبية بارعة الجمال.
ورغم أن ثوبها كان أجود ما يكون، لكنه كان منزعجا من كونها تحكم على أنفاسه، والياقة تزعجه، وفضل أن يخرج مرتديا قميصا حريريا خفيفا مع بنطاله الأبيض، فأقسمت عليه أرسي أنها لن تخرج ما لم يرتدي كل القطع.
والان هي تحاول جعله يرتدي الصدرية وتحكم أزرارها على جسده:
«أنها ضيقة! ارحميني من هذا»
«لم يكن هناك وقت لتجهيز واحدة على مقاسك»
رفعت بصرها عن بطنه وقالت:
«إنها مشكلتك، أنا حامل وكرشي أصغر من كرشك!»
زم شفتيه بقوة، رفع بصره للوصيفات فارتعبت صغراهن من النظرة الحادة التي كانت في عينيه. استطاعت ارسي أخيرا أن تحكم السترة على جسمه، فرغم أنه يبدو نحيلا في ثيابه العادية، لكن لديه كرش صغيرة مضحكة.
«يجب أن تتبع حمية»
تمتم بهمس:
«منذ تزوجتك وأنا في حمية، لقد نقص وزني خمسة أرطال»
«نعم!!»
حمحم، وأخفض يده نحو السرير فالتقط السترة وارتداها بحركة سريعة، سمح لها بتفقد أناقته وربطة عنقه، وأغرقته بالعطر حتى عطس، ولما حاولت تعديل ربطة عنقه للمرة الرابعة ، اغتصب ابتسامة سمجة، رفع يديه لعنقها وحرك عقد اللؤلؤ الذي كان في عنقها قليلا:
«لنذهب يا حبيبتي، الضيوف ينتظرون!»
أجفلت من هذا التحبب، فابتعدت عنه بارتباك ثم سبقته للباب وهي ترفل في ثوب بلون الكريمة الطرية ذو تنورة منتفخة مكشكشة.
كان شعرها مرفوعا فوق راسها في كعكة مذهلة، وتتزين قبته بتاج ألماسي أبهى ما يكون، بينما يداها الرقيقتان تختفيان خلف قفازات بيضاء تصل لمرفقها.
ورغم اعتراض إيلاس فقد ارتدت كعبا عاليا. بدت مثالا حيا عن امرأة فكتورية خرجت من العصور الوسطى وهي تتمختر في ثوبها الفخم.
***
هبط العروسان من الدرج في أبهى حلة، وقد تقلدت أرسي ذراع زوجها بأناقة، وعزفت مقطوعة رقيقة وهادئة على شرفهما.
رقصا وسط الحلبة بحركات شاعرية مدروسة، وكانت تلك ثاني مرة ترقص أرسي بين ذراعي زوجها.
أدارها، بين يديه بانسيابيه ولم تفارق ذراعه خصرها، وكان حذرا في خطواته، وابتسم ابتسامة حلوة حين داست قدمه عن طريق الخطأ.
كانت رقصة حقيقية، هناك فرقة موسيقية، جمهور وقاعة ضخمة مزينة بالورود، وكلاهما يرتدي أفخم ما يكون من الثياب، لكنها شعرت أنها تحن لرقصتهما وسط السهول، حيث لم يكن أحد يرقبهما بأعين متطلعة، ولا أحد يتمم همسا عنهما، والريح وحدهما تعزف لهما.
أغمضت عينيها قليلا تتجاهل تعليقا ساما آخر عن سذاجتها لكونها فرطت بأمير ابن ملك لتتزوج رجلا ريفيا، مهما بلغت ثروته وشهرته يظل عاميا وضيعا.
دارت بين ذراعيه ورفعت عينيه لتحدق للجمهور الذي يكاد يأكلها حيا بأعينهم.
لحسن الحظ انتهت الرقصة، ولسوء الحظ، كانت تلك بداية الحفلة.
مرت عليهم ليلة طويلة، تحملا فيها معا كلمات مجاملة لا معنى لها، وشربا العديد من كؤوس العصير المثلجة في وجه جمهورهم المستمتع، تجاهلا كثيرا من التعليقات السامة عن علاقتهما الغريبة.
فهو العامي، وهي الأميرة الساذجة.
هو غريب اطوار بشعر مخطط، وهي فقدت جمالها الفتاة.
هو وضيع لا يرقى لمثل هذه الحفلات ولو نال لقب نبيل، وهي نحيفة كالعود لم يكن ليرضى بها أحد!
آلاف من التعليقات التي لا حصر لها، داهمها الغثيان من الابتسامات المجاملة، وبعد عيشها بعيدا عن هذه الأجواء لشهور، هالها السواد الذي كان يحيط بالقصر.
لو أنها تزوجت الأمير، الذي يراقص أختها ماريا بانسجام هناك على الحلبة، لكانت تعيش حياة جهنمية مضطرة للابتسام فيها حتى تتمزق وجنيتها، ولم تكن لتلتقي بإيلاس قط.
لم تكن هناك أنشطة مبهرة، الرقصات جميعها كانت رومنسية هادئة، ولم يتدخل الرجال ليرقصو وسط الحلبة كما فعل رجال القرية، لم يصرخ أحد ولم يصفر، ولم يكن هناك أطفال.
تأملت أرسي التنانير المنتفخة في غرابة وشعرت بالدهشة والدوار.
ترنحت في مكانها وتراجعت للخلف عدة خطوات بسبب ذلك، استدار إيلاس نحوها وجذبها إليه من جديد:
«ما الخطب؟ تبدين شاحبة»
«شعت ببعض الدوار»
ضيق حاجبيه وكانت واثقة أنه يستعد لتوبيخها، وقع بصرها على سماط الطعام فقالت:
«أريد الحصول على شيء حلو. هل سترافقني؟ أم ستقف هنا؟»
سمعته ينقر بلسانه وهو ينظر للحفلة، فبالكاد نجحا في الابتعاد قليلا عن الجموع، ولا ريب أن الذهاب لطاولة الطعام سيجذب الذباب من جديد، لكنه لا يمكنه أن يتركها وحدها
اتجها معا للطاولة، التقطت أرسي حلوة بودينغ مغمورة في صلصلة كراميل حلوة، وتخيرت ملعقة ذهبية لامعة.
ما إن دست أول لقمة في فمها حتى شعرت بنشوة من السعادة تصعد عبر أعماقها، تركت الملعقة في فمها لثوان ثم قالت:
«هذا ما يشفع لك»
«ماذا؟»
ابتسمت وأردفت:
«أقصد لو لم يكن طعام القصور لذيذا لم يكن أحد ليعيش فيها!»
«كل ما تفكرين فيه هو الطعام»
أشرقت عيناها بابتسامة واسعة، دست في فمها لقمة جديد ثم رفعت بصرها نحو الأمير وماريانا اللذان يقتربان، وخلفهما زوجان آخران، رفعت حاجبها لزوجها فتأفف وترك كأس العصير من يده:
«الذباب يجتمع على الحلويات دوما»
نغزته في صدره:
«أختي ليست ذبابة»
«إذا خنفساء مدببة»
بغتة انطلقت منها ضحكة عالية، فابتسم.
أخفضت صوتها حين لاحظت الأنظار منصبة عليها وتمتمت:
«أشعر أنهم ناموس»
«أصبحت خبيرة..صه!»
رسم ابتسامة واسعة على شفتيه فيم ينتظر اقتراب الضيوف منه من جديد..
*********
مرحبا.
هذا الفصل استنزف طاقتي، بطريقة ما لم أشعر بالرغبة في كتابته.
كان ثقيلا على قلبي رغم أنه كان لدي تصورات كثيرة من أجله، وشعرت أني أكتبه بشق الأنفس.
اذا اعذروني على ردائته، وأعدكم بفصول أجمل في القادم القريب.
......
❤️❤️❤️
لا تنسو التعليقات.
في الوات وضعت صورا للفساتين والحفلة، لكن هنا لا يعطيني لأضع صورا.
rana rachade