٢٣

٢٣

12 0

دفع إيلاس زوجته خلفه بحدة، ومد يده اليمنى فوضعها على خصرها وهي خلفه، قطب بصره وهو ينظر للوجوه الثائرة التي تقف أمامهم وأعينها تقدح شررا:

«أين هو ذلك الطبيب الملعون؟  أين تخفونه؟!»

تبادل آزر والطبيب  الملكي نظرة سريعة، ما يزالون يجهلون هوية إيلاس، لكن هذا لن يدوم طويلا.

تقدم الملك للأمام وصاح بهم بغضب:

«ماذا تحسبون أنفسكم تفعلون؟! أهكذا تجازون ملككم؟ باقتحام قصره والهراوات في أياديكم!»

ترأس الشعب الثائر رجل ضخم، مرر عيناه على الملك وقال:

«أنتم من أدخلتم هذا المرض لمدينتنا، عندما طلبتم دخول هذا الطبيب الملعون»

«وهل لديكم دليل على هذا؟»

دفع إيلاس زوجته للخلف فأصدرت أنينا خافتا حين اصطدم جسدها بطاولة الأبحاث.  نظر لها بسرعة وقيم الوضع في ثوان، همس لها:

«ادخلي تحت الطاولة»

نظرت للمساحة الضيقة تحت الطاولة وارتجفت، هزت رأسها نفيا فلم يرهق نفسه بالصراخ فيها، بل سدد لها نظرة نارية كادت تزهق روحها من الرعب ولم تجادله من جديد، انسلت بسرعة من خلفه، فوقف بجوار الطاولة وغطاها بجسده حتى اختفت في مخبئها الصغير.

عاد ببصره نحو الشجار القائم بين الملك وشعبه، وانتبه أن الناس مهما كبر غضبهم منه فما يزالون يحملون لملكهم بعض التبجيل، فقد اشتهر عنه بكونه ملك عادل، وكان يحاول مساعدة الناس قدر استطاعته، لم يكن حازما في حكمه ولم يكن صارما، كان عاطفيا للغاية وهذا جعل فترة حكمه صعبة قليلا، فلولا وجود أعوانه ووزرائه بجانبه لكانت الدولة قد سقطت.

مع ذلك عاطفته الشديدة وضعفه ضد المساكين والفقراء كان نقطة قوة، وكسب بذلك ولاء شعبه واحترامه.

لعل هذا سبب آخر دفعه لغرس مفاهيم عن المسؤولية والقوة في ابنه، فقد أراده أن يكون أفضل منه.

رفع أحد الخدم رأسه نحو إيلاس فميزه، قاطع توبيخ الملك ومحاضرته عن الأخلاق وأشهر اصبعه نحو إيلاس:

«ذاك هو! إنه الطبيب»

مرت رعشة بجسد ارسي وضمت يديها لصدرها وهي تلتصق أكثر بالطاولة، فيم كتف إيلاس يديه على صدره وقال:

«نعم أنا هو. فيم اساعدك؟»

نطق قائد الثورة بغضب شديد:

«يا لتبججك، هل تحاول التظاهر بالقوة؟»

أجابه ايلاس بجدية شديدة:

«هل لديك دليل عن أنني من نقل المرض لكم؟»

«لقد أتيت من الخارج، لا شك أن جسدك يفيض بتلك الكائنات المقززة»

رفع ايلاس حاجبه بسخرية:

«حقا؟»

تقدم نحو بقعة الضوء ومد يده نحو قميصه ففتح أزراره، وفي ثوان معدودة كان قد خلع القميص عنه، فظهر  صدره المشعر لهم، وغير بضع شامات تفرقن يمينا ويسارا على بشرته البيضاء فلم تكن هناك دودة واحدة:

«هل  هذا يرضيك؟»

هز الرجل راسه:

«لعلها في مكان آخر»

صاح به ازر بغضب:

«هل تفكر بعقلك يا هذا؟ أم  الأفكار تتوارد إليك من مكان آخر؟ إن كان الرجل مريضا ألم يكن ليولي اهتماما بشفاء نفسه بدل نشر المرض لكم؟»

هز الملك راسه وأعقب:

«لماذا قد أدخل رجلا مريضا لمملكتي؟ هل بعد عيشي معكم كل ذلك الوقت تظنون أنني سأساهم في نشر وباء قاتل لكم؟ لو علمت أنه حامل المرض لما ترددت في قطع رأسه»

انهارت الحجج الواهية، وعلا الهمس بين الناس في توتر وسقطت أياديهم إلى جانبهم. سأل أحد الرجال:

«إن لم يكن هو من أدخل المرض لنا، من فعل؟»

مرت قشعريرة بجسد الملك وأطرق للصمت، أيكون شجاعا ويخبرهم أنه ابنه؟ هل يحرك نهر الكراهية والعدوانية هذا نحوه؟! لا، لم يكن بتلك الشجاعة قط، بدلا عن ذلك قال:

«تعلمون جميعا أن المرض أتى من الذباب المنتشر في الخارج،  ونحن نحاول  قدر استطاعتنا ايجاد دواء له»

«لا بد أن هناك إصابة أولى إذا؟ ألم تقولوا أن المرض خرج من القصر؟ أين تخفون صاحب الإصابة الأولى إذا؟»

أغلق إيلاس قميصه وقال:

«فيم يهمكم هذا؟ هل تعتقدون أن قتل صاحب الإصابة الأولى سوف يمنع المرض؟ لقد انتشر وانتهى الأمر؟ ماذا ستفعلون؟ ستقتلون كل شخص أصيب، بمن فيهم أولادكم؟»

تقدم أكثر نحوهم، أشار لنفسه وقال:

«استدعاني الملك خصيصا لأجد حلا لهذا المرض، لكي أجد العلاج. إني أخاطر بصحتي أيضا في سبيل ذلك. أتظنون أني بشر لا يمرض؟ كان بإمكاني أن أغادر منذ اليوم الأول الذي طالبتم فيه بترحيلي،  لا شيء يدفعني للبقاء هنا من أجلكم!»

تقدم نحو القائد فوضع يده على كتفه:

«من فضلكم، ثقو بنا لمرة واحدة  فقط»

تقهقهر القائد للخلف وقال:

«حسنا، سنث…»

قوطع كلامه حين اندفع أحد الرجال للأمام بقوة وارتطم بالأرض، رفع إيلاس بصره نحو الرجل العداوني الذي قاطع هذه لللحظة المهمة، وقد كان آخر شخص توقعه.

ارتجفت يداه بقوة وتجمدت الدماء في عروقه وظل لثوان غير قادر على الكلام:

«أنت.! ما الذي تفعله هنا؟!»

هز الرجل رأسه بعنف، وقال:

«وهل هذا يهم؟ هل كان هذا الوغد يهاجمك؟ سمعت أن انقلابا قد حدث!»

اندفعت امراة سمراء من خلفه وقالت بسرعة

1

«سمعنا أن المرض انتشر هنا لذا جئنا، لم نكن لنتركك»

جف اللعاب في فم ايلاس:

«كيف دخلتما؟ ماذا عن الجيش؟ هل جننتما؟»

هن الرجل كتفاه بلا مبالاة:

«يمنع الخروج، لم يقل أحد أن الدخول ممنوع»

«لا أحد فكر بالدخول إلى هنا سواكما؟ ماذا عن أمي؟»

تجمدت الدماء في عروقه:

«لا تقولا أنكما أحضرتماها معكما؟»

هز الرجل رأسه نفيا:

«لا، لست بذلك الغباء»

حدجه ايلاس بنظرة متشككة، وقاطع الملك هذا اللقاء الحامي:

«من هذا؟»

زم إيلاس شفتاه بقوة، لكنه استسلم في النهاية، أشار للرجل:

«هذا أخي الأصغر، إيروس، وهذه زوجته ديلارا»

ضحك آزر:

«اجتمعت العائلة السعيدة إذن؟»

نهض الرجل عن الأرض وهو ينفض ثوبه ولكنه رغم غضبه لم يرد الضربة، مرر ايروس نظره من حوله:

«ما الذي يحصل هنا؟ هل فعلا كانوا يهاجمونكم؟»

تدخل الطبيب الملكي بسرعة:

«لقد حللنا الأمر، أليس كذلك؟»

هز القائد رأسه بلا مبالاة وأكمل كلامه وكأنه لم يقاطع:

«سنثق بكم»

حدج ايلاس بنظرة حادة:

«لكن لمرة واحدة فقط»

ثم أشار للجمع الذي أحضره معه:

«هيا، لنذهب»

راقب الجمع مغادرة الرجال جميعهم، ثم استدار إيلاس من جديد نحو أخيه والشرر يتطاير من عينيه:

«أيها الوغد، فيم كنت تفكر؟»

«كنت قلقا عليكما»

«احتفظ بقلقك لنفسك»

«هذا بدل أن تكون شاكرا!»

سألت ديلارا بتوجس:

«أين أرسيلا؟»

تذكر إيلاس أمرها بغتة فتراجع للخلف بسرعة، انحنى نحو الطاولة وحدق إليها، ووجدها مغمى عليها، لكنه واثق أنها لم تفقد وعيها بسبب الاختناق، بل سقط فوقها صحن الديدان الذي كان يجري فيه أبحاثه، كان ذلك بمثابة صدمة مروعة لها.

تصاعد الهلع في صدره، لو كان لديها جرح واحد، واحد فقط، فهذه مصيبة.

سحبها من تحه الطاولة بسرعة ثم صاح بالجميع:

«إلى الخارج، فورا!»

استدار نحوه آزر مستعدا لإلقاء نكتة جديدة لكنه ألجم فمه وهو يرى زوجته بين ذراعيه مغمى عليها:

«ماذا حدث لها؟ أغمي عليها من الرعب؟»

«سقط فوقها صحن التجارب»

سأله باستنكار:

«ماذا؟ أنت تمزح؟»

«وفر علي أسئلتك الغبية. ديلارا أحضري بعض الملابس النظيفة»

تولى إيروس أمر دفع آزر للخارج، وخرج الملك بسرعة فيم رافق للطبيب الملكي ديلارا نحو غرفة ارسي لتحضر منها الملابس.

وضع إيلاس زوجته فوق السرير وارتجف جسده حين رأى بعض الدويدات تزحف على عنقها، مرت بجسده رعشة هزت كيانه، وباندفاع أعمى كان قد مزق الفستان الليكلي الطويل عن جسدها، ونفضه بعنف، وحين انتبه لحركته شتم نفسه، فها هو ساهم بغباء في نشر المرض على الأرض والله وحده يعلم إلى أين قد يصل.

أحضرت له ديلارا بعض الثياب النظيفة وسألته بتوتر:

«هل أصيبت بالعدوى؟»

«لا، أتمنى ذلك»

«هل أغير لها ملابسها؟»

«سأفعل ذلك بنفسي. يمكنك المغادرة ديلارا»

حين لاحظت ديلارا توتره الشديد غادرت وتركته، فهو أدرى بما يفعل. قابلها زوجها خلف الباب وقال:

«ماذا حدث؟»

هزت رأسها بتوتر:

«لا أعرف. لقد صرفني»

رفعت بصرها نحو آزر وسألته:

«ما نوع الوباء الذي انتشر هنا؟»

حدق بهما بدهشة وسأل باستنكار:

«تقصدين أنكما دختلما المملكة وأنتما تجهلان ما هو الوباء؟»

عقد إيروس ذراعيه على صدره وقال بجدية؛

«إنه أخي، أتتوقع مني أن أعرف أن وباء يهدد حياته وأستأنف حياتي كأن شيئا لم يحدث؟»

«ماذا لو كان وباءا قاتلا قد انتشر في الجو؟ من الممكن أن يكون الوباء أصابكما بالفعل»

هزت ديلارا رأسها نفيا:

«ما دام إيلاس على قيد الحياة فهذا يعني أن الوباء ما يزال تحت السيطرة. وهو مختلف عما ذكرت»

دفعت شعرها الأسود خلف رقبتها وقالت:

«هل ستخبرنا الآن؟»

تراجع ازر للخلف قليلا واستند إلى الحائط، ثم ابتسم ساخرا:

«بالطبع، لم لا؟»

شرح لهما كل شيء، كيف ظهر الوباء، وكيف انتشر، وماذا حدث طوال الأيام الماضية حتى آخر لحظة عند ظهورهما، لم يهمل تفصيلا واحدا.

تبادل الزوجان نظرة طويلة، ثم سأل إيروس بهدوء:

«وإذا ما الخطوة التالية؟»

أجابه آزر باستهزاء:

«هذا ما سيقرره أخوك العزيز…آه ها هو ذا»

استدار الاثنان نحو الباب الذي فتح بغتة، ومن خلفه ظهر إيلاس وهو يسند زوجته بذراعه، كانت عيناها مليئتان بالدموع. 

نظرت لها ديلارا بجزع:

«ما الخطب؟ هل أصيبت بالمرض؟»

هز إيلاس رأسه نافيا، وزفر أنفاسه:

1

«لم تعلق بها أي واحدة، لكن سأبقيها تحت الملاحظة ليوم أو اثنين»

«هل علق بها البيض؟»

«هذا ما سنعرفه. ليس هناك جروح واضحة بجسدها وأنا متأكد أن كل شيء على ما يرام»

رفع عيناه نحو آزر وقال:

«غادر أولئك الهمج صحيح؟»

اتسعت ابتسامة ازر وقال ضاحكا:

«الطريق آمن، لقد ذهب الملك ليستكمل محاضرته عن الأخلاق. إنه في الشرفة الامامية»

هز ايلاس رأسه ثم جذب زوجته خلفه وأشار للاثنين الاخرين لكي يتبعاه.

***

ظلت الدموع تنهمر من عيني آرسي مدرارا، ولم تتوقف حتى عندما وضعها زوجها فوق الفراش، ولم يعدو الأمر للصدمة المرعبة التي تعرضت لها، بل تلقت تقريعا شديدا من زوجها لم تتلق مثله في حياتها،  بمجرد أن فتحت عينيها وجدت وجهه في وجهها، ولم يمهلها لحظة تسترد فيها أنفاسها  بل انهمر عليها بكلمات قاسية لم تسمع لها مثيلا، وكأنه كان يحتضن تلك المحاضرة الطويلة في قلبه كثيرا، ثم انفجر كل شيء بغتة فلم يجد سواها ليلقي عليها اللوم لكل ما حدث وما لم يحدث. ولم تفهم سبب ذلك اطلاقا، ولم تعرف فيم أخطأت لتتلقى هذا التقريع الشديد.

أسرعت إليها ديلاارا فاحتضنتها لكن إيلاس صاح بها بغضب ودفعها:

«ما الذي تفعلينه! ابتعدي عنها! ألم تسمعي توا حين قلت أن المرض قد يكون ما يزال عالقا بها؟!»

«لكنك قلت أنها سليمة»

صاح بغضب:

«ليس قبل أن تنتهي فترة الحضانة، ابتعدي»

ضمت يديها لصدرها وابتعدت لتقف بعيدا بجوار زوجها مرغمة، ولأول مرة في حياتها ترتجف من إيلاس.

لقد حذرتها خالتها كثيرا منه، ومن ألا تغتر بهدوئه وطبعه الحليم، أخبرتهم جميعا أن إيلاس هو الأسد النائم، هو البركان الخامد، لكنها كانت تعتبر الأمر نكتة لطيفة.

تقدم خطوتين للأمام وكل خطوة تكاد تدك الأرض أرضا، رفع ذراعه عاليا وسقطت كفه في صفعة مدوية على خد أخيه حتى تركت بصمة محمرة.

أمسك بياقة قميصه وشدها على عنقه حتى خنقه بها، وارتعدت ديلارا من ذلك، انتفخت أوداج إيلاس غضبا وزأر:

«أيها الوغد اللعين، ما الذي تحسب نفسك فاعلا؟ هل تظن نفسك البطل المنقذ لهذه الأمة أم إلها منزها! أخبرني! أخبرني!»

ابتلع إيروس ريقه بصمت:

«لقد…لم نرد التخلي عنك!»

امتدت أصابع إيلاس لتحيط بعنقه فمنعته عن الكلام:

«لا أحتاجك، لم أكن يوما في حاجتك»

قاوم إيروس اختناقه:

«أنا أخوك!»

«وأنا الأكبر، لم أربيك وتركت أمي تفعل ما تشاء في تربيتك، لكني أخطأت، فالأوغاد أمثالك يحتاجون رجالا لتقويمهم»

احمرت عينا إيروس اختناقا وبدأت ديلارا تستجدي إيلاس ليتركه وقد طفرت الدموع من عينيها، نظر نحوها بعنف فهمست بصوت مبحوح:

«أرجوك!»

دفعه عنه بعنف، فأخذ إيروس يسعل بقوة وخارت ركبتاه فوقع أرضا واستقبلته زوجته في حضنها، أشار لهما وقال بأمر قاطع:

«ثلاثتكم سوف تغادرون هذه الأرض اللعينة بمجرد أن يمر اليومان اللازمان لفترة الحضانة»

صاحت آرسي بقوة:

«لن أغادر، لن أغادر»

التفت نحوها  بحدة فانكمشت على نفسها وهمست:

«لا أريد»

تحامل إيروس على نفسه:

«لم آتي كل هذا الطريق لأعود أدراجي! سوف أبقى»

احمرت عينا إيلاس وصاح:

«هل تشتاق للموت؟»

قفز إيروس واقفا وتحرر من حضن زوجته:

«لن أسمح لك بفعلها من جديد، دوما ما تدفعني حين يتعلق الأمر بحياتك، منذ كنا صغارا وأنت تفعل ذلك! غادرت لسنين وتشردت في الأراضي تعالج هذا وذاك فقط لترسل لنا المال انا وأمي. لا أريد فعل ذلك من جديد، لن أعيش تحت ظلك، سواء رضيت بهذا أم لا فأنا لم أعد طفلا عمره خمس سنوات يحتاج رعايتك، أنا رجل أيضا وسأفعل ما أريده»

دفعه ايلاس بيده وقال بفظاظة:

«افعل ما شئت خارج منطقتي»

«بل هنا، سأبقى وسأدعمك. هل أعود لأمي فارغ اليدين وننتظر كلانا عودتك أو عودة جثتك، كما فعلنا دوما؟»

بادله ايلاس الصراخ:

«هذا أفضل من يعود كلانا جثة أيها الوغد الغبي»

احمرت عينا إيروس:

«لن أفعل»

«أنا أخوك الأكبر، أنا الرجل الذي قاتل ليحميك، لقد أهدرت شبابي من أجلك، أهذا جزائي؟!»

أشار ايروس بيده في قوة وصاح:

«إذا توقف عن فعل ذلك، فكلانا يعلم أنني لم أعد طفلا»

قبض ايلاس على تلابيبه من جديده فحذا ايروس حذوه، وتشابك الاثنان في صراع مرعب. سدد له إيلاس لكمة قوية لبطنه:

«أيها الوغد اللعين، ستعود حتى لو كفنتك وأرسلتك في تابوت»

تأوه إيروس بقوة، لكن ذلك لم يمنعه من تسديد لكمة لأنف إيلاس، سببت له رعافا:

«حسنا، جرب»

تدخلت ديلارا بينهما وصاحت:

«توقفا، توقفا»

وضعت يدها على صدر كل واحد ووقفت بينهما في المنتصف:

«هل جننتما! كلاكما رجل بالغ ومتزوج. كفا عن لعب الاطفال هذا»

نظر لها إيلاس بغضب وتجاهلها، مسح الدم المنهمر من أنفه بكم قميصه، قال بفظاظة:

1

«لماذا أحضرتها معك؟»

«إنها زوجتي!»

«انت رجل خسيس، تعرضها للخطر من أجل مصالحك؟»

استشاط إيروس غضبا من جديد:

«حسنا أنت لا تقل عني في هذا! أم نسيت حمراء الشعر التي خلفك؟!»

التفت إيلاس نحو زوجته فوجدها غارقة في دموعها صاح بها فجأة:

«توقفي عن البكاء»

رمت ديلارا نفسها على زوجها ودفعته للخلف، وذلك كي تمنعا اشتباكهما من جديد، كانت تعلم أن إيلاس مهما بلغ غضبه لن يضرب امرأة، وهذا ما حصل فقد تراجع للخلف ونفض ملابسه باستياء.

فتح النافذة بعنف ووقف بجوارها لدقائق طويلة، ولم يقطع لحظات الصمت هذه سوى شهقات آرسي المستمرة.

وحين عاد صوت إيلاس ليصدح في الغرفة كان هادئا نسبيا، قال باصرار:

«ستغادرون»

حدق به إيروس بقنوط:

«وكيف تنوي تحقيق ذلك؟ هناك جيش هائل في الخارج»

«سأدفع لأحده..»

حدق به إيروس باندهاش:

«تقدم رشوة؟! أنت! لقد كرهت هذا العمل الشنيع طوال حياتك وسوف تقدم عليه الآن؟»

فقد إيلاس أعصابه، كان بالكاد يلجمها:

«ماذا تقترح إذا؟ أترككم هنا تواجهون  لعنة مجهولة تصطاد الناس واحدا تلو الآخر؟»

«وهل تظن نفسك معصوما من الموت؟ هل فكرت للحظة في شعور أمي؟ في شعوري أنا؟ لا، بل هل فكرت للحظة في شعور زوجتك وطفلك، تريده أن يصبح يتيم  الاب مثلما عاش كلانا؟»

تنفس باهتياج وأكمل:

«هل فكرت للحظة في هذا؟ أن يولد طفل من صلبك ويعيش حياته كلها بدون أب؟ هل تريد نسخة أخرى منا؟»

شخر ساخرا:

«أم أنك كنت تنوي رمي مثل هذه المسؤوليات علي؟ اسمع جيدا، لست مستعدا لتربية أطفال غيري، لذا فلتحافظ على حياتك»

قاطعت آرسي هذا الجدال الدائر وصاحت باكية:

«من فضلكم، توقفوا عن الصراخ»

وضعت يدها على معدتها المضطربة وكررت برجاء:

«توقفوا، أرجوكم»

امتعضت ملامحها الباكية للحظة ثم تقوس جسدها في نفس اللحظة التي اندفعت المياه من فمها، اهتز جسدها إثر قيء شديد وبدأت ترتجف، فقد كانت أعراض صدمة متأخرة.

مرر إيلاس كفه على وجهه وهو يتمتم ببعض الكلمات المبهمة، ثم قطع المسافة بينها وبينه في خطوات سريعة، أخذها بين ذراعيه ولم يبالي بالقيء الذي غمر ملابسه، أشار لديلارا لكي تحضر له منشفة، لفها مرتين ثم وضعها تحت ذقنها وتركها تستفرغ بداخلها.

استغرق الأمر بضع ثوان طويلة حتى تخلصت معدتها المضطربة من كل شيء، لف إيلاس المنشفة على بعضها البعض، ثم رفع الطرف النظيف ليمسح فم زوجته.

مرر يده على شعرها فتشبثت بقميصه، وكررت وكأنها منومة:

«توقفوا عن الصراخ»

ربت على ظهرها برفق:

«لقد توقفنا»

رفعت عينيها الحمراوتين نحوه فمرر أصابعه على دموعها:

«كل شيء سيكون بخير»

   مد يه لشعرها وفك عقدته فانسلت خصلاتها الطويلة وسقطت على ذراعه، امتدت أصابعه نحو رقبتها وضمها إليها حتى التصق خدها بصدره، أحاطها بذراعيه كي يتحكم في ارتجاف جسدها ثم سحب الغطاء وغطاها.

ضغط ذقنه على قمة رأسها واستمر في تخليل أصابعه في  شعرها، لعله يبث فيها بعض الهدوء.

التفت نحو أخيه فجأة وقال:

«أعتقد أن هناك غرفا فارغة في القصر،. اختارا واحدة وسنكمل هذا الموضوع لاحقا»

تمتم إيروس بفظاظة:

«نحن لن نغادر!»

«قلت سنتحدث عن هذا لاحقا إيروس!»

سحبته ديلارا نحوها، قبل أن يبدأ كلاهما في الشجار من جديد، وقالت:

«حسنا، سنجد لنفسنا غرفة. اهتم بها جيدا»

وحرفيا خرج إيروس مجرورا، وأنصب إيلاس اهتمامه على زوجته من جديد، تمتمت له بصوت خافت:

«رأسي يؤلمني»

«وأنا أيضا»

حاول دفعها لتستلقي في وضع مريح أكثر لكنها تشبثت به، فاضطر أن يبقى جالسا على ذات الوضع، لمدة طويلة جدا، ولا شيء غير فواقها المفاجئ كان يبدد الصمت من حولهما.

1

.....

فصل جدييييد

بظل أنشر فصلين كل يوم لين نخلص

على الوات وصلت الرواية تقريبا للختام

🥹🩵.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة