١٥

١٥

11 0

انكبت أرسي بوجهها على الطشت تفرغ ما في أحشائها، بينما صوت سعالها يحاكي صوت غريق يحتضر،  شهقت بقوة وطفرت الدموع من عينيها، رفعت بصرها المحتقن نحو إيلاس الذي يجلس على طرف السرير وصاحت بصوتها المبحوح

«لن يمر، هذا الشيء لن يمر!»

قطب جبينه لكنها لم تمهله ليجيب، فقد راودتها موجة غثيان أخرى دفعتها لتمسك الطشت الفضي بشدة حتى بانت مفاصل أصابعها، ودست نصف وجهها بداخله بينما تحاول بلا جدوى طرد الغثيان من معدتها المضطربة، بيد أن كل ما خرج من فمها الجاف كانت ماءا بلا طعم.

مد يده فدفع شعرها بعيدا عن كتفيها:

«جميع النساء تمر بهذا يا أرسي. لن يدوم طويلا، فقط شهر أو اثنين»

«تقولها وكأن الشهر وقت قصير!»

زم شفتاه بقلة حيلة،  وقع بصره على منقوع الاعشاب الذي كان قد جهزه لها ولم يساعدها إلا قليلا. هو خبير جدا في معالجة الجروح، التقرحات، وحتى حالات البتر، وآلام المعدة، لكن لم يسبق له قط أن عالج أعراض الحمل، خصوصا وأن هذا ليس بمرض بل أعراض لها وقت محدد.

لحسن الحظ هو معتاد على الحالات الشاذة والروائح المختلفة، وإلا لكان قد هرب من أمامها منذ دهر طويل، فرؤيتها تستفرغ بهذه الطريقة قد تسبب الغثيان لأي شخص، وما يخرج من معدتها لا يتعدى أن يكون رغاوي صفراء أو ماءا بلا طعم، هذا إن غض النظر عن كل الطعام الذي ما إن ينزلق عبر حلقها حتى يعود من أتى في مدة لا تتجاوز الدقيقة.

مد يده لزجاجة الماء فأفرغ منها القليل في القدح الفخاري القريب، ناولها إياه فابتلعت منه شربة صغيرة ثم دفعت رأسها فوق الحائط وهي تتنفس باهتياج.

حمل الطشت نحو الحمام فأفرغه ونظفه ثم وضعه بقربها من جديد.

كان عليه الذهاب للعيادة فقد تأخر الوقت، لكنه لم يرغب في تركها وهي على هذه الحال. عاد فجلس على طرف السرير بصمت وحدق بها.  نظرت له بطرف عينيها وقالت:

«لقد كنت سعيدة لأن هذا لم يصبني منذ البداية»

ابتسم محاولا بث المرح فيها:

«على الأقل قضيت أسبوعا جميلا ولطيفا»

حدقت به بغضب شديد:

«لم يكن يجدر بك إخباري! لو تركتني في جهل لكنت ما زلت أقضي حياتي بهدوء»

كيف له أن يخرج هذه الفكرة الشاذة من عقلها، فهي تظن أن معرفتها بالحمل هو ما جعل الأعراض تتفاقم:

«أرسي أنا لم ألق عليك سحرا! وما يحدث طبيعي، لقد قلت أنك كنت تعانين من الغثيان فعلا في الأيام الأخيرة»

تنهدت والدموع متجمعة في مآقيها:

«لم يكن الأمر بهذا السوء! أشعر أني في الجحيم»

«كان جسدك يتجهز ليدخل هذه المرحلة، سواء علمت أم لا،  النهاية واحدة»

بدا أنها تجاهلت كلامه تمتمت بغتة من بين دموعها:

«هذا كله إذا بسبب القرفة»

«القرفة بريئة منك!»

«قلت أني كنت سأجهض بسببها!»

«لم تسبب لك القرفة إجهاضا لقد حفزت تقلصات رحمك فحسب»

صاحت من جديد:

«إذا هذا كله بسبب العصيدة»

«أي عصيدة!»

عادت للبكاء، دفنت وجهها بين يديها:

«لا أدري»

زفر أنفاسه بقوة، اقترب منها وجذبها إليه:

«اهدئي، لم تبكين؟»

«أريد العودة للمنزل»

دفع شعرها عن وجهها من جديد، واحتاج وقتا ليحرر أصابعه من خصلاتها المتشابكة، فقد مضت خمسة أيام منذ لمس المشط شعرها، وهذا كله بسبب الأعراض التي هاجمتها بغتة بقوة شديدة ولم تتركها للساعة.

طبطب على ظهرها:

«عزيزتي، أنت في المنزل»

هزت رأسها بقوة:

«لا، لا. أريد العودة لمنزلي، أريد أمي»

لم تملك رفاهية الاستمرار في العياط، فقد عادت النوبة من جديد، وكان إيلاس سريع الحركة فتلقف الطشت بسرعة ووضعه حاجزا بينها وبين ثيابه، وراقبها باستياء حين تمتمت من بين سعالها:

«أريد أمي»

مضى بعض الوقت حتى انتهت نوبتها المفاجئة، رفع ايلاس الطشت بعيدا فقالت:

«هذا كله بسببك أنت!»

انفلتت منه ضحكة، دفعها لتستلقي ولمس وجنتها الباردة بمرح:

«هل أنا الملام الآن؟»

نظرت له بعبوس، وبدت عيناها الزمرديتان متعبتان، بينما الهالات التي بدأت تتشكل تحت عينيها جعلت منظرها مرعبا:

«أنت السبب»

أحكم الغطاء فوقها:

«حسنا،  فهمت»

لم تبعد نظرها عنه، وتشكلت تقطبية واسعة على جبينها، لكنها استستلمت تحت وطأة التعب فانغلقت عيناها رويدا رويدا حتى نامت.

رقّت نظرات إيلاس وانحنى فطبع قبلة فوق شعرها، همس:

«نوما هنيئا»

خرج من الغرفة على رؤوس أصابعه، وحين كان يغلق الباب خلفه بهدوء استوقفته ديلارا:

«إيلاس»

رفع بصره نحوها فأردفت:

«هل ستذهب للعمل؟»

«أجل، قال هارل أن أحد الحطابين مزق يده بالفأس. ولست أعرف  أي غبي هذا الذي يمزق يده بدلا من جذوع الأشجار»

هزت رأسها بصمت ثم نظرت له وتمتمت بتردد:

«كيف حالها؟»

«ما تزال متعبة. سأتركها في عهدتك هذا المساء أيضا»

ابتعد عن الغرفة فلحقته:

«ألا أجهز لها شيئا تأكله؟ مضى وقت طويل منذ آخرة وجبة تناولتها»

نظر لها بعبوس:

«لا شيء يبقى في معدتها وقتا طويلا، ولا أعتقد أن لديها شهية لتأكل شيئا»

«لكن…»

ابتسم:

«أنا أتفهم قلقك يا ديلارا. لكن هذا خارج عن إرادتنا. دعيها فقط ترتاح، ولا داعي لتزعجي نفسك بتحضير شيء. حين  أعود سأحاول إطعامها شيئا»

هزت رأسها وراقبته يغادر مهرولا.

حدقت في يديها التي تحمل بقايا العجين، ثم نظرت نحو غرفة إيلاس بصمت.  دخلت الخالة للمنزل وركبيتها متسختان بالتراب كالعادة، ابتسمت لها ديلارا:

«سيجهز الغذاء قريبا يا خالتي. هل أعد لك بعض الشاي؟»

«لا. لست بحاجة له الآن»

اضافت وهي تحدق بيدي ديلارا:

«ماذا كنت تفعلين؟ ظننتك خبزت خبزا للمنزل هذا الصباح؟»

ابتسمت ديلارا بحماس:

«أقرضتني جارتنا بعضا من الشعير، لذا كنت أخبز بعضا منه لأرسي. فربما الدقيق الأبيض سيكون سيئا لمعدتها»

تمتمت الخالة بغرابة:

«ولم تزعجين نفسك إن كانت لا تستطيع أكله؟»

«سأكون سعيدة بخبزه على كل حال»

أضافت بعد لحظة:

«هل أنت من أحضر الليمون من الشجرة؟»

أسرعت الخالة تدخل للمنزل:

«أحضرته لنفسي، تعجبني رائحته»

تمتمت ديلارا بخبث:

«ظننتك أحضرته لأن إيلاس البارحة بحث عنه ليصنع لأرسي شرابا منه»

«اذهبي وأكملي العجن قبل أن يجتمع الذباب في المطبخ»

مطت ديلارا شفتيها:

«حاضر»

لكنها عادت للمطبخ وابتسامة واسعة مرسومة على شفتيها، ومضت تعجن العجين بهمة ونشاط وهي تغني وتدندن.

ومضت الأيام،  أسبوع فآخر فاثنان، وأرسي محجوزة في غرفتها أغلب الوقت، لا تخرج إلا نادرا حين يسعفها الحال، وحتى إن خرجت لا تلبث أن تعود لغرفتها وهي تتخبط بسبب الدوار.

انتشر خبر حملها في القرية جميعا، وأتت نسوة كثيرة ليعدنها وأحضرن معهن ما لذ وطاب من فاكهة، وبدأت الأقاويل تشتد.

فوحامها لم يكن سهلا، وشاع أنها تعاني وحاما قويا، وقالت بعضهن أنها تحمل صبيا بسبب وحامها هذا، وقالت الأخريات إنما تحمل أنثى!

وكلما خرجت أرسي لتقابل النسوة من باب المجاملة أمطرنها بالأسئلة عن وحامها، فهل تشتهي المالح أم الحلو؟ هل يروقها المر أم الحامض! ووصفن لها وصفات لا تعد وتحصى، فهناك من قالت لها ا الخزامى مفيدة، وهناك من قالت لها أن عليها أن تدور حول زوجها سبع مرات وسيفك الوحام عنها فتصبح كالجديدة.

1

وهناك من منحنها تعويذة مكتوبة رماها إيلاس من فوره بمجرد أن رآها، وهو يلعن الجهل والخرافات.

لكنها على كل حال لم تكن تشتهي شيئا، وآخر ما اشتهته كان عصيدة خالتها، وكان أكلها قليل لأن غثيانها لا ينفك عنها مهما أكلت.

وكان اليوم من بين الأيام التي أسعفها في الحال وخفت عنها حدة الدوار، فقبلت أن تخرج لملاقاة بضعة نسوة جئن لزيارتها، تقبلت منهن الهدايا بصمت وكان أن حصلت على تعويذة جديدة من نفس المرأة التي قالت بحماس:

«لا شك أن أصبحت بخير بسبب التعويذة الأخيرة، إنها من ولي صالح صادق، ولقد سافر زوجي أياما ليحصل عليها. والآن خذي هذه، فهي ستحمي طفلك وتجعله قويا معافى»

سمحت لها أرسي -من باب المجاملة- بربط التعويذة حول خصرها، ثم ودعتها بابتسامة واسعة.

وما إن كادت المرأة تبتعد عن ناظريها حتى قفزت ديلارا من مقعدها فسحبت التعويذة عن أرسي بسرعة وقالت:

«يجب أن أحرقها. ألم يقل إيلاس أنك لا يجب أن تقبلي مثل هذه الأشياء! إنها سحر وشعوذة»

«لم يكن من اللطيف رفضها»

عبست قليلا ثم قالت بفضول:

«ماذا يوجد بداخلها يا ترى؟»

«وماذا يهمنا في هذا؟»

«أريد أن أرى»

ارتجفت يدي ديلارا:

«تركت كل ما لذ وطاب، وتاقت نفسك لرؤية تعويذة!»

صدرت عن أرسي ضحكة اهتز لها صدرها:

«إنك مرعوبة! لا، لا علاقة لهذا بوحامي يا ديلارا. إني فقط أحب الاستكشاف»

دلف إيروس من الباب في تلك اللحظة وهو يصيح باسم زوحته:

«ديلي! أكاد أموت من الجوع! أسعفيني بقطعة خبز»

رفعت بصرها له وقالت:

«الغذاء جاهز، أنتظر وصول إيلاس وحسب»

قفز عن العتبة بسرعة ثم عبس:

«ماذا لو تأخر كعادته… أوه، كيف حالك يا أرسيليا؟»

أخفضت أرسي رموشها:

«بخير. شكرا لك»

اقترب منهما، وجلس على الكنبة، مد يده فالتقط قطعة كعك كانت فوق المائدة، وصب لنفسه كأسا من الشاي الفاتر.

التهم القطعة في لقمة فزجرته ديلارا:

«اغسل يديك على الأقل!»

«غسلتني أمي حين ولدت»

انفجرت أرسي ضاحكة بينما رمقته ديلارا بغضب، غيّر الموضوع بسرعة وهو يضع الشاي من يده:

«ما هذا الذي بيدك يا حبيبتي؟»

«تعويذة. أعطتها سوزيان لأرسي»

«تلك المرأة مجددا؟ وماذا تفعلين بها؟»

«قالت أرسي أنها تريد فتحها»

«رائع. أنا ماهر في فتح الأشياء. سأحضر سكينا»

نهض بسرعة ثم عاد وهو يحمل بيده سكينا يلمع نصلها، أخذ يعالج قفل التعويذة حتى مزق الحديد الذي يلفها، وفتحه، جذب منه ورقة صفراء مجعدة تفوح منها رائحة بخور قوية جعلت أرسي تنفر.

فتحها إيروس وحدق بفضول في الشخابيط التي تملأها، كان الحبر أسودا قاتما وقد امتزجت الحروف ببعضها واختلطت بقع الحبر فغطت على معظم الكلمات.

زفرت أرسي أنفاسها:

«ما هذا الشيء العجيب؟»

ابتسم ايروس:

«تعويذة، أو لنقل لطخة حبر أسود ورشة من البخور القوية. يمكنني أن أصبح قسيسا أو ساحرا بسهولة»

التفت نحو زوجته:

«هل لدينا حبر أسود؟»

اختطفت ديلارا الورقة من بين يديه وكمشتها بين يديها:

«كف عن اللهو»

«يا للخسارة. كان بإمكاني أن أجني المزيد من المال، وإذا ارتديت رداء ايلاس الأسود سيصدق الجميع أني ساحر»

دلف إيلاس من الباب وهو يسند والدته، حدق بهم في فضول ثم قال:

«ما الذي تفعلونه؟»

أسرع إيروس يساعد والدته في الدخول للمنزل، فقد أخذها إيلاس معه للعيادة كي يخرج مسمارا من قدمها.

«فتحنا  تعويذة. صدقني إنها تشبه كل شيء إلا تعويذة!»

أردفت ديلارا باستهزاء:

«وتقول سوزيان أن أرسي أصبحت بخير بسبب تعويذتها السابقة، لذا أعطتها واحدة أخرى لتحمي الطفل. ليتها تعلم أن الأولى قد ابتلعتها نار الموقد»

رفع إيلاس حاجبيه باستهزاء، ثم أردف بعبوس: 

«الجهل لعنة»

رفع بصره نحو زوجته، ثم قال بحدة:

«طلبت منك ألا تأخذي هذه الأشياء!»

«لم يكن هناك مجال لرفضها! ماذا كنت تود مني أن أقول؟»

خلع حذائه:

«قولي لها اغربي عن وجهي»

«يا له من قول سهل»

رفعت ديلارا صوتها:

«على مهلكما. الغذاء جاهز. دعوني أسخن الطعام. إيلاس ألن تغسل يديك؟»

أشاحت أرسي عن زوجها وانشغلت تسأل خالتها عن حالها، وما لبثت أن انغمست معها في حديث عن الماضي كما العادة، فلم تكن الخالة تضيع أي فرصة لتحكي عن شيء حصل في ماضيها وها هي تحدثها عن مسمار اخر دخل في قدمها حين كانت شابة، وأن المسمار ظل في قدمها أياما لأنها ظنته شوكة وحسب، ثم ختمت قولها عابسة حين وضعت ديلارا الغذاء.

كانت رائحة البخور لا تزال عالقة في أنفها، ورغم أنها قاومت رغبة التقيئ لكن لم يكن بإمكانها أن تضع شيئا في حلقها فامتنعت عن الطعام وجلست بجانبهم بصمت تراقبهم وهم يأكلون.

ومضى أغلب النهار هكذا، كما مضى الأسبوعان الذي قبله.

وحين عاد إيلاس مساء من عمله، وجدها قد خرجت لتوها من الحمام، ما يزال وجهها يحمل شحوب المرض، وكأن الدم انسحب من جسدها كل، وعيناها غائرتان في محجريهما، لكنها بدت أفضل حالا بقليل.

حين رأته تهلل وجهها فأبعد يده عن قميصه ونظر لها بحذر:

«ما الخطب»

تقدمت منه بسرعة وقالت:

«أتذكر حين قلت لك أنني قلقة لأني لا أشتهي شيئا!»

«قلت لك أن ذلك طبيعي!»

«حسنا، أعرف الآن ما أريده»

تنهد وجذب قميصه من فوق رأسه:

«ماذا تريدين إذا؟»

قاطعته بلهفة:

«بطيخ»

أبعد ورقة أعشاب كانت عالقة فوق صدره ثم قال بهدوء:

«هذا ليس وقتا مناسبا للمزاح»

قطبت جبينها:

«لم تظن أنني أمزح؟ ظننتك ستكون سعيدا إن طلبت منك أن تحضر لي شيئا!»

« اطلبي شيئا معقولا»

«وهل طلبت منك بيضة تنين!»

استرق نظرة نحو النافذة، كان الجو غائما وقد أمطرت رذاذا خفيفا ما بعد الظهر، إن إيجاد بيضة تنين قد يكون أسهل من إيجاد بطيخ في هذا الجو:

«أي بطيخ تريدين؟»

«الأحمر»

«تريدين بطيخة حمراء؟»

«أجل، حلوة وصوفية وبدون بذور»

تراقصت ابتسامة ساخرة على شفتيه، لكنه حين أبصر علامات الترقب على وجهها أخفى ابتسامته، وأمسك لسانه عما كان سيقوله.

رقبته تؤلمه، وقدماه كذلك، يريد أن يستلقي وينام.

«حسنا إذن»

ابتسمت بترقب:

«سوف تحضرها لي؟»

لوى شفتيه في قنوط وتمتم باختصار:

«سأحاول»

نهض وتتقدم نحو الحمام فجلست فوق السرير تنتظره بترقب، وحين خرج راقبته بفضول بينما يرتدي منامته، مرر أصابعه في شعره المبلل ثم تقدم نحو السرير واستعد ليستلقي، لكنه توقف حين رآها بصرها المتعلق به:

«ما خطبك؟»

«متى ستذهب؟»

«غدا بالطبع. الأسواق مغلقة الآن»

اتسعت عيناها وقالت:

«تقصد أنك لن تذهب الآن؟»

«الآن؟ كوني منطقية يا أرسيليا، من سيبيعني بيطيخا في الساعة التاسعة ليلا! سيظنون أنني واحد من اثنين: إما لص محتال، أو مجنونا أفقده الخمر عقله»

ران عليها صمت مريب فزفر أنفاسه بتعب، تخلى عن فكرة الاستلقاء، وتقدم لها.

جلس بجانبها وابتسم:

«سأبحث عنها غدا في السوق، لا تنزعجي»

برطمت:

«لست منزعجة بسبب هذا، يمكنني الانتظار حتى الصباح»

«اذا ما الذي يزعجك؟ هل تشعرين بالغثيان؟»

حدقت به بعيون لامعة بالدمع فاستنشق نفسا عميقا، أمامه ليل طويل!

لم تمهله إذ صاحت:

«ظننتك ستخرج وتطرق باب التجار واحدا واحدا حتى تحصل لي على ما أريد!»

«هذا ليس بطلب معقول. الجو بارد»

وهو متعب، متعب لدرجة أن يكاد يسقط نائما من فوره.

«لكن هذا..هذا ما يفعله الأزواج الذين يحبون زوجاتهم. أنت لا تحبني!»

سيفكر مئة مرة قبل أن يجعلها تحمل منه مرة أخرى، لم يعد لديه طاقة ليجاري هذيان الحمل هذا.

حاول أن يبتسم من جديد:

«وأين سمعت هذا؟»

«قرأته في حكاية. حين كانت زوجة البطل حامل مضى على جميع بيوت القرية ليحضر لها توتا، حتى أنه ذهب ليبحث في الغابة طوال الليل»

مشكلة الكتاب أنهم يحتالون على الناس بقصص من الفضاء، حتى المجنون لن يفعل هذا، فما بالك بالعاقل.

مد يده فشد على يدها:

«كوني عقلانية يا عزيزتي، هذا لا يحدث إلا في القصص والروايات!»

1

فاضت دموعها:

«أنت لا تحبني حتما. إن كل ما يهمك هي نفسك!»

حاول أن يتحايل عليها:

«من قال هذا؟! إنك مرهقة يا عزيزتي، هيا لننم»

دفعته عنها:

«إليك عني! إنك منافق»

«اسمعي، إذا ذهبت الآن فلن يكون لدى التجار بطيخ طازج ولذيذ. لكني سأستيقظ باكرا جدا في الصباح وأحضر لك أول بطيخة السوق»

صمت للحظة وحين لاحظ أن كذبته بدأت تدخل مخها أردف:

«ثم إنك كلما أكلت شيئا في الليل تصبحين مريضة جدا في الصباح. أنا لا أريدك أن تمرضي من جديد»

مد يده نحو كوب الماء، الذي تطفو فيه قطع الليمون:

«هيا اشربي مشروبك ولننم»

«أنت لا تكذب علي؟»

تصنع الدهشة:

«هل تشكين بي؟»

تمتمت:

«الرجال مخادعون»

قهقه ضاحكا ثم جذبها نحوه، دس يديه أسفلها وحملها:

«ليس أقل من النساء!»

وضعها برفق على الفراش، ثم جذب اللحاف فوقها:

«نامي، وسأحضرك لك البطيخ غدا»

ولكن من أين له أن يحصل على بطيخ أحمر في بداية الربيع، وهو لا ينمو إلا فصل الصيف!

.....

أعتقد حستمر أنشر فصلين فصلين لين أوصل وين وقفت على الواتباد

أم تفضلون أنشرها دفعة واحدة🌝?؟?

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كركدية

المؤلف rana rachade
2025/12/09 مكتملة
قائمة الفصول (37)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة