....
......
تولى الملك نشر الإعلان بنفسه، وأصدر أوامرا مشددة تقتضي باتجاه كل مريض للقصر لأخذ العلاج، وكذلك أصر على تغطية الجروح مهما صغرت وتنظيفها. والابتعاد عن كل شيء قد يحمل العدوى.
أما سكان القصر فتم الضغط عليهم أكثر، وتم حجز أكثر من عشرين خادم وخادمة تم الشك في اصابتهم بالمرض، ورغم كل هذا الاستنفار لم يهتم الناس بالأمر كثيرا، تعددت أشكال الشائعات وظن الجميع أن للأمير مات وهم يحاولون اخفاء موته بطريقة مزعجة كهذه، كي لا ينتقل الحكم لابناء عمومته، وقد كان هذا عذرا تافها.
قلة فقط من الناس من التزموا بالتعاليم، وكان أغلب الخدم يتجاهل الأوامر الصارمة لتغيير الثياب وارتداء القفازات والحذر عن الاصابة بالجروح، ظن الجميع أن الامر كذبة لتغطية شيء أكبر.
استمر هذا ليومان فقط، ثم ظهرت بضع حالات داخل القصر مما سبب بعض الفزع.
وبمرور اسبوع كانت الديدان قد انتشرت خارج القصر، لكن بسبب قلة الحالات فقد ظل بعض الناس مكذبين ولم يهتموا للأمر كثيرا.
ثم فجأة في بداية الأسبوع الأول انفجر المرض كنقبلة، حفنة من الأطفال التقطوا المرض، ولاحظ اباؤهم ديدانا لزجة تتحرك بنشاط داخل جروحهم الرطبة.
ومن طفل لآخر انتشرت الديدان كانتشار النار في الهشيم، وازداد عدد البيوض التي تنتقل، وحاول البعض نزع الديدان بكل الوسائل فانقسمت لنصفين وتكاثرت.
أصيب الأباء بالفزع فركضوا بأطفالهم نحو القصر، وانتشرت الفوضى بسبب احتجاز الأطفال من طرف الحراس ووضعهم في غرفة خاصة.
وأصبح الأمر أفظع حين مات طفلان جراء تعفن الجروح بعد يومين، وقد كلاهما لا يتجاوز الثالثة من عمره.
بدأ الأمر يصبح حقيقيا شيئا فشيئا وبدأت الفوضى الحقيقية تنتشر.
الاباء التقطوا البيوض بدورهم، وفقست الديدان داخل ابسط الجروح.
بين الأظافر، وفي البثور المفقوعة، وفي جروح السكاكين والشفاه المقضومة، انتشرت الديدان في كل مكان، ومهما صغر الجرح كانت الدودة تنهشه وتنهشه حتى تجعله أوسع.
كان وباءا غريبا ومن نوع مختلف، وبدأت الناس تخاف على حياتها وعلى أطفالها من هذا الكائن الصغير المرعب، فاجتمعت عصبة من الناس وحاولت الهرب خارج حدود المملكة.
لكن لحسن الحظ كان قد تم إصدار أوامر مشددة لمنع أحد من الخروج، وأحيطت المملكة كلها بسياج حديدي خاص، وانتشر الجيش كله عبر الحدود، وليلة بعد ليلة أحبطت محاولات الهروب خشية انتشار المرض خارجا.
وقد كان إيلاس صاحب الفكرة، لذا كرهه الناس جميعهم ونقموا عليه.
ومن الطبيب المحبوب، تحول بين ليلة وضحاها لشيطان حي، ووصفه الناس جميعهم بأبشع الألقاب.
وبطريقة غبية، قرر الناس جميعهم مقاطعته فلم يحضر أحد للعلاج عنده ولم يستمعوا لكلامه حين حاول توعيتهم، وانتشرت حملة مقاطعته لدرجة أنه تم إنشاء احتجاج ضخم أمام القصر يطالبون فيه بترحيله خارج المملكة، لأنه الوحيد للذي اتى من الخارج، ويظنونه سبب المرض.
فقد ظل سر الأمير محفوظا، ولم يشك أحد للحظة أم أميرهم المبجل هو من حمل لهم المرض بيديه، وأنه المضيف الاساسي لتلك الكائنات الصغيرة المرعبة، وأن جرحه الذي امتد لساقه كلها حتى الركبة يحمل ما لا يقل عن ألف دودة ومئات البيوض.
أما آرسي فتلقت معاملة أسوأ، هجرها الخدم خوفا من أنها تحمل المرض الذي أحضره زوجها لهم، وتحولت حياتها لجحيم، فقد كان الجميع يتربص بها لاستغلالها ضد زوجها، فلقد كانت نقطة ضعفه داخل ذلك القصر. ولم تتوقع ان الكذبة الذي كذبها عليها ايلاس في محاولة لتخويفها من قبل كي لا تاتي معه تحولت لحقيقة.
وفي النهاية اضطرت لتغادر غرفتها وتربض أمام زوجها في غرفة بحوثه الصغيرة.
جلست على كرسي صغير ويدها على بطنها المكورة، وهي تراقب الاجتماع الطارئ الذي تم عقده بين الأطباء الثلاثة.
تمتم أزر بضيق:
«إنها كارثة! نحن لم نعد نحارب هذه العدوى اللعينة فقط، بل نحارب حفنة من الجهلاء»
أضاف الطبيب الملكي بتوتر:
«لقد قلنا لهم أن المرض أتى من الخارج كي نغطي على الأمير، لذا القوا التهمة رأسا على الطبيب ايلاس. نحن نتحمل كامل المسؤولية»
هز ايلاس رأسه:
«لا أحد يتحمل مسؤولية شيء. الخوف يدفع الناس للتعلق بأي شيء لايجاد الخلاص، دعهم يتهمونني إن كان ذلك سيخفف عنهم، لا يهم»
«ايا يكن، انهم يحتشدون امام القصر كل يوم، وهذا يزيد من خطر انتشار البيوض لكم أولئك البلهاء لا يفكرون في شيء!»
زم ايلاس شفتاه، لقد حاولو جميعهم ردعهم، لكنهم لم يستمعوا حتى لأوامر ملكهم، فهم يظنون أنه ييف بصف الطبيب لانه من استدعاه، ورفض ايلاس فكرة استخدام العنف لاجبار الناس على التفرق لان هذا سيشعل المزيد من نيران الفتنة، عدا أنه سيتسبب بالمزيد من الجروح، ومزيد من الجروح تعني مزيدا من الديدان.
مسح ازر على وجهه:
«نحن محاصرون!»
ظل الطبيب الملكي صامتا فيم أخذ ايلاس ينقر الارض بقدمه.
«لم لا تخبرونهم أن الأمير هو حامل المرض؟»
اتجهت الرؤوس الثلاثة نحوها وحدقت بها الأعين الستة في تساؤل، ابتلعت ريقها ببطء وحاولت جعل صوتها هادئا:
«المزيد من الاكاذيب لن تفيد أحد، أخبروهم الحقيقة»
رد الطبيب الملكي بتوتر:
«هذا يضر بسمعة الامير بصفته الملك المستقبلي»
«نحن نناقش حياة الناس وكل ما يهمك سمعة أميرك»
هز ايلاس رأسه:
«لن يصدق أحد ذلك، سيظوننا نحاول الضر بسمعة الأمير…»
قاطعته بضروراة:
«سيصدقون إن رأو بأعينهم!»
مرت صورة الساق المصابة بذهن الثلاثة في ذات الوقت، واتفقوا بصمت أن ذلك خيار صعب، مرر ازر يده في شعره بعصبية:
«دعوني فقط أقطع تلك الساق اللعينة!»
قال ايلاس بهدوء:
«حالة الأمير متقدمة جدا، بدلا من تهدئتهم سيجعلهم المنظر يرغبون في الهرب بإلحاح أكبر، وستزداد الاحتجاجات لأجل فتح الحدود، وكذا محاولات الهرب»
«حتى العلاج ليس بأيدينا لذا لا نملك طريقة لتهدئة رعبهم»
نظرت لهم بغضب:
«وستتركون الأمر يجري هكذا وحسب؟ هذه الأشياء تتكاثر؟»
ضغطت على بطنها برفق حين رفرف الصغير بداخلها واضافت:
«ولا أحب التضحية بسمعة زوجي لأجل أمير جبان يخشى مواجهة شعبه»
تجمد الرجال الثلاثة في آن واحد، ثم في الثانية التالية نظر ازر وايلاس نحو الطبيب الملكي بنظرة جعلته يرتجف في مكانه.
تمتم الطبيب بتوتر:
«أنا لست جاسوسا، لا تنظرا لي هكذا!»
مرر ازر يداه في شعره الكثيف وضحك بنزق:
«إنها اميرة في النهاية، يمكنها أن تقول ما شاءت»
نظر نحو ايلاس وأردف:
«لديك امراة رائعة»
همس له من تحت أسنانه:
«فلتخرس»
وعاد ببصره نحو زوجته:
«راقبي الفاظك، الا يكفي ان الجميع يريد طردنا من هنا، اتريدين أن يصبح راسك أيضا مطلوبا؟»
قلبت عينها بضجر:
«لم أقل سوى الحقيقة»
صر على أسنانه:
«آرسيليا»
التفت نحوه غضبى:
«ماذا؟ أنا لا أحب كل هذه الإهانات المزعجة التي يرددها هؤلاء الحمقى في الخارج عنك، فيم هذا الأمير المدلل يستلقي بهدوء فوق سريره الملكي وهو يحظى بالرعاية!»
تأوه ازر مصدوما، واحمرت أذنا الطبيب بقوة، بغتة تحول الأمر لشجار زوجي، لذا غادر الطبيب الملكي من فوره قائلا أن عليه تجهيز جرعات مخدرة جديدة، وتبعه ازر بسرعة، لكنه لم ينسى أن يلعب باعصاب ايلاس، فقد ضربه على ظهره أثناء خروجه وقال:
«بالتوفيق! احرص ألا تلتهمك قطتك»
راقبه ايلاس بصمت رغم ان عيناه تشتعلان، ثم اسرع من خلفها فأغلق الباب واستدار نحو زوجته:
«هل جننت؟»
هزت كتفيها بلا مبالاة:
«لم أقل سوى الحقيقة»
وضع اصبعاه على جسر أنفه وزفر نفسا عميقا:
«أنت تنجذبين للمشاكل»
«هل تسمي دفاعي عن شرفك مشكلة! إنك رجل ثقيل الدم!»
«فلتخرسي»
حدجته بنظرة ساخطة، ثم مدت ساقيها أمامها، ورمت صندلها من قدميها، انحنت تدلكهما قليلا وقالت بتذمر:
«على كل حال، ألم يكن بإمكانك توفير كرسي أفضل من هذا؟ أشعر أني كنت أجلس فوق مسمار ضخم»
تأوهت في ألم:
«قدماي تؤلمانني حقا، هل هذا نوع جديد من التعذيب؟»
رمقها بنظرة شملت جسدها كله، ثم دقق النظر في قدميها المتورمتين بسبب الحمل، كان يتمنى لو يشمت بها لأنها من تسببت لهذ لنفسها كان يمكنها أن تكون هانئة في منزلها وغرفتها معززة مكرمة، لكنها امرأة تحب حشر نفسها في المشاكل، علقت جملة حارة على طرف شفتيه تعبر عن هذا كله، لكنه ابتلعها ببطء.
حين تيقن من هضمه لتلك الجملة المرعبة، قال لها:
«هل أكلت؟»
حدقت به ساخرة:
«أجل، حظيت بغذاء ملكي، كان يحتوي على خروف كامل مشوي وبقرتين، وثلاث دجاجات…»
تجعد جبينه فلم تكمل سخريتها، مررت يدها في شعرها:
«هل احترق مخك؟ منذ قدتني لهذه الغرفة في الصباح وأنا مسجونة معك»
«أحضرتك لأني كنت أخشى أن يدس أحدهم لك السم في الشاي»
«لديك أفكار اجرامية، أتساءل كيف أصبحت طبيبا؟ كان يجب أن تكون من قطاع الطرق»
حدجها بنظرة ساخطة:
«إن لم تكوني راضية، فما زال بامكاني تغيير مهنتي لأحقق لك حلمك. سأبدا بك كضحية أولى»
حركت يديها حول وجهها لتهويته قليلا، فالغرفة كانت خانقة:
«اهدأ، كانت مزحة»
تناول بعض الفاكهة من صندوق قريب منه ثم مشى نحوها وناولها لها، فنظرت لها بشك:
«اليست هذه غرفة أبحاثك؟»
«اذن؟»
«الم تكن تحتفظ بتلك الأشياء هنا؟ ما أدراك أنها لم تدخل للطعام؟»
سحب الصحن من جديد إليه وقال:
«إذن لا تريدين اكلها؟ سأطلب لك وجبة من المطبخ اذا، وما أدراني قد يكون أحدهم مصابا بالعدوى»
سحبت الصحن منه وقالت بتوتر:
«كنت أمزح، أعطني»
ابتسم ابتسامة جانبية ومضى يراقبها وهي تقشر حبات الموز وتأكلها.
كان يعلم أنها تناولت مقدارا قليلا من الطعام في الايام القليلة بسبب غثيانها، فقد اصيبت الوصيفة التي كانت تشرف على خدمتها بالمرض، ومع ذلك استمرت في خدمة ارسي، لا يعلم إن كان تفانيا أم أنها فقط ارادت نقل العدوى لها
لكن ايلاس اكتشف ذلك وطردها، ومنذ ذلك الوقت وارسي مرعوبة من أن تكون دودة ما قد تسربت لأمعائها، وتظن أن أي شيء تلمسه سيكون معديا، لقد اصبحت لديها فوبيا جديدة.
مد يده ليتلقط إحدى اوراق ملاحظاته، كان ذهنه مشغولا بما فيه الكفاية، ولا يستطيع أن يحظى بلحظة هناء، وها هي مشكلة اخرى تظهر امامه، فلا يمكنه أن يبقي زوجته ملتصقة به بينما هو يجري التجارب على الديدان، ولا أن يأخذها معه لغرفة الأمير فذلك المنظر المرعب لجرحه سيتسبب لها بغيبوبة، ولا يمكنه تركها وحدها لأنه لم يعد يثق بأي شخص في هذا القصر.
كل هذه الأفكار ازدحمت في رأسه فلم يسمع ندائها إلا حين صاحت به بغضب وبصوت عال كاد يفرقع طبلة أذنه، صاح بها باندفاع:
«ما خطبك! حتى لو كنت على وشك الولادة لن تصرخي هكذا!»
رمقته بنظرة مستنكرة ثم قالت:
«تعال هنا وأعطني يدك»
حرك يداه امامها:
«أنا لست مصابا بالعدوى، لا داعي للتحقق من ذلك»
«يا برغوث الغابة، قلت تعال إلى هنا!»
رمقها بنظرة غاضبة:
«لسانك هذا أصبح أطول، ألم اقل لك راقبي ألفاظك»
«أنت من يدفعني لهذا، لم لا تاتي وحسب كزوج مطيع ولطيف»
«هل تلبستك شياطينك من جديد؟»
زفرت أنفاسها بقوة فاستسلم وعاد يقترب منها، مد لها ذراعه بلا مبالاة:
«هاك انظري، انها سليم….»
أطبقت على ذراعه بقوة وجذبته فشهق بتفاجؤ، وتعثر توازنه فوقع ارضا، وبقليل من الحظ استطاع موازنة نفسه، احمرت عيناه غضبا:
«ايته…»
منحته نظرة خبيثة، فابتلع ريقه وراقبها بصمت، اطبقت يداها على يديه ثم رفعتها ببطء ووضعتها فوق بطنها المكورة، مرت لحظة صمت ثم دفعت يده بعيدا عنها وقالت بتذمر:
«حسنا ابتعد»
«ماذا؟»
«لقد أخفته بصراخك، إنه جامد كالصخرة»
قال باستنكار:
«انت من كان يصرخ وليس انا»
رفع يده -التي كانت قد رمتها كحشرة- ثم وضعها من جديد فوق بطنها، لانت نظراته للحظة وهو يمررها برفق فوقها، واحتبست أنفاسها في حلقها لكنه سرعان ما نهض وقال:
«على كل حال، ما تزال حركاته ضعيفة جدا لأحس بها أنا»
نظرت له بنزق:
«فهمت الان لماذ ظللت عازبا حتى وأنت في الثامنة والثلاثين. فإضافة لانك اخرق مع النساء أنت بارد المشاعر وغير رومنسي»
ضاقت عيناه فتجاهلته:
« عد لأوراقك، أنت تفقدني شهيتي»
زفر أنفاسه بقوة ثم ابتعد عنها، أمسك أوراقه بالفعل وبدأ يقرأ الملاحظات التي كتبها بتركيز وهو يحاول في نفس الوقت التفكير بجد لإيجاد حل لمعضلة زوجته.
وان كان يظن أنها انتهت منه فقد كان واهما، ما إن بدأ ينغمس فيم يفعله حتى ناداته من جديد، ترك أوراقه من يديه وحدق بها بصمت، لم تكن نظراته لطيفة بل نافذة الصبر، لكنها تجاهلت كل ذلك وقالت وهي تشير لبطنها:
«هل من الطبيعي أن يتحرك هنا وهناك؟»
ضيق عينيه عليها، ظنها تعبث لكنها بدت جادة فعلا، فإجابها باختصار:
«أجل»
«فعلا؟ من فوق وتحت، اليمين واليسار؟»
«لديه أربعة أطراف، سوف يستعملها كلها»
تمتمت بتفكير:
«حقا؟ أشعر أن لديه أكثر من ذلك»
رفع بصره لها بغتة بحدة:
«ماذا تعنين؟»
مررت يدها على بطنها بحركة دائرية:
«انه في كل مكان. أشعر به من اليمين واليسار، وفي كل مكان»
«هل بدأت تهلوسين؟»
نفخت خديها بتبرم فكان دوره ليتجاهلها، لكنه لم يستطع منع نفسه من مراقبة حركاتها، ظلت تمرر كفها على بطنها الصغيرة وقد اكتسبت نظرتها حنانا لا مثيل له، وتمتمت ببضع كلمات لم تصله، لكنه شعر بالكهرباء تسري في جسده حين شتمته.
«أبوك وغد أليس كذلك؟»
نظر لها بحدة، لم يتوقع قط أن كلمة وغد كانت ضمن قاموس اميرة:
«لا تعلمي طفلي كلمات سيئة!»
ابتسمت بشقاوة:
«كنت أجرب وقع الكلمة، وهو يناسبك»
دخل آزر للغرفة من جديد فيم يشبه الاقتحام:
«اسف لمقاطعتكما»
توقف للحظة وهو ينظر لهما كل في جهة، وتمتم ساخرا:
«حسنا، يبدو أني لم اقاطع شيئا»
مرر ايلاس يده على وجهه بارهاق واضح:
«ماذا تريد يا آزر؟»
اكتسبت تعابيره جدية سريعة:
«العدوى تنتشر بسرعة رهيبة. لقد سجلنا ما لا يقل عن عشرين حالة اليوم داخل القصر، وأما بين الحشود المجتمعة خارجا فالمصيبة أعظم»
أحنى رأسه وأضاف:
«وقد مات الكثيرون»
شد ايلاس كفه قي قبضة قوية، وبدا على شفير الانفجار حين أكمل ازر:
«والاحتجاجات بترحيلك أنت وزوجك عن هنا ما تزال قائمة»
مرت لحظة صمت مشبعة بالتوتر، وقالت ارسي:
«لما لا نجرب الحديث معهم؟»
«انهم حفنة من الجهلاء، لن يستمعوا إلا لما يريدونه»
طأطات رأسها بصمت وعادت تدلك قدميها في شرود، وزفر ايلاس أنفاسه في تنهيدة قوية:
«لا حل أمامنا إلا إيجاد الدواء»
«صحيح. هل توصللت لشيء؟»
«انها ديدان صعبة، وهي متكيفة، اذا تعرضت للسم ولم تمت فهي تنشئ مناعة ضده بسرعة،. لا أفهم كيف يحصل ذلك حتى»
تساءل آزر بهدوء:
«ماذا عن حرقها؟»
«جربت ذلك، تحتاج حرارة عالية جدا لقتلها، ولا يمكننا إشعال النار قي الناس! والكي لا ينفع»
أطرق الثلاثة للصمت، أغمضت آرسي عينيها وهي تستشعر تقلب الصغير بداخلها، بدأت تميز حركاته بشكل أفضل من السابق، وبينما هي كذلك خطرت ببالها فكرة مجنونة:
«ما الذي يمنعكم من قطع ساق ذلك المدلل وحرقها؟ ظننتك قلت أنه المضيف الأساسي لهذه الأشياء المقززة؟»
التفت الرجلان إليها وقال آزر بابتسامة واسعة:
«هل قلت لك هذا من قبل يا سيدتي؟ تروقني طريقة تفكيرك»
ابتسمت له مجاملة ثم عادت ببصرها نحو زوجها، تنهد مرة أخرى بسأم:
«طلب منا الأمير أن نجد حلا دون قطع ساقه، إنه لا يريد أن يصبح عاجزا»
«لكن لا بأس أن تكون عشرات الأرواح هي الثمن؟ أي أمير يفكر بهذه الأنانية بينما حياة شعبه على المحك؟»
هز آزر رأسه:
«تربى الأمير على مفاهيم مغلوطة منذ الصغر، يحاول أن يبدي القوة ويظن أن الرجولة تتمحور حول قوة الجسد وتعلم المبارزة. يكفي أن يكون له جسد معضل لكي يكون ملكا»
«هذه أفكار رجعية، لو كانت الرجولة في بضع عضلات لكان الثور سيد الرجال!»
انفجر آزر في الضحك، حتى أن الدموع طفرت من عينيه والتوت شفتا إيلاس في ابتسامة رغما عنه، رفع يده فصفع ظهر آزر بقوة:
«يكفي. لنعد للعمل»
نظر نحو زوجته وأردف:
«ولكم قبل ذلك هل يمكنك أن تحضر كرسيا آخر للغرفة»
نظر له آزر باندهاش:
«هل حقا تنوي ترك زوجتك بهذه الغرفة الخانقة؟»
تمتم بقنوط:
«لا حل آخر»
«إذا سأحضر لك سريرا، سيكون مريحا أكثر من الكرسي. ما رأيك يا سيدتي؟»
ابتسمت آرسي بلطف:
«سأكون ممتنة لك سيدي»
غادر آزر الغرفة سريعا، ثم عاد بعد لحظات ومعه خادم، وأدخلا كلاهما سريرا صغيرا للغرفة، بما يكفي لشخص واحد، ثم غادر الاثنان من جديد، ولما رأت آرسي أن زوجها عاد لعمله وانغمس فيه، وعلمت أنها إذ قاطعته الآن فكأنما تقتحم عش زنابير.
جذبت لحاف السرير ووضعت رأسها على المخدة، شعرت بالراحة لأنها استطاعت أخيرا أن تفرد جسدها بعد ساعات من الجلوس فوق ذلك الكرسي الصلب، ودون أن تدري كانت قد غرقت في النوم.
*****
الأيام التالية كانت صعبة ومرهقة للجميع، ازداد انتشار المرض بين الجموع خارج القصر ووجد إيلاس نفسه عاجزا عن إيجاد دواء للمرض، كيف له أن يعالج ديدانا تتحرك؟ إنهم يطلبون منه الإتيان بمعجزة.
انطوت الأيام في سرعة رهيبة، وانتشر الفزع بين الناس بشكل أكبر، مات الأطفال أسرع من الكبار، وامتلأت ساحات القصر بالجرحى بسبب التدافع والتزاحم في الساحات، وانقلب الأمر لحرب داخلية عجز الملك عن تهدئتها.
وبغتة من اللامكان ظهر مناصرون للطبيب إيلاس، فاستشاط الناس غضبا لذلك، وبدأو يتشاجرون مع بعضهم البعض.
المزيد من الجروح كان يعني دماءا أكثر، مما أدى لانتشار الديدان بشكل أسرع مما كان عليه في الاسابيع الأولى.
قرر ايلاس حجر الناس في القصر، وقبل الملك تحويل الحجرات الفاخرة لغرف حجز للمرضى، لكن هيهات، ظلت الناس على رأيها في ايلاس فلم يستمعوا لكلامه، ولم يكن الطبيب ازر والطبيب الملكي كافيان لحجز ذلك العدد المهول من الناس وفحصه، اضافة الى جهلهم الكثير عن تلك الكائنات للصغيرة، كان ايلاس الوحيد الذي درسها، كان الوحيد الذي فهم تصرفاتها، وكان الوحيد الملم بها.
بعث الملك رسائلا للممالك المجاورة لإرسال الدعم لهم، وبذلك انتشرت اشاعة المرض في الخارج، لكن اغلب من وصلت لهم رسالة النجدة قتلوا الرسول وحرقوا جثته خوفا من انتشار المرض، ورفضوا أي تعاون.
وفي سابقة لم يسبق لها مثيل، أعلنت حالة طوارئ في البلاد، وأغلقت الحدود، خوفا من تفشي المرض خارجا، وحتى الذين حاولوا الهرب لم يمنعهم الجيش الداخلي للدولة وحسب، بل جيش خاص كان في الخارج.
تخلى الجميع عن المملكة، وتركوا أهلها للموت، كانت أنانية محضة، لكنها أنانية لأجل العيش، فالناس تخشى المجهول.
وفي ذات الغرفة الخانفة اجتمع الأطباء الثلاثة، ومعهم أرسي والملك، انفجر آزر ضاحكا وقال:
«طلبنا النجدة فتم سجننا في الداخل! يا للهول، سأحكي هذا لأحفادي إن عشت»
رمقه ايلاس بسخط:
«وكأن لديك أولاد، لتنجب أحفادا!»
توقف ازر عن الضحك وقال بغتة:
«ألم أخبرك؟»
«تخبرني ماذا؟»
أخرج آزر سلسلة رفيعة من تحت ثيابه، ورأى ايلاس خاتما فضيا يتعلق بها، علق آزر بمرح:
«أنا متزوج!»
فغر ايلاس فمه دهشة ثم قال بسرعة:
«وأين عائلتك؟ ثم لم تبدو وكأنك متحرش من الطراز الاول إن كنت متزوجا؟!»
ابتسم هازئا:
«عائلتي؟ منذ رأيت تلك الأشياء القذرة في جرح الأمير علمت أن شيئا كهذا سوف يحدث، لذا ارسلتهم خارجا»
أشار لنفسه بفخر:
«أنا ذكي أولست كذلك؟!»
صمت للحظة وأضاف بمرح:
«ولمجرد أنني أثنيت على زوجتك لا يعني أنني متحرش؟ أنت غيور أكثر من اللازم»
سألته أرسي باهتمام:
«هل لديك أطفال؟»
ابتسم بزهو:
«لدي واحد، عمره سنة ونصف»
ابتسمت أرسي له، فيم قطب ايلاس جبينه:
«أشعر وكأنك تكذب»
حدق به آزر متصنعا الغضب:
«أتظن أنك الوحيد الذي يحق له الزواج والإنجاب في هذا الكون! يا لك من رجل تعسفي»
انفجر الملك وطبيبه ضحكا على هذا الموقف، فهز إيلاس رأسه بصمت:
«سأقر بذلك، ابعاد عائلتك عن الخطر كان تصرفا رجوليا»
«أترى؟ إذا عجل وجد الحل لهذا الوباء المجنون، لا أريد أن أعود لمنزلي وقد قضمتني دودة!»
هز الملك رأسه وقال:
«نعم، تخلى عنا الجميع وأنت أملنا أيها الطبيب إيلاس!»
ضم ايلاس يداه اليه وقال ببؤس:
«أنتم تطلبون مني المستحيل!»
«سأدفع لك قدر ما تريد من المال، عشرين مليون قطعة ذهبية، بل سبعة ملايين قطعة، يمكنك شراء لقب وقصر بهذا القدر!»
رفع ايلاس بصره اليه وقال مقطبا:
«هذا الثمن مغري حقا يا سيدي، لكن الحل لا يكمن في المال»
زم الطبيب الملكي شفتاه:
« كطبيب زميل فإني أفهم ما تعنيه، لكن يكاد الوباء يغطي المملكة كلها وحينئذ سيكون القضاء عليه أصعب، لقد اجتاح الذباب المدينة، وجود المزيد من الدود جعل الكثير من الذباب يفقس، والكثير من الذباب يعني من المزيد من الدود، إنها حلقة مفرغة»
ضم ايلاس يداه لصدره:
«سنستمر في إبادة الذباب بالسم الذي أعطيتكم، يسهل القضاء على الذبابة»
اندفع ازر قائلا:
«لكن ما دام الدود موجود فلا فائدة!»
«على الأقل سنقلل من وجود البيض. إن الذبابة الواحدة تضع في المرة ما لا يقل عن مئة بيضة! القضاء على ذبابة واحدة فقط قد ينقذ عشرين شخصا، لا تتهاون فقط لأن المهمة مملة»
صمت الرجال للحظة إثر كلامه لكن عيونهم جميعا تركزت عليه فشعر إيلاس بالضغط، تنهد باستسلام:
«سأفعل ما في وسعي»
ربت الملك على كتفه فقال ايلاس مقطبا:
«على كل، نفذت الأعشاب التي لدي، ويجب أن أخرج للغابة»
ارتبكت ارسي فتدخلت في الحوار للمرة الأولى منذ بدأو:
«لا يمكنك الخروج وكل تلك الناس تتربص لك»
هز آزر:
«زوجتك محقة»
«لكن لا أستطيع إستكمال تجاربي دون أعشابي، هل تريد مني استعمال السحر الأسود؟»
«انتظر على الأقل حتى تهدأ الأوضاع»
«متى سوف يحصل ذلك؟»
ساد الصمت في الغرفة ولم يملك أحدا الجواب، وفي غمرة هذا اهتز القصر قليلا، وكأن قنبلة انفجرت تحته، ولم تمضي ثوان حتى تصاعد هرج شديد في الداخل، نهضت ارسي فورا عن السرير والتصقت بزوجها، أمسكت ذراعه بشدة وأنبأها حدسها أن أمرا جللا سيحصل.
سأل الطبيب بتوتر:
«ما هذا؟»
فيم وقف آزر وقفة عسكرية، ابتسم بمرح رغم المصيبة التي تقترب منهم:
«أعتقد أن شعبك العزيز، قرر أخيرا إلقاء التحية!».
وفي ذات الثانية اندفع باب الغرفة بعنف مخلفا خلفه سحابة من الغبار، ووجوها ثائرة يتأجج الغضب في أعينها.
*********
ما كان بدي أنشر الفصل، لأنه التفاعل كثير محبط، في ناس تقرأ بصمت ولا تعلق ولا حتى تصوت.
لكن أنا كاتبة تقدر مجهود الآخرين، وهذا الفصل نشرته لأجل الذين صوتو❤️
كل الحب لكم.
-كركدية على وشك الانتهاء، ألا تستحق حبكم؟-
دمتم بخير.
rana rachade