....
هلاا
فصل سوبر قصير، رغم اني وعدتكم انهي الرواية باكرا لكني كنت متعبة جدا، ولم استطيع الكتابة
لكن قررت نشر هذا الفصل القصير لكم، لكي لا تظنوا أني سحبت.
.....
انحنى إيلاس على المهد واتكأ عليه بمرفقيه وطفق يتأمل طفليه بحنان بالغ وهما نائمان بسلام، صدرت عنه ضحكة خفيضة وهو يتأمل جسدهما المشدود في القماط الأبيض وهذه من فعلة جدتهما.
ملامحهما كانت تتشابه، شعر أسود كثيف، بشرة نقية كالمرمر، ناعمة كالحرير، وجسد صغير أخف من ريشة، ما يختلفان فيه شيء واحد لا غير.
فالصغيرة لها عيني والدها وإن كانت حدقيتها أفتح بقليل من لون إيلاس، فهما كالعسل الذائب، ولأخيها عينان زمردتيان تلمعان كأنهما قطرة زيت زيتون.
مد يده ومرر أصابعه متحسسا بشرة الصبي، بعثر خصلاته الكثيفة ومرر طرف أصبعه على حاجبه المرسوم بدقة، نقل بصره للفتاة الصغيرة التي تحرك فمها وكأنها ترضع وابتسم بمرح لمرأى شفتيها الكرزيتين، ستكون آية في الجمال عندما تكبر.
رفع يده عنهما ونجح في صعوبة بالغة في تحريك بصره بعيدا نحو السرير الملاصق للمهد، وهناك كانت آرسي تنام بعمق بينما شعرها الناري متناثر على الوسادة حولها وأنفاسها منتظمة.
المسكينة لم ترتح من ألم المخاض لتغرق في ألم الرضاعة الطبيعي، ثم إلى النوم المتقطع فلا ينام الصغيران سوى ساعة أو نحو ذلك ليستيقظا في آن واحد ويزلزلا هدوء المنزل بالبكاء.
ترك مكانه بجوار المهد، وتحرك نحوها، سحب الغطاء ليغطي جسدها فارتعبت وأجفلت، رسم على شفتيه ابتسامة مطمئنة:
«عودي للنوم»
حدقت به بحيرة كأنها لا تعرفه، ثم تحركت عيناها نحو المهد، بقيت عيناها مسمرتين على الطفلين للحظات ثم أغمضتهما رويدا رويدا وعادت للنوم.
تبادر لمسامعه صوت صهيل عال، مع عجلات تتحرك أمام الباب فأسرع يخرج من الغرفة، أغلق الباب خلفه ببطء واتجه ليستقبل أول ضيوفه.
حفل العقيقة الذي أقيم بعد سبع أيام من يوم الولادة كان أفخم من حفل الزفاف، حضره جميع أهل القرية، آزر وزوجته، التاجر ناجد وزوجته أيضا، وحضر امبراطور الشمال والد آرسي بناء على دعوة خاصة.
لكن وجود نبيل رفيع الشأن بينهم لم يقلل ولو قليلا من حدة ضجيج الفرحة الذي ملأ الجو، انتشر سماط واسع في القرية وعزفت الطبول وصاح الرجال في حبور.
تنوعت الأطباق ما بين لحم مطبوخ، مشاو وحلويات، وأكل الجميع حتى زهدو في الطعام وتناثرت البقايا في المكان.
تلقت آرسي هدايا ملأت الغرفة، تنوعت بين قطع ثياب لها وللأطفال، وحلي من فضة وذهب، عدا وبسبب تقليد مترسخ في القرية فقد ألبسها زوجها قلادة ثقيلة من الذهب الأحمر، وثقبت أذني الطفلة وتزينتا بأقراط صغيرة.
طوت الأيام التالية ضجيج الموسيقى والفرحة التي شهدتها القرية، توقف الحديث رويدا رويدا وانغمس كل في عمله الخاص، واستفرد الاثنان ببعضهما ليواجها واقع تربية الأبناء بكل حلاوته ومرارته.
وكم كان ذلك صعبا، يستيقظ الطفلان في وقت متقارب، يبكيان ويهزان المنزل صراخا، كلاهما جائع يطلب صدر أمه وحليبها فلا تستطيع المسكينة إرضاع كليهما في آن واحد لما يرافق الرضاعة من ألم شديد.
كانت تنهار كل ليلة باكية تحدق للطفلين الباكيين، عبثا يحاول زوجها تخفيف حدة بكائها لكنه يجد نفسه تائها بين بكاء الثلاثة فيجلس صامتا على السرير يحدق بهم في جمود.
وفي أحايين أخرى تقتحم الخالة الغرفة عليهما، تحمل الطفلين وتلفهما في رداء أبيض باحكام شديد، فينامان فورا بين ذراعيها.
واستمر الحال كذلك شهرا آخر، رويدا رويدا بدأ كلاهما يعتاد النوم المتقطع وسهر الليالي، وأخذت أرسي تستجمع شتات نفسها وبدأت تعتاد أمومتها الجديدة.
وظن إيلاس بهذا أن السحب السوداء الذي غطت سماء حياته السعيدة قد تفرقت وأدبرت، ولكنه عاد في أحد الأيام للمنزل وهو محمل بمشتريات السوق الجديد، ليجد أمه وديلارا يجلسان في البهو الصغير صامتتين وكأن الطير فوق رأسيهما، انتابه شعور مريع، وضع المشتريات من يده وسأل بتوجس:
«ما الخطب؟»
رفعت والدته رأسها نحوه، حدقت به والشرر يتطاير من عينيها:
«ماذا فعلت لزوجتك؟»
«ماذا فعلت؟»
هبت واقفة وأسرعت نحوه وهي تشير باهتياج:
«أتت عربة خاصة وأخذتها من هنا قبل نحو ساعة، خرجت بهدوء ولم تشرح لأحد فينا ماذا حصل!»
تنهدت ديلارا وأعقبت:
«قالت إنها متعبة وتريد استراحة، وطلبت أن نخبرك أنها لا تريدك أن تلحق بها»
تعثرت الكلمات على شفتيه:
«والطفلان؟»
«بالطبع أخذتهما معها»
أسرع نحو غرفته وفتح الباب بعنف أشبه بالاقتحام وفوجئ بهدوء تام في الغرفة، لا فوضى، لا رائحة أطفال ولا أي شخص. لقد رتبت الغرفة ونظفتها بشكل مريب وتركت المكان خلفها كأن أحدا لم يمسه.
اتجه نحو الخزانة ففتحها ووجد أن معظم ملابسها لا تزال في مكانها، لم تأخذ معها شيئا.
تركت كل شيء خلفها وغادرت.
جلس على السرير المرتب وقد أعيته الصدمة، هجرته! هل هجرته؟ لماذا؟ ماذا فعل؟ لماذا تحرمه منها، ومن طفليه؟ ظن
كل شيء قد صفا، ظن أن حياتهما ستتحسن وتصبح أفضل. ما الخطأ الذي ارتكبه؟! ما الذي فعله؟
لم يجد جوابا لأسئلته، هب من مكانه كالملدوغ أسرع للخزانة وأخرج رداءه منها.
حين خرج من الغرفة بسرعة استوقفته والدته كأنها ساحرة:
«إلى أين؟»
«سأعيد زوجتي وأطفالي يا أمي»
«هل تعرف أين هي؟»
«لقد عادت لمنزلها، لا أحد قادر على إرسال عربة خاصة لها غير والدها»
«لا تفعل»
استدار الاثنان نحو ديلارا، ابتسمت:
«لن تجني شيئا من الذهاب الآن يا إيلاس، لقد بدت محطمة، حزينة ومكتئبة. أرادت استراحة فامنحها واحدة. لقد هربت بحثا عن الأمان لذا لجأت لوالديها لكنها ستدرك قريبا أن أمانها الجديد قد أصبح هنا. لذا امنحها وقتا»
نظرت لها الخالة شرزا:
«ماذا تقولين أنت؟»
«اهدئي يا خالتي، أعرف أنك غاضبة لأنها أخذت الطفلين معها، لكنها أمهم ومن حقها أن تأخذهما. انظري للأمور من زاوية أخرى فأنت أيضا امرأة. صدقيني لن يجني شيئا من الذهاب الآن وفي النهاية سيعود خالي الوفاض. جميعنا نحتاج استراحة، لذا لنتمهل»
شد إيلاس على قبضته بقوة:
«لا أعرف لم غادرت أصلا! لقد كانت بخير حتى البارحة»
ابتسمت له ديلارا ابتسامة غريبة:
«أخطأت. عد وصفي ذهنك وصدقني ستعرف أنها لم تكن هادئة قط، لكن كل ذلك كان غطاءا»
«وتظنين أن أنسب خيار أن أترك زوجتي الهاربة بعيدا!»
«لم تهرب لغابة مقفرة، أخذت من هنا في عربة ملكية مكللة، معززة مكرمة. عد للداخل وارتح أنت أيضا، وستعرف حتما سبب هروبها. لقد خرجت آرسي من هنا وهي تحمل في قلبها سؤالا، فإذا ذهبت إليها بدون جواب ستهدم ما تبقى بينكما»
حدق بها بغضب ممزوج بالحيرة، ارتفع بكاء آيرس من داخل الغرفة فنهضتت ديلارا من مكانها:
«عد للداخل يا إيلاس، عد وارتح وفكر، فلكل سؤال جواب»
وقد فعل، عاد وأغلق باب الغرفة عليه، رمى نفسه فوق السرير المرتب، استرق نظرة للمهد الفارغ فانتابته غصة، وضع يده على عينيه وغرق في دوامة من التفكير.
يفكر؟ يجد جوابا؟ إنه مرهق أيضا، لقد اكتفى من الركض وراء هذا وذاك، وظن أن جميع مشاكله ستحل بقدوم أطفاله لهذه الدنيا، ماذا كان ليتمنى غير ذلك؟ عائلة، زوجة، وأبناء وبيت جميل دافئ ولديه ما يكفيه من المال ليعيش مئة سنة دون عمل، لكن كل تأملاته الوردية هدمت فوق رأسه وانهارت أحلامه.
متعبة؟ لماذا لا تصارحه فقط؟ ألا تدرك أنه أيضا مرهق مثلها؟
أغمض عيناه ومر الوقت، يوم فاثنان، ثلاثة وأربعة؛ سبعة متوالية ولم يجد أجوبة ولا هدأت حمى أفكاره، لكنه أدرك شيئا واحدا؛ لم يعد يستطيع العيش هكذا، يجب أن يعيدها إليه.
خلال الجائحة كان مشغول البال بها، خائف عليه واشتغل فوق طاقته لينهي المرض فقط ليخرجها من ذلك المكان الخطير، كان يتوق فقط ليدفن وجهه في شعرها الطويل ويستنشق رائحة صابون الورد التي تفوح منها، وظن أن ذلك كله مرده للخوف وللضغط الذي عانى منه.
لكن ها هو في بيته، مرتاح البال لا يؤرقه شيئ غيرها، يأبى النوم أن يزور عيناه ولم يجد لذة في الطعام دون مشاركتها.
لقد أدرك أنها لم تعد مجرد زوجة، ليس أما لأطفاله أو أميرة أخذها لمصلحة شخصية، كان يكفي أن يرى وجهها ليستعيد عقله صفاءه، كان يكفي أن يمسك يديها ويضغط ذقنه على كتفها لتتلاشى همومه وتسقط عن كتفيه، ولكن كيف يختفي ما يعانيه الآن أن كانت هي همه؟
في صبيحة اليوم الثامن كان قد حسم أمره، استيقظ فجرا ارتدى رداءه الأسود وأخرج حصانه من الاصطبل، وانطلق به قبل حتى أن تشرق الشمس ولديه هدف محدد أقسم ألا يح عنه ولا يعود إلا به.
.....
رأيكم؟
rana rachade